
رواية براعم الحب الفصل الثامن عشر18 بقلم رشا عبد العزيز
هزت رأسها تلوم نفسها، تعلم أنه لم يفعلها، هو أفضل منها ولا يستحق ما يحدث له، جملة لطالما كررتها عليها "ورد" لتبصر اليوم صدقها، رفعت أناملها تمسح دموعها التي أحرق وجنتها، واستندت على مقبض الأريكة لكي تستطيع الوقوف، فكل خلية في جسدها تأن من الحزن.
توسلت قدماها أن توصلها إلى تلك الغرفة، فقد خارت قواها بعد تلك المواجهة، وصلت إلى تلك الغرفة لتغلق الباب مستندة بظهرها عليه، قبل أن ينزلق جسدها وتهوي تفترش الأرض، يأكلها الندم لما أوصلت نفسها إليه، جذبت ساقيها وأحاطت جسدها بذراعها، تنهار بدموع الحسرة على حالها، غطت أذنيها بكفي يدها، وصدى جملته يرن في أذنها يجلدها بقسوة، وشعور "الذنب" يمزق قلبها.
_أنا كنت صادقاً في مشاعري... أنا كنت صادقاً في مشاعري.
صرخت بوجع:
_كفاية... كفاية... والله ما كان قصدي أجرحه، كنت خايفة.. خايفة.
لطمت وجنتيها تعاقب نفسها وتلومها:
_غبية.. غبية.
أنهكها البكاء، لتزحف حتى وصلت إلى السرير، لتتحامل على نفسها وتتمدد، تستجدي النوم عسى أن تهرب من تلك الأحزان إليه.
أما هو فما إن تركها حتى دخل تلك الغرفة ورمى بجسده على السرير، ومشهد انهيارها وتوسلها يتكرر أمام عينيه، لكنه اليوم ليس مثل البارحة؛ فقلبه قد تجلد، كل ما يريده هو الحفاظ على كرامته فقط، ولولا خشيته من الفضيحة لكانت النهاية أسهل بكثير.
*********************************
لم يهدأ بالها منذ البارحة، وقلبها يؤلمها على حال صغيرتها، ظلت تفكر في الحل المناسب كي تساعدها على تخطي تلك المشاعر التي تكتمها، لكنها فجأة ابتسمت بعد أن أمسكت طرف الخيط وهي تتذكر ذلك الإعلان الذي لمحته على "الفيس" ولم تعره أهمية.
عينيها الشاردة جذبت انتباه ذلك الذي كان يقف أمام مرآته يعدل ربطة عنقه قبل أن يحمل علاقة مفاتيحه وهاتفه، متجهًا إليها يسألها بقلق:
_مالك يا "ندوش"؟ إيه اللي شاغل بالك؟
كانت شاردة في عالم آخر ولم تسمع حتى نداءه، ليمد يده ويطرقع أصابعه أمام وجهها علها تنتبه:
_"ندوش"... أنتِ سامعاني؟
التفتت إليه بعد أن انتشلتها حركته من أفكارها:
_أيوه يا حبيبي، عاوز حاجة؟
قطب حاجبيه بدهشة يسألها بتعجب:
_مالك يا "ندى"؟ أول مرة متودعينيش ولا تستودعيني وتقرئي آيات التحصين، إيه اللي شاغل بالك؟
ثم لوح بيده أمام وجهها يشاكسها:
_إيه بطلتي تغيري وتخافي عليا؟ فكرك عشان عجزت راحت عليا ومحدش هيبص لي؟ لا يا حبيبتي، ده أنا لسه دكتور "طارق"، وبالعكس الشيب خلاني مرغوب أكتر، خافي عليا يا "ندوش" أنا بقولك أهو.
حدجته بنظرة جانبية مستنكرة قبل أن تقول بضيق:
_"طارق" بلاش تستفزني وبطل هزارك ده، عارف إني مش بستحمل.
ثم لوحت بيدها ساخرة وهي تخطف نظرة سريعة نحوه:
_بعدين يا راجل بطل، ده أنت قربت تبقى جد.
ضم حاجبيه مستهجناً حديثها وقال يتصنع الحنق:
_ويعني إيه هبقى جد؟ أنا لسه شباب والشباب شباب الروح يا أم "زياد".
أتبع حديثه بابتسامة قابلت امتعاضها، وقالت باقتضاب متهكمة:
_يا سيدي ربنا يسعدكم ويحفظك ويديك الصحة ويديم عليك الشباب.
هز رأسه بقلة حيلة وقال وهو يجلس أمامها تملأ وجهه ابتسامة الرضا:
_بتغلبيني دايما يا "ندى"، حتى وأنتِ مضايقة بتدعي لي ومن قلبك أنا متأكد، حتى لو باين غير كده.
تعلقت عيناها به بحب فلمعت بالدموع وهي تخبره صادقة:
_وأنا ليا مين غيرك يا "طارق"؟ أنت أبويا وأخويا وصاحبي وحبيبي وجوزي وأبو أولادي وسندي وأماني، وبعد كل ده تقولي من قلبك؟ ده أنا من غيرك أضيع.
كان قلبه يخفق مع كل كلمة تقولها وتتضاعف ضرباتها وهي تضيف له مكانته في قلبها، ليشملها بنظرة عاشقة زادت مع تلك السنين، وانحنى يقبل جبينها بامتنان:
_وأنتِ كمان كل دنيتي يا حبيبتي، ده أنا اللي من غيرك أضيع يا روحي.
بادلته الابتسامة ليستطرد قائلاً بجدية مفاجئة:
_بس الكلام الجميل مش هينسيني إن فيه حاجة شغلاكِ، إيه هي؟
تنهدت بحيرة فتعلقت عيناه بها بترقب، وأصابته الصدمة وهو يسمعها تقول:
_بفكر ندور لـ"ورد" على دار نشر كويسة تقدر تنشر فيها رواياتها، أنا سمعت إن معرض "القاهرة" قرب ودي فرصة حلوة عشان تشارك فيه.
ضيق عينيه يسألها باستغراب:
_من أنتِ لا أعرفك؟! أنتِ معقولة بتقولي الكلام ده؟
أضحكها حديثه وهزت رأسها مؤكدة له ما سمعه، ليسألها مستفسراً:
_وإيه اللي غير رأيك؟
تبددت ابتسامتها وهي تخفي عنه الحقيقة وتقول بتوتر:
_أصل شفت تعلقها في الكتابة ودي فرصة إنها تجرب.
لمس يدها يشد عليها ويقول داعماً لفكرتها:
_برافو عليكِ يا حبيبتي، فعلا فكرة جميلة وأنا هدور على دار نشر تساعدها.
_ياريت يا "طارق".
_أنتِ تؤمري يا قلب "طارق"..
رفع يده يداعب وجنتها وعاد يمازحها:
_إيه مش هتستودعيني؟ ده أنا لسه شباب!
أتبع حديثه يغمز لها، لتبتسم تمد يدها تمسح على وجنته ثم كتفيه وصدره مرددة:
_أستودع الله الذي لا تضيع ودائعه يا نور عيني.
**"
وصلوا إلى الساحل الشمالي حيث المكان الذي كان من المفترض أن يقضوا فيه شهر العسل، أوصلها إلى الشاليه المخصص لهم، كانت تسير خلفه بخطوات أثقلها الحزن، فتح الباب وأشار لها بالدخول، دخلت عينها تدور في المكان تستطلع جوانبه، لتسمع يقول بصوت غليظ:
-أنا عندي مشوار.
خرج صافقاً الباب خلفه دون حتى أن يسمع تعقيبها، أمسكت حقيبتها تجرها باحثة عن غرفة النوم كي تستريح من عناء السفر، وصلت إلى تلك الغرفة الوحيدة، كانت جميلة مخصصة لعروسين، وضعت الزهور وبعض بطاقات التهنئة كترحيب لهم، جرت الحقيبة حتى وصلت إلى السرير لتجلس بإجهاد، وعقلها يعيد عليها طريق السفر، تتذكر بكسرة نفوره منها وتجنبه الحديث معها مدعياً انشغاله بهاتفه.
ثم ملأتها الحسرة وهي تطالع "حسن" وزوجته، تبصر تلك السعادة التي يعيشانها معا، كانت تختطف النظرات وتشاهد اهتمامه بها وانسجامه معها.
رفعت يدها تمسح دموعها المنسابة توبخ نفسها، هي من اختارت هذه الحياة بملء إرادتها، تذكرت عتاب "حسين" لها: لماذا لم تتكلم؟ لماذا لم تنهِ كل شيء منذ البداية؟
أما هو فخرج يسير في تلك الشوارع الجميلة يبصر سحر المكان، وكل ما يفكر فيه ماذا لو لم يسمع ما قالته؟ ماذا لو كانت تبادله المشاعر؟ لكان اليوم أسعد إنسان في الدنيا، وصل إلى شاطئ وبحث عن مكان منعزل ليفعل ما كان يتمنى فعله منذ أن سمعها، وقف ينظر إلى ظلمة الليل ونسمات الهواء الباردة تضرب وجهه، ليصرخ بأعلى صوت يخرج "آه"... كتمها في صدره حتى كادت أن تخنقه، يحاول أن يخفف من ثقل أجهز عليه وسلب منه حياته، ليعيش كميت حي.
*******"" "
وصل إلى منزله متأخرا، ليصله صوت ضحكاتهم التي غزت المكان، لتتسع ابتسامته بسعادة ويقترب منهم هاتفاً بشوق:
_إيه ده؟ هي الأميرة منورانا النهاردة؟ وأنا بقول بيتنا منور ليه!
فتح ذراعيه يشير لها لتتجه نحوه بخطوات مسرعة ترتمي بين أحضانه مبتهجة:
_أهلاً يا بابا، واحشني.
-أنتِ كمان وحشتيني يا بنتي.
خرجت من أحضانه ليسألها مازحا:
_جايبالي إيه معاكِ النهاردة؟
لتجمع أناملها أمامه قبل أن تفتحها وتقول بفخر:
-كنافة هتاكل صوابعك وراها.
لعق شفته بتلذذ وقال شاكراً:
-تسلم إيدك يا أميرة، أكيد تحفة.
-هو جوز الأميرة شبح قدامك يا بابا؟
قالها "زياد" مشيراً نحو نفسه بتذمر ثم أكمل مستنكراً:
_يعني الترحيب كله لـ"رحمة"، مفيش "إزيك يا زياد"، "عامل إيه يا ابني"؟
حدجه "طارق" بنظرة مستهجنة وقال مستهزئا:
-ملكش دعوة يا ولد، خليني أرحب في بنتي وبعدين نبقى نشوف جوزها الرخم.
لكن "زياد" اقترب منه ضاحكا يحتضنه ويقول مازحا:
-واحشني يا دكتور، مشفتكش من امبارح.
بادله "طارق" العناق وقال مرحباً:
-أهلاً يا حبيبي وأنت كمان واحشني.
ثم ابتعد عنهم يقترب من "أحلام" ويقبل وجنتها يلقي عليها التحية:
-"أحلام" حبيبتي، إزيك يا جميلة؟
-أهلاً يا حبيبي.
عينه كانت تتحرك بلهفة يبحث عنها ليسأل عنها "أحلام"، فقد افتقد ركضها نحوه واستقبالها له بابتسامتها الجميلة:
-أمال "وردتي" فين؟
-في أوضتها يا بابا.
قالتها "أحلام" مشيرة نحو غرفة شقيقتها، ليتجه نحو الغرفة مباشرة.
قبل قليل في غرفة "ورد"، دخلت "ندى" لتجدها تجلس على سريرها شاردة الذهن، تمسك بين يديها إحدى الروايات الورقية، اقتربت منها وقالت مبتسمة:
-"ورد" حبيبتي، ممكن أتكلم معاكِ؟
خرجت "ورد" من شرودها وانتبهت لوجود والدتها لترسم ابتسامة شاحبة وتقول بود:
-أكيد يا ماما.
جلست "ندى" على السرير أمامها لتسألها:
-بتعملي إيه؟
رفعت "ورد" الرواية تخبرها:
-بقرأ رواية اشتريتها امبارح.
-شكلها حلوة، كنتِ مندمجة خالص معاها، ده أنتِ ما حستيش بيّ.
أومأت تؤكد حديثها لتربت "ندى" على فخذها بلطف:
-إيه رأيك يا "ورد" تشاركي في معرض "القاهرة"؟
اتسعت عيناها بذهول وظلت تطالعها بعدم استيعاب، كانت صدمتها ألجمت لسانها، لتبتلع ريقها وتسألها:
-أنتِ بتقولي إيه يا ماما؟
تأففت "ندى" بتذمر وقالت بضيق:
-متعمليش زي أبوكِ، أنتِ مش بتحبي الكتابة؟ خلينا نشوف دار نشر كويسة وتشاركي في المعرض.
وضعت الرواية جانبا واعتدلت مقتربة منها تمسك يدها وتنحني نحوها تسألها وعيناها تلمعان بسرور:
-ماما، أنتِ بتتكلمي بجد؟
-أيوه يا روح ماما، بتكلم بجد.
لتحتضنها "ورد" بعفوية وتقول مبتهجة:
_بحبك، بحبك أوي يا ماما.
أحاطتها "ندى" بذراعيها بمواساة خفية، فهي تعلم حاجتها لهذه السعادة، لتخرج من جحيم تلك المشاعر المؤلمة.
-خونة... خيانة... حبيبتي بتخوني وبتحضن أمها وكمان بتقولها بحبك!
صاح بها "طارق" الذي دخل إلى غرفتها تواً، لتبتعد "ورد" عن أحضان "ندى" تمسح دموعها تخبر والدها بحماس:
-بابا، تعالى اسمع فكرة ماما.
اقترب منهما "طارق" حتى أصبح أمامها ومد يده يمسح دموعها بنفسه يؤنبها:
-طب بتعيطي ليه؟ ماما حكت لي الفكرة وأنا معها فيها.
وزعت نظراتها بين والدها ووالدتها وقالت شاكرة:
-متشكرة، أنا فرحانة، حلمي هيتحقق.
التفت "طارق" نحو "ندى" قبل أن يعاود النظر إليها يشير نحو نفسه بفخر:
-طب استني واسمعي الخبر اللي بابا جايبهولك.
توقفت تنظر إلى والدتها ووالدها بترقب، لتتسع عيناها بدهشة ويشرق وجهها بابتسامة عريضة وهي تسمعه يقول:
-لقيت دار نشر وقابلت مدير الدار وطالب يشوفك بكرة.
لتقفز وتصفق كالأطفال بسعادة، ثم تعلقت برقبة "طارق" تحتضنه مرددة:
-بحبك أوي أوي يا أحلى بابا في الدنيا.
-وأنا بموت فيكِ يا روح بابا.
"طارق" الذي كان يحتضنها نظر نحو "ندى" بعين دامعة، لتبادله "ندى" النظرات تمسح دموعها التي انسابت بتلقائية، فرحة بسعادة صغيرتها.
***********************
-أيوه العب، أديلو!
هكذا تعالى هتافه وهو يمسك مقبض لعبة "بلي ستيشن" وعينيه تحدق بالشاشة بدقة، تتحرك مع حركة لاعبيها بتمعن.
يفرح لتحقيق هدف ويمتعض لخسارة فرصة، صرخ لتعلو يده قبل أن تهوى على ركبته بغيض وفرصة أخرى تضيع منه ليصرخ بغضب:
-لا ده أنت بتستعبط!
طرقات على الباب لم تقطع اندماجه بل استمر منهمكاً بما يفعل، حتى اضطر الطارق للدخول.
فتحت "شمس" الباب حانقة وهي ترى اندماجه مع لعبته وعدم اكتراثه لما يدور حوله، اقتربت منه وقالت حانقة:
-ممكن تطفي الزفت ده؟ عاوزة أتكلم معاك.
التفاتة سريعة سبقت إجابته قبل أن يعود نحو الشاشة ينظر لها بتركيز:
-ثواني يا ماما، خلاص "الجيم" قرب يخلص أهو.
استمرت أصابعه تتحرك على ذلك المقبض تتنقل بين أزراره بسلاسة وسط نظراتها الساخطة، لم تطل الانتظار لتربع يدها على صدرها، تحرك أصابعها على عضدها بتوتر قبل أن تصرخ:
-وبعدين؟ هفضل مستنية كتير؟ اطفي الزفت وكلمني يا ولد!
نفخ أنفاسه بضيق وأطفأ جهازه مرغماً، يضع ذلك المقبض جانباً ويلتفت نحوها يسألها بتذمر:
-نعم يا ماما؟
جلست على السرير لتشير له أن يجلس بجانبها:
-تعالى يا "شريف".
نبرة صوتها الجادة أقلقتة ليجلس بجانبها ينظر لها بريبة تفاقمت عندما سمعها تقول:
-"أحلام".
قطب حاجبيه مندهشاً وسألها مستفسراً:
مالها "أحلام"؟
-مش شايف إن علاقتك بـ"أحلام" متطورة زيادة عن اللزوم؟
سألها بجهل بعد أن ازدادت حيرته:
-يعني إزاي؟ مش فاهم.
صمتت وعيناها تراقبه بتمعن تتحرى الصدق في نظراته قبل أن تسأله:
-أنت عندك مشاعر ناحية "أحلام"؟
انفجر ضاحكاً وقال مستهزئاً:
-أنا عندي مشاعر ناحية "أحلام"؟ دي بنت خالتي وزي أختي!
-بس "مليكة" و"ورد" كمان ولاد خالتك بس أنت بتعامل "أحلام" بشكل مختلف.
رفع كتفيه بلامبالاة وقال بهدوء:
-طبيعي عشان أنا و"أحلام" أصحاب.
رمقته بنظرة مستنكرة وقالت بحدة:
-مفيش حاجة اسمها أصحاب بين ولد وبنت.
طالعها باستهجان وقال رافضا فكرها:
-ليه يا ماما؟ ما أنتِ أهو عندك زمايل دكاترة أكيد.
-أهو أنت قلتها: زمايل مش أصحاب، فيه فرق بين الاتنين.
استمر يرفض حديثها ليقول بضيق:
-بس أنا و"أحلام" أصحاب من زمان، أنتِ ناسيا إننا كنا سوى في كل المراحل الدراسية؟ يعني أكيد فيه بينا حاجات مشتركة وأصحاب مشتركين.
تنهدت بيأس وحاولت أن تغير لهجتها لتقنعه لتقول بهدوء:
-حبيبي، فاهمة كل ده، بس إنتوا خلاص اتخرجتوا، لازمتها إيه حكاية التواصل والكلام الكتير؟ خلِ الحكاية يكون لها حدود، ما دام أنت بتعتبرها بنت خالتك وبس، خلاص عاملها زي "لوكا" أو زي "ورد" أختها.
دارت حدقتيها بتفكير وعدم اقتناع، وقبل أن يصدر منه أي اعتراض سبقته هي تمسح على رأسه ووجنته تقول راجية:
-أرجوك يا بني، عشان خاطري، حاول تبعد وتخلي حدود للعلاقة دي، افتكر دايما مفيش حاجة اسمها أصحاب بين بنت وولد، "أحلام" بنت خالتك، خلاص عاملها على الأساس ده.
-بس يا ماما...
قاطعته عائدة لحدتها بعد أن نفذ صبرها في إقناعه باللين:
-"شريف"، حاول تحط حدود للعلاقة دي، ده آخر كلام.
نهضت بغضب تاركة المكان، نظر إلى أثرها حانقاً وقال بتعجب:
-هي مضايقة ليه من علاقتي بـ"أحلام"؟ هي فاكرة "أحلام" اي دي"جعفر" صاحبي؟
لكنه صمت فجأة في لحظة إدراك قبل أن ينفجر ضاحكاً يهز رأسه بستهزاء:
_أنا عندي مشاعر ناحية "أحلام"؟!
************************************
عاد إلى المنزل قرابة الفجر يحمل بعض الأكياس، دخل يضع ما أحضره في الثلاجة بعد أن أخرج منها علبة القهوة المثلجة ووضعها جانباً.
اتجه نحو الأريكة وجلس عليها بإرهاق يرتشف القهوة ويطالع هاتفه ليفتح تلك الرسالة وينظر لها بقهر.
عينه تتنقل بين كلماتها بحسرة.
فلم تكن تلك الرسالة سوى تأكيد من شركة سياحية التي طلب منها برنامجاً سياحياً، يطلبون منه أن يؤكد طلبه، لكنه عوضاً عن التأكيد ضغط على زر الإلغاء.
أغمض عينيه بأسى وهو يتذكر كيف اختار كل شيء تحبه، تعاظم ألمه وهو يتذكر كيف كان يراقب بدقة كل ما يعجبها، كل شيء وضعت له "لايك" في مواقع التواصل، كي يجعله ضمن قائمة ذلك البرنامج.
أغلق الهاتف وقذفه على الطاولة أمامه، يعيد رأسه إلى الوراء ويغمض عينيه.
أحست بحركته خارجاً، أغمقت عينيها المتعبتين، فلم تستطع النوم قبل عودته، كانت تخشى أن يصيبه مكروه بسببها.
**********"
وفي اليوم التالي فتح عينيه بثقل يشعر بالإجهاد، كان جسده يؤلمه من النوم على تلك الأريكة الضيقة، أغمض عينيه وعاد يفتحها من جديد يشعر بالدفء، ليجد جسده مغطى بغطاء، علم أنها هي من دثرته بهذا الغطاء، ليتنهد بألم، فقد أصبح كل ما يخصها يؤلمه، مد يده يسحب هاتفه الموضوع أسفل تلك الوسادة الصغيرة ليجد أن الوقت قد تأخر كثيراً وهم الآن في وقت الظهيرة. دعك عينيه وعاد يطالع هاتفه ليجد رسالة "حسن" وهو يعرض عليه تناول العشاء في أحد المطاعم، تردد في الموافقة لكنه في النهاية وافق على عرضه كي تبدو صورتهم طبيعية.
انتبه إلى وجود صوت في المطبخ أعقبه رائحة القهوة التي انتشرت في المكان، اعتدل في رقوده ثم نهض يحاول أخذ حمام دافئ كي يستعيد نشاطه، وما هي إلا بضعة خطوات حتى وجدها تظهر أمامه وتقترب منه، ترسم ابتسامة بسيطة على وجهها:
-صباح الخير.
لم يجبها، فقط حدق بها بنظرة باردة لتتوتر وتشعر بالحرج، لتقول بارتباك:
-تحب تفطر وإلا تشرب قهوة؟
تجاهلها وأكمل خطواته حتى تجاوزها لتسمعه يقول بأمر:
-جهزي نفسك، هنتعشى مع "حسن" ومراته.
تنهدت بتعب، يبدو أنه يستخدم معها الصمت العقابي، زفرت أنفاسها بثقل تتجه نحو الغرفة تستعد لذلك اللقاء الذي كان هماً آخر بالنسبة لها.
'*********************************
خرج من الحمام ليجدها تقف أمام المرآة تُكمل زينتها، فوقف يتأملها بهدوء.
كم هي جميلة ورقيقة! ولون فستانها المميز زادها فتنة وجاذبية. حدق بها للحظات وعقله يتخيل كيف لهذا الفستان أن يجذب الأنظار نحوها رغم حشمته؟ تلك الفكرة أشعلت فتيل غيرته، قبل أن تغشى عينيه ظلمة تلك الأفكار.
صورة جسدها التي انعكست أمامها في المرآة جعلتها تلتفت إليه بعفوية، وتسأله بدلال:
-"إيه رأيك؟".
كان صوتها الهادئ كمصباح نور يسحبه من ظلمته إلى الحاضر، لتلين قسمات وجهه الحادة. اقترب منها بخطوات بطيئة حتى أصبح خلفها، وأحاط جسدها بحب، ساندًا ذقنه على كتفها وهو يجيبها بهيام:
-قمر، وأحلى من القمر كمان!
أشرق وجهها بابتسامة عريضة، وكلماته تروي عطش قلبها النقي لتلك المشاعر الجميلة التي استطاع أن يزرعها فيه ببساطة. لكن تلك الابتسامة لم تدم طويلاً عندما سمعته يقول:
-بس ممكن تغيري الفستان ده؟
تعجبت من طلبه، لتزم شفتيها بعبوس وتسأله بدهشة:
-ليه يا حبيبي؟ مش لسه بتقول حلو؟!
أدار وجهه يقبل وجنتها، وانشغل أنفه يستنشق عبيرها بوله، يخرج كلماته المعسولة بحذر ليستطيع إقناعها؛ كصياد ماهر يقتنص فريسته دون جهد منه:
-ما هو عشان حلو عاوزك تغيريه.. أنا بعشقك وبغير عليكي.
ثم صمت يمزج حديثه بالفكاهة قائلاً:
_وبصراحة مش ضامن نفسي ممكن أعمل إيه في أي حد يبصلك أي بصة مش كويسة!
شدد من ضمته كعنكبوت يحيط خيوطه حول ضحيته ومضى يقول:
-أنا بحبك أوي أوي.. نفسي أخبيكي جوه قلبي وأبعدك عن عيون الناس كلها.
دفء أحضانه الذي ماثل دفء نظراته وكلماته الجميلة غيّب عقلها، وجعلتها تطيعه كمسحورة يسحبها نحو طريق يرسمه هو، ويتحكم وحده في اتجاهاته.
*************************
وصل الأربعة إلى ذلك المطعم الراقي، اختاروا إحدى الطاولات وجلسوا ثم اختاروا الطعام، وفي فترة انتظارهم للطعام كانت عيناها تراقب "حسن" و"سندس" بحسرة وهما يتهامسان بحب ويبتسمان. كان يختلس النظرات نحوها ويبصر مراقبتها لشقيقه وزوجته، يشعر بحزنها ليظن أنها تذكرت حبيبها، ليزداد حنقه منها، فيمسك هاتفه يحاول تصفحه كي يشغل نفسه عنها.
ظلت تطالعهم وتخطف نظراتها نحو ذلك الجالس بجانبها منشغلاً بهاتفه، وابتسمت متهكمة تفكر ماذا لو علم "حسين" هوية حبيبها؟ لكن فجأة هناك شيء استوقفها، فقد جذب انتباهها "حسن" الذي كانت عيناه تترصد النادل الذي بدأ يرص الأطباق أمامهم، يتتبع حركاته ويراقبه بدقة حتى انتهى مغادراً، تعجبت تلك النظرات التي تخللتها نظرات كان يحيط بها زوجته بخوف.
شرعوا يتناولون الطعام، لينفطر قلبها وهي تجده يضع الطعام باهتمام في صحن زوجته، يطعمها رغم خجله.
لتنشُب الغيرة في قلبها، ووجدت نفسها تسأل "سندس" كأنها تحاول قطع هذا التواصل:
ظ"سندس"، أنتِ مش مفكرة تشتغلي؟ الفرص في "القاهرة" أكيد هتكون أكبر.
تجمدت يده وارتعشت أصابعه غضباً عند سماع سؤالها الذي لمس وتراً حساساً، مهدداً بكسر إيقاع "السنفونية" التي يحاول تأليفها لحياته بنفسه. توقفت السكين التي كان يقطع بها قطعة اللحم أمامه، وألقاها جانباً بعنفٍ مكتوم. رفع رأسه ينظر إليها بغيظ، وقبل أن تنبس "سندس" ببنت شفة، سبقها هو قائلاً بنبرة حادة:
_"سندس" مش محتاجة تشتغل طول ما أنا موجود.
لكنها -في غفلة عن عاصفة الغضب التي تقدح في عينيه- استمرت في تناول طعامها وقالت بتلقائية:
_المسألة مش مسألة فلوس يا "حسن"، أحياناً الست بتحتاج تشتغل عشان نفسها؛ عشان تثبت وجودها وشخصيتها.
وقبل أن تسترسل في حديثها الذي خشي أن يغرس بذرة تمرد في ذهن زوجته التي كانت تراقبهما بترقب، قاطعها حاسماً. وضع يده على كتف "سندس" وضمها إليه، متحدثاً بغزل منمق ليحجب عنها تلك الأفكار التي تهدم ما يحاول بناءه:
_بس أنا مراتي مش محتاجة تثبت وجودها، هي موجودة جوا قلبي، وأنا عاوزها ملكة في بيتها، اللي تأمر بيه يوصلها بإشارة منها من غير ما تتعب.
رفعت "سندس" رأسها تطالعه بحب وامتنان، وقد روى حديثه ظمأ أنوثتها وأرضى روحها الهادئة. بادلها هو تلك النظرات، محاولاً إقناعها بصدق مشاعره، بينما كان في الحقيقة يبني سوراً منيعاً حولها لا يتخطاه سواه.
ثم التفت نحو "قمر" التي كانت تراقب المشهد بحيرة، وقال بحدة تقطع عليها أي فرصة للتمادي:
_وبعدين كل واحد حر في حياته، يعيشها زي ما هو شايفها صح.. كل واحد أدرى بمصلحته وراحته، ومحدش محتاج حد يعرفه الصح من الغلط.
بهتت ملامح "قمر" من طريقته الهجومية المبالغ فيها، وزاد من حرجها حين توجهت نظراته الآمرة نحو "حسين" قائلاً بشدة:
_"حسين" عارف إني مبحبش حد يدخل في حياتي.
أدرك "حسين" مقصده، وفهم رسالته الضمنية التي يطالبه فيها بإسكات زوجته، فقال بتوتر وهو يرمق "قمر" بنظرة عتاب:
_أيوه طبعاً، يا "حسن" أنا عارف كده كويس.. "قمر" ما تقصدش حاجة، هي بتتكلم بصورة عامة.
بلعت "قمر" ريقها الذي جف من شدة الحرج، وقالت بارتباك تحاول تبرير موقفها:
_فعلاً، أنا ما قصدتش، ده كان رأيي بشكل عام.
ثم اختلست نظرة نحو "حسين" الذي احمر وجهه بضيق، وأضافت معتذرة:
_آسفة لو كنت تعديت حدودي.
ليقول "حسن" باقتضاب يكتم ضيقه:
_محصلش حاجة.
لكن المفاجأة كانت عندما نهض "حسن" فجأة وجذب يد "سندس" ليحثها على الوقوف، فتراخت هي بتوتر وهي توزع نظراتها بينهما:
عن إذنكم، إحنا عندنا مشوار تاني.
_على فين يا "حسن"؟ إنتو لسه ما كملتوش أكلكم!
سأله "حسين" بحرج، مشيراً إلى أطباقهم التي لا تزال ممتلئة. لكن "حسن" كان مصراً على المغادرة، كأنه يقطع أي حبال قد توصل بين "سندس" و"قمر"، تلك التي يراها تهديداً لخططه بأفكارها المتحررة. نظر "حسن" إلى "سندس" وقال:
_لا، إحنا الحمد لله شبعنا.. مش كده يا روحي؟
أومأت له برأسها دون تعقيب، فأحاط جسدها بيده وسار بها مغادراً. بقي "حسين" في مكانه يتجهم وجهه، وعيناه تلاحقان شقيقه المغادر، ثم زفر بضيق ونهض هو الآخر، يرمق "قمر" بنظرات غاضبة.
_أنا هخرج أستناكِ برة، عاوز أدخن سيجارة على ما تخلصي.
تركها تكتم دموعها تشعر بالإهانة، هل تهورت مرة أخرى؟
هي لم تفعل شيئاً يستحق تلك الثورة.
**********************************
سارت بجانبه حتى وصلوا إلى شاطئ البحر لينظر لها مبتسماً:
-إيه رأيك؟ حلو المكان؟
لتخبره بسعادة غامرة وهي تتشبث بذراعه:
-حلو أوي يا "حسن".
أخذ نفساً عميقاً يشعر بالارتياح ونسمات الهواء الباردة تنعش صدره، لتسأله بتردد:
-"حسن"، هو ممكن "حسين" و"قمر" يزعلوا؟ أنت ليه كلمتهم كده؟
-اختطف نظرة نحوها وعاد ينظر أمامه يطالع المكان:
-ما بحبش حد يحشر نفسه في حياتي.... ما دام ماليش دخل في حياته.
ثم ربت على يدها وقال يطمئنها:
-و"حسين" طيب مش هيزعل.. متخافيش.
*************************
وصلا إلى الشاليه ليسبقها هو نحو الداخل، ترتسم على وجهه علامات الضيق، لتتبعه هي تحاول كسر ذلك الصمت الذي لازمهم منذ مغادرة "حسن" و"سندس":
-"حسين"، أنا فعلا ما كانش قصدي حاجة، "حسن" هو اللي...،،،،
استدار نحوها بسرعة يبتر حديثها ويقول بحدة:
-لو سمحتِ، ملكيش دعوة بـ"حسن" ومراته.. "حسن" عصبي ولما بيتعصب ما بيقدرش يمسك أعصابه.
صمت قليلاً يزفر أنفاسه حانقاً، يخبرها قبل أن يشيح بوجهه بعيداً عنها:
-أرجوكِ، مش عاوز مشاكل.... تصبحي على خير.
تسمرت تحدق به برهة من الزمن وعيناها تلمعان بدموع، قبل أن تتحرك بخطوات سريعة نحو الغرفة صافقة الباب خلفها بقوة.
لكنه تفاجأ بها تعود بعد مدة ليست بقليلة، تسير نحوه بخطى واهنة، تضع له الوسادة والغطاء على الأريكة دون أن تنظر إليه وتعود إلى غرفتها في صمت، نغزت قلبه عندما رأى أجفانها المتورمة من شدة البكاء، لكن استفاقة كرامته لتصفع قلبه العاشق، تفيقه من غفلته.
*****************************
جلس كأمير مدلل أمام تلك الطاولة العامرة بألذ المأكولات التي يحبها، لا يعلم بما يبدأ، ليجد "سماح" تحمل صحنه الفارغ تملؤه بكمية كبيرة وتضعها أمامه تخبره بود:
-كل يا حبيبي بالهنا والشفا.
أصابته الدهشة ليقول بامتنان:
-إيه كل ده يا "سموحة"؟ أنا مش هقدر أكل كل ده.
لتلوح له لائمة:
-يا بني كل، متتكسفش.
حرك سبابته أمامها نافياً:
-أنا مش بتكسف يا "سماحة"، خصوصا في الأكل.
-بألف هنا وشفا، ده بيتك يا حبيبي، هو أنا عندي أغلى منك يا بني؟
قالتها "سماح" بصدق جعل قلبه يعتصره بخوف، ونظرات المحبه التي ترمقه بها "سماح"
تخبره كم تتوسم هذه السيده فيه خيرا
_أيوه يا عم، شفت؟ مش أنا بس اللي بدلع، أنت واخد الدلع كله أهو، شوف أنت جوز بنتها وغرفتلك وبدلعك وأنا بنتها مشفتش حاجة من الدلع ده.
هتفت بها "رحمة" تمثل التذمر، ليبتسم ويفتح أصابعه الخمسة أمام وجهها قائلاً بمزاح:
_قل أعوذ برب الفلق! يا ساتر، أنتِ حاطة عينك على اللقمة؟ هاتي يا ستي أغرفلك بدل ما أتزور.
_ما تسيبي الراجل ياكل وتغرفي لنفسك يا بنت، خلِ الراجل يتهنى بلقمته.
التفت إليها يحرك لها حاجبيه ويخرج لسانه يحاول إغاضتها، لتبتسم تحمل طبقها بقلة حيلة تضع بعض الطعام فيه وبدأت تأكل.
لتتسع ابتسامتها بسعادة وهي تجده يضع الطعام في صحنها وينحني نحوها هامساً:
_كله إلا زعل أميرتي.
أسبلت عينيها بخجل وادعت انشغالها بالطعام تخفي حرجها من والدتها التي كانت تطالعهم مبتهجة، شفتيها تردد الحمد، فرحاً من أجل ابنتها.
************************
شعرت بالملل وتأففت بضجر، لم تغادر المكان منذ ثلاثة أيام، كل ما كانت تفعله هو الجلوس في الشرفة والمراقبة.
نهضت فجأة معلنة تمردها، أبدلت ملابسها وخرجت من الغرفة، دهشت من الجو الملوث بدخان السجائر الذي ملأ المكان كسحب كثيفة، لتجده يجلس أمام حاسوبه، عينيه تحدق بشاشته بتمعن، وبجانبه مطفأة مليئة بأعقاب السجائر، يبدو أنه كان شرهاً في التدخين اليوم.
سعلت عدة مرات عندما خنقها الدخان لينتبه لوجودها، واسترق النظر إليها ليجدها تلوح أمام وجهها باستياء بعد أن أزعجتها تلك الرائحة.
اقتربت منه وقالت وهي تتشبث بحقيبتها تنظر إلى الباب:
-ممكن أخرج أتمشى شوية؟
رفع نظره عن حاسوبه يحدجها بنظرة جانبية يسألها ببرود وهو يعاود للعمل على حاسوبه:
-وأنتِ تعرفي المكان؟ مش ممكن تتوهي؟
ربعت يديها وأخبرته بمكابرة رغم خشيتها من ضياع طريقها:
-مش هبعد.
ثم أضافت بثقة مزيفة:
-ولو تهت هستخدم GPS.
ودون أن ينطق بكلمة أشار لها نحو الباب ففهمت أنه يأذن لها، لتتجه نحو الباب، وقبل أن تفتحه أوقفها صوته:
-استنيني، أنا جاي معاكِ.
أخفت ابتسامتها خلف قناع اللامبالاة وانتظرته ينهض ويقترب منها، فتحت الباب وخرجت ليتبعها بعد أن أوصد الباب.
سار بجانبها بهدف مجهول، كانت عيناها تطالع الطريق بفضول، تلتفت يمينا ويساراً تتأمل جمال المكان بانبهار، وبعد مدة من السير ابتسمت برضى وهي تجده يسير بجانبها، لم يتقدمها ويتركها تسير خلفه كما يفعل بعض الأزواج. لمحت أحد المقاهي المعروفة لتكسر حاجز الصمت بينهم وتسأله باضطراب:
-ممكن نشرب قهوة؟
أومأ برأسه ليتجهوا نحو المكان، دخلوا ووقفوا عند الباب وعينيهم تبحث عن طاولة خالية، لكنه تفاجأ بشخص يلوح له، ابتسم وهو يقترب من الشخص الذي عرفه، ولم يكن سوى المهندس "آدم"، أحد المهندسين الذين كان مهمتهم الإشراف على المتدربين في المسابقة التي فاز بها، وبرفقته زوجته "لورا" مهندسة أيضاً تحمل الجنسية الألمانية. رحب "آدم" به بحفاوة وكذلك "لورا" التي كانت تعرفه جيداً:
-أهلاً.. أهلاً.. بالبطل، إزيك يا باشمهندس؟
-أهلاً يا فندم، صدفة حلوة إني أشوفكم النهاردة.
ليشاكسه "آدم" قائلاً:
-بتعمل إيه هنا؟ لا تكون داخل مسابقة تانية!
ضحك "حسين" وابتلع غصة مرة وهو يخبرهم بتلعثم:
-لا، أنا هنا بقضي شهر العسل.
لينتبه الاثنان إلى تلك التي تقف خلفه باستحياء، ليشيروا نحوها:
-عروستك؟
أومأ لهم مزيحاً جسده كي تظهر أمامهم يعرفهم بها:
-"قمر" مراتي.
سخر من نفسه سراً وهو يتذكر كيف كان يحلم أن تنال ذلك اللقب، ويتلذذ لسانه بنطقه. رحب "آدم" وزوجته بها وطلبوا منهم الجلوس معهم، نظر هو نحوها وأشار لها بالجلوس.
لاحظت اهتمامهم به وثنائهم عليه، وتعجبت من طريقته العملية في الحديث وإتقانه لغات أخرى كالإنجليزية والألمانية، وزادت دهشتها وهي تبصر أسلوبه الرزن في الكلام الذي جعل "آدم" وزوجته ينصتون له باحترام.
اندمج الثلاثة في الحديث عن العمل والهندسة، ويتذكرون بعض المواقف التي حدثت أثناء المسابقة، أحداث لم تفهمها لتشغل نفسها بمتابعة ديكور المكان الذي حمل لمسة كلاسيكية، ركزت عينيها تتابع أدق التفاصيل، تحاول الاستفادة منها واكتساب شيء جديد. لفتت حركات عينيها انتباه "لورا" التي لاحظت تمعنها بالتفاصيل لتسألها بفضول:
-ما هو اختصاصك حبيبتي؟
-أنا مهندسة ديكور.
نظرت لها "لورا" بإعجاب قبل أن تعقب وهي توزع نظراتها بينها وبين "حسين":
-يبدو أنكِ مهندسة متميزة مثل زوجك، راقبت اهتمامك في ملاحظة ديكورات المكان
.
أومأت لها شاكرة:
-شكراً لكِ على كلامك الجميل.
ثم ابتسمت ابتسامة ماكرة وقالت تمازحها مشيرة نحو "حسين":
-دعيني أخبركِ سراً عن زوجك.
نظر لها "حسين" بتوتر وقال يبادلها المزاح مشيراً نحو نفسه بتعجب:
-سراً عني أنا؟
هزت رأسها بالإيجاب وركزت نظرها نحو "قمر":
-تعلمين، طيلة مدة المسابقة وزوجك ليس له حديث سوى عنكِ وعن مدى شوقه إليكِ.
تلاشت ابتسامتها المجاملة وحل محلها ابتسامة باهتة، قبل أن تطأطئ رأسها بحرج وشعور الذنب والندم يستوطنان قلبها، ويمحوان أي مكان للسعادة فيه.
أما هو فخنقتة مرارة الخذلان، ليجاهد في رسم ابتسامة عريضة يخفي خلفها ألمه ويجامل أصدقاءه.
*****************************
دخلت"ورد" غرفتها تشعر أنها سعيدة كطائر يحلق في السماء، تعانق الغيوم العالية، تود لو تصرخ وتخبر الجميع كم هي مسرورة، دارت حول نفسها بفرح وقفزت تهتف:
_"يس".. "يس"....
ثم اتجهت نحو طاولتها الصغيرة تخرج أوراقها وقلمها وجهازها اللوحي تنظر لهم بفخر، لقد تحقق حلمها أخيراً ووقعت ذلك العقد الذي سيمنحها الفرصة في المشاركة في المعرض.
جلست على الكرسي تنظر بإصرار لقلمها وتهمس لنفسها بحزم:
-سوف أقتلع جذور الماضي وأخط بحبري حكاية حياتي، لن ألتفت إلى الخلف، سأرسم طريقي الجديد بيدي.
لكنها توقفت تفكر لحظة، هي الآن أمام تحدٍ يجب أن تنجح. وهل ستنجح