رواية نبضات الصخر الفصل الخامس عشر15والسادس عشر16 بقلم هاجر سلامة
مر شهران كاملان على ذلك اليوم العاصف الذي انكسرت فيه الروابط وتشتتت فيه القلوب. تبدلت فصول السنة، ومعها تبدلت أحوال نايا التي دخلت الآن في شهرها التاسع والأخير من الحمل.
اصبحت بطنها بارزة ومثقلة، تذكرها في كل لحظة بالمعجزة القابعة بين أحشائها. لم تعد غرف الجناح الملكي في قصر السيوفي كما كانت؛ فقد خيم عليها صمت مهيب، صمت يقطعه فقط أنين نايا الخافت جراء ثقل الحمل وآلام الرحم التي عادت لتطل برأسها مع اقتراب موعد الولادة الحاسم.
كانت نايا تقف خلف الستار الزجاجي لشرفتها، تتأمل خيوط الفجر الأولى.
لم تعد تلك الفتاة الضعيفة المكسورة، بل استعادت كبرياءها وصارت ملامحها لوحة من القوة الصامتة التي تخفي خلفها بحراً من الشوق والوجع. لم تغفر لمعاذ، ولم تنسَ طعنته، لكن قلبها كان يرفض نزع صورته من مخيلتها. تنفست بعمق وقالت وهي تمسح على بطنها المنتفخة: "خلاص يا حبيبي.. هانت. كام يوم وتطلع للدنيا، وهتكون أنت كل دنيتي.. مش محتاجين حد معانا، إحنا أقوى لوحدنا."
وفي نفس اللحظة، وعلى بعد أمتار قليلة خارج أسوار القصر العالية، كان معاذ يقف مستنداً إلى سيارته البسيطة.
لم يغادر محيط القصر طوال الشهرين الماضيين؛ تحول إلى ما يشبه الحارس غير المرئي.
كان ينام في سيارته، ويراقب نافذتها بالثانية، ويحميها في السر من أي خطر قد يقترب. لم يبالِ ببرودة الطقس، ولا بنظرات حراس الأمن الأشداء التابعين لـ "سليم" والذين كانوا يراقبونه بحذر دون أن يقتربوا منه، تنفيذاً لأوامر "شاكر بيه" الذي رآه يذوب ندماً وعشقاً تحت الأسوار ولم يرد طرده بالقوة طالما لا يتعدى حدوده.كان معاذ يتحدث مع نفسه وعيناه معلقتان بضوء غرفتها الخافت: "أنا عارف إن جرحك كبير يا نايا.. وعارف إن كلامي كان زي السم في قلبك. أنا مش طالب منك تسامحيني دلوقتي.. أنا بس عايز أطمن إنك هتقومي بالسلامة، وإن ابني هيتولد ونفسي يكون في المكان اللي يجمعه بيا.. مش همشي من هنا يا ملكتي حتى لو قضيت باقي عمري في الشارع."
تحركت ملامحه لتظهر ملامح الإرهاق الشديد؛ فقد فقد الكثير من وزنه، واكتست ملامحه بجدية صارمة ونضج ولد من رحم المعاناة والندم الحقيقي.
في صباح اليوم التالي، قرر شاكر بيه اصطحاب نايا إلى الشركة لعدة ساعات؛ ليس للعمل، بل لتغيير الأجواء النفسية التي ساءت بسبب حبسها الاختياري داخل الجناح.
ركبت نايا السيارة بجانب والدها، وتحركت الحراسة المشددة حولهما.
ومن بعيد، دار محرك سيارة معاذ ليتتبعهم بحذر، يحرس موكب ملكته من خلف جدران المسافات المفروضة عليه.وصلوا إلى مقر الشركة الكبرى.
كانت نايا تسير بخطوات ثقيلة ومثقلة بفعل الشهر التاسع، ويد والدها تدعمها بحنان.
وأثناء مرورهما برواق المكاتب الرئيسي، ظهر فجأة "مازن" ابن ميرفت.
كان قد خرج بكفالة مؤقتة على ذمة القضية بفضل تلاعب محاميه، وكان يملأ قلبه غل أعمى ورغبة في الانتقام وتدمير عائلة السيوفي بعد سجن والدته وضياع الميراث بالكامل.
وقف مازن أمام نايا وشاكر بيه في الممر، وظهرت على وجهه ابتسامة شيطانية ومسمومة وتحدث بصوت عالٍ حاقد: "أهلاً يا هانم.. أهلاً يا شاكر بيه. منورين الشركة اللي طردتونا منها. فاكرين إنكم كسبتوا؟ فاكرة إن الواد اللي في بطنك ده هيعيش وياخد كل حاجة؟ أمي بتموت في السجن بسببكم، وأنا مش هسيبكم تتهنوا ثانية واحدة!"
صاح شاكر بيه بغضب عارم وجسمه يرتجف : "ابتعد من هنا يا مازن! اخرج فوراً قبل أن أطلب الأمن ليرميك في السجن مجدداً بجانب والدتك الخائنة!"
لم يستمع مازن للتحذير، بل اندفع بجنون وأعمته الرغبة في الانتقام نحو نايا، ورفع يده محاولاً دفعها بقوة لإسقاطها أرضاً والتسبب في إجهاضها وإنهاء الحمل الحاسم.
صرخت نايا برعب وأمسكت ببطنها، وتجمد شاكر بيه في مكانه بقلة حيلة لكبر سنه وعدم قدرته على صد الاندفاعة السريعة.
ولكن قبل أن تلمس يد مازن جسد نايا بأجزاء من الثانية، حدث ما لم يتوقعه أحد.
انشق الرواق عن جسد قوي اندفع كالفهد الكاسر؛ إنه معاذ الذي كان يراقبهم من بوابة الطابق ودخل فور شعوره بالخطر.
التقط معاذ يد مازن في الهواء بقوة حديدية كادت تقتلع عظام معصمه، وكال له لكمة مرعبة على وجهه طيرته في الهواء ليرتطم بالجدار الزجاجي ويسقط أرضاً يتفصد دماً وغائباً عن الوعي بالكامل.وقف معاذ بجسده الصلب كالجدار العازل أمام نايا، وعيناه تشعان بنيران حمراء وقاتلة، وصاح بصوت جهوري مرعب زلزل أركان الشركة : "أنا قولت قبل كدة.. اللي هيقرب من نايا أو يمس ابني بشعرة، هنهي حياته من على وش الأرض! خذوا الكلب ده وسلموه للشرطة حالا بتهمة الشروع في القتل والاعتداء!"
ركض رجال الأمن المعينين من "سليم" وقيدوا مازن الذي كان يئن ألما، وتم سحبه خارج الشركة تماماً.التفت معاذ بسرعة نحو نايا، وتلاقت عيونهما في لحظة تجمد فيها الزمن؛ رأى في عينيها الرعب والذهول، ورأت في عينيه لهفة العشق والخوف الحقيقي على حياتها وحياة طفلهم.
تخلى معاذ عن كل كبريائه، وانحنى أمامها وجلس على ركبتيه تحت أقدامها أمام جميع الموظفين ووالدها، وأمسك بطرف فستانها وتحدث بصوت متهدج بدموع الندم الصادق : "نايا.. أنا أسف. أنا مستعد أندفن هنا تحت رجليكي بس تكوني بخير أنتِ وابننا.. أنا مش عايز فلوس ولا شركة ولا ميراث، أنا عايزك أنتِ.. أنتِ روحي اللي من غيرها بموت كل ثانية."
نظرت إليه نايا، وشعرت بجدار قسوتها يتشقق أمام شهامته ورجولته التي أنقذتها للمرة الثانية، ودموع الندم التي غسلت كبرياءه بالكامل.
كادت أن تمد يدها لتلمس رأسه، ولكن فجأة.. انقبضت أسفل بطنها بقوة عنيفة لم تشهدها من قبل. شعرت بمياه دافئة تنزل بغزارة، وأطلقت صرخة ألم حادة دوت في المكان وأمسكت بكتف والدها وبطنه وهي تتنفس بصعوبة: "آه! معاذ.. بابا! الحقوني.. أنا بولد! الوجع بيموتني يا معاذ!"انخلع قلب معاذ وشاكر بيه من مكانهما؛ فالصدمة والتوتر من هجوم مازن عجلت بظهور آلام المخاض الحقيقي قبل أيام من موعدها.
تلاشت المسافات في ثانية واحدة؛ ولم ينتظر معاذ أمراً من أحد، بل انحنى وحمل نايا بين ذراعيه بقوة وثبات، وضمها إلى صدره وركض بها نحو المصعد وهو يصيح بوالدها: "يا شاكر بيه! اطلب المستشفى حالا وخليهم يجهزوا غرفة العمليات! نايا بتولد.. والمعركة الأخيرة بدأت دلوقتي!"احتضنت نايا عنق معاذ بقوة وسط آلامها، وشعرت بدفء صدره الذي اشتاقت إليه طوال شهرين، وأدركت أن رحلة التيه قد انتهت، وأن باب غرفة العمليات في الحلقة العشرين القادمة سيكون هو المشهد الحاسم لولادة المعجزة ونزول وريثهما الغالي إلى الدنيا
نبضات الصخر
الكاتبة هاجر سلامة
اخترقت سيارة معاذ شوارع القاهرة بسرعة جنونية، وخلفها سيارات الحراسة التابعة لشاكر بيه، يفسحون الطريق أمام جسد نايا المنهك الذي كان يستلقي في المقعد الخلفي، ورأسها ممدد على فخذ معاذ.
كانت أنفاس نايا متسارعة، وتطلق بين الحين والآخر أنات ألم حادة تمزق نياط قلب معاذ الذي كان يمسك يدها بقوة ويقبلها بدموع وعشق جارف : "استحملي يا حبيبتي.. خلاص وصلنا المستشفى. الدكتور مستنينا.. اتمسكي بيا يا نايا، متسيبنيش للضياع تاني."
فتحت نايا عينيها ببطء، ونظرت إلى وجهه الباكي المليء بالخوف الصادق عليها وعلى طفلها.
رغم الألم الشديد الذي كان يعتصر أحشاءها، ورغم الجرح القديم في كرامتها، إلا أن لمسة يده الدافئة وخوفه عليها في هذه اللحظة الحاسمة جعلها تشعر بنوع من السلام المفتقد. ضغطت على يده بوهن وقالت بصوت خافت: "معاذ.. ابني في خطر؟ أنا خايفة الرحم المريض بتاعي ما يستحملش الوجع ده."
انحنى وقبل جبينها بحنان جارف وتحدث بصوت حاسم: "ابننا بطل وهيطلع للدنيا يا نايا، ورحمك قوي بوجودك وبحبنا.. أنا جمبك ومش هسيبك ثانية واحدة."
وصل الموكب إلى المستشفى الخاص، وكان الفريق الطبي بقيادة طبيبها الخاص بانتظارهم عند البوابة الخارجية بنقالة طبية طارئة.
حمل معاذ نايا برفق ووضعها على النقالة، وتم الركض بها فوراً نحو غرفة العناية المركزة المخصصة لأمراض النساء والتوليد.
أغلق الباب الزجاجي الكبير في وجه معاذ وشاكر بيه، لتضاء لوحة "ممنوع الدخول" باللون الأحمر المرعب.
ساد الصمت والوجوم الممر الطويل الفسيح المعقم.
كان الجو يصف دقة الموقف وحبس الأنفاس؛ فالأطباء بالداخل يصارعون الزمن لتهدئة انقباضات الرحم المبكرة، بينما وقف الرجلان بالخارج يعيشان أطول دقائق حياتهما ترقباً وخوفاً من فاجعة قد تنهي كل شيء.
بعد مرور ساعة كاملة بدت كعام، خرج الطبيب وهو يخلع كمامته الطبية ووجهه يكسوه الإرهاق والجدية الشديدة.
ركض معاذ وشاكر بيه نحوه بلهفة بالغة.تحدث معاذ بنبرة مرتعشة: "طمنا يا دكتور.. نايا عاملة إيه؟ والبيبي بخير؟"
تنحنح الطبيب وتحدث بحترام : "مدام نايا تخطت مرحلة الخطر المباشر، لكن الصدمة العصبية والجسدية رحمها كما تعلمون كان يعاني من تليف قديم، والضغط الحالي كبير جداً."
ثم التفت إليهما : "لقد قمنا بإعطائها محاليل مهدئة ومثبطات للطلق لمنع الولادة الفورية الآن. الجنين لم يكتمل نموه بشكل مريح بعد في الشهر التاسع، ويجب أن تظل مدام نايا تحت الرقابة الطبية الصارمة والمشحونة بالمحاليل لمدة أربعة أو خمسة أيام هنا في المستشفى حتى يستقر الرحم تماماً ونصل للحظة الولادة الآمنة في الوقت المناسب.. أي حركة أو توتر جديد قد يودي بحياة الجنين والرحم معاً."
تنهد شاكر بيه بارتياح : "الحمد لله يا رب.. الحمد لله إنها جت على قد كدة. شكراً يا دكتور، إحنا ملتزثمين بكل كلمة."
غادر الطبيب، وتوجه شاكر بيه نحو المقاعد الجلدية في الممر وجلس بتعب شديد يظهر عليه كبر سنه وثقل الأحداث.
التفت ليرى معاذ يقف بجانب الباب الزجاجي للغرفة، ينظر من خلال النافذة الصغيرة إلى نايا المستلقية على السرير والمنفذ في يدها خراطيم المحاليل الطبية. كان معاذ يبدو كصنم رخامي، يرفض التحرك، ويرفض الجلوس، وعيناه مثبتتان عليها بعشق وندم لا ينتهي.مشى شاكر بيه نحو معاذ، ووقف بجانبه وتأمل وجهه الشاحب والمجهد جراء مكوثه في الشارع طوال شهرين، وتحدث بنبرة هادئة خلت لأول مرة من الغضب: "اقعد ارتاح يا معاذ يا ابني.. أنت بقالك شهرين عايش في الشارع وعيونك منامتش، والنهاردة لولا تدخلك السريع كان زمان بنتي وحفيدي ضاعوا مني.. أنا مدين لك بحياتهم."
التفت معاذ إلى شاكر بيه، ونظر في عينيه بصدق ورجولة انحنت لها الهامات، وتحدث بصوت متهدج: "أنا مش عايزك تكون مدين ليا بحاجة يا عمي.. أنا اللي مدين ل نايا بحياتي وعمري كله. أنا عارف إني غلطت في حقها غلطة العمر وصدقت الأفاعي.. بس وحياة غلاوة نايا عندك، أنا عشت الشهرين اللي فاتوا في جحيم حقيقي.. أنا مستعد أفضل واقف هنا قدام الباب ده أربعة أيام، خمس أيام، شهور.. مش هتحرك من مكاني ولا هسيبها غير لما تخرج على رجليها وشايلة ابننا بالسلامة، وساعتها لو هي مش عايزة تشوف وشي تاني.. أنا هسيب القصر والشركة وهمشي وأنا مطمن إنها بخير."
تأمل شاكر بيه كلمات معاذ وثباته، وشعر بنبض الصدق والندم الحقيقي الذي يغسل كل خطايا التسرع الماضي. أدرك الأب أن هذا الشاب البسيط المحترم لم يعد يهمه مال أو شركة، بل أصبح يعشق ابنته لدرجة الموت والذوبان.
وضع شاكر بيه يده على كتف معاذ وضغط عليها بقوة وتحدث بابتسامة حنونة: "أنا سامحتك يا معاذ.. وأنا متأكد إن نايا كمان قلبها هيلين لما تشوف صدقك وخوفك ده.. ادخل لها يا ابني، هي محتاجة وجودك جمبها دلوقتي أكتر من أي وقت تاني، الحالة النفسية هي نص العلاج زي ما الدكتور قال زمان."
اتسعت عينا معاذ بفرحة لم يصدقها، وشكر الأب بقبلة على رأسه باحترام شديد.
فتح باب الغرفة ببطء شديد وتسلل بالداخل كمن يدخل محراباً مقدساً. كانت الغرفة هادئة جداً، وصوت الأجهزة الطبية يضبط نبضات المكان بريتم منتظم.
اقترب معاذ من السرير، وجلس على مقعد خشبي صغير بجانبها. كانت نايا نائمة بفعل المهدئات، لكن ملامحها كانت تحمل بقايا التعب والشحوب.
امتدت يد معاذ برقة فائقة لتلتقط يدها الباردة المحقونة بالمحاليل، ووضعها بين كفيه الدافئين وقربها من فمه وظل يقبلها بدموع صامتة تنهمر على وجنتيه.همس معاذ بصوت مخنوق مليء بالعشق الحزين: "نايا.. حبيبتي وروحي.. أنا جمبك هنا ومش همشي خالص. أنا أسف على كل ثانية بعدت فيها عنك، وأسف على كل كلمة جرحتك بيها.. ابننا هيكبر وهيعرف إن أبوه كان غبي بس أمه كانت ملكة عظيمة حمت بيتنا.. قومي بالسلامة يا نايا، قومي وعاقبيني واطرديني بس بلاش النظرة المكسورة اللي شفتها في عينيكي دي.. أنا بحبك أوي."
في تلك اللحظة، تحركت جفون نايا ببطء، وفتحت عينيها لتجد وجه معاذ قريباً منها، ودموعه تبلل يدها.
نظرت إليه بصمت طويل؛ لم تتحدث، ولم تسحب يدها من بين كفيه، بل اكتفت بالنظر في أعماق عينيه المليئتين بالندم والصدق الصافي.
رأت فيه رجلها ودرعها الذي تلقى الطعنة عنها وحماها من بطش مازن.
تنهدت برقة، وظهرت على شفتيها شبه ابتسامة خفيفة، وضغطت بأصابعها الضعيفة على يده بوهن، معلنة بداية ذوبان جدار القسوة وبداية الصلح التدريجي تحت ظلال أنفاس المستشفى المعلقة، بانتظار مرور الأيام الأربعة الحاسمة لتشهد الحلقة العشرين ولادة المعجزة المنتظرة.
