رواية ما لا يحكي الفصل السادس عشر16 يقلم دينا شعبان


رواية ما لا يحكي الفصل السادس عشر16 يقلم دينا شعبان

ـ بس أنا كفاية عليّا أوي أسمع الكلمة دي. بقولك إيه؟ أنا عيل ورجعت في كلامي.

وقف بسيارته أمام الشركة ينتظرها حتى تخرج، وأول ما رآها ابتسم تلقائيًا. اقتربت من السيارة، فتحت الباب وركبت في المقعد المجاور له. نظر إليها بتردد، غير قادر على منع نفسه من السؤال، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يُظهر لها مدى اهتمامه.

نظرت له سارة وقالت:
ـ ميرسي يا أحمد، هتعبك معايا.

ـ وإيه الجديد؟ ما إنتِ طول عمرك تعباني.
قالها أحمد ببرود.

اعتدلت في جلستها ونظرت له مباشرة:
ـ والله أنا اللي تعباك ولا أنت اللي مزهقني في حياتي؟ وعلى فكرة، أنا كنت هقدر أروح لوحدي عادي جدًا، أو كنت طلبت المساعدة من خالد، بس أنت اللي أصريت عليّا.

ضغط بيده بقوة على المقود، وشعر بغيرة شديدة بمجرد ما سمعها تنطق اسمه.

ـ معلش، لو كنت أعرف إن حبيب القلب هو اللي هيوصلك، أكيد ما كنتش قطعت عليكي اللحظة.
قال جملته بحدة.

نظرت له باستغراب من أسلوبه في الحديث:
ـ قصدك إيه بحبيب القلب؟

ظلت تنظر له وهي منتظرة أي رد، لكنه نظر من نافذة السيارة بهروب، وهو يشعر بنار مشتعلة في صدره.

قررت أن تكلمه هذه المرة بنبرة حادة:
ـ أحمد، قصدك إيه بالكلام اللي قلته ده؟ مش معنى إن إحنا أصحاب يبقى ده يديك الحق تغلط في أخلاقي بالطريقة دي وأنا أفضل ساكتة.

شعرت بغصة في قلبها من تجاهله لها ومن كلامه الذي وجع قلبها. عمرها ما تخيلت إنه شايفها بالشكل ده.
معقول شايفني وحشة للدرجة دي؟

لمعت عيناها بالدموع المحبوسة.

شعر أنه تمادى في الكلام معها وأنه أخطأ، وده مش من حقه. أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه قبل أن يدير وجهه إليها، ولاحظ دموعها المحبوسة في عينيها.

قال بندم:
ـ أنا آسف، مش قصدي أقول كده، صدقيني... بس بقالي فترة بشوفك واقفة معاه في الشركة، وافتكرت إن فيه مشاعر بينكم.

اتسعت عيناها بصدمة من كلامه:
ـ إيه؟ وهو عشان بتشوفني واقفة معاه أبقى مغرمة بيه مثلًا؟ أنت بجد غبي! يعني بذكائك الخارق، اتنين شغالين في نفس الشركة وفيه تبادل ملفات طول اليوم بينا، فطبيعي تشوفنا مع بعض.

برقت عيناه:
ـ غبي؟ أنا غبي؟

ـ وعبيط وأهبل كمان.
قالتها بتأكيد وهي تنظر له.

ـ طيب اسكتي بقى، مش عايز أسمع صوتك خالص لغاية ما أوصلك.

ـ مش هسكت، هتعمل إيه يعني؟ هتنزلني من عربيتك؟ آه قول كده عشان معاك عربية وأنا لأ، هتعاملني بالأسلوب ده! بس لا، ما اسمحلكش. بكرة هيبقى عندي عربية أحسن بمليون مرة من عربيتك يا حبيبي.

كانت تقصد أن تعصبه وتغيظه.

ـ بس بس... إنتِ إيه؟ راديو؟
ثم سكت لحظة وهو يستوعب كلمتها الأخيرة:
"حبيبي".

نظر لها وهو يحاول إخفاء ابتسامته:
ـ هو إنتِ قولتي إيه؟

نظرت أمامها بملل:
ـ مش فاكرة، أنا قلت كلام كتير أوي.

ـ قصدي على الكلمة الأخيرة خالص.

اتسعت عيناها لما فهمت قصده، وضغطت على شفتيها بتوتر وهمست لنفسها:
"عشان تبقي تتكلمي كتير بعد كده... هي كلمة وخلاص وأسكت. ده أنا فعلًا طلعت راديو."

فهم من تعبيرات وجهها أنها استوعبت الآن الكلمة التي قالتها.

ردت عليه بكذب:
ـ آخر كلمة في أي مقطع بالظبط؟ عشان أنت عارف إني بتكلم كتير، وساعات مش باخد بالي.

ـ يعني بتعترفي إنك بتتكلمي كتير أهو.

ـ أووووف! ممكن لو خلصت تحقيقك بخصوص الكلمة الأخيرة اللي مش فاكراها تروحني، ولا أطلب أوبر وأخلص؟

ـ بس أنا بقى فاكرها.
قالها وهو يراقب تعبيرات وجهها.

ـ هاا... فاكرها؟ طيب يلا بقى نتحرك عشان ما نتأخرش.

ـ مش لما تسمعيها الأول.
قالها بخبث.

ـ هي إيه دي؟

كانت تفرك أصابعها بتوتر.

ـ "بحبك".

ـ هاا؟
قالتها ببراءة وهي تنظر له، ومتنحة غير قادرة على تصديق ما سمعت.

ثم أفاقت على نفسها وهي تقول باندفاع:
ـ بس أنا قلت حبيبي، مش بحبك...

استوووب!

سيطر الصمت على المكان.

لعنت تسرعها للمرة التي لا تتذكر عددها.

ـ يعني كنتِ فاكرة أهو، وعاملة نفسك عبيطة... أممم.
قال آخر كلماته وهو يقصد اللعب بأعصابها.

خفضت رأسها بخجل شديد، وشعرت بنبضات قلبها ترتفع فجأة.

ـ خلينا نمشي عشان ما نتأخرش أكتر من كده لو سمحت.

ابتسم بحب على خجلها الذي يراه لأول مرة، وشعر أن هناك أشياء كثيرة أمامه طوال الوقت، لكنه لم يكن يراها.

مسك يدها بحنان وهو يقول:
ـ سارة... إنتِ بتحبيني؟

كانت غير قادرة على التقاط أنفاسها من شدة التوتر. شعر برعشة قوية في يدها، وتأكّد أن كلامه صحيح، وأنها فعلًا تحبه. مجرد التفكير في ذلك جعله سعيدًا.

ابتسم فجأة:
ـ إنتِ متوترة كده ليه؟ معقول طلعتي بتتكسفي زي البنات؟

قالها ضاحكًا ليخفف توترها.

سحبت يدها ورفعت رأسها، ونظرت له وضيقت عينيها كالأطفال وهي تقول:

ـ مش عارفة جايب منين خفة الدم دي، المفروض يعني كده أضحك؟

ـ أممم، أنا عارف إن طول عمري دمي خفيف، بس ماكنتش أعرف إن فيه حد بيحبني أوي كده.

ابتسمت بخجل:
ـ ممكن بقى نتحرك عشان اتأخرت أوي يعني.

ـ تؤ تؤ، مش هتحرك غير لما تعترفي الأول.

ـ يوووه، أعترف بإيه؟ هو أنا واقفة في محكمة؟

ـ إنك بتحبيني... لا لأ، قصدي بتموتي فيا.
قالها بابتسامة جذابة.

ـ حد قالك قبل كده إنك واخد مقلب في نفسك؟

عاد وأمسك يدها مرة أخرى، ونظر في عينيها وتكلم لأول مرة من قلبه:

ـ سارة، أنا شكلي بحبك، ومكنتش فاهم ده. بس دلوقتي عرفت إني بحبك لما حسيت إن ممكن أخسرك. فكرة بس إني أشوفك واقفة مع أي حد، مش قادر أوصفلك كانت قادرة تقتلني من جوا إزاي. كنت حاسس إني مش عارف أعمل أي حاجة، ولا أتصرف إزاي، ولا حتى فاهم مشاعري صح.

كانت نظراتها له كلها حب، ولم تستطع منع نفسها من إظهاره.

ـ بس أنا بقى عارفة ليه.

نظر لها بحب وقال:
ـ ليه يا عسل؟

ـ عشان أنت واحد كئيب جدًا، وقلبك ده زي الحجر بجد. مش عارفة إزاي حبيت واحد معندوش قلب زيك كده، بس أعمل إيه؟ شكلي وقعت في حبك خلاص.

ضحك من قلبه على كلامها:
ـ لا، شكلك رومانسية جامد بصراحة. أنا برضو كان نفسي في زوجة زيك، تكون جميلة وكلامها كله دبش. يا زين ما اخترت بصراحة.

لم تستطع كتم ضحكتها:
ـ أيوه يا بني، ما أنا مش أي حد برضو.

ـ بحبك.
قالها بكل الحب والإحساس والمشاعر التي يحملها في قلبه.

كانت تشعر وكأنها تحلم.

معقول أنا سامعة صح؟

يعني اللي كنت فاكرة إنه حب من طرف واحد، وإن قلبه حجر، طلع بيحس عادي زينا كده؟

قررت أنها أيضًا تعترف بمشاعرها. هي أكثر واحدة كانت منتظرة اللحظة دي، وأكيد مش هتضيعها.

قالت بابتسامة تحمل حبًا كبيرًا ظل ساكنًا داخل قلبها كل هذه السنين:

ـ وأنا كمان بحبك.

ابتسم بسعادة غير طبيعية، وشعر أنه يريد أن يأخذها في حضنه، لكنه تمالك نفسه في آخر لحظة.

رن هاتفها باسم نور.

ـ لا، مش وقته خالص.

وكان لسه هياخده من جنبها، لكنها كانت أسرع منه عندما أمسكته أولًا.

ـ دي نور.

ردت بسرعة، بينما وضع هو يده على خده بدرامية وركز معها. كان يراقب ردود أفعالها، التي أوحت له أن هناك خبرًا سعيدًا، حتى أخرجه صوت صياحها من أفكاره:

ـ بجد؟ ألف مبروووك يا روحي! أنا فرحانة أوي أوي، لا أنا طايرة من الفرحة بجد.

ـ ...

ـ من الصبح، لا من الفجر، هتلاقيني عندك.

كانت علامات الاستفهام واضحة على وجهه، يريد أن يعرف ما الذي يحدث، لكن ما طمأنه أن الأمر يبدو سعيدًا.

أغلقت المكالمة وهي تنظر له بسعادة بالغة:

ـ أنا مبسوووووطة أوي.

ورفعت يديها الاثنتين أسفل ذقنها بفرحة.

ـ وهو أنا كنت مستني تقوليلي إنك مبسوطة؟ ما هو كان باين عليكي. بس خير، في إيه؟

ـ يونس اتقدم لنور، وبكرة كتب الكتاب! بجد مش مصدقة نفسي.

ابتسم بحب لصديقه، والذي كان متأكدًا أنه الآن يطير من الفرحة، وتمنى لو كان معه في هذه اللحظة ليشاركه سعادته.

ـ فعلًا خبر جميل جدًا، ربنا يسعدهم يا رب.

ـ يا رب يا رب.
قالتها سارة بحب وصدق.

ـ وعقبال ما نتلم في بيت واحد.

ثم ابتسم لها بحب.

اتكسفت ورفعت خصلة من شعرها خلف أذنها:

ـ إن شاء الله.

ـ بقولك إيه، ما تيجي نتجوز معاهم ونكتب الكتاب بكرة؟ أنا عن نفسي جاهز جدًا.
قالها بسعادة مطلقة.

ـ لا طبعًا، مستحيل. ده لسه هنعمل خطوبة، وطبعًا هتكلم بابا وماما الأول أكيد، وبعدين أشتري الجهاز بتاعي، وأنت تجهز بيتنا والعفش والخشب... وليلة طويلة أوي.

كان يستمع إليها وهو مصدوم من كم القائمة التي رصّتها أمامه في ثوانٍ.

ـ خلصتي؟
قالها بصدمة.

ـ آه يا حبيبي.

ابتسم فور سماعه الكلمة منها، وأمسك يدها وقبّلها بحب.

ـ بس أنا كفاية عليّا أوي أسمع الكلمة دي. بقولك إيه؟ أنا عيل ورجعت في كلامي.

ـ أحمد.
قالتها بنبرة حادة.

ـ عيونه وقلبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ⁦...♡

عند يونس ونور...

كانا جالسين في مطعم بعد أن اشتريا الشبكة واستأذن يونس من صفاء ليخرجا سويًا.

كان المطعم محجوزًا بالكامل لهما، وموسيقى هادئة جميلة تنساب في الخلفية.

ومنذ أن جلسا، ونور تقريبًا لم ترفع وجهها إليه بشكل مباشر، وكانت تحاول الهروب بنظراتها بعيدًا عنه.

كان يلاحظ كل شيء، لكنه لم يكن يرغب في الضغط عليها بأي شكل.

ـ هتفضلي تهربي بنظراتك بعيد عني كتير؟
قالها بابتسامة جذابة ارتسمت على وجهه.

نظرت له أخيرًا وقالت:

ـ لا أبدًا، أنا بس عجبني المكان وكنت بتفرج عليه.

انحنى قليلًا ليمسك يدها الموضوعة فوق الطاولة.

ـ ليه حاسس إنك متوترة أو خايفة من حاجة يا نور؟ إحنا هنبدأ حياتنا مع بعض، يعني الأفضل نتعلم إزاي نطلع كل اللي في قلبنا لبعض.

شعرت بحنان كبير في كلامه، وكأن أحدًا يربت على قلبها برفق.

ـ أنا خايفة تندم في يوم على قرارك. يعني أنا واحدة مطلقة، لكن أنت...

ـ هششش... مش عايزك تفكري في حاجة زي دي. بالعكس يا نور، أنا اللي محتاج لوجودك أكتر منك. أنا عمري ما أندم على قراري، عشان إنتِ أكتر قرار صح أخدته في حياتي. إنتِ الحاضر والمستقبل، وأنا من غيرك مقدرش أكمل.

قال كلماته بكل الحب الذي يمكن تخيله.

كانت كلماته قادرة على محو أي خوف أو قلق بداخلها، وأشعرتها بأمان افتقدته طوال السنوات الماضية، لدرجة أنها كانت قد نسيت أصلًا معنى الأمان.

ـ يونس... أنا كنت عايزة أعترفلك بحاجة.
قالتها بهدوء.

اعتدل في جلسته وهو ما زال ممسكًا بيدها.

حاولت أن تشجع نفسها على قولها، ثم قالت:

ـ أنا بحبك.

قالتها مرة واحدة، دون تفكير أو ترتيب، فقط لأنها شعرت أنها تريد أن تقولها.

لم يكن يصدق نفسه.

أخيرًا سمعها منها.

بجد؟ ده حقيقي؟ أنا مش بحلم؟

ابتسم وهو ينظر إليها بعشق واضح وقال:

ـ وأنا بعشقك.

تعليقات



<>