رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل الحادي عشر11 بقلم اريا السوهاجية


رواية عمر وزوجته الرابعه الفصل الحادي عشر11 بقلم اريا السوهاجية


لم تكد دقات قلب "شهد" تستقر بعد نظرة "عمر" الدافئة واعتذاره الرجولي الذي أذاب كبرياءها في الحديقة، حتى انشق سكون الليل بـ دويّ رصاصات متتالية، مرعبة، هزت أركان قصر آل المنشاوي بالكامل. ارتجفت الأرض تحت أقدامهم، وتصاعدت صرخات الحراس من الخارج وهي تختلط بـ صوت فحيح النيران التي بدأت تلتهم مخازن قطن المنشاوي الكبرى في الجانب الغربي من الساحة.

في ثانية واحدة، تبدلت ملامح عمر الدافئة إلى قناع من الغضب الصعيدي الجاد والمميت. جهر بـ صوت زلزل المكان، وسحب سلاحه الناري اللامع من جلبابه بـ خفة وحسم، وجذب شهد بـ قبضته القوية ليجعلها خلف ظهره تماماً، محامياً إياها بـ جسده الضخم الضواري، وصاح بفحيح مرعب:

* "شهدد!! ادخلي جوة القصر حالا واقفلِ الترباس عليكي وعلى أبوي الحاج كمال! طارق الهواري جنونه عماه، وجمامجم رجاله هتنبت في الطين الليلة دي لو لمسوا شبر واحد من أرضي!"

وقبل أن تنطق شهد بكلمة من فرط الرعب، كان عمر قد اندفع كـ الفهد الجريح نحو البوابة الرئيسية، حيث كانت النيران تتصاعد لـ تعانق سماء الليل باللون الأحمر الدامي. كانت مخازن المنشاوي، التي تحتوي على شقى السنين وصفقات المعمار الكبرى، تحترق، ورجال طارق الهواري ملثمون ويطلقون النار بـ عشوائية لـ إرهاب الجميع.

ركضت شهد بـ أنفاس متقطعة إلى داخل البهو، لتجد "الحاج كمال" يستند على عصاه بـ يد ترتعش من فرط الغضب وهو يصيح: "الأسلحة يا رجالة!! دافعوا عن حريمكم وأرضكم! طارق الهواري عايز يكسر هيبتنا في البلد!"

خارج القصر، كان عمر يقف وسط طلقات الرصاص كأنه جبل لا يهتز. أطلق النار بـ مهارة فائقة أصابت ذراع القناص الأول لطارق، وتقدم بـ خطوات ثابتة وصوت جهوري يملأ المكان هيبة:

* "طااااارق الهواريييي!! اظهر واجف قبالي لو عاد فيك ريحة الرجالة! الحرق والضرب من ورا الستار ده شغل حريم، وعمر المنشاوي واقف لك بـ طوله عريان الصدر!"

ومن بين ألسنة اللهب والدخان الأسود الكثيف، ظهر "طارق الهواري" بـ بدلته الفخمة التي تلوثت بـ غبار المعركة، وضحكته المستفزة الخبيثة تصدح بـ تشفٍ وهو يحمل سلاحه الآلي ويحيطه عشرة من رجاله المسلحين:

* "وهي فين هيبتك دي يا عمر بيه بعد ما مخازنك بقت رماد؟! أنا جيت أخد حقي.. الأوراق اللي في الصندوق الخشبي دي ملكي أنا، والتنازل عن أرض المعمار هيمضي عليه الحاج كمال بـ الرضا أو بـ الدم الليلة دي! القصر محاصر، وناسك ملهومش جومة!"

وفي تلك اللحظة القاتلة، بينما كان طارق يوجه سلاحه مباشرة نحو صدر عمر، حدث ما لم يتوقعه أحد.. انفتح باب القصر بـ قوة، وخرجت "شهد" بـ خطى ثابتة، شامخة، وعيناها تشعان بـ قسوة لم يرها عمر فيها من قبل. لم تكن خائفة أو باكية، بل كانت تحمل في يدها الصندوق الخشبي القديم الخاص بوالدها الراحل صالح المنشاوي، ورفعت رأسها بـ ندية زلزلت ثقة طارق ورجاله، وصاحت بصوت رخامي قوي هز أركان الساحة:

* "نزّل سلاحك يا طارق يا هواري!! الأوراق اللي أنت بتموت عليها وعايز تحرق البلد عشانها معايا أنا هنا في الصندوق! وأبويا صالح المنشاوي مات شريف، وعقود ملكية نص القصر والشركة مكتوبة بـ اسمي أنا.. يعني طلاق يسرا بالثلاثة قفل باب خيانتك جوة البيت، ولو عاد فاكر إنك هتهدد عمر بيا، فـ أنا مرته، ودمي صعيدي ومبيعرفش الخوف واصل!"

التفت عمر نحو شهد بـ صدمة وذهول، واشتعلت في عيناه نظرة فخر وعشق جنوني لـ هذه المرأة التي تضع حياتها على المحف لـ تحميه وتدافع عن شرفه وأرضه. صاح عمر بـ غيرة وخوف عليها: "ادخلي جوة يا شهدد!! الدم هيغطيكي!"

لكن طارق الهواري هبط بـ نظراته الجائعة نحو الصندوق وصاح بـ مكر: "ارمي الصندوق يا بنت صالح وتعالي معايا، وأنا هعملك ملكة البلد دي كلها!"

وفي أجزاء من الثانية.. وقبل أن يتحرك رجال طارق، انطلق دويّ سيرينات شرطة الصعيد المرعبة وهي تحاصر الفيلا والمخازن من كل اتجاه، لتتحول الساحة إلى فوضى عارمة. تبين أن عمر، بـ ذكائه الثعلبي، كان قد أبلغ قوات الأمن وبـ التنسيق مع المحاضر القديمة فور معرفته بـ خيانة يسرا!

حاول طارق الهروب وسط الدخان وهو يطلق النار بـ عشوائية، لكن عمر هجم عليه كـ الأسد الكاسر، ووجّه له لكمة عنيفة على وجهه طرحته أرضاً والدماء تسيل منه، وقبض على عنقه بـ يد واحدة رفعت طارق عن الأرض وصاح عمر بـ فحيح أرعب حيتان الصعيد:

* "اللعبة انتهت يا طارق.. ومخازن القطن اللي حرقتها هتبني بدالها قصر لـ شهد بـ فلوسك وأملاكك اللي هصادرها بـ القانون وقوة السلاح! خدووووه!"

ألقت الشرطة القبض على طارق الهواري ورجاله بـ ذل وقهر، وانطفأت النيران ببطء لـ تترك الساحة سوداء، لكن قصر آل المنشاوي كان يضيء بـ شرف وعزة جديدة.

تنفست شهد الصعداء، وسقط الصندوق الخشبي من يدها بـ تعب، وكادت أن تسقط أرضاً من فرط الإرهاق.. لكن في ثانية واحدة، كانت ذراعا عمر القويتان قد التفتت حول خصرها، وجذبها إلى صدره العريض بـ حنان جارف وشغف لم تدق له القلوب من قبل.

أمسك عمر وجهها بـ يديه المرتعشتين بـ خوف حقيقي عليها، ونظر في عينيها بـ دفيء ورجولة هزت كيانها، وهمس وعيناه تلمعان بـ الدموع لأول مرة في حياته:

* "أنتِ إيه اللي عملتيه ده يا بنت صالح؟! كنتِ هتموتي وتسيبي قلبي يتقطع عليكي؟! أنا عشت عمري كله فاكر إني الكبير ومحدش يقدر يحميني.. بس الليلة دي، أنتِ حميتي هيبتي وروحي يا شهد. الساحة فضيت بجد، ومبقاش في حياتي ولا في قلبي زوجة، ولا ملكة، ولا دقة قلب.. غيرك أنتِ وبس."

نظرت شهد في عينيه بـ عزة وحب، وابتسمت بـ رقة لأول مرة وهي تضع يدها الصغيرة على صدره الواسع وقالت بصوت دافئ:

* "بنت المنشاوي مابتسيبش جوزها في وسط النار يا عمر بيه.. وأنا من الليلة دي، مش الزوجة الرابعة.. أنا مرتك وحبيبتك اللي هتفضل واجفة جمبك العمر كله."

انحنى عمر وبـ بطء شديد طبع قبلة حارة دافئة على جبينها أمام القصر المحترق، معلناً بداية عهد جديد لـ "شهد وعمر" في قصر طاهر وخالٍ من الأفاعي.


  
تعليقات



<>