رواية قلب الجبل الفصل السادس عشر16 والاخيربقلم فاديه النجار
ط
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين.
---
في قصر الجبالي – بعد مرور أسبوعين
الزمن في الصعيد بيمشي ببطء، بس الأيام الأخيرة في القصر كانت بتمر زي المية العذبة اللي بتبل الأرض العطشانة. بعد ما اتقفلت سيرة "مايسا" للأبد وعقلها طار، انزاح جبل من الهم كان كاتم على نفس الكل. القصر رجعتله هيبته الأولى، والهدوء اللي جواه مبقاش هدوء خوف، بقا هدوء سكينة ورضا.
"قلب" كانت قاعدة في الجناح، الجو العصر كان مغيم بنسمة صيفية دافية بتطير ستاير البلكونة الشيفون البيضاء. كانت لابسة عباية بيتي ناعمة من الحرير الكشميري بلون السماء الصافية، وسائبة شعرها الأصفر طويل على ضهرها. ملامحها رجعت تورد، والخضة اللي كانت مخلية عينيها دبلانة اختفت، وحل مكانها بريق هادي وناعم.
كانت ماسكة كتاب رواية قديم بتقرأ فيه، بس عينيها مكنتش مع السطور؛ عينيها كانت مع حركة "جبل" اللي كان واقف في أرض الجنينة تحت، لابس جلبابه الصعيدي الأبيض وضهر العباية السبرتاية الغامقة على كتفه، وبيشرف بنفسه على خيل القصر وهو بيكلم عاصم ويوصيه على زرع بحري.
قلب ابتسمت بعفوية وهي بتبص على هيبته وطوله، وحست إن "جبل" ده مكنش مجرد اسم، هو فعلاً كان الجبل اللي حماها من الريح.
---
داخل الجناح
دخل جبل الجناح بعد ما الشمس غابت ورمت ضلها الأحمر على الحيطان. كان باين عليه إرهاق الشغل في الأرض، بس أول ما فتح الباب وعينه جت على "قلب" اللي وقفت تبتسم له، ملامحه لانت، والحدة اللي في عيونه دابت في ثانية.
قلب قربت منه بخطوات هادية، وأخدت العباية من على كتفه علقتها، وقالت بصوت دافي وناعم: "الله يعينك يا حبيبي.. مشوار الأرض النهاردة أخد منك وقت طويل، شكل التعب باين في عينيك."
جبل قعد على الكرسي الهزاز الكينج، وأسند راسه لورا وتنهد تنهيدة حارة طلعت من جوة ضلوعه: "الزرع الجديد واخد اليد والبال يا قلب، وعاصم لساته في أول الطريق ومحتاج عيني وراه في كل خطوة. بس تعب الأرض بيزول أول ما بركب درجات السلم وأعرف إني داخل جناحي وإنتي فيه."
قلب قعدت على طرف مسند الكرسي جنبه، ولمست جبينه بأطراف صوابعها الرقيقة، وبدأت تمسح على شعره الأسود التقيل بحنان: "سلامتك من التعب يا جبل الجبالي.. تحب أطلب من فرح تحضرلك العشا هنا ولا هتنزل المندرة؟"
جبل مسك إيدها اللي على راسه، وسحبها براحة لحد ما لثم باطن كفها بنَفَس طويل، وبص في عينيها الزرقا بنظرة مليانة شجن وحب رصين: "لا مندرة ولا ناس الليلة دي يا قلب.. أنا عايز آكل لقمة واصل معاكي، ونقعد نتحدث. إحنا من يوم الليلة الوعرة ديك مأخدناش الحديث اللي يبل الريق."
قلب حست بقلبها بيدق بدقات دافية، ومالت عليه وسندت راسها على صدره العريض: "أنا بحب كلامك قوي يا جبل.. بحس إن كلام الصعيد منك بيبقى زي الشعر. زمان كنت بخاف من حسمك وصوتك العالي، بس دلوقتي بقيت أدور على صوتك عشان أحس إني في أمان."
جبل ضمها لضلوعه بقوة، ويده الكبيرة الخشنة كانت بتمسح على ضهرها الرقيق بحرص كأنه خايف يوجعها: "الخوف ملوش مكان بيننا عاد يا بنيتي. أنا صحيح راجل ناشف، تربية جبل وشمس مابتجملش الكلام، بس ورب العزة، ما سكنت جوة الجوف حرمة ولا هزت كياني واصل غيرك. إنتي جيتي من مصر برقتك، دَوبتي صخر الجبالي."
---
في حديقة القصر
على طاولة العشا الكبيرة في الحديقة تحت نور الفوانيس الهادي، كانت العيلة كلها متجمعة. الحاجة مهرة في صدر المكان، وجبل وقلب جنب بعض، وعمر وفرح وعاصم والبنات الصغيرين.
الحاجة مهرة بصت لـ قلب وابتسمت براحة: "شايفاكي الصِبا يا قلب وشك ردت فيه الروح، وعيونك بقت تضحك عاد كيف الأول."
فرح بضحكة طيبة: "ده من رعاية جبل ليها يا خالة.. جبل مبيخليش الحكيم يقطع رجله من الدار، وكل يوم يوصيني أعملها الوكل الدافئ بيدي."
عاصم اتكلم بوقار وهو بيبص لعمه جبل: "وعمو جبل سلمني النهاردة دفاتر أراضي بحري كلها يا جدتي، وقولتله إني هكون عند حسن ظنه، والخير السنة دي هيبقى مضاعف بإذن الله عشان وش 'قلب' السمح دخل الدار دي بالبركة."
قلب وشها احمر من الكسوف وبصت في الأرض، فـ جبل ابتسم بفخر وحط يده فوق يدها تحت الطاولة، وضغط عليها ضغطة خفيفة ودافية كأنه بيقولها "إنتي ست الدار ومقامك فوق الراس".
---
في الجناح (ليلًا – ذروة مشاعر الأمان والعشق)
بعد ما العشا خلص والكل دخل أوضته، رجع جبل وقلب لجناحهم. الدنيا كانت سكون تام، ومفيش غير صوت صرصار الليل البعيد في المزارع ونسمة الهوا اللي بتهز ورق الشجر.
قلب كانت واقفة في البلكونة بتبص على النجوم، جبل جيه من وراها وحاوط وسطها بـ إيديه، ودفن وشه في شعرها الأصفر اللي كانت ريحته مكسية بـ مسك مية الورد: "بتفكري في إيه يا قلب الجبل؟"
لفت قلب في حضنه وبقت محاوطة رقبته بـ إيديها، وبصت في عيونه بعمق: "بفكر في المكتوب يا جبل.. لو حد كان قالي من سنة إني هعيش في الصعيد، وهحب راجل صعيدي بكل قلبي، مكنتش هصدقه. أنا بجد بقيت بحبك قوي يا جبل.. بحب رجولتك وخوفك عليا، وبحب عيشتك بالرغم من كل قسوتها."
جبل عيونه لمعت بـ عشق حقيقي واكتسحت ملامحه الصارمة ابتسامة دافية تذوب القلوب، شالها براحة بين إيديه كأنها أغلى جوهرة يملكها في الدنيا، ومشي بيها للداخل وهو بيقول بنبرة رخامية مليانة عهد ووعد: "والمكتوب يا قلب الجبل إني أصونك برموش عيني، وإن الدار دي متشوفش حزن واصل طول ما أنا فوق الأرض. إنتي بقيتي العهد والنصيب، والي جاي كله عشق وبس."
---
ومع قفل باب الجناح، انطوت صفحات الخوف والدم تماماً، وبدأت خيوط قصة حب نقية، اتولدت في حضن الجبل، واستوت على نار الأصول والواقعية الصادق
---
في قصر الجبالي – بعد مرور شهرين
مرت الأيام والشهور، والسكينة بقت هي العنوان الأساسي لكل ركن في القصر. الأراضي طرحت خيرها، وعاصم أثبت وجوده وبقى يرجع المندرة ويده في يد عمه جبل وعمر، والبلد كلها بقت تتحدث بـ سيرة الأمان والعدل اللي رجع لدار الجبالي بعد انقشاع غمر الأفاعي.
في صباح يوم دافئ، كان القصر هادي، بس في جناح جبل، كانت الحركة مختلفة. "قلب" كانت قاعدة على السرير، ووشها كان فيه صفرة خفيفة بس عينيها كانت بتلمع بدموع الفرحة والخوف من التجربة الجديدة. "فرح" كانت قاعدة جنبها وماسكة يدها، و"الحكيمة" (طبيبة البندر) كانت بتطمن عليها وبتقفل شنطتها بابتسامة بشوشة.
فرح بقلق وحنان: "طمنينا يا دكتورة.. البت بقالها كام يوم واكلها الوخم (الكسل) ومبتطقش ريحة الأكل واصل، والدوخة مش ملقياها (لا تتركها)."
الطبيبة ابتسمت وبصت لـ قلب: "مبروك يا ست فرح.. مفيش قلق واصل، ده الوحم الطبيعي بتاع أول الشهور. المدام قلب حامل في شهرها التاني، والجنين بخير ونبضه زي الفل، بس محتاجة راحة تامة ومقويات."
قلب حطت يدها على بطنها بعفوية، والدموع نزلت من عينيها؛ مكنتش دموع خوف المرة دي، كانت دموع إحساسها بـ إنها شالت حتة من جبل الجبالي جواها. فرح زغرطت زغروتة عالية قوية هزت جدران الجناح وطلعت لـ ساحة القصر برة من الفرحة.
---
في المندرة الكبيرة
كان جبل قاعد مع عمر وعاصم بيراجعوا حسابات المحصول، وفجأة سمعوا صوت الزغاريد جاية من السكن الجواني. جبل وقف على طول، وقلبه دق دقة غريبة، ملامحه الصارمة ظهر عليها القلق: "جرى إيه فوق؟ عاد صوت الزغاريد ده منين؟"
قبل ما حد ينطق، دخلت الحاجة مهرة وهيبتها سابقة خطوتها، والابتسامة مالية وشها السمح: "بشارتك يا جبل.. بشارتك يا ولد بطني! الدار عاد هيجيلها ولي العهد. 'قلب' حامل يا ولدي، والحكيمة لسه نازلة من عندها."
جبل سكت تماماً، الصدمة مع الفرحة لجمت لسانه. الراجل الصخر اللي مبيتهزش قدام المدافع، حَس إن رجليه مش شايلينه من كتر الفرحة. بص لأمه وعمر، وعاصم وقف وباس كتف عمه: "مبروك يا عمي.. يتربى في عزك يا كبيرنا."
عمر بضحكة رجولية دافية: "ألف مبروك يا خوي.. الجبل عاد هيخلف جبل صغير يكمل المسيرة."
جبل محَسش بنفسه غير وهو طالع السلم خطوتين في خطوة، قلبه بيسبق رجله لحد ما وصل لباب الجناح. فتح الباب لقى قلب قاعدة ولابسة عبايتها الناعمة، ودموعها لسه على رموشها.
قرب منها وعيونه لمعت بـ لمعة غريبة مظهرتش فيها واصل قبل كدة. نزل على ركبته قدامها ومسك إيديها الاثنين وباسهم بخشوع وحب ملوش آخر: "صحيح الحديت ده يا قلب؟ شلتِ في جوفك ولد لينا؟"
قلب هزت راسها وهي بتبكي ومالت عليه حطت راسها على كتفه: "آه يا جبل.. أنا حامل. شلت حتة منك جوايا.. أنا فرحانة وخايفة في نفس الوقت."
جبل شالها براحة وضمها لصدره العريض، وقعد جنبها على السرير وهو بيمسح دموعها بصوابعه الخشنة: "الخوف يموت وعاد ميرجعش واصل وإنتِ في حضني يا بنيتي. النهاردة الدار دي اتولدت من جديد. يا رب يا كريم يطعمنا الخلف الصالح، وتكوني دايماً نَور بيتي وقلبي."
---
بعد مرور سبعة أشهر
مرت شهور الحمل بسلام، وجبل مكنش بيخلي قلب تخطي خطوة واحدة برة الجناح إلا ويده سنداها. وفي ليلة شتوية دافية، وضعت قلب مولودها الأول.. ولد سمّوه "منصور" على اسم جد جبل الكبير، عشان يكمل سلالة الأحرار.
ساحة القصر كانت منورة بالفوانيس الكبيرة، والذبائح بتتوزع على كل فقراء النجوع، ودقات الطبول والمزمار الصعيدي شغالة في المندرة ترحيباً بـ سليل الجبالي.
في الجناح فوق، الأجواء كانت دافية ومليانة سكينة. الحاجة مهرة وفرح كانوا واقفين بيبصوا على الواد الصغير اللي نايم في سريره الخشبي المنقوش، والبنات ريم ورنا وحبيبة واقفين حواليه بـ فرحة.
جبل دخل الأوضة لقى قلب قاعدة على السرير، وشها منور بالرغم من تعب الولادة، ولابسة طرحة بيضاء ناعمة مديالها شكل الملايكة. قرب منها وقعد جنبها، ومال على السرير الصغير شال ابنه "منصور" براحة وباس جبهته، وبعدين وداه لـ حضن أمه.
قلب بصت لجبل وابتسمت بحب ممتد وعميق: "شبهك قوي يا جبل.. واخد نفس ملامحك الحادة وعيونك الواسعة."
جبل لف ذراعه حوالين كتافها وضمها هي وابنه لـ صدره، وبص من الشباك على الجبل البعيد المستقر في مكانه بقوة، وقال بنبرة رخامية دافية مليانة شموخ ورضا: "واخد ملامحي أنا.. بس هياخد قلبك الرقيق الصافي يا قلب الجبل. الملحمة خلصت، والشر انطوى كتاب عهده، والي جاي عاد ملوش اسم غير الأمان والعشق وبس."
سندت قلب راسها على صدره، وبصت لابنها ولجوزها وسندها، وحست إن الرحلة بالرغم من وعورتها، كانت تستاهل كل لحظة، لأنها في النهاية لقت "قلبها" جوة حضن الجبل.
تمت
