{"لم أطلب شيئا عظيما، فقط أردتُ أن أشعر أن لي مكانا، وأن أشعر ولو لمرة أنني لم أكن عبئا، لكنني في محاولتي للنجاة من ألمي، ارتكبت أخطاء لم أقصد بها الأذى، حتى دهست أرواحا أخرى لم يكن لها ذنب وأنا أحاول إنقاذ روحي"}
ليلة عادل ✍️🌹
الفصل الواحد والاربعون 🤫♥️
[بعنوان: لم أكن شريرا.. كنت خائفا]
ساد صمت ثقيل، كأن الهواء تجمد حولهم.
كل العيون معلقة على نقطة واحدة "حور"
وقبضة سليم لا تزال معلقة في الهواء فوق وجه رشدي الممدد، ثانية واحدة قسمت كل شيء.
لكن حور هي من كسرت الصمت.
انطلقت كالسهم المشتعل بجسدها الصغير، ووقفت كجدار بينهما. وجهها الملائكي أحمر كالجمر، وعيناها تقدح شررا.
صرخت بغضب طفولي: أنتَ بتضرب رشدي ليه؟! إوعى!
ولم تنتظر جوابا، انهالت بيديها الصغيرتين تضرب صدره بكل قوتها: إوعى بقولك! سيبه! أنت وحش!
كان يتلقى ضرباتها كالمخدر، لا يصد ولا يقاوم، عيناه جامدتان لا ترمشان من الصدمة.
يا لظلم القدر.
ابنته.. فلذة كبده التي زار قبرا فارغا باسمها لخمسة أعوام.. تصفعه الآن بيديها، وتدافع عن الرجل الذي دمر حياتهم.
ترنح سليم للخلف، ليس من قوتها، بل من قوة الحقيقة.
مالت حور بسرعة نحو رشدي، ومسحت الدم عن شفته بأطراف مرتجفة: قوم يا رشدي..معلش أنا ضربته.
كان ينظر لها بذهول تام، يتحرك معها كالمسحور دون وعي حتى جلس.
تعلقت برقبته كغريق وجد طوق نجاته، وطبعت قبلة مرتعشة على خده الملطخ: بيوجعك؟ انت اتعورت خالص؟
ثم التفتت إلى سليم، وانقلبت ملامحها إلى غضب حارق: بتضربه ليه يا وحش! أنا هعيش مع رشدي! هو أحسن منك!
هبطت كلماتها على صدره كسكين بارد يغرس ببطء، انقبض وجهه، وتجمدت تلك الدمعة التي كانت ستنزل في عينيه.
في الخلفية، كان مكي لا يزال على الأرض، يده على رأسه، نصف واعٍ ونصف غائب، لكنه يرى.
بينما بقيت ماسة متسمرة في مكانها، كان مشهد حور وهي تدفع سليم باستماتة عن رشدي كفيلا بأن يعيد إليها وعيها فجأة، لم تستوعب، كان السؤال يصرخ داخلها: ما الذي يحدث بحق الجحيم؟
سألت بصوت مبحوح يخرج بصعوبة: هو إنتِ تعرفي رشدي يا حور؟
رفعت رأسها من حضنه بفخر طفولي بريء: أيوه طبعا أعرفه! رشدي صاحبي! هو اللي كان بيخليني أكلمكم ويجيبلي شيكولاتة ويوديني المطعم اللي بيلف!
ثم التفتت لسليم بعتاب: إزاي يا بابا تضرب صاحبك كده؟
اتسعت عينا ماسة حتى كادت تخرج من محجريها، ورفعت بصرها ببطء نحو سليم وكأنها تستغيث به، كان وجهه شاحبا كالموتى.
لقد فهمت.
رشدي كان يعرف بوجود حور منذ سنوات، وكان يخفيها ويلعب بهم كقطع شطرنج.
نظرة سليم لرشدي لم تعد نظرة أب مصدوم، بل نظرة رجل عاد إليه شيطانه القديم كانت النيران تشتعل في صدره، لكنه كان مشلولا عن فعل شيء، بسبب وجود حور.
بينما لانت ملامح حور وقالت بشوق وهي تنظر لرشدي: وحشتني خالص يا رشدي، انت مجيتش ليه؟ بقالي كتير مشوفتكش؟! بابا وماما جم، بس أنا زعلانة من بابا ومش هكلمه عشان ضربك.
دققت ماسة النظر في سليم، تنتظر منه كلمة يدافع بها عن نفسه، لكن لسانه كان معقودا.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأرغمت شفتيها على ابتسامة مرتجفة محاولة تصليح الموقف: لا يا حبيبتي، بابا مكانش بيضرب رشدي، دول كانوا بيلعبوا مع بعض، وهو ومكي وقعوا واتعوروا، حتى شوفي عمو مكي متعور إزاي؟!
هزت رأسها بعناد: لا! كان بيضربه!! أنا شوفته بعنيا!
التفتت ماسة مرة أخرى إلى سليم بسرعة، تستنجد به بنظراتها: لا صدقيني كانوا بيلعبوا، صح يا بابا؟
تبادلا النظرات لوهلة، كانت أنفاس سليم متلاحقة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، خرجت الكلمات من فمه انتزاعا: أيوه.. كنت.. كنت بلعب معاه.
جز على أسنانه بضيق وهو ينظر لرشدي: صح يا رشدي؟
نهض من مكانه متوقفا، ثم مد يده إليه، ليساعده على الوقوف رغما عنه أمام ابنته.
لكن رشدي نظر إلى يده الممدودة نظرة طويلة باردة، ثم رفع نظره إلى وجهه، ورسم على شفتيه الملطختين بالدماء ابتسامة باردة.. إبتسامة المنتصر.
ونهض من تلقاء نفسه، دون أن يمسك يد سليم، تاركا يده معلقة في الهواء وكأنه إعلان منه عن حرب ستبدأ لكن عن طريق حور...
في تلك اللحظة، التفتت ماسة إلى مكي سألته: انت كويس؟
كان مكي واضعا يده على رأسه، وجهه شاحب قليلا: كويس..
شهقت ماسة عندما رأت الدم يتسلل بين أصابعه: انت بتنزف!
انتبه سليم فاقترب منه بسرعة، والقلق يملأه: حاسس بإيه؟
أجابه: دايخ شوية..
ساعده على الوقوف ثم تحركا وأجلسه على الأريكة،
كانت الفوضى تعم المكان كراسي متكسرة وإكسسوارات مبعثرة.
بينما راحت ماسة تبحث بعينين زائغتين عن أي شيء توقف به النزيف، حتى التقطت عبوة مناديل وضغطت بها على جرح مكي.
أشارت حور لرشدي: تعال نقعد يا رشدي، اقعد هنا.
وجذبته من يده حتى جلس، ثم ركضت نحو الطاولة، التقطت علبة المناديل، وعادت لاهثة تمسح الدم عن خده برفق شديد: معلش يا رشدي، بتوجعك؟
كان الجميع يراقب في صمت ثقيل
كان منظرا مستفزا لهم بشدة حتى قطعه سليم، وهو يحاول أن يبتسم، لكن ابتسامته خرجت مجروحة:
طب ومفيش منديل لبابا ؟ أنا كمان اتعورت.
توقفت حور عن مسح وجه رشدي، والتفتت إليه بحدة طفولية: لا! انت اللي ضربت رشدي، انت وحش، أنا مش بحبك!
فور أن سمعها، تجمد سليم من الداخل، لم تكن مجرد كلمة، كانت صفعة.
تدخلت ماسة بسرعة: في حد يقول لبابا كده؟ عيب يا حور..
خبأت حور وجهها في صدر رشدي بعناد: لا زعلانة منه وهخاصمه يوم ويوم ويوم!
لم يعد مكي يتحمل، انفجر من الألم والغضب قال: انت يا زفت! ما تنطق! مش كنا بنلعب ووقعنا؟! ماتتكلم بقى!
لكن رشدي ظل صامتا صمتا طويلا متعمدا، عيناه تلمعان بتشفي خفي، وكأنه يتلذذ بنظرة سليم المكسورة، وبتعلق حور به.
ترك اللحظة تمر ثقيلة فاللعبة أصبحت ملكه الآن، ثم مال برأسه نحو حور، ومسح على شعرها بحنان مصطنع وسألها وكأنه يتعمد استفزازهم: انتِ هنا من امتى يا حببتي؟
رفعت إليه وجهها ببراءة، وبدأت تعد على أصابعها: من يوم.. ويوم.. ويوم كتير! من بدري أوي، وماما وبابا جم، وهنعيش كلنا هنا! بابا قالي هيجيب رحمة وتيتة كمان يعيشوا معانا.
أومأ بريبة، بينما تابعت هي: أنت كمان هتعيش معانا أنت ومي؟
أطال النظر إليها، وقد أدرك أن السند الوحيد الذي كان يملكه قد انفلت من بين يديه، لكن تعلقها به قد يعيده إليه مرة أخرى.
رفع عينيه نحو سليم متسائلا بخبث: نسأل بابا؟ ايه رأيك يا بابا أعيش معاكم أنا ومي.
زم سليم شفتيه مستفزا من وقاحته لكنه لم يرد، اشاح بوجه في إتجاه آخر.
لكن ماسة انتبهت جيدا لكلمة حور "مي" ضيقت عينيها، اقتربت وهي تسأل بصوت متلعثم، وكأن شيئا ما بدأ يتضح أمامها: أنتِ كمان عارفة مي؟
أجابته ببساطة: أيوه، هي كمان صاحبتي!
بدأت عينا ماسة تتحركان باضطراب، فالتفتت إلى سليم، الذي نظر إليها محاولا فهم ما وراء سؤالها، قبل أن تعود بنظرها إلى حور مره أخرى وتسألها بتلعثم: هو... هو إنتِ تعرفي طنط ماسة؟ صاحبة مي؟ اللي كانت عايزة تاخدك تلعبي معاها في حمام السباحة؟!
أومأت بحماس: أيوه، ما أنا قولتلك، أنا عندي صاحبة اسمها ماسة على اسمك، إنت عارفها؟
فور أن سمعت إجابتها غص قلبها، وارتعش جسدها كله.
فقد أدركت الحقيقة للتو، كانت هي..!
تحركت مبتعدة بسرعة، ودموعها تهبط رغما عنها،
بينما أغمض سليم عينيه للحظة، فقد أدرك هو الاخر الحقيقة المرة ثم اتجه إليها سريعا.
توقف بجوارها ينبهها بهمس: ماسة مش هينفع عشان البنت.
كانت تحاول التقاط أنفاسها، قبل أن تقول بصوت منكسر خافض: كانت بتكلمني يا سليم، وأنا معرفش إنها بنتي..
حاول تهدئتها: عشان خاطري اهدي، وأنا وعزة وجلال الله لأدفعه الثمن، استني بس.
رفعت عينيها إليه، والدموع تملأ وجهها، تحدثت من بين أسنانها بضجر وعينها على حور وهي بين أحضان رشدي: تدفعوا ثمن إيه؟ دي بتحبه ومتعلقة بيه، مش شايف؟
هزت رأسها بضعف وقلة حيلة، لكنها لم تحتمل بكت بحرقة ثم فجأة ألقت بنفسها في حضنه، وانفجرت في البكاء.
ضمها إليه وربت على شعرها: خلاص، اهدي.
قالت بين شهقاتها: كانت بتكلمني، وأنا معرفش إنها بنتي..
أبعدها قليلا عن صدره، ضم وجهها بكفيه، وهو يحاول جاهدا السيطرة على غضبه: عشان خاطري يا ماسة، حاولي تتمالكي نفسك، أنا والله ماسك نفسي بالعافية.
ثم التفت نحو رشدي، قبل أن يعود بنظره إليها قائلا:
إحنا دلوقتي نروح للبنت، عشان نفهم إزاي رشدي وصلها؟! وازاي متعلقة بيه بشكل ده؟! ارجوكي يا ماسة امسكي نفسك مش هينفع تاخد بالها.
أومأت من بين دموعها، فقبل جبينها ثم أمسك يدها وتحركا نحوهم.
كانت حور لا تزال واقفة بين قدمي رشدي، تمسح على خده ببراءة
نظرت حور إلى ماسة متسائلة: هي ماسة صاحبتكم فين؟ وجوزها الرخم؟
أجابها سليم بهدوء محاولا ألا يظهر شيئا: ماسة جوزها مكانش رخم، جوزها كان كويس هي سافرت مكان بعيد.
مدت شفتيها بحزن: يعني مش هشوفها؟
أومأ بتأكيد: آه هتفضل بعيدة.
اقتربت حور من ماسة متسائلة: انتِ بتعيطي ليه
ثم نظرت لسليم بتحفز: انت زعلتها؟
أجابتها مسرعة وهي تمسح على شعرها: لا أنا بس بطني وجعاني.
ثم نظر سليم إلى حور بنبرة آمرة: حور، روحي مع ماما الاوضه، عشان عايز أتكلم أنا وعمو رشدي شوية.
اقتربت حور من رشدي مرة أخرى واحتضنته سريعا:
لأ.
شد سليم على أسنانه، محاولا الحفاظ على هدوئه قال: حور اسمعي الكلام.
لكنها اعترضت: أنا عايزة أقعد مع رشدي، هو واحشني، وبقالى يوم كتير مش بشوفه!
حاول السيطرة على أعصابه: اسمعي الكلام يا حور، هتكلم مع عمو رشدي شوية، وبعدين تعالي اقعدي معاه زي ما انتِ عايزة.
ثم رفع عينيه إلى رشدي، كانت نظرته تحمل تهديدا صريحا، ثم اقترب خطوة واحدة منه، وتحدث معه بالإنجليزية، بصوت هادئ مخيف كالفحيح البارد: أقسم لك، إن لم تأمرها بالذهاب مع والدتها الآن حتى نستطيع التحدث على انفراد، فسأرسل رجالي إلى منزل زوجتك وعائلتها، وسأجعلهم يدفعون الثمن، سأقتلهم إن اضطررت، لا تختبر صبري، فأنا لا أمزح.
اتسعت عينا رشدي، وعرف من نبرته أنه لا يمزح الآن.
بينما أخرج سليم هاتفه، وضغط على رقم عشري، وما إن بدأ الهاتف يرن حتى ظل رشدي يحدق فيه بقلق.
أجاب عشري، فقال سليم دون تردد وعيناه تحملان شيئا من سليم القديم: عشري، خد العربية دلوقتي حالا وروح على عمارة مي، ومعاك الرجالة.
صمت لحظة، ونظر إلى رشدي مباشرة، لم يكن يمزح، تبادلا النظرات، علم رشدي أن سليم لن يترك له هذه المرة أي مساحة للمراوغة، وأن أي محاولة منه ستكلفه الكثير، فعليه أن يستمع لحديث سليم.
نظر لحور وهو يمسح على شعرها: جنة اسمعي كلام بابا، وروحي مع ماما.
نظرت إليه بحزن: عايزة أقعد معاك شوية وحشتني قد السما.
رد بهدوء: اسمعي الكلام عشان مزعلش منك.
ترددت للحظة، ثم أومأت: طيب، ماشي.
تحركت نحو ماسة، لكنها قبل أن تخرج اقتربت
من سليم وقالت له ببراءة: أوعى تضربه تاني هزعل منك قد البحر.
لم يرد عليها، واكتفى بنظرة قصيرة، لكن ماسة أشارت إليه محذرة: سليم، استنى... متتكلمش في حاجة، أنا كمان محتاجة أفهم.
أومأ لها، ثم خرجت
وبمجرد أن ابتعدتا، تحرك سليم وعدل المقعد المقلوب وجلس أمام رشدي، وأخذ يرمقه من أعلى إلى أسفل في صمت.
كانت نظراته طويلة مشمئزة، ثم أمسك بعض المناديل بين أصابعه، وبدأ يمسح بها وجهه وقال باحتقار: بتلعبني ببنتي؟ مش ناوي تنضف بقى؟
انطلقت من رشدي ضحكة قصيرة، تحمل سخرية أكثر مما تحمل مرحا: عيب انت اللي تقول الجملة دي؟
مال برأسه قليلا، وعيناه لم تفارقا سليم: ما انت عارف، عايز توجع حد؟ اضربه بأقرب حاجة ليه، بالحاجة اللي هو بيحبها..
صمت لحظة، ثم تابع بنبرة ضيق: زي ما انت عملت بالظبط.
اشتدت ملامح سليم ورد مدافعا: أنا لما عملت كده معاك، كنت برد على اللي انت عملته معايا زمان، لما وجعتني بماسة، لكن استغلالك لحب طفلة مكملتش ست سنين، عشان تخليها ضدي دي قذارة منك..
ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يرد: دي القوانين يا حبيبي... وانت عارف
ارتفعت نبرة صوته قليلا وهو يضيف: عزت وفايزة ربونا على كده! مفيش حاجة اسمها حب، الحب ضعف، ومينفعش يبقى عندك نقطة ضعف، وبعدين أنت لو مكاني، كنت هتعمل كده.
أومأ سليم بيقين: أنا لو مكانك مستحيل اعمل كده، كنت هحاول أنضف وأبين حسن نية..
ثم نظر إليه باحتقار واضح: مش استغل طفلة، بس إنت هتفضل طول عمرك قذر.
صمت للحظه، ثم سأله بهدوء غريب: تفتكر يا رشدي، بعد ماعرفت أنك كنت عارف مكان بنتي؟! مطلوب مني أعمل إيه؟ أقتلك... صح؟
أجابه بثقة: المفروض تشكرني لولايا كانت زمانها ماتت!
مالت شفتا سليم بابتسامة مستهجنة من إصرار رشدي أنه لم يخطئ، دون رد.
بينما تابع رشدي متسائلا بفضول: انت وصلتلها إزاي؟ محدش يعرف طريقها، ولا يعرف أصلا بوجودها غيري.
أجابه بسخرية لاذعة: شريكك قالي مكانها.
عقد حاجبيه قائلا: أنا معنديش شريك.
رفع حاجبه، ساخرا: إيه يا رشدي؟ المخدرات خلتك تنسى؟
رد بإصرار حاد: لا أنا مش بنسى، أنا بكلمك بجد، مين اللي قالك؟ شريك مين؟ مفيش طرف تالت
فأجاب ببرود: لا فيه.. عاطف، السواق.
ظل يحدق فيه للحظات، ثم ضيق عينيه متسائلا: وعاطف عرف إزاي إنها بنتك؟ ومين اللى قالك عليه؟
رفع سليم حاجبه بهدوء مستفز: وأقولك ليه؟
أضاف بسخط: ماسيبك كده تتجنن شوية.
أومأ رشدي: مش أسلوبك.
ضحك سليم بخفة: ما أنا اتعلمت منكم أساليب جديدة.
مال عليه رشدس بجدية: عرفني بس، عرفت طريق جنة إزاي؟
توقفت نبرته للحظة، ثم تابع بتحذير واضح: لحسن يكون حد عرف!! لأن مفيش حد يعرف الموضوع ده غيري؟! كون إن عاطف قالك دي حاجة مش بسيطة؟!. عاطف ميعرفش انها بنتك اصلا!
ثم أضاف بسرعة وصدق: وأنا بحب البنت بجد، وبخاف عليها بطل سقالة بقى، وفهمني، مش وقت انتقام أفصل دي عن دي..
ظل سليم ينظر له لثواني بصمت شعر أن رشدي صادقا في خوفه فقال: صافيناز.
عقد حاجبيه وهو يتمتم: صافيناز؟!
أجابه موضحا: أنا كنت بستفزها عشان تعترف مين اللي عمل الحادثة..
تغيرت ملامح رشدي قليلا، فتابع سليم: ولما قولتلها إن عماد متجوز سارة قالتلي إن البنت اتولدت عايشة، وإن عماد إداها لعاطف، هي مكانتش تعرف أكتر من كده..
ثم أكمل: لما روحت لعاطف وضربته، قال إن البنت عايشة، وإنه مقتلهاش ومحدش يعرف بالموضوع ده، بس مجابش سيرتك!
ظل رشدي صامتا للحظات، وكأن الكلمات طمأنته من ناحية، وأربكته من ناحية أخرى، أطلق زفرة قصيرة: طب كويس.
ثم رفع عينيه إلى سليم وقال: خد بالك منها بقى.
إجابه سليم بسخرية باردة: أكيد مش واحد زيك هو اللي هيوصيني آخد بالي من بنتي!
تصلب فك رشدي، كأن الكلمة غرزت في لحمه الحي.
بينما حاول سليم أن يستعيد هدوءه.
أخذ نفسا عميقا، ثم التفت إلى مكي متسائلا: عامل ايه دلوقت؟ أحسن؟
نظر له مكي بطرف عينه، ثم أومأ باقتضاب: أممم.
علي اتجاه آخر...
صعدت ماسة برفقة حور إلى الطابق الثاني، وتوجهت إلى غرفة سعدية. وما إن دخلتا حتى وجدت سلوى ومجاهد يجلسان برفقة سعدية.
قالت بسرعة: كويس إنكم هنا، خلوا حور معاكم وأنا نازلة تحت.
سألتها حور: هتروحي فين؟
أجابتها وهي تحاول الحفاظ على هدوئها: لازم أعمل عصير لرشدي، وأجيبلهم دوا عشان الوقعة اللي وقعوها.
سعدية بقلق: إحنا كنا سامعين صوت، بس مرضيناش ننزل، خير؟
سألها مجاهد بقلق: ايه اللي بيحصل يا بنتي؟
ردت من بين تنهيدة طويلة متعبة: بعدين، بس خليكوا هنا، وخلوا البنت معاكم، بلاش تنزلوا تحت.
اعترضت حور فورا: أنا عايزة أنزل أقعد مع رشدي.
نظرت إليها ماسة بحزم: حور، اسمعي الكلام، خليكي قاعدة مع تيتة وجدو وخالتو، وهنخليكي تشوفي الزفت! بس نطمن على بابا الأول .
قطبت حاجبيها وقالت بضيق: إنتِ بتزعقيلي ليه؟ أنا مخصماكي يوم ويوم ويوم.
لم تهتم ماسة بكلامها، واكتفت بهز رأسها.
بينما اقتربت سلوى من حور وجذبتها إليها قائلة: طب روحي انتِ يا ماسة...
فقد فهمت أن شقيقتها غاضبة ولم تعد قادرة على السيطرة على نفسها، فخرجت ماسة وأغلقت الباب خلفها.
بينما ابتسمت سلوى لحور وقالت: تيجي نعمل إسورة وخاتم وعقد حلوين ليكي بالفصوص؟
ابتسمت حور: ماشي.
أمسكت سلوى بيدها: طيب تعالي، نروح أوضتي نجيب الحاجات ونرجع نعملها هنا مع تيتة وجدو.
تبسمت: ماشي
في المكتب.
ظل الوضع كما هو عليه، يجلسون في صمت ينتظرون وصول ماسة.
دخلت ماسة قائلة: اتأخرت؟
رفع سليم رأسه ونظر إليها نافيا، فتقدمت وجلست بجانب سليم، وظلت تنظر لرشدي للحظات قبل أن تقول بصوت متوتر: أنا عايزة أفهم، بنتي تعرفك ومتعلقة بيك كده إزاي؟ كانت معاك إزاي؟ ده حصل إمتى؟
تنهدت، ثم تابعت بضجر: مش عارفة أنا ليه مصدومة؟! بعد كل اللي عرفته وعملته معايا، المفروض متصدمش.
أجابها ببرود مستفز: هقولك نفس الكلمة اللي قولتها لجوزك وانتِ فوق.. المفروض تشكريني!
اتسعت عيناها بصدمة، وتوقفت وهي تصيح به بوجع أم غاضبة: أشكرك!؟ أشكرك إنك سرقت بنتي مني طول السنين دي؟! أشكرك لأنك حرمتني إني أشوفها وهي بتكبر، وأسمع منها كلمة «ماما»! حرمتني منها خمس سنين يا حيوان!
اقتربت منه وضربته على كتفه وهي تصرخ ودموعها تنهمر: أنا عملتلك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟! عملتلك إيه يا حقير؟! ليه حرمتني منها؟! ليه حرمتني من أجمل سنين كان المفروض أعيشها مع بنتي!
دون أن تشعر، مدت يدها وصفعته، فنهض سليم على الفور ووقف أمامها، لكن رشدي لم يتحرك من مكانه، فقط ينظر إليها بصمت، لم يكن لديه ما يقوله.
صرخت وهي تواصل بعينين ممتلئتين بالغضب والدموع: عملتلك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟! انت كنت بتعاقبني أنا، مش سليم!
صاحت حتى بُح صوتها بانهيار: رد عليا عملت ليه كده؟! مكفاكش إنك دمرت حياتي مع سليم؟! مكفاكش إنك هددتني بأهلي؟! مكنتش بصعب عليك؟!
تهدج صوتها بوجع يكسر القلب بين شهقاتها: طب هي؟! هي مكنتش بتصعب عليك وهي بتسأل عننا وبتقولك نفسي أشوف بابا وماما يا سافل..
اشتد غضب سليم وهو يرى ماسة تنهار أمامه، فمد يده وأمسكه من أسفل فكه، صارخا في وجهه: ما ترد عليها يا جبان! قولها عملت فيها كده ليه؟!
رفع عينيه نحوهما بغل، ثم تحدث بغضب بارد، بقناعة أنه لم يفعل أي شيء خطأ: أنا عملت إيه؟! أنا حافظتلكم على بنتكم
صمت لوهلة وهو ينظر أمامه وكانه يعترف لنفسه قبلهم بضعف صادق: يمكن في الأول كان قصدي مش شريف، وكان كل إللي في دماغي إني أستغلها، بس بعد كده حبيتها..!
تغيرت نظراته، وبدأ صوته يهتز رغم محاولته التماسك: حبيتها بجد، كانت الشخص الوحيد اللي كنت بحس معاه بنقاء غريب..
رفع عينيه المشتعلتين نحوهما من جديد: المفروض تشكروني! بنتكم لو كانت فضلت معاكم، كانوا هيقتلوها؟! تفتكر فايزة كانت هتقبل بيها؟ كانت هتقبل إن ماسة الخدامة يبقى ليك منها بنت؟! كانوا هيستغلوا وجودك في الغيبوبة وانهيارها، وكانوا هيقتلوها...
ابتلع ريقه، وأضاف بقناعه: الحاجة الوحيدة اللي عمري ماندمت عليها، إني خبيت جنة ولو رجع بيا الزمن هعيد نفس الاختيار تاني.
ساد الصمت.
كان سليم ومكي يرمقانه بغضب، بينما كانت ماسة تبكي بصمت، وكأن كل كلمة تُسمع كانت تمزق جزءا آخر من قلبها.
تقدم سليم منها، ومد يده إليها قائلا بهدوء: تعالي يا عشقي اقعدي.
أمسكها من كتفها برفق، وقادها إلى أحد المقاعد، ثم جلسوا جميعا أمام رشدي.
ثبت سليم عينيه عليه وقال بحزم: يلا احكيلي وصلتلها إزاي؟! عشان انت لو محكيتش انت عارف انا ممكن اعمل ايه
قاطعه رشدي باشارة من يده بضجر: من غير تهديد، هقولك
صمت للحظات، وكأنه يستعيد المشهد كاملا في ذاكرته، ثم قال: الحكاية بدأت بعد الحادثة، بعد ما ماسة خرجت من العمليات.
أخذ نفسا عميقا، ثم تابع: لما الدكتور خرج وقال إن البنت ماتت.
خفض عينيه للحظة قبل أن يكمل: محدش كان مهتم، بس بعدها شوفت صافيناز وعماد بيتكلموا، وأنا عارف الحربوقة والثعلوب لما يقفوا الوقفة دي ويقعدوا يتهامسوا... بيكونوا بيخططوا لحاجة...
ابتسم بسخرية: روحتلهم وسألتهم: في حاجة؟ قالولي: لا، مفيش..
هز رأسه وتابع: بس أنا كنت متأكد إن فيه حاجة، سبتهم، لكن الموضوع فضل في دماغي، وبعد شوية لقيت عماد قام ومشي... فمشيت وراه..
فلاش باك
المستشفى - قبل سنوات
كان عماد يقف في أحد أركان المستشفى، يتحدث مع طبيب، بينما كان رشدي يقف بعيد قليلا، يراقبهما ويستمع لكل كلمة.
أخرج عماد بعض المال ومده للطبيب: شكرا يا دكتور.
أخذ المال، ثم قال بقلق: أنا دخلت البنت الحضانة على مسؤوليتي باسم حد تاني، بس هي مش هينفع تفضل كتير.
قطب حاجبيه: مش إحنا اتفقنا إنك تخلصنا منها؟
هز رأسه رافضا: لا، مش هقدر أعمل ده، ادخل أنت واعمل اللي أنت عايزه، هي كده كده لازم تفضل في الحضانة مش أقل من خمس أيام.
اقترب عماد منه وقال بضيق: طب هتعمل إيه؟ أنا المفروض دلوقتي جايلك أستلم الجثة.
صمت الطبيب لحظة، ثم قال: حضرتلك شوية شاش وقطن، وكأنها متكفنة وجاهزة، ادخل أنت بس، وكأنك بتستلم جثة البنت...متقلقش، محدش هيشك في حاجة.
أومأ عماد: تمام يا دكتور، طب أنا عايز أدخل أشوف البنت..
صمت للحظه ثم سائلة: هو مش لو شلت جهاز التنفس تموت
أومأ الطبيب: بالتأكيد.
في تلك اللحظة، تمتم رشدي من مكان اختبائه، وهو يراقبهما: يا أولاد الـ... يعني ماسة ولدت بنتها عايشه!
ثم أسرع بالاختباء عندما تحرك الطبيب مع عماد باتجاه الحضانة.
((الحضانة))
دخل الطبيب أولا، وأشار إلى حور، التي كانت لا تزال رضيعة صغيرة، ثم خرج.
بعد لحظات، دخل عماد بعدما ارتدى الملابس المخصصة للمكان وقف أمام الحضانة طويلا.
مد يده، وأمسك جهاز التنفس الموضوع للرضيعة، ثم نزعه ببطء ظل ينظر إليها، ويده ترتجف.
حاول أن يقنع نفسه بما يفعله، لكنه لم يستطع،
هز رأسه باختناق، ثم أعاد جهاز التنفس إلى مكانه
وتحرك مبتعدا
كل ذلك كان رشدي يراقبه من خلف الباب، حتى رأى عماد يخرج مسرعا.
اختبأ رشدي، ثم تبعه من بعيد حتى عاد إلى صافيناز.
كانت صافيناز تنتظره، وما إن رأته حتى رمقته بنظرة واحدة، وكأنها تسأله: عملت إيه؟
وقف أمامها، وملامح العجز واضحة على وجهه: مقدرتش أعملها حاجة.
اتسعت عيناها: يعني إيه هتسيبها عايشه؟
أجابها بتهكم: مقدرتش دي طفلة رضيعة، مقدرتش مش للدرجة دي!
صاحت بانفعال: البنت دي لازم تموت!
عماد بسرعة: هو كده كده هيعرفوا إنها ماتت، الخبر وصلهم خلاص، أنا دلوقتي هروح عشان أستلمها وندفنها.
نظرت إليه بقلق: طب وهي هتعمل فيها إيه؟
هز كتفيه بعجز: معرفش بقى، هوديها ملجأ؟ احطها جنب رصيف، بس مش هقدر أقتلها..
ثم صمت لحظة، قبل أن يضيف: أو ممكن أديها لعاطف السواق... وهو يتصرف.
ظلت صامتة للحظات، ثم قالت: طيب...
باااك
عاد رشدي ببصره إلى ماسة وسليم الجالسين أمامه.
ظل صامتا لثواني، وكأن استرجاع تلك اللحظات لم يكن سهلا عليه، ثم قال بصوت خافت: من اللحظة دي، عرفت إن البنت لسه عايشة، بس مكنتش أعرف عماد ناوي يعمل إيه وقتها؟! قولت لازم أركز معاها وخليت شوقي كمان يراقبهم، طبعا عماد استلم الكفن الفاضي هو وإبراهيم ولأن إبراهيم وقتها قلبه خفيف، مدخلش، وأنا عملت نفسي مشغول، عشان أسهلها على عماد
رفع عينيه نحوهم، ثم تابع بصوت هادئ، وقد عادت ذاكرته إلى تلك الأيام: بعد كام يوم... لقيت عماد واقف مع الدكتور تاني.
ساد الصمت للحظات، بينما كانت ماسة تنظر إليه بترقب، وكأنها تخشى ما ستسمعه، أما سليم ومكي فظلا يحدقان فيه بملامح جامدة، ينتظران بقية الحكاية.
فلاش باك
المستشفى - بعد عدة أيام
كان عماد يقف في أحد الممرات الجانبية بالمستشفى، يتحدث مع الطبيب بصوت منخفض، بينما وقف رشدي على مسافة، عينيه معلقتين بهما.
اقترب الطبيب من عماد قائلا: النهارده هتستلم البنت.
أومأ دون أن يجيبه، ثم تحرك مبتعدا.
ظل رشدي يراقبه حتى اختفى عن أنظاره..
مرت عدة ساعات...
وفي منتصف الليل، خرج عماد من المستشفى متخفيا، يحمل الطفلة بين ذراعيه، ثم صعد إلى سيارة صافيناز وانطلق بها بعيدا عن المستشفى، كان رشدي يتبعه بسيارته من مسافة آمنة، حتى توقفت سيارة عماد في أحد الشوارع الجانبية الهادئة.
كان عاطف في انتظاره.
أوقف عماد السيارة، ثم ترجل منها وهو يحمل الطفلة، واتجه نحو عاطف بخطوات سريعة.
رفع الطفلة أمامه، وقال بلهجة أمر: خد البنت دي وخلصني منها بأي شكل، تقتلها، ترميها في الشارع، مليش دعوة، اعمل اللي إنت عايزه، ومتقوليش عملت إيه؟!
نظر إليه بذهول، ثم نظر إلى الطفلة الصغيرة بين ذراعيه: يعني إيه يا باشا؟
اقتر منه أكثر، نبرته أكثر حدة: نفذ اللي أمرتك بيه يا عاطف، ومش عايز رغي كتير.
ظل عاطف صامتا، وعيناه معلقتان بالطفلة.
مد عماد يده وسلمه إياها، ثم أخرج مبلغا من المال ودسه في يده: الموضوع ده يتقفل، وميتفتحش تاني، وإلا هتكون روحك هي الثمن.
ابتلع ريقه برعب، وأومأ بتوتر، ثم احتضن الطفلة بين ذراعيه.
استدار عماد دون كلمة أخرى، وعاد إلى سيارته وانطلق مبتعدا، كان رشدي يراقب كل شيء من داخل سيارته، بينما ظل عاطف واقفا في مكانه لا يعرف ماذا يفعل.
خفض عينيه نحو الطفلة، فوجدها نائمة في هدوء، كالملاك.
تنهد واتجه إلى سيارته، وضع الطفلة إلى جواره، ثم انطلق يقود بلا هدف، وعيناه تنتقلان بين الطريق والطفلة.
وبعد وقت، توقف بالقرب من النيل، ترجل وحمل الطفلة ووقف أمام المياه.
تردد.. اقترب خطوة ثم توقف، كان الصراع واضحا عليه، ينظر إلى الطفلة ثم إلى النيل، ومن بعيد كان رشدي مازال يراقبه بتركيز.
وأخيرا زفر عاطف بضيق وهز رأسه، كأنه لم يستطع تنفيذ ما أُمر به، وعاد إلى سيارته.
بعد وقت، توقف أمام أحد الملاجئ. ظل جالسا ينظر إلى المبنى ثم إلى الطفلة، مد يده نحو مقبض الباب لكنه توقف.
قال لنفسه بحزن: طفلة صغيرة، يا دوب عندها كام يوم. ليه مصيرها يكون كده؟
صمت للحظه، ثم أخذ نفسا عميقا وأدار المحرك وتحرك بعيدا، يبدو أنه قرر شيء.
ظل رشدي يتبعه في صمت، حتى توقف أمام منزل قديم هادئ.
(منزل إسعاد)
نظر رشدي إلى المكان باستغراب، ثم قال لنفسه: إيه المكان ده؟ هتعمل إيه يا عم عاطف؟ خلينا نشوف.
نزل عاطف من السيارة، وحمل الطفلة بين ذراعيه، ثم اتجه نحو باب المنزل.
طرق الباب عدة طرقات وبعد لحظات، فُتح الباب، وظهرت (إسعاد).
ابتسمت ما إن رأته: تعالى يا ابني... اتفضل.
ابتسم ابتسامة متكلفة: عاملة إيه يا حاجة؟ أخبارك إيه؟
أغلقت الباب خلفه، ثم ابتسمت له: الحمد لله يا ابني, إنت أخبارك إيه؟ مبتزورنيش ليه؟
جلس على أحد المقاعد، ثم أجاب: مشاغل والله.
ابتسمت له: الله يعينك يا ابني.
ثم وقعت عيناها على الطفلة التي يحملها، فاقتربت منه قليلا: مين العيل اللي على إيدك ده؟ خلفت؟
ارتبك للحظة، ثم سارع إلى اختلاق كذبته: لا... أنا لقيتها في الشارع وصعبت عليا.
أضاف، وكأنه يحكي لها مأساة حقيقية: خدتها لمراتي، قامت مصوتة ولمت عليا العمارة، وقعدت تقولي: أنت اتجوزت عليا وخلفت وخونتني!
رفع يده بحركة عفوية: وبهدلت الدنيا ومش عارف أعمل إيه؟! قولت أوديها لأمي تربيها..
تنهد: أمي قالتلي: أنا رجل بره ورجل جوه، وبعدين مراتك هتعمل مشاكل وأنا مش قد مراتك.
هز رأسه بحيرة يحاول استعطافها: قولت أوديها ملجأ كده ولا دار أيتام! مش عارف والله يا حاجة أعمل إيه؟!
وضعت يدها على صدرها، ونظرت إلى الطفلة بحزن: لا إله إلا الله حد يرمي ضناه كده؟
رد: ناس معندهاش قلب ولا ضمير.
ثم نظر إليها مترددا قبل أن يقول: بقولك إيه يا حاجة... ما تاخديها تربيها؟
اتسعت عينا: إيه يا ابني؟ أربيها إزاي؟ وأنا حمل عيال صغيرة؟
ابتسم برجاء: تاخدي فيها ثواب، أصل الواحد بيسمع عن الملاجئ الأيام دي حاجات كده توجع القلب.
أومأت بتفكير: والله عندك حق يا ابني، بس أنا خايفة معرفش أربيها.
اقترب منها قليلا: طب خليها معاكي يومين كده ينوبك ثواب فيها، لحد ما أشوفلها مكان كويس.
صمتت لثواني تفكر، ثم مدت يديها وهي تقول: وريهالي كده يا ابني.
ناولها الطفلة بحذر فاحتضنتها إسعاد، وما إن تأملتها حتى تبدلت ملامحها إلى ابتسامة حانية: ما شاء الله عليها، الله أكبر، زي القمر، شكلها لسه مولودة.
ابتسم بحزن مصطنع: أهلها معندهمش قلب لقيتها جنب صندوق زبالة الكلاب كانت هتاكلها.
هزت رأسها بأسى: حسبي الله ونعم الوكيل.
نهض من مكانه، واتجه نحو الباب: طيب أنا هقوم بقى، خليها معاكي، وهجيلك كمان يومين عشان آخدها، وأكون شوفتلها مكان.
ثم تنهد وهو يهز رأسه بتمثيل: هروح للمجنونة اللي في البيت دي، اشوف هعمل معاها إيه.
ابتسمت وهي تعيد احتضان الطفلة بين ذراعيها: روح يا ابني، ربنا يسترها عليك.
وقبل أن يخطو عاطف نحو الباب، استوقفته قائلة:
استنى بس، روح كده هاتلي من الصيدلية غيار ليها ولبن، أصل هي لسه صغيرة ومحتاجة حاجات كتير انا لسه معايا حاجات من هدوم ابني وهو قدها بس لازم نجبلها هدوم.
أومأ بتفهم، وقال: حاضر، هجيبلك اللي إنتِ عايزاه. قوليلي بس حاجة حاجة وأنا هروح أجيبهالك.
جلست تفكر للحظات، ثم بدأت تعدد له كل ما تحتاجه الطفلة، كان يستمع إليها باهتمام، ويحفظ الأشياء واحدة تلو الأخرى، قبل أن يومئ لها: حاضر، متقلقيش.
وبالفعل، خرج من المنزل يتحرك باتجاهات مختلفه، بينما كان رشدي لا يزال جالسا داخل سيارته في الجهة المقابلة، لكنه لم يتحرك خلفه هذه المرة، ظل جالسا في مكانه، يراقب المنزل من بعيد.
مرت عدة دقائق... ثم عشر دقائق أخرى.
وأخيرا، ظهر عاطف من جديد يقترب وهو يحمل عدة حقائب صغيرة.
اتجه إلى الباب، وطرق عليه.
فتحت إسعاد، فناولها إحدى الحقائب: جبت كل اللي طلبتيه.
فتحت الحقيبة، فوجدت فيها حفاضات وعبوات من اللبن وبعض مستلزمات الطفلة.
رفعت عينيها إليه بإبتسامة ممتنة: ربنا يكرمك يا ابني، تعبتك معايا، بس بكره تعالى كده وهاتلي شويه لبس ليها حتى من هدوم عيالك وانا برده هقول لام رحمه هنا تاخد لها شويه حاجات من ابن بنتها.
ابتسم عاطف: ماشي، البنت محتاجة حاجات كتير، وأنا مش هسيبك محتاجة حاجة.
أخرج من جيبه بعض المال، ومده إليها قال: وخدي دول كمان، خليهم معاكي لو احتجتي أي حاجة.
رفضت في البداية: لا يا ابني، كفاية عليك كده.
لكنه أصر ووضع المال في يدها: خليهم يا حاجة، عشان لو احتجتي حاجة للبنت متستنيش لحد ما آجي.
نظرت إليه بتأثر: ربنا يجازيك خير يا ابني.
ابتسم، ثم قال: خلي بالك منها.
أومأت: حاضر يا ابني، دي في عيني.
أومأ لها، ثم استدار وغادر.
ظل واقفا للحظة أمام المنزل، وكأنه يتأكد من قراره، ثم اتجه إلى سيارته وصعد إليها.
لكن ما إن أغلق الباب حتى فُتح الباب الآخر فجأة.
انتفض عاطف والتفت.
فوجد رشدي يجلس بجواره، وعلى وجهه ابتسامة غامضة: إزيك يا عاطف؟
اتسعت عيناه في صدمة متلعثما: رشدي بيه؟! في حاجة؟
لم يجبه بل بهدوء شديد، أخرج مسدسه من خصره، ثم صوبه نحوه
تجمد عاطف في مكانه، وشحب وجهه، بينما انحنى رشدي نحوه قليلا: بص يا عاطف، أنا مش جاي في عوق. أنا جاي عشان حاجة واحدة بس..
صمت لحظة، ثم سأل: إنت عملت إيه جوه؟ ووديت البنت فين؟
ابتلع ريقه، ثم أجاب: اديتها للست إسعاد تخلي بالها منها لحد ما أشوفلها مكان أوديها فيه، ويمكن تربيها..
وأشار برأسه نحو المنزل: دي ست كبيرة، جوزها وابنها ماتوا من كام سنة في حادثة.
رفع حاجبه بسخرية: الله يرحمهم.
ثم تغيرت ملامحه: مش فارق معايا الكلام ده، أنا عايز منك خدمة صغيرة..
صمت عاطف منتظرا حديثه، فتابع رشدي: بس الأول قولي قولتلها جايب البنت دي منين؟
أجابه بتوتر وهو ينظر لفوهة المسدس تارة ثم إلى رشدي تارة أخرى: قولتلها لقيتها في الشارع.
اقترب منه أكثر: عماد مقالكش جابها منين؟!
ارتبك عاطف: ما...
قاطعه بحدة: متكذبش يا عاطف، أنا شايف عماد وهو بيديهالك.
خفض عاطف عينيه، وقال بسرعة: والله يا باشا أنا ما أعرف حاجة؟! ولا قالي حاجة، أنا لقيت عماد باشا مديني البنت دي وبيقولى أتخلص منها..
ثم رفع عينيه إليه: وأنا عندي عيال مقدرش، يعني هو شكله خان صافيناز هانم ودي بنته..
ابتسم بسخرية، وقال بطريقته المعتادة: آه... الخاين السافل، طول عمره كده ثعلوب.
ثم اقترب أكثر، وخفض صوته: المهم، أنا مليش علاقة بكل الرغي ده، أنا عايزك بقى تصحصح معايا وتركز ..
ظل عاطف صامتا، فتابع رشدي: عجبتني القصة اللي أنت قولتها للحاجة..
حرك مسدسه قليلا وهو يشرح خطته: هتروحلها كمان يومين، وتقولها إن أخو مرات الراجل اللي إنت شغال عنده عمل حادثة كبيرة، وإن إخوته بيطلعوا حاجات لله، وأخوه الصغير عرف قصة البنت وحابب يساعدها.
ثم تابع: وهتاخدني عندها، وهنقدملها فلوس عشان تربي البنت..
اقترب منه حتى أصبحت نبرته همسا مخيفا: وإنت هتنسى البنت، وتنسى إنك جبتها هنا.
ثم ابتعد عنه قليلا: وهتروح تقول لعماد إنك اتخلصت منها ورميتها في النيل..
رفع المسدس أمام عينيه: ولو مقولتش اللي أنا بقوله بالحرف...
توقف لحظة، ثم ابتسم ابتسامة باردة: عندك كام عيل؟
ارتجف عاطف وأجاب فورا: اتنين.
رد بتهديد لاذع: طيب بلاش بقى تترحم عليهم مرة واحدة؟
هز رأسه بسرعة برعب: يا باشا، هعملك اللي إنت عايزه، أنا أصلا مليش علاقة بالحوار ده..
أعاد رشدي مسدسه إلى خصره، لكنه ظل ينظر إليه بصرامة: عشان ميبقاش ليك علاقة بالحوار ده، تنسى إنك جيت هنا..
صمت لحظة ثم قال: وتنسى إنك شوفتني.
ثم اقترب منه للمرة الأخيرة: وتنسى إنك اتخلصت من البنت.
أومأ عاطف بسرعة: مفهوم.
ظل رشدي جالسا يراقبه للحظات، ثم هبط من السيارة، بينما ظل عاطف جالسا، يحدق أمامه بوجه شاحب.
باااك
عاد رشدي من ذكرياته، كان الثلاثة ينظرون إليه بتركيز شديد، وكأن كل كلمة يقولها تكشف لهم جزءا جديدا من الحقيقة التي ظلت مدفونة لسنوات.
أخذ رشدي نفسا عميقا، ثم تابع: عاطف حاول يروح يقول لعماد زي ما اتفقنا، بس عماد مرضيش يسمع، الثعلوب طلع عنده دم وبيحس.
صمت لحظة، ثم تغيرت ملامحه قليلا، وكأن ذكرى بعينها عادت أمام عينيه: وبعد يومين، قابلت عاطف.
نظر إلى ماسة مباشرة: وروحنا للحاجة إسعاد.
توقفت أنفاس ماسة للحظة أما رشدي، فأكمل بصوت أكثر هدوءا: ودي كانت أول مرة أشوف فيها جنة...
تلعثم قليلا، ثم صحح نفسه: أقصد... حور!
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
فلاش باك
منزل إسعاد
كان رشدي يجلس إلى جوار عاطف في الصالة وكانت هناك عدة حقائب موضوعة حولهما.
حقائب مليئة بملابس صغيرة، وحفاضات، وعبوات من الحليب، وكل ما يمكن أن تحتاجه طفلة رضيعة.
جلست إسعاد أمامهما، تنظر إلى الأشياء الكثيرة حولها بدهشة.
رشدي بهدوء متقن التمثيل: عاطف حكالي القصة، والبنت صعبت عليا جدا..
ثم نظر إليها وأضاف: وقالي إنك معندكيش مانع تاخدي بالك منها..
أومأت سريعا: آه والله يا ابني، معنديش مانع، بس خايفة معرفش آخد بالي منها وأنا ست كبيره
سألها: معندكيش حد يساعدك هنا؟
أجابت: فيه بنت جارتنا هنا رحمة، ربنا يكرمها بتساعدني، دي طايرة بالبنت، طير..
ابتسم رشدي، ثم مد يده إلى جيبه وأخرج مبلغا كبيرا من المال، ووضعه أمامها: طب كويس خلي البنت معاكي، ورحمه تساعدك.
اتسعت عيناها وهي تنظر إلى المبلغ: إيه ده يا ابني؟
دفع المال نحوها: المبلغ ده خليه معاكي، وأي حاجة تحتاجيها هتلاقيها.
ثم أشار إلى الحقائب: أنا كمان جبتلها شوية لبس وحفاضات وكل حاجة ممكن تحتاجها في السن ده، حتى اللبن يكفيها الشهر.
رفع عينيه إليها: وكل شهر هبعتلك فلوس، وهبعتلك كل حاجة ممكن تحتاجيها، ورقمي هيكون معاكي، وكلميني في أي وقت.
هزت رأسها بعدم تصديق وهي تقلب في الرزم بين يديها بذهول: بس ده كتير يا ابني، والله كتير أوي.
ابتسم رشدي: لا كتير ولا حاجة..
ثم أضاف بنبرة هادئة: أنا بس عايزك تدعيلها.
صمت لحظة، ثم تابع بتمثل متقن حتى لا تشك به: وتدعي كمان لأخويا إنه يقوم بالسلامة، عشان عمل حادثة كبيرة.
وضعت يدها على صدرها: شوفتها في التلفزيون، ربنا يشفيه هو ومراته يارب.
في تلك اللحظة، انفتح باب المنزل، ودخلت رحمة كانت تلك المرة الأولى التي يراها فيها.
قالت بتلقائية: إيه يا خالتي؟
لكنها توقفت فجأة عندما رأت رشدي وعاطف.
نظرت إليهما باستغراب: عندك ناس؟
ابتسمت إسعاد وأشارت إليها: تعالي يا بنتي ده رشدي بيه، أخو مرات الراجل اللي عاطف شغال عنده.
اقتربت بخجل: ايوه مساء الخير.
رفع رشدي عينيه إليها، وألقى عليها نظرة ذات معنى، بينما بادلته رحمة النظرة نفسها.
إسعاد بحماس: بصي يا بنتي ما شاء الله جابلنا إيه! جابلنا كل حاجه ناقصه..
ثم التفتت إلى رشدي: هي دي رحمة اللي قولتلك عليها.
أومأ رشدي، ثم نظر إلى رحمة وقال بطريقته المعتادة: إزيك يا رحمة؟ الحاجة قالتلي إنك بتاخدي بالك منها... ومن البنت.
أدخل يده إلى جيبه، وأخرج مبلغا من المال، ثم مده إليها: اتفضلي.
نظرت رحمة إلى المال بدهشة: الفلوس دي ليه؟
أجابها: خليهم معاكي.
رفعت حاجبيها: حضرتك بتديني فلوس عشان باخد بالي من الحاجة والبنت الصغيرة؟
ابتسم رشدي: اعتبريها كده اعتبريها هدية اللي نسيت أجيبها وأنا جاي.
هزت رأسها سريعا بنظر ذات معنى: لا، خليهم معاك، وابقى هاتلي الهدية وانت جاي المرة الجاية.
ثم ابتسمت بخفة: ولا أنت مش هتيجي تاني؟
ضحك ضحكة قصيرة بنظرة إعجاب: لا هاجي، أكيد هاجي.
ثم نظر إلى إسعاد: هو إنتوا سميتوا البنت إيه؟
هزت إسعاد رأسها: لا يا ابني لسه، دى يا دوب معانا من يومين ملحقناش نعمل حاجه، سميها إنت.
لمعت عيناه وقال فورا دون تردد: هسميها جنه!
ابتسمت اسعاد: حلو الاسم، ولايق عليها.
رفع عينيه نحو إسعاد: طب أنا عايز أشوفها.
ابتسمت إسعاد: هي جوه يا ابني، نايمه، والنبي متصحيهاش
طمأنها: متخافيش، مش هصحيها.
نهض من مكانه، واتجه إلى الغرفة بخطوات هادئة
دخل الغرفة، واقترب من الفراش الصغير كانت حور نائمة في هدوء.
انحنى نحوها، وحملها بين ذراعيه بحذر شديد ظل يتأمل وجهها طويلا
وبعد لحظات، بدأت تتحرك، بين يده، ثم فتحت عينيها ببطء، تجمد رشدي في مكانه، كانت تنظر إليه بعينيها ببراءة، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يشعر بها وهمس: انتِ شبه مامتك بالظبط.
ظل يتأملها للحظات، ثم قال بصوت خافت: مضطر أخليكي معايا، عشان تبقي كارت الحماية.
اقتربت الصغيرة من صدره، بينما ظل هو ينظر إليها بصمت ولأول مرة.. لم يرَ فيها مجرد ورقة ضغط.
رآها طفلة صغيرة لا ذنب لها في أي شيء.
باااك
عاد رشدي من ذكرياته، وأطلق زفرة طويلة: ومن يومها، وأنا واخد بالي منها.
خفض عينيه للحظة، ثم تابع: الفترة اللي أنت كنت عمال تراقبنا فيها، كنت بضطر أبعتلهم فلوس بس عن طريق وسيط..
رفع عينيه نحو سليم: قعدت حوالي سنتين مبروحش ليهم، لحد ما إنت فقدت الأمل وبطلت تراقبنا رجعت ازورها بس كنت باخد احتياطاتي
صمت لحظة.
ثم قال بصدق واضح: صدقني أنا حبيتها أوي..
ابتسم ابتسامة باهتة: يمكن في الأول كنت عايزها حماية ليا منك، بس بعد كده؟
هز رأسه بدهشة من نفسه: حبيت بنت أكتر واحد أنا بكرهه في حياتي، مش عارف إزاي؟!
سألته ماسة بفضول: بس حور قالت إن هي كانت بتكلمنا في التليفون، وبنبعتلها جوابات وأننا كنا مسافرين...
أومأ بتوضيح: أنا اللي كنت بكلمها مع رحمة، يعني مكنتش عايز أحسسها إن أبوها وأمها ميتين، مع إن دي كانت أسهل وأفضل...
صمت لوهلو ومد وجهه بإستغراب من نفسه تابع: أنا نفسي مش عارف ليه عملت كده؟! يمكن ربنا خلاني أعمل كده عشان الوقت ده، وتقدروا تتعاملوا مع البنت بسهولة..
قاطعه مكي، وقد عقد حاجبيه بتهكم: سيبك بقى من الكلمتين دول، أنا عايز أفهم، كنت بتهرب من المراقبة إزاي وبتروحلها؟
أومأ رشدي: كنت بروح الفندق اللي واخد فيه السويت..
ابتسم بسخرية: طبعا بالنسبة لكم كنت قاعد فوق، مقضيها مع واحدة..
ثم تابع موضحا: بس أنا بعد ما بدخل، كنت بغير هدومي، وألبس لبس يخفيني، وأخرج من الباب الخلفي، بعدين كنت بركب تاكسي لحد مكان معين كنت راكن فيه عربيه قديمة واروحلها بيها.
نظرت ماسة إليه بدهشة: بس البنت قالت إنها كانت بتروح أماكن حلوة يعني كنت بتظهر معاها!
ابتسم رشدي: الكلام ده حصل مؤخرا لما سليم بقى كل تركيزه معاكي، ورفع المراقبات من علينا كلنا.
أضاف بدهاء: وبعدين لما الواحد بيعمل حاجة في وسط إحتياطات زيادة، بيبقى عليه العين، لكن لما يعملها في عز النهار قدام الناس، وقتها محدش بيتخيل إنه بيعمل حاجة غلط.
ساد الصمت.
ظل سليم ينظر إليه طويلا، وملامحه تحمل خليطا من الغضب والخذلان والحيرة.
ثم قال ببرود وهو يشير بيده: تفتكر بعد اللي إنت قولته ده ممكن يشفعلك وأسامحك؟
رفع عينيه إليه، وقال بمرارة ممزوجة بالسخرية: ومين قالك إني طالب منك المسامحه؟
تابع بغضب بعينين غامت بالسواد: اللي بينا بقى بحر دم كبير، بعد اللي عملته معايا اوعى تفتكر خلصت؟ أنا مش هرتاح إلا وأنا حارق قلبك زي ماحرقت قلبي على مي.
رد مسرعا وكأنه يزيل اتهاما قائلا بضجر وهو يتوقف: لازم تفهم إن إنت اللي بدأت بحر الدم ده، وأنا كنت مجرد رد فعل.
أجابه رشدي من بين أسنانة بغل: بس ماسة لسه معاك في حياتك، لسه في إيدك...
تغيرت ملامحه، وأصبح صوته أكثر اختناقا بعينين اغرورقت بالدموع توقف أمامه: لكن أنا خلاص حياتي انتهت، أنا مكانش عندي غير مي، وهي مستحيل ترجعلي وتسامح بعد اللى قولتهولها.
صمت لحظة، ثم تابع بضعف يظهر لأول مرة أمام سليم بعينين تلمع بالدموع: أنا كنت ناوي أتغير، كنت ماشي في الطريق ده، كنت هاخدها وأسافر.
رفع عينيه نحو ماسة وكأنه يعاتبها من بين أسنانه بازدراء: كام مرة قولتلك ياماسة؟ أنا مش عايز أؤذيكي، ومش عايز منك حاجة، خليكي معايا، أنا أكتر واحد أقدر أحميكي أكتر من سليم نفسه، لأني عارف وساختهم.
شدت فكها، وردت بحدة: كنت عايزني أسمع كلامك وأأمنلك إزاي بعد كل اللي عملته فيا؟
اقتربت منه قليلا، وقد بدأت نبرتها ترتفع بوجع سنين: إنت متعرفش أنا عشت في إيه بسببك؟! متعرفش أنا اتعذبت قد إيه؟! ومريت بإيه؟!
اهتزت نبرتها وهي تضيف بقهر وكأنها تتذكر تلك الأيام العصيبة: أنا نمت ثلاث أيام في الشارع بسببك، اتعرضت للاغتصاب تاني بسببك، وكنت هقتل بسببك، إنت عيشتني في خوف ورعب سنين، أنا كنت بحلم بكوابيس وأنا صاحية، كرهتني في الإنسان الوحيد اللي حبني وعطف عليا، طبيعي مكنتش هصدقك ولا كنت هأمنلك، ولما دافعت عنك قصاد سليم، لما بدأت أصدق فعلا إنك اتغيرت.. انت خنقتني.
قاطعها مدافعا عن نفسه: أنا لما خنقتك، إنتِ عارفة أنا خنقتك ليه؟ انت اللي استفزتيني يا ماسة أنا مكنتش عايز أعمل كده، وبعدين وقتها مكنتش اتغيرت التغيير اللي يخليني أقدر أمسك نفسي، دافعت عنك قصاد سليم، حتى مي، هانت عليكي تعملي فيها كده بعد اللي عملته معاكي؟! جالها انهيار بسبب اللي قاله جوزك
رمشت بعينيها بضعف، فرمقها سليم، وحين شعر أن رشدي بدأ يسحب ماسة عنده، صاح به وعيناه لا تفارقنة: كلامك معايا أنا يا رشدي، كان ممكن تعمل ألف حاجة غير إنك تخنقها..
اقترب منه أكثر وقال دون رحمة: لكن أنت عملت الحاجه اللي تليق بشخصيتك..
شد رشدي على فكه، بينما أكمل سليم بنبرة بها اهتزاز موجوع: وبعدين إنت كنت بتعاقبني أنا ليه؟ ليه مارحتش عاقبتهم هما؟
أشار بيده نحوه بعينين تلمع بدموع تأبى أن تهبط: ليه فضلت تعاقبني على تربيتهم ليك وحقدهم عليك؟ وأنا زي زيك.
صمت لحظة، ثم قال بصوت أثقل: ولا إنت فاكر إني عشت في نعيم عيلة الراوي، ودقت حضنهم! واتمتعت بالحنان؟
ابتسم بسخرية مريرة و اغرورقت عينه بالدموع واصل بصوت متهدج: أنا كنت عايش في خوف.
نظر رشدي إليه باهتمام، بينما تابع هو بقهر: أنا كان بيعدي عليا أيام مابدوقش فيها طعم النوم، ولا بخرج حتى من أوضتي، كنت بفضل أذاكر وأفكر إزاي أحل المشكلة اللي الباشا قالى حلها، وانتم كلكم كنتوا بتخرجوا وتروحوا الملاهي، وتلعبوا وأنا محبوس في أوضتي.
خفض عينيه للحظة، وكأنه يرى طفلاً صغيراً أمامه:
كنت بحبس نفسي في الأوضة عشان أذاكر، عشان كنت خايف أتعاقب زيك.. كنت دايماً خايف لو سقطت، لو اتأخرت هتعاقب، كنت بحرم نفسي من الخروج لأني خايف.. أفشل
رمش رشدي بعينيه، حاول ألا يهتز تحت وطأة تلك الكلمات، بينما مال سليم برأسه قليلا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة موجوعة: انت كنت عايش معاهم سنين يا رشدي، لكن أنا، من وأنا عندي حداشر سنة سافروني ورموني في أمريكا لوحدي..
ابتلع غصته المرة، ثم أكمل: وفي كل زيارة كانوا بيقولولى لو فشلت هتبقى زي رشدي، هنحرمك من عفت ومكي، هتفضل لوحدك، فضل الخوف جوايا حتى وأنا هناك لوحدي..
هز رأسه وهو يمسح دمعة سقطت رغما عنه: أنا عشت حياتك، بس بشكل مختلف.
رفع عينيه إليه بوجع قطع نياط قلبه: هما كانوا بيكسروك بنجاحي وأنا كانوا بيقتلوني بفشلك،
ساد الصمت للحظات، صمت بدا مختلفا هذه المرة.
سليم يتحدث للمرة الأولى عن أشياء ظل يحملها داخله لسنوات، أشياء لم يحكها لأحد، وربما لم يسمح لنفسه حتى بالاعتراف بحجم الوجع الذي تركته بداخله.
أما رشدي، فكان يستمع إليه للمرة الأولى دون أن يقاطعه أو يحاول الدفاع عن نفسه.
ظل ينظر إليه في صمت، وقد بدأت ملامحه تفقد شيئا من حدتها، كان يعرف أن الوقت قد حان للعتاب وقت أن يقول كلا منهما ما أخفاه طويلا في قلبه من وجع، وخوف، وحقد، ومن أحلام حُطمت قبل أن ترى النور.
ووسط كل ذلك، كانت هناك حقيقة واحدة تجمعهما رغم كل شيء..
أن عزت وفايزة لم يكونا مجرد جزء من ماضيهما، بل كانا سببا كبيرا في أن يصبح الاثنان مشوهين إلى هذا الحد
كلا منهما خرج من البيت نفسه لكن بجراح مختلفة..
سليم حمل خوفا..ورشدي حمل غضبا
وفي النهاية، بدلا من أن يواجه أي منهما من تسبب في كسرهما..وقف كل واحد منهما يكسر الآخر.
ثم قال بوضوح موجع معاتب: بس عمري ما فكرت أقتلك. عمري ما فكرت أؤذيك يا خويا.
ضحك رشدي بمرارة ساخطه: إنت ما أذتنيش، إنت اكتر واحد أذتني، لما كنت بتذلني وتمد إيدك عليا؟ بدل ماتاخدني في حضنك وتفهمني غلطتي
رفع عينيه إليه معارضابحدة: على أساس إن اغلاطك كانت عادية!
انفجر غضبه واصل: إنت كنت بتغتصب يا رشدي! كنت بتقتل! بسببك واحدة اتجوزت واحد من رجالتنا وعايشة حياة بائسة، والتانية انتحرت!
ارتفعت نبرته أكثر: وصلت إن واحدة تنتحر بسبب اللي إنت عملته فيها!
أشار إليه بعصبية: شوهت ناس، قتلت مستقبل شباب في أول مستقبلهم، دي كانت عمايل طبيعية؟ مطلوب فيها اني اتعامل عادي؟!
تنفس بعنف، ثم أضاف: وبعدين أنا كنت بعمل فيك إيه؟ بزعقلك؟ بضربك قلم؟ كسرت صباعك؟
قالها بشجن مقهور: دي ولا حاجة قصاد اللي إنت عملته فيا..
ثبت عينيه بعينه، اضاف بصوت خرج مثقلا بكل ما تراكم داخله: لو أنا اذيتك قيراط فأنت آذتني الف..
اقترب منه أكثر، وكانت عيناه تحترقان بالألم، وكأن كل كلمة تخرج منه تنتزع جرحا قديما من مكانه.
رفع يده، وضرب بها على صدره: كنت بتتفنن في وجعي كنت بتقعد تفكر وتخطط إزاي تأذي سليم وتخرب حياته..
ضحك ضحكة موجوعة بلا فرحة: لو كنت حطيت كل المجهود اللي حطيته في تدميري في إنك تحسن من نفسك؟! كنت هتبقى أحسن مني..
ظل رشدي صامتا كحجر، يأبى أن يعترف بأنه ظلمه، وأنه حتى إن كان قد قسى على سليم، فما فعله سليم به كان أكبر، بينما تابع سليم بعتاب: كام مرة؟
كام مرة جيتلك يا رشدي بعد الحادثة وقولتلك: أنا مستعد أقعدك على الكرسي مكاني؟ وإنت ما رضيتش.
ثم قال بمرارة: كملت في جحودك، وفضلت تذلني إني مابخلفش، وتعايرني بالعجز اللي كان في رجلي.
هز رأسه، وكأنه يحاول فعلا أن يتذكر شيئا جيدا: يا أخي أنا بحاول والله أفتكرلك حاجة كويسة عملتها معايا مش فاكرلك..
ثم تابع بصوت أكثر ألما: ده أنا وقفت قصاد الرصاص عشان أدافع عنك، مافكرتش مرتين وأنا باخدها مكانك كل اللي فكرت فيه وقتها أنك أخويا.
اقترب خطوة أخرى قائلا بسخط: ويا ريتك كنت دمرتني أنا بس..
تغيرت ملامح رشدي عقد حاجبيه متعجبا، تابع بصوت متهدج: ياريتك دمرتني أنا بس، إنت دمرت إنسانة تانية ملهاش أي ذنب غير إنها مراتي، ولعلمك إنت أذيت ماسة أكتر ما أذيتني هي مكنش ليها ذنب تدفع تمن أخطائك..
سكت للحظات، وكأنه يعجز عن إخراج ما تبقى من الكلام: إنت ما تعرفش هي عانت إزاي؟! وماتعرفش أنا عملت فيها إيه؟!
رد عليه وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنع سليم، قال بجمود دون أن ينظر نحوه: كل حرب لازم يكون ليها ضحايا، وهي كانت ضحية.
تنفس سليم بعمق، ثم قال باستفزاز ممزوج بالوجع:
ضحايا؟ تمام، عندي سؤال.. ما دام انت جامد كده، بتعرف تاخد حقك وتقعد وتخطط وترسم مافكرتش ليه تاخد حقك من فايزة وعزت؟ السبب الأساسي في تدميرنا..
اقترب منه هو يركز النظر في عينه متسائلا: كنت عاقبهم هما على إهمالهم وعدم حبهم ليك، وعلى كل اللي كسروك بيه.
استمع رشدي إليه بصمت غريب لم يقاطعه، لم يسخر لم يدافع عن نفسه كان يعرف أن أخطاءه كانت كبيرة... لكنه كان يرى في كلمات سليم شيئا يشبه وجعه هو أيضا.
اقترب سليم أكثر، حتى أصبح أمامه مباشرة، كانت عيناه محمرتين، ممتلئتين بالدموع، لكن صوته خرج واهناً هذه المرة، لا غاضبا.. صوت أخ يحاول للمرة الأخيرة أن يفهم لماذا فعل شقيقه كل ذلك به، رغم أنه ذاق الأهوال مثله..
رد عليا.. قولي ليه؟
سقطت دمعة على خده لكنه لم يهتم، بل هجم عليه وأمسكه من قميصه، صاح به وهو يهزه بغضب: ليه ما عاقبتهمش زي ماعاقبتني؟!
نظر له رشدي للحظة بعينين تلمعان بالدموع، ثم خفض عينيه وظل صامتا طويلا،وكأن الإجابة نفسها كانت أكثر شيء يخشاه أن يقوله.
وبعد لحظات، خرج صوته خافتا: كان عندي هاجس...
قطب سليم وجهه متعجبا، بينما تنفس رشدي ببطء بعينين تلمعان بالدموع وتابع: لو انت مابقيتش موجود كنت هتشاف..
ابتلع تلك الغصة المره التي تكونت في حلقة تابع بقهر وهو يشير لنفسه: كنت بدور على نظرة حب،
نظرة احترام، إن حد يحس بوجودي، عارف إن أخطائي كانت كبيرة أوي..
توقف لحظة، ثم تابع بقهر بنبرة مهتزة: بس أنا ماتعلمتش غير كده...
نظر له بعينين مشتعلتين بضجر كنت عايزني أعمل معاك إيه؟ إيه اللي كان ممكن أعمله بعد كل اللي اتعلمته منهم؟ إنت عارف يعني إيه ما تبقاش متشاف؟ وتفضل طول عمرك مستني لحظة واحدة بس... لحظة تحس فيها إنك بني آدم؟!
ارتجف صوته: أنا كمان كنت خايف وموجوع، عشت سنين نفسي ألاقي حد يحبني.
ابتسم ابتسامة باهتة: بس مالقتش.
ثم أشار إليه بغيرة تلقائيه: على الأقل إنت كان عندك ياسين... فريدة... مكي... عفت... وبعدها ماسة وأهلها.
توقفت أنفاسه قليلا: لكن أنا؟ لا.
مسح دموعه موضحا بوجع عصف قلبه: أنا لو أذيتك! فأذيتك لأني ما تعلمتش غير كده، ماتعلمتش أحبك، ولا أحب حد، ماتعلمتش غير إني أكرهك، وإني لو اتخلصت منك بالطريقة دي! ممكن أشوف في عينيهم... ولو مرة واحدة نظره حب واحترام.
كان سليم يستمع إليه بصمت، لم يهتز لحديثه.. فما فعله رشدي كان أكبر من أن يجعل سليم يلين.
بينما ماسة كانت تستمع وهي تشعر بالوجع من أجلهما.. كلا منهما فعل بالآخر ما فعله من أجل وجعه. نعم، رشدي تعدى حدود العقل، لكنها شعرت بأسبابه ووجعه.
بينما مكي كان يستمع بصمت، لم يظهر عليه أي شيء..
رفع رشدي رأسه فجأة، وكأنه يعترف بشيء كان يخجل منه: أنا ندمت بعد الحادثة، كنت بحس بمرارة كل مرة تيجي تقولى: تعالى نفتح صفحة جديدة، وأنا عارف جوايا إن خلاص مابقاش ينفع..
ثم هز رأسه بحيرة: وصدقني، مش عارف أنا ليه عملت كده في ماسة.
ارتعشت نبرته: شيطاني كان مسيطر عليا.
ساد الصمت.
مالت شفتا سليم بمرارة وهو يقول: عملت كل ده عشان يشوفوك؟! بس صدقني ما كانوش هيشوفوك.
رفع رشدي عينيه إليه تابع سليم: كانوا هيشوفوا ياسين، كنت هتفضل مهمش، ولا كنت برضوا هتتفنن في أذى ياسين؟!
ظل رشدي صامتا، وكأن الجملة أصابت شيئا بداخله.
وبعد لحظات، أومأ برأسه ببطء: عندك حق ما كانوش هيشوفني..
ثم رفع عينيه إليه من جديد، وقال بمرارة: بس قبل ماتعاقبني... كنت عاقب فايزة هي كمان..
تجمدت ملامح سليم، وظلت عيناه معلقتين به.
تابع رشدي بصوت يحمل مرارة واضحة: قعدت معايا على نفس الترابيزة، ووافقت على قتلك إنت ومراتك وبنتك
صمت لحظة، ثم قال بسخط: تفتكر لما أم تقبل تعمل كده في ابنها، وتقعد تفكر معايا إزاي تأذيك وتوجعك بمراتك وتخرب حياتك! أنا مش هوافق لها وأبصم بالعشرة.. لازم تعاقبهم زي ما عاقبتني لاني ما اذيتكش لوحدي ياسليم
هبطت دمعة وحيدة على وجهه، لكنه لم يمسحها.
بدا الألم وكأنه وصل إلى مكان أعمق من أن يخفيه، حتى غص قلبه: إنت عندك حق، لو أم عملت كده في ابنها، طبيعي اي حد ممكن يعمل كده؟!
فرفع وجهه قليلا وقال إبتسامة لها معنى:
بس مين قال لك إني ما عاقبتهمش؟
رفع رشدي عينيه إليه، وضيقهما باستغراب، لم يجبه سليم مباشرة.
اكتفى بنظرة طويلة، تبادل النظرات بصمت، فجأة اتسعت عينا رشدي للحظة، ثم ضحك ضحكة قصيرة مشوبة بالصدمة فقد فهم قال: إنت؟ إنت اللي كنت بتعمل كل ده؟
ضحك مرة أخرى، ولكن هذه المرة بسخرية:
كان لازم أفهم... إزاي كنت غبي كده؟
مرر يده على وجهه: طبيعي كل الكوارث دي ماتحصلش، وإنت ما تعملش حاجة. كان لازم تكون وراها. بس والله برافو عليك لعبتها صح خبيث برضو انت يا سليم..
صمت لوهلة ومد وجهه بحزن ثم نظر إليه بعتاب: بس إنت برضوا ما كانش ينفع تعمل فيا كده يا سليم؟! كنت سيبها لي ما كانش عندي غيرها لكن انت عندك كثير..
رفع عينيه إليه موضحا: أنا ما عملتش حاجة، أنا رحت قولت لمراتك الحقيقة، مش أكتر من الحقيقة.
تابع بلا مبالاة: هي بقى تختار تسامح أو ما تسامحش ده قرارها.
أومأ رأسه بغضب وهو يرد: مش هتسامح، لكن انت ماسة سامحتك..
ابتسمت نصف ابتسامة ساخرة على وجه سليم قائلا إنت بتقول: إن ماسة سامحتني؟
ضحك بمرارة: أنا حياتي أنا وماسة فضلت خمس سنين خراب بسببكم. وسنتين كاملين وأنا بتذلل لها عشان تسامحني على حاجة أنا أصلا ما كنتش أعرفها..
نظر إليه مباشرة: أنا بس كنت عايز أخليك تدوق اللي أنا دوقته، مش أكتر.
ثم تغيرت نبرته، وأصبحت أكثر حسما: دلوقتي أنا كمان عرفت إنك كنت عارف مكان بنتي فبقى حسابك حسابين واحد منهم اخدته رغم انه ما دواش قلبي بس يكفي ان انا شايفك دلوقتي واقف قصادي مذلول مكسور لكن موضوع بنتي اللي انا اكتشفته دلوقتي ده..
أخذ نفسا عميقا: مش هاحسبك عليه، هكرمك وهخليك تمشي من هنا حي عشان بنتي بتحبك.
صمت قليلا، ثم أضاف: زي ما قولت، يمكن لولا الموقف اللي إنت عملته، كانت ماتت..
ثم ثبّت عينيه عليه بنظره شرسة بعينين تحمل كرها: لكن غير كده يا رشدي، اللي بينا فعلا بقى بحر دم.
وأشار بيده نحو الباب: يلا امشي.
وأضاف بنبرة تهديد هادئة: عشان صدقني، أنا مش عارف بعد شوية شيطاني ممكن يخليني أعمل إيه.
لكن رشدي صاح خلفه: وأنا بقولك اقتلني يا سليم!
توقف سليم، لكنه لم يلتفت. تابع رشدي بصوت أكثر انفعالا: عشان لو خرجت من هنا حي، هقتلك. هقعد أفكر وأتفنن في حاجة تكسرك تاني.
استدار سليم ببطء بنبرة حازمة: امشي يا رشدي بقولك..
رفع رشدي صوته بحزم: وأنا بقولك اقتلني! أحسنلك!
وفجأة، اندفع رشدي نحو المسدس المُلقى على الأرض والتقطه.
لم يكن أحد يستوعب ما يحدث، بينما تحرك مكي بسرعة ووقف أمام سليم كدرعٍ يحميه، رغم الضربة التي تلقاها في رأسه. ثم أخرج مسدسه وصوّبه نحو رشدي، وصاح في وجهه وهو يشهر سلاحه: أنزل سلاحك يا رشدي! إياك أن تطلق النار!
وضعت ماسة يدها على خدها برعب وهي تصرخ: سليم!
أما سليم، فلم يهتز له جفن، مد يده بهدوء وأمسك كتف مكي من الخلف، وأعاده خطوة إلى الوراء، وقال بنبرة هادئة مسيطرة: مكي... ارجع. محدش يتدخل
نظر له باعتراض: هو ايه ده.
سليم بحسم: قولت محدش يدخل.
تردد مكي للحظة، وعيناه معلقتان بالمسدس الذي في يد رشدي، لكنه انصاع لأمر سليم وتراجع خطوة إلى الخلف وهو لا يزال مصوبًا سلاحه نحوه.
عاد رشدي إليه مسرعا، أمسك يد سليم، ووضع المسدس داخلها، ثم رفعها ووضع فوهته فوق رأسه.
اقتلني.
ظل سليم ثابتا، لا يرتجف، نظر في عينيه طويلا، ثم ابتسم ابتسامة باردة، وبحركة واحدة مفاجئة فتح خزنة المسدس ونثر الرصاص كله على الأرض.
تناثر الرصاص على الرخام.
ثم رمى المسدس الفارغ في وجه رشدي وقال بهدوء: إنت عارف إني مش هعمل كدة.. أنت عارف القانون.. القتل راحة، سيب عدوك عايش متعذب
ارتعشت ملامح رشدي بغضب وهو يجز على أسنانه، بينما ظل مكي واقفا أمامه، يحمي سليم بجسده.
تابع سليم متعمدا استفزاز ه: مش هقتلك، إنت هتفضل عايش شايل ذنبك وذنب مي؟! زي ما أنا شلت ذنب بنتي خمس سنين وأنا فاكر إنها ماتت بسببي..
قبض على ذراع رشدي بقوة، واقترب منه حتى أصبح وجهه أمام وجهه، ثم همس بفحيح:
بس قبل ما تمشي هتصلح اللي هببته.
ارتعشت ملامح رشدي قليلا متعجبا، بينما تابع سليم:
أنا هطلع أجيب حور، وانت هتقول لها إننا ما كناش بنضرب بعض وإننا وقعنا وقعة كبيرة وإحنا بنلعب و بنهزر.
صمت رشدي للحظات، ثم قال بابتسامة مستفزة: وأنا ليه أعمل كده! ما أسيبك تتعذب شوية خليها فاكرة إنك مزعلني منك.
حدق به سليم باحتقار، ثم قال: مش هقولك غير كلمة واحدة، اعمل حاجة واحدة كويسة في حياتك.
صمت لحظة، ثم قال بصوت خافض موجوع:
مش عشاني، على الأقل عشان البنت، اديك إ.. شفت كانت مبسوطة إزاي؟ خليها تفضل فرحانة.
ظل رشدي صامتا لبعض الوقت، يفكر في كلامه، ثم تنهد وقال: ماشي.
رفع سليم عينيه إلى ماسة، وقال: ماسة... روحي هاتي حور.
أومأت ماسة وتحركت إلى الخارج.
نظر رشدي إلى سليم، ثم قال بنبرة تهديدية ممزوجة بالسخرية، وكأنه يذكره أن الحرب لم تنتهِ بعد:
أنا هعتذر للبنت وهفهمها كل حاجة، بس أنا مش هسيبك.
اقترب خطوة وهو ينظر نحو مكي: يمكن أبدأ بحبيب القلب وأخليك تبكي عليه.
رفع سليم عينيه إليه، وكانت نظرته حادة لا تحمل ذرة خوف: جرّب،شوف سليم ممكن يعمل ايه اوعى تنسى بقى عندك ال تخاف عليه
وقبل أن يرد رشدي، سمعا خطوات صغيرة تقترب.
التفت الجميع نحو الباب ظهرت ماسة، وكانت تمسك بيد حور وما إن وقعت عينا الصغيرة على رشدي حتى أشرقت ملامحها، وتركت يد ماسة وركضت نحوه: رشدددد ي!
سحب مكي المسدس ووضعوه في خصره مسرعا، اما سليم دفع المسدس الملقى أرضا بقدمه بعيدا، بينما انحنى رشدي سريعا وفتح ذراعيه لها، فاندفعت إلى حضنه. احتضنها بقوة، ثم حملها بين ذراعيه وهو يبتسم: عاملة إيه يا جنتي؟
ضحكت الصغيرة: كويسة... إنت وحشتني خالص!
ضمها إليه أكثر: وإنتِ كمان وحشتيني أوي.
ابتعدت قليلا وهي تمسك بوجهه: تعالى أوريك أنا وسوستا عملنا إيه! عملنا أسورة وخاتم حلوين أوي.
رفع رشدي حاجبه: سوسته مين؟
ضحكت: سلوى.
ابتسم رشدي: سوسكا أم نمش؟
ضحكت حور، ثم عقدت حاجبيها فجأة وقالت: أنا زعلانة منك.
تغيرت ملامحه: ليه يا حبيبتي؟
مدت شفتيها بطفولة: عشان إنت ما قولتليش إن عندي خالتو حلوة وخالو وتيتة... وإن عندي ناس كتير.
ابتسم رشدي بحزن: يا حبيبتي، ما هم كانوا مسافرين مع بابا وماما..
ثم حاول تغيير الموضوع: بصي، أنا همشي دلوقتي عشان عندي مشوار.
تشبثت برقبته بسرعة: لأ! إنت وحشتني اقعد العب معايا وبات معايا.
نظر رشدي إلى سليم للحظة، ثم عاد إليها: هروح المشوار ده وهاجي أبات معاكي.
ابتسمت الصغيرة بسعادة: بجد؟
أومأ بجد.
ثم تذكر ما اتفق عليه مع سليم، فقال: بس أنا كنت عايز أقولك على حاجة أنا وبابا ما كناش بنضرب بعض.
نظرت حور إلى سليم ثم عادت إليه: أمال
أومأ بتفسير: آه. أنا وبابا إخوات وبنحب بعض خالص..
ثم أشار إلى المكتب المحطم: كنا بنلعب ووقعنا جامد..
نظرت حور حولها إلى الفوضى، واتسعت عيناها: وقعتوا إزاي؟!
ضحك رشدي: كنا بنلعب بوكس.
قالت بدهشة: بوكس؟!
التفتت ماسة إلى حور وقالت بلطف: شفتي بقى يا حوري؟ انتِ زعلتي من بابا، وزعلتيه منك لما قولتي له كلام ما ينفعش يتقال وهو ما عملش اي حاجه لرشدي.
هزت حور رأسها، ثم نظرت إلى سليم بعتذار: بابا؟ ما تزعلش مني أنا اسفة.
ارتسمت على وجهه ابتسامة موجوعة: مش زعلان، يا قلبي.
رفعت ذراعيها نحوه، فاقترب منها حملها واحتضنها، بينما ظل رشدي واقفا يراقبهما في صمت.
وفي عينيه، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن هناك غضب، كان هناك شيءٌ من الوعيد.
رشدي بتهديد: أنا ماشي بس راجعلك تاني.
ثم تحرك للخارج بصمت.
مكي باستهجان قائلاً بالانجليزيه: أنا غير مطمئن لخروج رشدي هكذا، هو لم يهدئ ولم ينسَ ولم يغفر.
تابع بغضب بالعربي: أنا هروح أجيبه وأحطه في المخزن جنب أخته؟
أومأ سليم برفض: لا ضعه تحت المراقبة فقط اريدة بالخارج.
رد باستهجان غاضب: وإنت عايزه بره ليه؟ ماخلاص كل حاجة انتهت خلينا نربيه على اللي عمله.
أجابه بالانجليزيه: ليس من أجله بل من أجل حور
ماسة بتاكيد: بالظبط كده يا مكي، مش هينفع، كفايه لحد كده مشاكل وانتقام.
مكي بضجر: بس هو مش هيسكت
سليم بهدوء: خلينا نستنى ونشوف هيعمل ايه؟! كده كده خلاص بقينا وخدين حذرنا.
حور تساءلت: انتوا بتقولوا ايه؟!.
تبسم سليم وهو يقبلها: بسأله هيخلص الاوضه امتى؟!
تصنع مكي الابتسامه: ما انا قولتلكم باقى يومين.
نظرت ماسة حولها باختناق وهي تقول: تعالوا نخرج من الأوضة دي، مش عايزة أقعد فيها.
أومأوا بإيجاب وتحركو
سيارة رشدي ٩م
كان رشدي يقود السيارة بسرعة جنونية، ويداه قابضتان على عجلة القيادة حتى أبيضت مفاصله،
كانت دموعه تهبط دون أن يشعر، بينما اشتد غضبه حتى طغى على ملامحه، وعيناه تشتعلان بالقهر،
كانت النار تأكل صدره كبركان ثائر، لا يهدأ ولا يترك شيئا أمامه إلا وألتهمه.
لم يكن يفهم كيف خرج من هناك دون أن يفقد السيطرة على نفسه، كيف استطاع أن يترك سليم واقفا خلفه حي ثم يرحل؟ كان غاضبا بما يكفي،
كان يستطيع أن يفعل الشيء الذي جاء من أجله، لكن شيئا ما منعه، ولا يعرف ما هو.
هل كانت حور؟
أم وجود مكي؟
أم أنه... لم يكن يريد أن تصل الأمور إلى هذه النهاية حقا؟ وإنه بالفعل تغير؟!
ضغط على عجلة القيادة بعنف، وانفلتت منه صرخة مكتومة: لـــيه؟!
ضرب المقود بقبضته، ثم مسح دموعه بضهر إيده، لكنه لم يستطع إيقافها: ليه ماقدرتش أعملها؟! إزاي اسيبه بيتنفس بعد إللي عمله فيا؟!
ظل صامتا للحظات، وأنفاسه تتسارع: يمكن علشان البنت كانت موجودة...
صمت قليلا، ثم هز رأسه بعنف: لأ... مش دي.
عاد يضغط على المقود، وعيناه مثبتتان على الطريق:
أنا كنت أقدر أتصرف حتى وهي موجودة، وأقدر أواجهه مهما كان مين واقف.
ثم صمت.
ظهرت أمام عينيه صورة حور وهي تتشبث به، وتدافع عنه، وتبكي.
تغيرت ملامحه للحظة، وانكسر شيء في غضبه،
أشاح بنظره، وكأنه يحاول طرد الصورة من رأسه.
فجأة اقتحمت صور مي أمامه وهي تبكي وهي تسأله لماذا فعل بها كل ذلك خيانته وحتى لو سليم لم يقول لها! فهو خانها، تذكر لحظه طلاقهما انهيارها كل وجع كان السبب فيه
لكن فجأة تذكر مرة أخرى أن سليم هو السبب الأساسي؛ فلولاه، لما عرفت شيئا، وكأن سليم أصبح شماعته النفسية، التي يتعلّق بها حتى لا يواجه الحقيقة بنفسه.
وبدأت ملامحه تتبدل بصورة خطرة
ثم تمتم بصوت مخنوق، كأنه يوعد نفسه:
مش هتعدي كده.
سكت ثانية، وابتلع غصته: إللي بيني وبينه لسه مخلصش.
ثم ضغط على دواسة الوقود أكثر، وعيناه تحملان غضبا لم ينطفئ بعد
❤️_______________بقلمي_ليلةعادل
فيلا مصطفى٩م
كانت آلاء تجلس على طرف الفراش، الحزن يكسو ملامحها بوضوح، حين دخلت أنهار وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت إليها بلهجة عاتبة: ها يا آلاء، عملتي إيه مع مصطفى؟ برضوا عملتي إللي في دماغك؟
رفعت آلاء عينيها إليها وأجابت بهدوء: أيوه، قلت له.
جلست أنهار أمامها، فتابعت آلاء بصوت مختنق: قال لي ماشي... كأنه ما صدق، كان ممكن يرفض، كان ممكن يقول لي أنا بحبك ويتمسك بيا.
تنهدت أنهار بضيق ممزوج بالشفقة والتهكم: ليه يعمل كده يا حبيبتي؟ ما إنتي كل شوية تقوليله طلقني، أنا مش عايزة أكمل، حسستي الراجل إنه مش فارق معاكي بجنيه، طبيعي في الآخر يبيع..
سكتت لحظة ثم أكملت بهدوء: الراجل غير الست يا آلاء، الراجل بيحب إللي تقدره، لكن إنتي وجعتيه.
خفضت آلاء عينيها: ما أعرفش بقى...عموما هو وافق، وكلها شهر ونطلق بعد الامتحان.
هزت أنهار رأسها بتهكم: ومستنية الامتحانات ليه؟ ماتطلقي من دلوقتي! هو إنتِ كنتي بتحبيه علشان نفسيتك هتبقى وحشة مثلا محتاجة وقت ما يكونش عندك حاجة؟ أنهي الموضوع بقى، خلينا نرجع بيتنا ونجيب أخوكي إللي محدش عارف له طريق.
رفعت عينيها إليها، وقالت بتردد: إنتِ شايفة كده؟
اومأت بتأكيد جاف طفح الكيل من ابنتها: أيوة شايفة كده، ما دام إنتِ أخدتي القرار، خليكِ قده،
وماترجعيش بعدين تقوليلي: يا ماما أنا ندمت، إنتي كبيرة وعارفة مصلحة نفسك كفاية.
نظرت لها آلاء ثواني وكأنها تفكر ثم أومأت وقالت على مضض:خلاص يا ماما، أنا هقوله
زفرت أنهار باستهجان مختنق: قوليله يا آلاء، قوليله وخلاص، أنا قلبي تعبني منك ومن جنانك ده.
منزل عائلة مي٩م
جلست مي مع شريف، طبيبها النفسي برايسيشن، تحتسي الليمون بصمت، وعيناها محمرتان، تبدو على ملامحها آثار الوجع والحزن، بينما ظلت تحدق أمامها بشرود.
شريف بهدوء: صدقيني يا مي، إللي إنتِ عملتيه ده هو الصح، وهو ده إللي كان المفروض يحصل، إنتِ كده في أول خطوات الاستشفاء، صدقيني.
ابتلعت غصتها، وقالت بصوت مثقل بالألم: بس أنا حاسه إني موجوعه أوي، حاسة إن إللي جوايا نار، نار عماله تحرق فيا، أنا مش عارفة ليه حصل لي كده؟ وليه أنا بالذات؟
صمتت لوهلة ثم تابعت بأنين: أوقات بسأل نفسي ليه حصل لي كل ده؟! أنا عملت إيه في حياتي غلط يخليني أقابل شخص زي ده؟
تنهد شريف، ثم قال بعقلانية: صدقيني يا مي، رشدي فيه منه كتير، وأصعب منه كمان، على الأقل رشدي معترف بأخطائه، وبيحاول يبقى كويس.
رفعت راسها إليه، وقالت بعنف بعينين مشتعلتين: هو إنت بتبرر له؟
هز رأسه سريعا موضحا، وهو يشير بيده كي تهدئ: أنا بوضحلك الصورة بشكل كامل، مش أكتر..
صمتت لحظة، ثم قالت بنبرة أهدأ: على فكرة أنا كويسة، أنا معرفش هم أتصلوا بيك وجابوك هنا ليه؟!
ابتسم ابتسامة صغيرة: مش عايزه تشوفيني ولا إيه؟
أسرعت تقول بتفسير خجول: أنا آسفة، ما أقصدش، بس..
قاطعها: بس إيه؟
تنهدت، ثم أشاحت بنظرها بعيدا موضحة بثقل: أقصد يعني إني مش محتاجة، مش زي المرة اللي فاتت، حقيقي أنا موجوعة، وإن اللقاء وجعني..
صمتت لحظة، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة، ثم تابعت وهي تنظر له بتفسير: أنا كأن كان جوايا جمرة نار، وفجأة خرجتها، فطبيعي أتوجع.ط، زي شوكة كده، لما بتبقى غارسة في جلدك، ولما تشدها بتوجعك أكتر، فهمني؟!
أومأ متفهما وهو يصغي لها، بينما خفضت عينيها إلى الكوب بين يديها، أضافت بصوت خافت: أنا بس خايفة مقدرش أتخطى، مش هكدب عليك، أول ما سمعت كلمة «إنتِ طالق» اتوجعت، ما كنتش عايزاه يتمسك بيا، لأن فعلا بحس بضيق نفس وغضب كل ما أفتكر إني لسة على اسمه، بس في نفس الوقت لما قالها، حسيت إني ارتحت، وفي نفس الوقت اتوجعت..
رفعت عينيها إليه بحيرة مريرة: وجع غريب، مش عارفه معناه..
نظر إليها بتفهم، وظلت عيناه معلقتين بملامحها لثوان، وكأنه يزن كلماته قبل أن يقولها: طبيعي، ده إنسان كنتِ بتحبيه، وكان بينكم ذكريات، حتى لو الفترة كانت صغيرة، صدقيني، إنتِ ممكن تعرفي حد بقالك سنين وتنسيه في يومين، وممكن تعرفي حد أسبوع وتلاقي نفسك صعب تنسيه، وبتاخدي وقت، كل ما كان الحب حقيقي وصادق، كل ما بياخد وقت.
خفضت مي عينيها إلى كوبها، وأخذت تحركه بين يديها دون أن تشرب، تابع شريف بهدوء: لكن إنتِ موضوعك فيه شوية أختلاف..
نظرت له متعجبه، فرد على نظراتها مفسرا: إنتِ عايزة تنسي، عايزة تتخطي، وبتحاولي تشتغلي على نفسك، وواجهتيه، وده في حد ذاته مؤشر بيأكد إنك في الطريق الصح، بس محتاجة صبر يا مي، الموضوع كله على بعضه مكملش أسبوع.
رفع حاجبه قليلا، وأضاف بنبرة هادئة تحمل شيئا من منطقه: إنتِ لما بتتلسعي علشان الجرح يخف، بتقعدي خمستاشر يوم تقريبا... ما بالك ده بقى جرح جوة القلب؟
نظرت إليه بطرف عينها، بينما أبتسم هو إبتسامة صغيرة: سيبيه ياخد وقته، لو عملتي نفسك مش شايفاه وكتمتيه، هاتلاقيه بيواجهك ببشاعه بعد فترة، ومش هتعرفي تاخدي قرار، وممكن غصب عنك، لما تدخلي في علاقة تانية، تلاقي نفسك بتجرحي وإنتِ مش واخدة بالك.
رفعت عينيها إليه بتردد، وبدا السؤال وكأنه أخافها بمجرد أن فكرت فيه: تفتكر إني ممكن أحب تاني؟
ابتسم، ثم أومأ بثقة: هتحبي تاني، لأنك لازم تحبي تاني، بس المرة دي تختاري صح.
قطبت حاجبيها، وقالت بضيق موجوع: أختار صح! إزاي وهما كلهم بيبقوا شبه بعض؟
أومأ معارضا بتوضيح: لا، هما مش شبه بعض، فيه مؤشرات وحاجات بتوضح، بس إحنا الحب بيكون عمينا، وبيخلينا نشوف الحاجات السيئة دي حاجات حلوة، أو نقول: ممكن نتخطاها، وممكن نعالجها..
وأشار إليها بإصبعه محذرا، وكأنه يشرح لها أمرا مهما: الحب بيعمل غشاوة على العين، وبيخلينا نقعد ندي في حلول ونشوف الدنيا وردي، وهي مش كده، وبعدين دي أول تجربة حب ليكِ ،وللأسف بنسبة كبيرة أول تجربة بتكون فاشلة، وده طبيعي.
زفرت ببطء، وأراحت ظهرها إلى المقعد، ثم قالت بنبرة يختلط فيها الندم بالقبول والمرارة: كان نفسي متكونش فاشلة، حتى لو كانت أول تجربة، حتى لو كان حب عاميني، كان نفسي يتغير يكون قد ثقتي، بس أهو، أدينا اتعلمنا.
أومأ بصمت، ونظر إليها لحظة، ثم إبتسم إبتسامة مطمئنة، وكأنه أراد أن يترك الجملة الأخيرة تستقر بداخلها دون أن يزيد عليها.
وبعد لحظات، غير نبرة صوته فجأة، محاولا إخراجها من ثقل الحديث: ويا ستي، أنا جاي في زيارة عادية عائلية جدا، أطمن على حازم، بحسه عصبي أنا هاجي أعالجه.
ضحكت للمرة الأولى، وظهرت إبتسامة حقيقية على وجهها رغم بقايا الحزن في عينيها: فعلا هو أكتر واحد فينا عصبي.
إبتسمت له، ثم قالت بامتنان: شكرا يا دكتور شريف إنك جيت.
لوح بيده وكأنه يرفض كلمة الشكر: يا ستي أنا مش عايز شكر، أنا سمعت إنك بتعملي قهوة حلوة، فأنا عايز أشرب قهوة من إيدك.
اتسعت إبتسامتها، ونهضت من مكانها: بس كده؟ من عنيا.
ما إن خرجت من الغرفة، حتى دخل راشد قال بقلق، ثم قال: إيه يا دكتور طمني؟
ابتسم شريف مطمئنا، وأشار له بيده: ما تقلقش، هي كويسة جدا..
سائلة متعجبا مقلقش إزاي؟؛
أجابه بجدية هادئة: الوجع إللي جواها طبيعي، ومتوقع جدا بعد إللي مرت بيه، إحنا مش هنحاول نمنعها ولا نقول لها «أنسي وخلاص»، بالعكس! هنكون معاها وهي بتعديه، علشان ما نسيبش الوجع يكبر جواها أو ياخد وقت أكبر من حجمه.
تنهد راشد، وقال بصوت خافت: أنا بس خايف عليها، حاسس إنها بتضحك قدامنا، لكن جواها حاجة تانية.
أومأ بتفهم: وده طبيعي برضوا، بس صدقني، مي أقوى مما إنت متخيل، هي موجوعة، لكن مش مستسلمة وبتقاوم. ودي أهم نقطة..
صمت للحظة، ثم أضاف: هي بدأت تواجه، ودي خطوة كبيرة، وإحنا معاها، هنسمعها لما تحتاج تتكلم، وهنسيب لها مساحتها لما تحتاج تسكت، أهم حاجة منحسسهاش إنها مريضة لمجرد إنها موجوعة.
هز راشد رأسه ببطء، وقد بدا عليه بعض الارتياح: يعني هاتعدي؟
إبتسم بثقة: هاتعدي... وبإذن الله أسرع مما إنت متخيل، بس سيبوها تاخد وقتها، وماتستعجلوش عليها.
ظل راشد صامتا للحظات، ثم رفع عينيه إلى السماء وقال: يارب.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة٩م
دخل سليم وماسة غرفتهما في الطابق الأرضي، وكان سليم لا يزال يحمل حور، التي كانت متعلقة برقبته بقوة، أنزلها برفق إلى الأرض، بينما بقيت ماسة للحظات واقفة مكانها، لا تزال تحت تأثير ما استمعت إليه قبل قليل.
نظرت حور إلى سليم بقلق، ثم سألته: إنت لسة زعلان مني؟
نظر إليها بابتسامة صغيرة، ثم جلس أمامها في وضع القرفصاء، داعبها في أنفها بلطف: لا، مش زعلان منك يا قلبي، ما أقدرش أزعل منك، بس زعلت حبة صغيرين في قلبي كده، علشان زعقتيلي جامد قدام رشدي، وصدقتيه وماصدقتينيش، وقولتي إنك مش بتحبيني وإني وحش، ومش عايزه تعيشي معايا تاني.
مدت شفتيها بخجل، وضيقت عينيها وهي تقول بتفسير: أنا بحب رشدي قد السما والبحر، ولما شفتك ضربته وكان متعور في وشه تعويرات كتير، زعلت منك خالص.
سليم وهو يشير إلى وجهه: طب ما أنا كمان اتعور تعويرات كثير.
مدت وجهه بحزن وفجأة ألقت نفسها في حضنه، ولفت ذراعيها حول رقبته معتذرة: متزعلش مني يا بابا، أنا بحبك أوي.
ثم قبلته على خده، فابتسم، ومسح على رأسها بحنان: حبيبتي صدقيني خلاص مش زعلان، لما إنت ضحكتيلي وقلتيلي إنك مش زعلانة، قلبي خلاص مبقاش زعلان، بس اوعديني متقوليش الكلام ده تاني.
أومأت بإيجاب: وعد..
ثم أشارت إليه بأصابعها محذرة: وإنت اوعدني ماتلعبش إنت ورشدي اللعبة الوحشة دي تاني، ولا تزعلوه، علشان أنا بحبه.
وأومأ لها بصمت فهو لا يستطيع وعدها ربما لم يفعله
تابعت حور وهي عابسة: أنا كان نفسي أوريك الصورة إللي أنا رسمتهالك، بس هي ضاعت.
مال برأسه باستغراب: ضاعت فين؟
مدت شفتيها: مش عارفة، أنا وقعتها لما شفت رشدي في أوضة المكتب، تعالى نروح نشوفها.
هزت ماسة رأسها باعتراض:مش هاينفع يا حور المكتب متكسر خالص، ولما ييجوا يوضبوه هخليهم يجبوها.
حور بضجر طفولي وهي تنظر لها: لو كنتي خليتيني أروح من الصبح، كانت ماضاعتش!
ثم نظرت إلى سليم، وقالت بتعسف: أنا عايزاك تخاصمها يوم ويوم ويوم يا سليم.
اتسعت عيناه بدهشة وهو تارة ينظر لماسة وتارة ينظر لها ثم قال: وهيهون عليكي تخاصمي ماما يوم ويوم ويوم؟
زمت شفتيها وهي تهز راسها بتأكيد: أيوه! عملت حاجات كتير وحشة معايا..
بدأت تعد له على أصابعها بتزمر: زعقتلي، ومش رضيت تخليني أجيلك، وخلت الصورة تضيع، فخاصمها يا سليم يوم ويوم ويوم... ويوم!
اقتربت منهما ماسة، وقالت بتعب من أعماقها: والله أنا إللي عايزة أخاصمكم إنتوا الأتنين يوم ويوم ويوم.
التفت إليها سليم باستغراب: طب أنا عملت إيه دلوقتي؟
تنهدت ماسة، ثم جلست على طرف المقعد بضجر:
هو كده، والله أنا عايزة أخاصم الناس كلها، وأقعد مع نفسي وأشرب نسكافيه وأسمع أغاني، علشان أنا تعبت وزهقت من كل الحوارات إللي بتحصل دي.
ضحك سليم: هرمونات دي..
ثم نظر إلى حور وقال بمزاح: أبعدي عن ماما دلوقتي، بتاكل بني آدمين!
ضحكت حور وهي تضع يدها على فمها، بينما، ضحكت ماسة رغما عنها.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب، ودخلت سلوى يتبعها مجاهد وسعدية.
قالت سلوى وهي تنظر إلى سليم بقلق: أنا شفت رشدي وهو خارج، قلت أجي أطمن عليكم وأفهم إيه إللي حصل.
وقبل أن يجيب، اقتربت سعدية منه بتوتر: إيه إللي حصل يا ابني؟ وإيه إللي في وشك ده؟
أسرعت ماسة بالرد: هو ورشدي كانوا بيلعبوا بوكس، وقعوا واتعوروا...
تدخلت حور بتأكيد: أيوة يا تيتا حتى عمو مكي اتعور في دماغه..
نظرت لسليم وقالت بشدة تليق بها: مش تلعبوا اللعبة الوحشة دي تاني.
نظر مجاهد إليه باستغراب: بوكس إيه إللي لعبتوه؟
رفعت ماسة يديها إلى شفتيها بسرعة، كإشارة منها كي لا يتحدثوا، وتبادلت معهم نظرة سريعة، فهموا من نظراتهما أن هناك شيئا لا تريد قوله أمام البنت،
فقال مجاهد بهدوء: إحنا بس قلنا نيجي نطمن عليكم يا ابني. إنتوا كويسين؟
أومأ، سليم بابتسامة مطمئنة وهو يتوقف: أيوه، إحنا كويسين، مفيش حاجة، ماتقلقوش.
ضربت سعدية كفا بكف وهي تتنهد: لا حول ولا قوة إلا بالله! طيب، إحنا هنطلع أوضنا بقى، ونبقى نتكلم بعدين.
تحرك الجميع نحو الباب، بينما ظلت ماسة واقفة مكانها للحظة، تراقبهم في صمت.
وما إن خرجوا وأغلقوا الباب خلفهم، حتى التفتت ماسة إلى سليم بنظرة مختلفة، وقالت بالإنجليزية:
سليم، أريد التحدث معك، أشعر بالاختناق والضجر.
أومأ بإيجاب بإستغراب صامت، ثم التفتت ماسة إلى حور بابتسامة، وهي تمسح على شعرها: حور، بقولك إيه؟ إيه رأيك تكملي رسم وتلعبي باللعب بتاعتك، وأشغلك الكرتون؟ علشان أنا وبابا عايزين نتكلم مع بعض... كلام كبار.
وضعت حور يدها تحت ذقنها بتفكير، ثم قالت بحماس: ونلعب في حمام السباحة؟
نظر إليها سليم وابتسم: هنلعب في حمام السباحة، بس بكرة، مش النهاردة. إحنا بقينا بالليل، بعدين إحنا تعبنا النهاردة خالص، روحنا الملاهي ولعبنا كتير.
أجابت بموافقة: ماشي.
وبالفعل، أمسكتها ماسة من يدها، وأجلستها أمام الشاشة، ثم شغلت لها الكرتون، وعلت الصوت واختارت لها اللعبة التي تريدها، وبعد أن اطمأنت لانشغالها، تحركت مع سليم وجلسا على السرير.
ساد بينهما صمت قصير، قبل أن يمسك سليم يديها، ويركز النظر في عينيها باهتمام تسأل: إيه يا حبيبتي؟ مالك؟
أخرجت نفسا طويلا، ثم رفعت عينيها إلى السقف من شدة التعب، قبل أن تنظر إليه مجددا، ردت بنبرة مختنقة، وهي تضع يدها على رقبتها: حاسة بخنقة فظيعة، حاسة إن قلبي من جوة موجوع، دماغي فيها دوشة، مش عارفة أبقى مبسوطة ولا عارفة أبقى مطمنة... مخنوقة.
نظر إليها باستغراب، ولاحظ الاضطراب في ملامحها، فسألها بنبرة هادئة: ليه يا عشقي؟ إيه إللي حصل؟
قطبت حاجبيها، وردت بنبرة غاضبة مختلطة بالاختناق: هو إيه إللي ليه أصلا؟ إنت عايزني بعد كل إللي حصل ده أبقى طبيعية؟
اغرورقت عيناها بالدموع، وأكملت بصوت مبحوح:
أنا بجد تعبت يا سليم، أعصابي تعبت، مابقيتش قادرة أستحمل.
نظر إليها بحزن، ثم سأل بهدوء: كل زعلك ده علشان رشدي كان عارف بالبنت؟
قاطعته سريعا بضجر مرير: لأ يا سليم... بالعكس، يمكن دي الحاجة الوحيدة الكويسة إللي رشدي عملها، إنه خلى البنت معاه، حتى لو في المقابل حرمني من إنها تعيش معايا أجمل أيام ممكن أم تعيشها مع بنتها، وبنت تعيشها مع أمها.
نظر لها متعجبا ردت على نظراته موضحه: هو فعلا حماها، من شر كبير، حافظ عليها طول السنين دي، وكان بيعاملها حلو، وخلى البنت ما شاء الله عليها جميلة وعاقلة، مش مضطربة... ودي أهم حاجة..
سكتت لحظة، والوجع يعصف بها، نهضت، ومسحت دمعة سقطت على وجنتيها ثم واصلت، وكأنها تشرح وجع وتشتت لم تعد تتحمله: لكن إللي حصل بينكم، وضربكم لبعض، وإنه قدر يوصّل لحد هنا ويهددك، كل ده محسسني إننا رجعنا لنقطة الصفر..
ارتجف صوتها أكثر باضطراب: أنا لسه مش قادرة أتجاوز إني عرفت إن بنتي موجودة، ولا إللي حصل لي زمان، ومش عارفة إللي جاي هيكون عامل إزاي؟! كل حاجة بتحصل وحصلت فوق طاقتي تعبت.
زم وجهه متأثرا بيحديثها، توقف،أخذها بين ذراعيه، وأخذ يربت على ظهرها بحنان: صدقيني، هتعدي، زي ما عدينا من حاجات أكتر منها وأكبر منها.
مسحت وجهها بيدها، ثم ابتعدت عنه قليلا، وقالت بصوت مخنوق: ما أنا عارفة إنها هتعدي، بس لحد ماتعدي، أنا مش عارفة هتحمل لحد إمتى؟! أنا حقيقي مخنوقه أوي...
صمتت لحظة، ثم نظرت إليه بغضب: بعدين إنت إزاي تسمح له يجي لحد هنا؟
تنهد متسائلا بأستنكار: هو إنتِ فاكرة إنه مش هيبقى قادر يجيب عنواني مثلا؟
هزت رأسها بعصبية: في فرق بين إنه يعرف عنوانك، ويجي! بإنك تجيبه بنفسك، بسبب عندك، هتفضل لحد إمتى عنيد يا سليم؟
أومأ معترضا بتفسير: ده مش عند يا ماسة، دي واقعية، أنا كان لازم أنهي القصة دي، كده كده هتحصل.
ضغطت على أسنانها الأمامية، ونظرت له بضجر وهي تشير في وجهه: لا، إنت راجل عنيد، عنيد يا سليم، وأنا مش مستعدة أنا وبنتي ندفع تمن عنادك وكبريائك.
سكت سليم، بينما تابعت بانفعال: ما كلفتش خاطرك تخلي الحراس ياخدوا منه المسدس قبل مايدخل؟ ولا حتى تدخل كام واحد معاه؟ طب أفرض كان قتلك!
ارتجف صوتها وهي تكمل: هو أصلا كان جاي يقتلك بعد إللي إنت عملته، وأنا مش عارفة إزاي خرجته بالسهولة وإنت عارف أنه مش هيسكت.
ظل صامتا، وعيناه معلقتان بها، ثم قال بهدوء موضحا بعقلانية: بصي يا ماسة، أنا عارف إنك ممكن ما تفهمينيش، وممكن تشوفي بعض أفعالي فيها جنون وخطورة، بس صدقيني إللي أنا عملته ده هو الصح.
عقدت حاجبيها بضجر:صح من وجهة نظر مين؟
أجابها فورا باقتناع تام: من وجهة نظري، ووجهة نظر المنطق كمان، كان لازم المواجهة دي تحصل، بيني وبينه، مش هتفرق بقى بره الفيلا ولا جوة الفيلا.
اجابته بهدوء: ماشي تحصل بس على الاقل تبقى هنا؟!
عقد بين حاجبيه باستغراب: ليه تفتكري إني ممكن معرفش أحميكوا؟ أنا من اول ما رشدي دخل هنا أنا كان عندي القدرة إني اقتله، بس أنا ما كنتش عايزه اقتل، إنتِ كده بتقللي من قدراتي.
أومأت وهي تقترب منه خطوة موضحة: أنا مش بقلل من قدراتك، بس على الأقل أمن نفسك!
تابعت بضيق غاضب: إنت لا كان معاك مسدس، ولا حتى دخلت حراسك معاك، ودخلته بسلاحه؟
نظرت له بعتاب، وفي عينيها دموع تلمع والخوف يملؤهما: أنا قلتلك عاهدني إنك هتحافظ على روحك، بس إنت عنيد، بتغامر بروحك ليه؟! مش هقولك تاني يا سليم، أنا مش هبقى مبسوطة وإنت بتجيب لي حقي وإنت تحط نفسك قصاد الخطر.
مع أصواتهم العالية، بدأت حور تنظر إليهم، لكنها كانت تعود مرة أخرى تنظر إلى التلفاز على أحد أفلام الكرتون وتلعب بالمكعبات.
بينما نظر سليم إليها لثوان، وهو مدرك أنها محقة، تنهد وقال بهدوء: طب إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ قوليلي إيه يرضيكي وأنا هعملهولك.
مسحت دموعها وقالت بنبرة محشرجة: عايزاك توعدني ما تاخدش أي قرار غير لما تكلمني وتقولي عليه الأول، وأي حد من أهلك هيفكر يجي هنا تدخل معاه حراس وتاخد منه سلاح، ولو هتروح تقابلهم في أي مكان هتاخد حراسك معاك وسلاحك، وتأمن نفسك وتحط خطة بديلة.
ابتسم، ثم ضم وجهها بين يديه وهو يدقق عينيه في ملامحها: بس كده؟ هعملك كل إللي إنتِ عايزاه، وعد.
مدت وجهها كالطفلة وهي تقول بعناد يخرج من قلب امرأة تعشق زوجها وتخاف عليه: لا، قول وعد يا ماسة هعمل كل إللي إنت قولتى عليه.
ابتسم وهو يؤمي بالموافقة: وعد يا ماسة، هعمل كل إللي إنتِ قولتي عليه، وعد والله وعد.
ضحكت من بين دموعها، وتبادلا النظرات بعشق، ثم اقترب منها وقبلها قبلة عميقة، تبادلا قبلة بعشق لثوان، ثم ضمها بشدة لوقت، وكأنه يعوضها بهذا العناق.
ابتعدت وهي تأخذ أنفاسها، ثم سألته: هتعمل إيه مع رشدي؟
سألها هو يضيق عينيه بعدم فهم: يعني إيه هعمل إيه معاه؟
أجابته وهي تمد وجهها بتوضيح: يعني خلاص كده الموضوع اتقفل؟ مش هتعاقبه تاني؟
تنهد وهو يومئ بنفي: لا خلاص يا ماسة، عقابه خده، كده بالنسبه لي تمام.
ردت بتوتر: بس هو مش هيسكت.
هز رأسه بإيجاب وهو يجلس: عارف، بس أنا برضوا مش هلوث إيدي بالدم، بس لو مسك أو مس حور، أو مكي مش هسكت له أكيد.
جلست بجانبه وهي تقول: أنا عايزة أروح لمي، عايزة أعتذر لها.
هز رأسه بإيجاب: ماشي.
سألها باهتمام: لسة مخنوقة؟
مدت شفتيها باختناق: أممم...
فجأة ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة خبيثة وهو يقول: أنا هعرف أصالحك إزاي.
وفجأة بدأ يدغدغها من جنبها.
توقفت وهي تضحك وتبتعد: بس يا سليم، بس!
أخذت تبتعد عنه وهي تصرخ.
استمعت لهم حور، فنهضت مسرعة، واقتربت منهم، وتساءلت وهي تضع يدها في خصرها: بتعمل إيه في ماما؟
رد وهو يدغدغ ماسة: تعالي زغزغيها معايا.
ضحكت بحماس: ماشي.
وبالفعل، أخذ الاثنان يدغدغان ماسة، فانفجرت في الضحك وهي تحاول الإفلات منهما، حتى سقطت على السرير وهي تصرخ:خلاص بقى! كفاية يا سليم! حور، ساعديني!
ضحكت حور وهي تقفز على السرير بجوارها: لأ! أنا مع بابا!
ضحك سليم وقال: شاطرة يا حور، أهو كده إنتِ بنتي بجد!
نظرت ماسة إليه بغيظ مصطنع: آه، بتقويها عليا.
أومأ بإيجاب: طبعا، دي بنتي.
زمت ماسة شفتيها بدلالها المعتاد، وقالت: طب وأنا؟
اقترب منها سليم بنظرات عاشقة، وقال بابتسامة: إنتِ روحي... قطعة السكر.
ابتسمت ماسة بحب، ثم ضمته إليها وما إن انتبهت حور إليهما حتى عقدت حاجبيها بدلال، ومدت ذراعيها نحوهما: أنا كمان! كمان! أحضنوني معاكم!
ضحك سليم، ومد ذراعه إليها، فضمها إليه، بينما احتضنتها ماسة من الجهة الأخرى.
تعالت ضحكاتهم، وظلوا متعانقين في أجواء عائلية دافئة، يملؤها الحب والمرح، وكأنهم يحاولون معا أن يعيدوا إلى قلوبهم توازنها بعد كل ما عصف بها، وأن يصنعوا لأنفسهم لحظة هادئة تشبه الحياة التي حرموا منها طويلا
♥️___________بقلمي_ليلةعادل
على إتجاه آخر بالمكتب.
كان مكي لا يزال يجلس في المكتب وسط الفوضى، وهو يتحدث في هاتفه: تمام يا عشري، هات المكالمات والتسجيلات وتعالى، هي شكلها ليلة مايعلم بها إلا ربنا... إنت لسه تحت بيت مي؟
رد اممم مستنى الأوامر
أجاب: تمام، بقول لك إيه، عايزك تعرفلي رشدي فين جيبه من تليفونه، عايزك تزرع لي في عربيته جي بي إس، لازم تحركاته خطوة بخطوة تكون معانا، النفس إللي بيتنفسه، فاهم؟ هكر تليفونه زي عماد كده.
جاء الصوت: طب المهم بلغ سليم؟
رد: مش هقول لسليم دلوقتي غير لما تيجي، سلام.
أغلق المكالمة، ثم وضع يده على رأسه، وبدا أنه لا يزال يشعر بالوجع وأن الموضوع كل مدى يسوء.
وأثناء ذلك، دخلت سلوى وهي تشعر بالخوف والتوتر قالت وهي تقترب: إنت هنا؟! طلعت الجنينة أدور عليك قالولي إنك لسة جوه
رفع عينه نحوها اقتربت حتى توقفت أمامه، ما إن رفعت عينيها رأت جرحه وقالت بقلق: إيه ده؟ إنت متعور جامد!
تنهد ببساطة: لا يا ستي، أنا كويس، ماتقلقيش عليا
رددت بإعتراض: كويس مين بس؟!
أمسكته من يده وحاولت أن تسحبه: تعالى معايا، تعالى.
سحب يده منها وقال باقتضاب: أنا كويس.
نظرت له نظرة غاضبة حادة: أسمع الكلام بقى ماتعندش.
أمسكت يده وسحبته وتحرك معها هذه المرة حتى وصلا إلى الريسبشن، ثم قالت: خليك هنا لحد ما أجيب الإسعافات.
أومأ: يا بنتي مش مستاهلة.
نظرت له بحدة: بعدين معاك ماتسمع الكلام بقى وأقعد ساكت.
تنهد وجلس على الأريكة، بينما تحركت سلوى ودخلت المطبخ، وأحضرت شنطة الإسعافات وعادت.
جلست أمامه، وبدأت تضع الكحول والبيتادين، ثم بدأت تنظف جرحه.
كان ينظر إليها، وعيناه تحملان شوقا لم يستطع إخفاءه. كانت كل لمسة منها، وكل نظرة وكل اهتمام، يتغلغلون داخله ويهدمون شيئا من كبريائه وعناده أمامها.
لكنه حاول ألا يركز معها، لكنه كان يفشل، فهو يشتاق إلى تلك الصغيرة التي ملكت قلبه، ولم يستطع أن يرى أو يحب غيرها، رغم ما فعلته.
لم تنتبه سلوى إلى تلك النظرات، بسبب انشغالها بتنظيف جرحه، حتى انتهت.
رفعت عينيها إليه وقالت: الحمد لله، جت سطحية خالص.
شاح عينه مسرعاً وابتسم وقال:السطحية دي خلتني مغمى عليا خمس دقايق تقريبا.
اتسعت عيناها وقالت بفزع: يانهار أبيض!
تابعت باستهجان: هو أصلا إيه إللي حصل؟ سليم ورشدي ضربوا بعض صح؟ انت كنت فين؟!
أجابها وهو يعود بظهره إلى الأريكة: أنا ما لحقتش أتدخل، بعد ماسحبت المسدس منه، اتهجمت عليه أنا وسليم، والمسدس وقع، معرفش وقعت إزاي، لقيت نفسي برجع لورا واتخبطت في دماغي، ماحسيتش بالدنيا غير بعد تقريبا ما رشدي وسليم كسروا المكتب على بعض.
قالت بضجر: معلش يعني، هو إنتوا اصلا إزاي تدخلوه من غير حراسة؟ من غير حتى ما تفتشوه؟ واثقين إنتوا من نفسكم أوي كده؟
أجابها بضيق: سليم مرضاش.
سألته باستغراب: مرضاش! كنت أعملها من وراه يا مكي.
رفع حاجبه مستنكرا بسخرية: أعملها من وراه؟!
إزاي يعني؟ كان مرزوع قدامي، وسليم زكي، يعني حتى لو عملت نفسي داخل الحمام أو مسكت التليفون، هيفهم.
زفرت بضيق مستفزة وهي تقول: سليم ده ساعات بيبقى متمسك بكبريائه في وقت غلط، بس الحمد لله عدت على خير..
صمتت لوهلة ثم قالت بتوتر يخرج من عينيها: بس أنا خايفة يا مكي رشدي عرف بحور و..
قاطعها مصححا: لا، ما هو كده كدة أصلا عارف.
عقدت حاجبيها بعدم فهم: مش فاهمة.
أخرج نفسا عميقا، وبدأ يسرد لها كل ما عرفوه وبعد الانتهاء.
اتسعت عيناها بصدمة، ثم قالت: يا نهار أبيض! الحيوان الحقير! بس عادي أتوقع منه يعمل أكتر من كده..
ثم بدأت أن تقلب شفتيها يمين ويسار بسخرية لازعة: بس غريبة رشدي إللي حطلي السم بأيده ودمر حياة أختي وأخوه، يبقى طيب كده، وهو إللي مخلي البنت مؤدبة كده وعسولة وتحبه، سبحان الله!
قال بجدية محذرا: المهم، إنتوا بس خدوا بالكم من نفسكم الفترة الجاية، بلاش خروج كتير لحد مانشوف إيه اللي هيحصل.
أومأت بطاعة:حاضر.
سكت قليلا وهو سارحا في ملامحها، ثم فجأة سألها:
طب وإنتِ هتعملي إيه في العريس؟
سكتت لحظة، تذكرت كلام سليم، فابتسمت وقالت بمكر: بفكر أشوفه.
رفع حاجبه بحدة ردت على تلك النظرة بتصنع: بتبصلي كدة ليه؟
أجابها بتهكم: مطلوب مني أبص ازاي؟! بعد كلامك المستفز ده.
فور استماعها إلى تلك الكلمات، ورؤيتها لغيراته، رفرف قلبها، لكنها حاولت التماسك والثبات أمامه، وقالت بهدوء متقن بتمثيل: أنا أمي وجعالي دماغي، وعمالة تهددني كل شوية تجيب لي حد من البلد. وأنا مستحيل أتجوز حد من البلد.
ظل ينظر إليها لحظة، ثم سألها يترقب: يعني هتوافقي يا سلوى؟
نظرت إليه باستغراب وخبث: موافقش ليه يا مكي؟
أجابها بتلقائية وكأنه أصبح لا يستطيع أن يمثل اللامبالاة: المفروض متوافقيش.
رفعت حاجبها بتعجب مصطنع دون، فهي تحاول أن تجعله يخرج ما في قلبه، تابع بتهكم لازع: آمال فين كلامك، أنا هحاول ومش هيأس، وإنتِ من كام مرة يأستي وبعتِ القضية.
اعترضت بسرعة: أنا مبعتش القضية يا مكي؟! بس أعمل إيه؟ أنا عايزة منك كلمة واحدة تديني أمل، بس لو جيت بعد شوية لقيتني مع واحد تاني، اعرف إن هو كان غصب عني، إنت السبب.
نظر إليها مستهجن وقال: مافيش حاجة إسمها غصب عنك يا سلوى.
اقتربت منه وهي تقول بإصرار ركزت النظر في ملامحه: لا فيه لانك مش مديني أمل..
صمتت لوهلة ثم قالت بمكر: أنا مستعدة أروح أقول لسليم دلوقتي حالا يقفل الموضوع ده، وأخليه يغير كلامه، وأحارب علشانك، إلا إذا غيرت رأيك ودتني أمل...
توقفت لحظة، ثم قالت بصوت أهدأ: كلمة واحدة منك، لو قلتهالي، هاتبني وراها حاجات كتير..
تابعت محذرة: واسمع أنا لو المرة دي رفضت، المرة الجاية مش هقدر، أنا إنسان، وليا طاقة.
سكت قليلًا، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، ثم نظر إليها وقال بصدق: مستحيل أنكر إني لما سمعت كلام سليم، غيرت واتعصبت حسيت بخنقة هنا..
وأشار إلى صدره، ثم تابع: وحسيت بغصّة في قلبي، أنا بحبك، ومش قادر أشوفك مع حد تاني، بس في نفس الوقت لسه خايف منك يا سلوى.
فور ان استمعت لكلماته أشرق وجهها أمسكت يده بسعادة: وأنا بقولك متخافش، وبعدين أنا إللي المفروض أخاف منك، زعلك كدة وحش اوي.
ابتسم: زعلي على قد محبتي.
ضحكت بخفة: عارفة، بس هقولهالك للمرة الف أنا عملت كدة غصب عني..
صمتت لوهلة ثم سألته: طب إيه؟ مش هتقولى
حاجة حلوة بمناسبة رجوعنا لبعض؟
اتسعت عينا بدهشة بابتسامة صغيرة ارتسمت على ملامحه: رجوعنا لبعض؟ رجعتينا لبعض خلاص؟
اومأت: آه اذا كان عجبك..
تبسم، ثم ضم يديها بين كفيه، واعتدل في جلسته، ثم أطال النظر إليها، ولأول مرة، لم تكن نظرته تحمل عتابًا أو غضبًا، بل كانت ممتلئة بحب أخفاه طويلا، وشوق ظل ساكنا في قلبه لسنوات،.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، ثم قال: وحشتيني.
أخذت نفسا عميقا، فقد رفرف قلبها بعد أن أذاب ثلجه، وقالت بسعادة بلهاء: وإنت كمان وحشتني...
يا ستار عليك! لازم يعني نعمل عليك خطة عشان تنطق.
ضيقت عينيها بمكر: إنت وسليم بقيتوا أصحاب أوي، وعرفتوا تلعبوا عليَّا صح.
ردت عليه بتهكم لطيف: نعمل معاك إيه يعني ما حربت معاك كل حاجة، ومانفعتش، خليت الراجل يخرج عن وقاره علشان تنطق
تعالت ضحكتهما ، ثم سألته: طب إيه؟ هتكلم بابا وماما إمتى؟
أجابها دون تردد: بكرة.
قالت بقلق:أنا خايفة يرخموا ويرفضوا، علشان العريس بتاع سليم.
طمأنها بهدوء: ما هو أكيد سليم هيظبط الموضوع، يعني ماتقلقيش، وبعدين أهلك بيحبوني، أمك بالذات بتموت فيا.
ابتسمت وقالت بصراحة: حصل
ثم نظرت إليه بتحذير مصطنع وقالت: بس إياك تتراجع بكرة!
ضيقت عينيها وقالت بلهجة حازمة وهي تضحك: والله لو تراجعت، ورجعت لجنانك، لاخد فيك تأبيدة!
انفجر مكي ضاحكا، ولم يتمالك نفسه حتى ضحكت معه، وظلا يتبادلان الضحكات، وقد تبدد القلق الذي كان يملأ قلبها قبل لحظات.
وكان الغد يحمل لهما أول خطوة حقيقية نحو ما تمنياه طويلا.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل
منزل إسعاد١٠م
توقفت سيارة رشدي أمام المنزل، فترجل منها بغضب، واتجه إلى الباب وطرق عليه بشده، كان يريد أن يعرف كيف لها ألا تخبره بأن سليم وصل إليها.
جاءه صوت إسعاد من الداخل بضجر،: طيب حاضر، مين بيضرب كده؟ يا ستار يا رب!
فتحت إسعاد الباب، فوجدت رشدي أمامها، عيناه تحملان سوادا خطر، نظرت إليه بعبوس، ثم قالت: اتفضل.
تنحت جانبا ليدخل، فاندفع إلى الداخل بغضب، ثم التفت إليها قائلا: إنتي ازاي ماقولتيليش؟
لم تهتز أمام غضبه أو نظراته، بل ردت عليه بحدة:
إنت بتزعق ليه؟ أنا إللي مفروض أزعق بعد إللي عملته!
اقترب منها خطوة وصاح بانفعال: إزاي ماتقوليليش إن سليم جه؟ ردي عليا!
هتفت بشده: أنا كلمتك كتير، وإنت ولا كنت بترد ولا كنت بتعبر حتى رحمة، وحاططنا كلنا على إللي اسمه إيه ده... البلوك!
ثم تابعت بعتاب أشد غاضب: إزاي يهون عليك أخوك تعمل فيه إللي إنت عملته ده؟ تسرق ضناه وتتفق مع الواطي التاني وتضحكوا عليه؟
تابعت بنبره مهتزه غير مصدقه بعتاب لازع: ده أخوك أزاي هان عليك؟ طب والبنت الصغيرة إللي كانت هتموت وتشوف أهلها، أزاي تهون عليك كده وإنت شايفها قدام عينك كل شوية تسألك فين بابا فين ماما نفسي أشوفهم؟ إنت إيه يا ابني؟ إيه شيطان ماعندكش قلب؟!
نظر لها بعيني تحملان وجعا غاضبا: إنتِ ماتعرفيش حاجة.
صرخت فيه بضجر: أعرف ولا ما أعرفش؟! مافيش سبب في الدنيا يخليك تسرق عيلة صغيرة من حضن أبوها وأمها! حتى لو أبوها ده من كفار قريش، مالكش حق! ولو ليك حق عنده، ربنا سبحانه وتعالى يجيبلك حقك منه، ولو قلبك حارقك أوي وهتتجنن وتجيب حقك، هاتوا بأي طريقة، لكن تحرق قلبه على ضناه ليه؟ ليه يا ابني ليه؟
سكتت لحظة، ثم قالت بحسرة: الدنيا متفاتة كلها متر في متر، وأنا إللي صدقتك وصدقت حبك ليها.
خفض رشدي عينيه وقال بصوت أكثر هدوء كأنه يحاول اقناع نفسه قبل إقناعها: على فكرة، أنا حبيتها بجد، ماعملتش كده علشان أحرق قلب أبوها عليها، أنا عملت كده علشان، ده كان في مصلحتها..
ردت عليه بتهكم: مصلحتها أي مصلحة دي تخليك تسرق عيلة عندها كم يوم من حضن أمها.
قاطعها بغضب، وكأنه يريد أن يزيل عنه ذلك الاتهام أو العار الذي يلطخه هتف: أيوة في مصلحتها، وفي مصلحتي، قلت لك موضوع كبير، بعدين خلاص، أهي رجعت لهم تاني.
أضاف بتبرير مستهجن: وبعدين، أنا كنت بعمل فيها إيه يعني؟ كنت بحرقها؟ البنت كانت عايشة كويس.
نظرت إليه طويلا، ثم قالت بإزدراء: ده إللي إنت بتحاول تبرره لنفسك علشان تقنع نفسك إنك صح، وما تحسش بعذاب الضمير..
أضافت بسخط لازع: أوعى تكون فاكر علشان البنت كانت عايشه عيشه كويسه وكنت بتصرف عليها وإنها بتحبك؟ ده يشفعلك، أو يخليك تنام وإنت مرتاح الضمير..
اقتربت منه أكثر، وقالت بوجع: إنت عمرك ما هتقدر ترتاح، ولا تنكر إنك سرقت البنت من أبوها ومن أمها، وحرمتها تنام في حضن أمها، وتشبع من صدرها، حضن الأم ده كنوز الدنيا متعوضهوش.
ثم تنهدت وقالت بتعب وهي تضيع يدها على قلبها:
روح يا ابني، ربنا يسامحك، وماتخافش أنا مارضيتش أقول لأخوك أي حاجة عنك، سبته فاهم إللي فهمه، فاكر أن عاطف وجوز أختكم هو إللي عامل فيه كده.
مالت شفتيه بنصف إبتسامة ساخره وقال بإنكسار:
ماخلاص عرف أني كنت عارف، بس أنا كنت جاي علشان أسألك، إنتي ليه ما اتصلتيش بيا؟
ردت بمراره: قولتلك كلمتك، وإنت زي كل مرة مارضتش، لما بيكون عندك حاجات أهم..
أومأ بإيجاب صامت حزين: عموما أنا هبعت لك فلوس كل شهر زي ما كانت البنت معاكي ماتقلقيش..
هزت رأسها وقالت: مش عايزه منك حاجة، الله الغني عن فلوسك، ربنا يسامحك يا ابني، كفاية لحد كده.
توقف لحظة، ثم سألها بصوت منكسر بعينين غامت بدموع والوجع: حتى إنتي كمان مش مسمحاني؟
نظرت إليه بحزن وقالت: ربنا يسامحك يا ابني، بس أنا زعلانة منك، عمري ما توقعت إنك تبقى عامل كده في بنت أخوك، مش هو ده أخوك إللي كان عامل حادثه كبيره؟ ما كفاكش الحادثة إللي عملها؟ تسرق عيلته منه كمان؟ روح... ربنا يسامحك.
رفع عينيه إلى أعلى، وقد امتلأت عيناه بالحزن والوجع، لم يجد ما يقوله، فاستدار وتحرك مبتعدا عن المنزل، حاملا معه كلماتها التي أصابته في أكثر مكان كان يحاول ألا ينظر إليه.
فيلا ماسة وسليم ١١م.
كان سليم وماسة وحور يجلسون معا يشاهدون التلفاز بعد جولة من اللعب، ويحتسون العصير ويتناولون الفشار.
وأثناء ذلك، رن هاتف سليم. نظر إلى الشاشة، ثم قال: ده مكي.
أمسك هاتفه وأجاب: إيه يا مكي؟
جاءه صوت مكي: بقول لك إيه، فاضي؟ تنزل شويه، عايز أتكلم معاك في حاجة مهمه وعشري هنا.
سأله بقلق: ماتستناش لبكره يعني؟
أجابه: لا، الأفضل تبقى عارفها دلوقتي، وبعدها تقرر براحتك.
صمت سليم لحظة، شعر أن هناك شيء كبير قد حدث فقال: فهمت... طيب، أنا نازل.
هما سليم بالنهوض، ثم نظر إلى ماسة: أنا هنزل، مكي عايزني.
سألته ماسة بقلق: في حاجة؟
اومأ بعدم معرفة: معرفش، بس هعرف هقولك
نظرت إليه بجدية توقفت أمامه وقالت وهي تشير بأصابعها: مهما كان إللي هاتعرفه، ما تاخدش قرار غير لما تيجي تقولى.
ابتسم وقال: طيب ماشي، بلاش الصباع ده... أنا نازل.
رفعت حاجبيها محذرة: سليم بجد والله، هزعل منك تلات أيام، وزعلي هيبقى غبي المرة دي!
ضحك سليم، ثم أمسك يدها قبلها منها بحنان:
أنا وعدتك، خلاص بقى.
ثم نظر إلى حور، وقال: بصي يا وردتي خليكي مع مامي هنا، هنزل تحت لعمو مكي علشان عايزني في حاجة مهمة، وهرجعلك على طول ونقعد نلعب شطرنج، علشان عايز أعلمك، اتفقنا؟
ضربته كفه بكفه بحماس: اتفقنا!
تحرك سليم إلى الخارج، بينما نظرت ماسة إلى حور وقالت: بقولك إيه؟ تيجي أحميكي.
اتسعت عينا حور بحماس: ونلعب في البانيو؟
ضحكت ماسة: اممم هنلعب في البانيو زي ما إنتي عايزه، وألبسك بيجامة من البيجامات الحلوة الجديدة.
حور بسرعة: إللي عليها تويتي!
أومأت بابتسامة مشرقه: إللي عليها تويتي، وهعملك تسريحة حلوة خالص في شعرك.
هزت راسها: ماشي!
ضيقت عينيها بطفوله وقالت ببراءة: طب ممكن البس المايو واللعب حبه، قد كدة🤏🤏
وضعت يدها على صدرها، ثم قالت: والنبي يا مامي..
ثم اقتربت وقبلتها من بطنها وهي ضيف برجاء: علشان خاطري، حبة صغنين..
ثم صعدت على الأريكة، كي تصبح في مستواها، ثم عانقتها وأخذت تقبل وجهها عدة قبلات متتالية، وهي تتوسل بطفولية: وحياتي يا ماما، ألعب حبة صغنين خالص.
ضحكت ماسة وقالت: إنتي بترشيني كده يعني؟ ماشي يا ستي، موافقة.
ثم حملتها بين ذراعيها وقالت: يلا بينا.
صفقت حور بسعادة، ولفت ذراعيها حول عنق ماسة، ثم طبعت قبلة كبيرة على خدها بحبك أوي يا ماما
ماسة وهي تقبلها: أنا كمان بموت فيكي.
في إتجاه آخر من الحديقة
تحت البرجولة، قبالة النيل
تجمع سليم ومكي وعشري حول الطاولة، وأمامهم فناجين القهوة، كانت الأجواء هادئا، والنسيم يمر من حولهم، بينما استقر على الطاولة الصغيرة حاسوب محمول وهاتف وملفات.
كان يبدو على سليم أنه يشاهد شيئا ويستمع إليه عبر سماعات الأذن وبعد أن انتهى، أخذ نفسا عميقا، ثم ضغط على الحاسوب، ونزع السماعات وأعاد ظهره إلى الخلف.
نظر إليه مكي وعشري بتركيز، ثم قال مكي:
ها يا سليم؟ هتعمل إيه؟
أجاب بهدوء: أنا كنت متوقع إن إريك هو إللي ورا الحادثة، بس المشكلة إن مكنش عندي دليل، بس دلوقتي بقى الدليل معايا؟!
زم شفتيه بضجر مضيف: بس اللعب مع إريك وتيمو مش هيكون سهل، أي مخاطرة، أي مجازفة، أو حتى الثقة في النفس زايدة هتكلفني كتير..
صمت لوهلة ثم أبتسم وكأنه وضع يده على خيط:
بس في نقطة ممتاز إحنا ممكن نستغلها في صالحنا..
نظرو له بتعجب تابع: تيمو عنده يقين إني لسه معرفتش إنهم إللي ورا الحادثة، وأنا عايز اليقين ده يزيد. لازم يفضل فاكر إني لسه معرفش ولسة بدور.
ثم تابع وهو يفكر بدهاء شيطاني: إحنا لازم نكلم رجالتنا بره، وأروح للباشا قبل ما يسافر إيطاليا وأقول له يدور تاني ورا إللي عمل الحادثة، يمكن يكون هو إللي بيعمل كل ده في العيلة، وأكلم باولو كمان، وأقول له إني عايزه يساعدنا، لإني حاسس إن إللي بيحصل دلوقتي شبه إللي كان بيحصل زمان، ووقتها الكلام هيكتر وهيوصل وأنا مش عايز أكتر من كده، لإن ده معنى إني لسه بدور، ونفضل على النقطة دي لحد ما أفكر هنعمل فيهم إيه؟!
نظر إليه مكي وسأله مباشرة: إنت عايز تقتلهم؟
قال بمنطقية وهو يزن كلماته: لو سلّمتهم للشرطة، مش هستفيد حاجة، هايخرجوا منها، وساعتها هايدفعوني التمن، وحتى وهما جوّه، هيلاقوا ألف طريقة يأذوني بيها..
أضاف بفحيح بارد، وقد ازدادت: لكن التخلص منهم هو الحل الصح، بس مش بإيدي، لإني عاهدت نفسي مش هلوس أيدي بالدم، لازم أفضل بعيد، بعيد تماما عن الصورة، بس هحركها من غير مايحسوا، وهخلي كل واحد فيهم يشك في التاني، لحد ما هما بنفسهم يوقعوا بعض ويخلصوا على بعض ساعتها نبقى قدمنا لكوكب الأرض هدية، وتخلصنا من أشرس مافيا عالمية.
عشري بحكمة: طب ما دام هما أصلا مش حاطين في دماغهم دلوقتي إنهم يأذوك، ما تكبر دماغك وأنسى، وإذا كان على عماد ومنى، سهلة نفكر لهم في حاجة نحبسهم بيها، ماتنساش إن عندك دلوقتي عيلين، صدقني، المرحلة الجاية مش هيفكروا في ماسة، هيفكروا في عيالك.
تدخل مكي قائلا بعقلانية، وكأنه يضع أمامهم الصورة كاملة، ويفكك كل جزء فيها حتى لا يخطئوا في الحساب: إنت عندك حق، بس في نفس الوقت، إحنا مش هينفع نسيب حق سليم ولا حقنا، إحنا مانضمنش إنهم، بعد ما يستولوا على النسبة بتاعة صافيناز، مايعملوش حاجة؟! خصوصا إن سليم ناوي يخلي المجموعة على الحديده! تيمو لو استولى عليها مش هيسمح بده، وساعتها هيدخل في صدام معاه؛ لإنه أكيد هيبقى عايز الباقي ليه، لإن ده هدفه من البداية..
ثم أكمل، موضحا الصورة أكثر وهو ينظر لسليم:
وممكن يكشف ورقك قدام عزت، لإنه هيبقى سهل عليه يعرف إن إنت ورا كل إللي بيحصل ده، وساعتها عزت ممكن يدي له نسبة أكبر علشان يبقى له كلمة عليك، ممكن يديه النسبة بتاعة طه ورشدي، ونسبته هو والهانم. ساعتها خلاص، حتى نسبتك إنت وفريدة وياسين، لو بقت معاك، مش هتنفع.
كان سليم يستمع إلى مكي بتركيز، وعقله يعمل في صمت، يعيد ترتيب كل كلمة يقولها ويضعها في مكانها، شردت عيناه قليلًا، وكأنما غاص في حساباته الخاصة، لكنه لم يفقد تركيزه لحظة واحدة، وكان
يدرك في قرارة نفسه أن مكي محق فيما يقول.
أما عشري، فضم شفتيه وهز رأسه بتردد، ثم قال لسليم: إنت غلطت لما رجعت النسبة لعزت.
نظر له سليم بثبات: أنا رجعتله حق الإدارة بس، لكن النسبة كلها لسة ملكي، يعني لو عايز أكسره، هكسره، زي ماقلتلكم، اللعب مع تيمو وإريك مش هيبقى سهل.
تنهد مكي، ثم تناول ملفا من فوق الطاولة وقدمه إلى سليم، قائلا بتفسير: عموما، لإني كنت عارف إنهم هيبقوا هما إللي عاملينها، دورت وراهم وكشفت لك شوية حاجات.ط، هما دلوقتي بيموّلوا عصابات كتير في مختلف أنحاء العالم، علشان يبقى ليهم دايرة أكبر ونفوذ ورجالة..
حرك ملامحه بلا مبالاة، ثم تابع: بس كده كده مش فارقة، الفلوس هتشتريهم، الناس دي ما عندهاش مبدأ، ولا ولاء لحد زي ما إنت عارف؛ هيمشوا ورا إللي يدفع أكتر..
ثم قلب بعض الأوراق داخل الملف وأكمل:وعندهم شحنة مخدرات هتدخل عن طريق الفردوس، البحر الأحمر يعني، وكانوا بيحاولوا يدخلوها في شركات الشحن بتاعتنا، بس الباشا رفض، هيدخلوها تبع شركة الشحن بتاعت رفيق، أبو منى..
مال سليم برأسه قليلا، وكانت تلك أول مرة يسمع فيها هذه المعلومات، فظل صامتا يستمع إلى مكي الذي تابع: ده غير إنهم بيشتغلوا مع الجماعات الإرهابية الموجودة في العراق وبيمدوهم بالسلاح، وتيمو دلوقتي فعلا بقى مختلف تماما عن زمان، وعايز ياخد مكان إريك على ترابيزة المفاوضات، بيقابل باولو كتير، وبيحاول يظبط صفقات عشان يثبت إنه بقى أقوى، بس إريك صاحي له ومقفّل ورقه كويس ودي ثغرة ممكن نلعب عليها.
رفع سليم عينيه إليه وقال باستنكار: جبت المعلومات دي كلها إمتى؟ ما قولتليش ليه؟
أجابه بهدوء: حبيت أجمع كل المعلومات وأجمع كل حاجة وأتأكد منها الأول، وبعدين أقول لك لما ييجي وقتها،إنت أصلا كنت الفترة إللي فاتت فيك إللي مكفيك.
زفر سليم باختناق، ثم سحب نفسا عميقا وأسند ظهره إلى المقعد، وقال بلهجة حاسمة: كل ده مش فارق معايا، ومش هيخلينا نعمل أي حاجة، إحنا لازم ندور ورا نقط ضعفهم..
سكت لحظة، وشردت عيناه في الفراغ، ثم قال:
مفيش إنسان معندوش نقطة ضعف، وده إللي إحنا هنشتغل عليه؟! أي نقطة ضعف، أي زلّة، لازم تبقى معانا، النقطة بتاعت الخلاف على الكرسي إللي ما بين إريك وتيمو ممكن نستغلها بس خد بالك هم الأثنين ماعندهمش الدناوه بتاعت إخواتي إن هما ممكن يقتلوا بعض..
ثم رفع عينيه إلى مكي وقال بحسم: وده محتاج أننا تسافرلها إيطاليا يا مكي..
سكت عشري قليلا ثم قلب عينه وقال كأنه وجدها: على فكرة هي سهلة: إريك متجوز وعنده عيال.
رفع سليم عينيه إليه بحزم معارضا: لا مش هندخل أطفال صغيرة في أي حاجة، ولا ستات، ولا أي حد ملوش ذنب..
قال مكي: يبقى لازم تخلي ماركو يساعدك، ممكن كمان تحتاج تكلم، كريس هارينغتون لإنه بيكره إريك.
أجابه سليم: كريس مابيعملش حاجة غير بمقابل.
ابتسم عشري وقال: سهلة، اديله المقبرة إللي الباشا لاقها، مقابل المعلومة.
ضرب سليم على الطاولة بابتسامة، وقال: صح... يبقى أنا محتاج أسافر إنجلترا بسرعة.
سأله مكي: طب هتعمل إيه مع عماد ومنى وطه؟
حك سليم مؤخرة رأسه قليلا، ثم قال بتفكير:
دول بقى محتاجين شوية تفكير، لإن زي ما قلت، مش هينفع نلطّخ إيدينا بالدم.
تدخل عشري: أنا شايف إن طه معملش حاجة الراجل كان خايف على عياله.
قلب سليم عينه نحوه وقال بعينين قاتمتين لا تعرف التهاون: كل واحد هينوبه من العقاب على قد أفعاله، مافيش حد هيبقى فوق الحساب.
ثم تنهد وهو يتابع بهدوء: إحنا لازم نهدى ونفكر ونشوف هنعمل إيه؟! لازم نكلم عرفان علشان يزوّد الحراسة هنا ويأمّن المكان كويس، عايزه يكهرب الأسوار والبوابات، ممكن يخصل هجوم عن طريق النيل لازم يكون في قناصة او اي حاجه تمنع الهجوم ده لو حصل يعني.
اقترح مكي: طب ما تخليهم يقعدوا في فيلا تانية؟
هز سليم رأسه رافضا: مش عايز البنت تحس بأي حاجة، ولا عايزها تشك إن فيه حاجة بتحصل، وبعدين، إنتوا مش هتعرفوا تأمّنوهم كويس؟
تدخل عشري مطمئنا: نقدر نأمنهم، ماتقلقش، سيب الموضوع ده علينا، عرفان كمان رجالته كويسة ويعرفوا يشتغلوا شغلهم حلو
أومأ سليم وقال: عرفان لازم ييجي، ونتجمع كلنا بكرة، ولازم الراجل إللي ماشي ورا عماد يختفي قبل ماحد ياخد باله.
رد عشري: أنا قولت له يسحب نفسه مؤقتا لحد ما تأمر.
سليم منبها: كويس انك عملت كده، كفايه مراقبات جسديه، خلينا بس مكملين في تهكير تليفون عماد، ورشدي كمان.
ابتسم عشري بثقة وقال: ما تقلقش، عرفان مهكر تليفوناتهم كلهم، حتى الحمام بندخل معاهم ونشوفهم صوت وصورة وريحة.
اومأ سليم ثم قال: ماسة بكرة عايزة تروح لمي عشري، إنت هتكون معاها.
أومأ عشري دون أن يجيب، ثم نظر سليم إلى مكي وقال: وإنت يا مكي، هتروح لهاشم تعمل لنا جوازات سفر مزوّرة، علشان ورانا حفله حلوة في أوروبا.
أومأ مكي بصمت، ثم قال: مفيش مشكلة، بس بعد ما أخلص موضوع سلوى، علشان بكره هافاتح عمي مجاهد وخالتي سعدية علشان يعني أنا و سلوى رجعنا
ابتسم سليم أخيرا، وقال بنبرة ساخرة:وأخيرا بطلت جنان!
ثم عاد إلى الجدية سريعا، وقال: ماشي براحتك، بس مش عايزين نتأخر، خلي خطواتنا سريعة، الباسبور هياخد وقت، فإنت روح له خلص معاه وخليه يبدأ فيه، او كلملي عرفان خليه يظبط هو ويجي لي مفكر في خطه للتأمين، وبعدها هاتلها خاتم وإسورة حلوين، ونفتح الموضوع بالليل.
أومأ مكي بإيجاب، وساد الصمت من حولهم للحظات، بينما انشغل كل منهم بترتيب الخطوات القادمة في ذهنه، وكأن خيوط خطة جديدة بدأت تلتف حولهم بهدوء، تمهيدا لما هو قادم.
💓_________بقلمي_ليلةعادل_______ 💓
في احد البارت ١٢صباحا.
كان رشدي يجلس أمام البار، وكأس الخمر وزجاجته أمامه، وإلى جواره بعض المقبلات؛ مكسرات وقطع من الجبن الموسيقى صاخبة خلفه، والأضواء المختلفة تتراقص في المكان، لكن الضجيج من حوله لم يكن شيئا أمام الضجيج الذي يضرب رأسه.
كانت العواصف تندلع داخله بلا رحمة، والمطارق تضرب في رأسه دون توقف، وقلبه يتمزق كأن أشواكا حادة تُغرس فيه واحدة تلو الأخرى.
كان الماضي يهاجمه دفعة واحدة، كل شيء فعله في الماضي عاد أمام عينيه؛ الفتيات اللواتي اغتصبهم، والضحايا الذين قتلهم دون حق، وما فعله بماسة وسليم، ومي...
مي التي أذاقها المرار فقط لأنها أحبته، وصدقته، وأمنت به، حتى لو كان ماضيه أسود، فقد كانت أمامه فرصة حقيقية ليتغير عندما عرف مي، لكنه خانها..
خانها قبل زواجهما بليلة واحدة، ثم استمر في خيانتها حتى بعد أن أصبحا زوجين، وكذب عليها مرارا..
تلك الجملة التي قالتها بعينين مكسورتين، وظلت تتردد في أذنه كأنها تُقال أمامه الآن:
«طب ماضيك ماليش حق أحاسبك عليه، خيانتك ليا كانت في الماضي؟ تؤ كانت في الحاضر، الحاضر يا رشدي.»
أغمض عينيه بقوة، لكن صوتها لم يختفِ، بل ازداد وضوحا.
وكأن الماضي كله تلاشى للحظة، ولم يبقى أمامه سوى عيناها المكسورتين، ونبرتها التي لم تحمل غضبا بقدر ماحملت خيبة لم يعرف كيف يهرب منها.
رفع الكأس إلى فمه واحتساه دفعة واحدة.
ثم تناول استنشق القليل المادة البيضاء، لكن عينيه ظلتا معلّقتين في الفراغ، كانت عيناه تشتعلان بالدموع، دموع ساخنة كالجمر، تنساب على وجنتيه وكأنها تحمل معها كل ما عجز عن البكاء عليه طوال تلك السنوات
حاول الهروب من كل ما يطارده، أن يُخرج من رأسه تلك الأصوات التي تعصف برأسه، أن يدفن كل ذكرى تؤلمه...
لكن كيف؟ والماضي أقوى من كل محاولاته.
سحب نفسه إلى ساحة الرقص، وبدأ يتحرك مع الموسيقى محاولًا أن يهرب من أفكاره، لكنه فشل.
في وسط كل تلك الوجوه، كان يرى مي، تظهر له كأنها شبح يطارده.
ولم تكن مي وحدها.
كان يرى الماضي كله أمامه؛ سليم، وماسة، وحور، الحادثه، وكل شيء حاول دفنه عاد لينبش في صدره من جديد.
فتح أزرار قميصه بعشوائية، وكأنه لم يعد قادرًا على التقاط أنفاسه.
لكن لا جدوى.
كان يشعر وكأن حبلا يلتف حول رقبته، يضيق شيئًا فشيئًا، ويجبره على مواجهة كل ما حاول الهرب منه، لم يعد يستطيع أن يهرب من ذلك الزمن.
عاد إلى مقعده مرة أخرى، وأخذ يحتسي الخمر كأسا... سيجارة...ثم كأسا آخر.
ظل يفعل ذلك حتى فرغت الزجاجة كاملة، لكنه لم ينس، ولم يهدأ.
مرت الساعات حتى أصبح ثملا، لكن عقله ظل منشغلا بها.
لم يكن يريد منها فرصة، ولا حتى عودة، كل ما أراده أن يسمع منها كلمة واحدة، أنها سامحته، مسح وجهه بيده، واتخذ قراره سيذهب اليها كي يتوسل لها حتى تسامحه..
تحرك نحو سيارته، واستقلها، ثم بدأ يقودها.
منزل مي،2 صباحا.
كان الهدوء يعم المكان، والسكون يخيّم على كل شيء، بينما يكسو الظلام أرجاء الشارع.
ترجّل رشدي من سيارته مترنحًا، غير متزن في خطواته، تحرك بصعوبة، كاد أن يسقط أكثر من مرة، لكنه كان يستجمع نفسه في كل مرة ويواصل طريقه
دخل المصعد، حتى شقة مي، توقف أمام الباب.
رفع يده وطرق الباب بقوة، وهو يهتف بصوت متعب ثمل: مي... مي .. أفتحي الباب... مي علشان خاطري افتحي واسمعيني بس مره، اديني فرصة أشرح لكِ. أنا بحبك أوي.
طرق الباب مرة أخرى بعنف: مي! ردي عليّا... أفتحي الباب ده!
ثم عاد يطرق عليه، والاضطراب يزداد في صوته:
مي!
في الداخل، بدأ الجميع يستمع إلى طرقات الباب؛ والدها وشقيقها حاتم.
كان رشدي يضرب الباب بيده، بينما يضغط باليد الأخرى على الجرس، ويتحدث بصوت متقطع من شدة انفعاله بثماله: يا مي، أفتحي لي...
في الغرفة مي.
انتبهت مي إلى الصوت، فتحت عينيها، ثم مدت يدها وأضاءت الأباجورة، وظلت للحظات تحاول استيعاب ماتسمعه.
نهضت من فراشها، واتجهت ببطء نحو مصدر الصوت.
وفي الوقت نفسه، خرج والدها من غرفته، ولحق به حاتم. تبادلا نظرة سريعة، ثم اتجها نحو الريسبشن، أضاء والدها النور.
ارتفعت طرقات رشدي على الباب من جديد: مي! أفتحي بقى... شايف النور من تحت الباب، إنتِ صاحية، أفتحي واسمعيني، اديني فرصة!
جاءه صوت حاتم من خلف الباب غاضبا ببحة رجولية: إنت اتجننت يا رشدي؟ جاي لنا الساعة اتنين بالليل؟!
رد رشدي بسرعة، وكأن كل ما يريده هو أن يصل صوته إليها: أنا عايز أتكلم مع مي، ادوني فرصة أتكلم معاها..
صمت لوهلة ثم قال بقهر موجوع بنبرة مهتزة بأنين: أنا مش عايزك تديني فرصة، أنا بس نفسي، نفسي حتى تسامحيني، تفهميني، أنا ما كانش قصدي أخونك...ولا اكذب ولا اوجعك
تابع بحشرجة مريرة، صادقة، تتخللها دموعه. أسند جبهته إلى الباب، وظل يطرق عليه، لكن هذه المرة بطرقات هادئة، وكأن كل ما بقي لديه هو أن يصل صوته إليها: أنا ما اتعلمتش غير كده، والله العظيم! والله العظيم أنا متربيتش غير على كده!
صمت للحظة، ثم أخذ نفسًا مرتجفًا، قبل أن يتابع:
مش ببرر لنفسي، بس أنا عايزك تفهميني، أفهمي إنسان عاش طول عمره جوه وحل، أهله عصابات مافيا، كل حاجة عندهم كانت عادي، أم توافق تقتل مرات ابنها وهي حامل علشان مش قد المقام، أم تعمل كل الأموامرات دي في مرات ابنها، وتشوف ابنها بيتعذب وبيبكي... وهي عادي! مكمله..
أضاف: إبن اتربه على قصص قديمه للعيلة،
أن ابويا نفى أخواته عشان الكرسي! لان اللي هيقعد على الكرسي هو هيكون الملك..
ارتجف صوته أكثر والدموع تهبط على وجنتيه تابع بنبرة مشمئزة: أب يوافق يعمل قضية زنا لمرات ابنه؟عشان يحمي نفسه..
رفع عينه نحو الباب متسائلا بمرارة: تفتكري أنا هبقى إزاي؟
ابتلع تلك الغصة المقهور التي تكونت في حلقة تابع: أنا اتولدت وشفت كل حاجة عندنا مباحة، كل حاجة حرام كانت مباحة، ما كنتش أعرف يعني إيه حرام وإيه حلال.
سكت لحظة، ثم قال بصوت أكثر انكسارا: بنصف ابتسامه صغيرة: بس لما شوفتك حبيتك، حبيت نظافتك، وحبيت أنضف معاكي، حبيت إن طريقي يكون معاكي، بس أنا كنت محتاج وقت..
طرق على الباب طرقة خفيفة، ثم همس: ليه محدش عايز يسمعني، ويديني فرصة؟ ليه كلكم ضد رشدي؟!
ساد الصمت خلف الباب، فتابع وكأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدثها: محدش بيتغير في يوم وليلة، حتى سليم اللي انتوا بتتكلموا عنه، والله ماتغير في يوم وليلة، قعد كتير لحد ماتغير، هو ماعملش إللي أنا عملته، بس أنا كنت فاكر إن إللي بعمله ده هيخليهم يشوفوني..
ضحك ضحكة قصيرة موجوعة، سرعان ما اختنقت في حلقه: كنت فاكر إني بعاقبهم، كنت عايز أبقى أسوأ صورة ممكنة للعيله، وأستفزهم وأوجعهم زي ما وجعوني..
خفض رأسه، وأسند جبهته إلى الباب من جديد:
بس طلعت بعاقب نفسي..
خرجت كلماته الأخيرة مثقلة بالندم: طلعت أنا إللي لوحدي بغرس نفسي في الوحل، وأنا إللي بدفع التمن..
ثم طرق الباب مرة أخرى، افتحي يا مي!
في الداخل، كانت مي تصغي إليه، وقلبها يتشقق كزجاجٍ رقيق، وغصة ثقيلة تعتصر صدرها، امتلأت عيناها بالدموع، وتهاوت في داخلها كل محاوله للتماسك، فهي تدرك أن ما يقوله ليس كذبا، لكن ما اقترفته يداه كان أكبر من أن يُغتفر بسهولة.
أغمضت عينيها لحظة، كأنها تحاول إيقاف نزيف الذاكرة، وضغطت على أسنانها وهي تقاوم ارتجافها، ثم قالت بصوتٍ متهدج يعلوه الألم :أمشي يا رشدي، أنا لا هسمعك ولا هسامحك، ومش قادرة حتى أبص في وشك، وكل اللي قولته ده مش مبرر لأي حاجة عملتها في أخوك ومراته؟ وفي الناس إللي دمرتهم؟ حتى في خيانتك ليا؟
ارتجف صوتها وهي تكمل: اللي بينا انتهى.
جاءها صوته فورا، رافضا بنبرة يملؤها الأنين: لأ... مانتهـاش! ومش هينتهى بالسهولة دي، طب بصيلي حتى مرة واحدة!
تدخل حاتم بحدة مستفزة: إنت لو ما مشيتش من هنا، هبلغ عنك البوليس.
لكن رشدي لم يتراجع قال بحب يترجاه: أنا بحبك أوي يا مي، والله هتغير هسافر أنا وإنتِ ونبعد عن كل حاجة، وهنعمل كل إللي إنتِ قلتي عليه، خلينا ننسى كل إللي حصل في الماضي..
توقف لحظة، ثم تابع هو يحاول أن يبحث عن أي ثغره تجعلهم يعودان: قوليلى طيب عايزاني أعمل إيه وهعمله؟! عايزاني أروح أعتذر لسليم؟ أبوس راسه ورجله هو وماسة؟ هعمل كده. أي حاجة هتقوليها هعملها..
ثم ارتجف صوته وهو يقول بإبتسامة موجوعة أنه يحاول أن يبحث عن أي شيء يجعلها تسامحه: افتكري كلامنا، إنتِ قولتي إن كل إنسان محتاج فرصة، وإن أنا ليا فرصة زي باقي البشر، إنتِ دلوقت بتعملي زيهم، بتقفلي طريق قصادي..
تأثرت مي بشدة، وامتلأت عيناها بالدموع، وقبضت على يديها، تحاول ألّا تضعف، وأن تجمد قلبها، ثم قالت بنبرة حادة، عكس مابداخلها من ضعف:
أمشي يا رشدي.
رد بتوسل: طب أفتحي الباب... أسمعيني بس.
ردت بحدة صارمة: بقولك أمشي يا رشدي! أمشي! أنا وإنت انتهينا
ساد الصمت للحظات، قبل أن تخرج كلماتها بصوت مكسور: أنا عمري ما هسامحك في حياتي، بتمنى من قلبي كل وجع حسيته بسببك تحسه أضعاف بكرهك.
تألم رشدي، وقال بصوت خافت: متبقيش قاسية كده.
جاءه ردها سريعا، محملا بكل ما كتمته طوال الوقت: مش هكون قاسية أكتر منك يوم ما خنتني يا واطي، قبل فرحنا بليلة.
ثم ارتفع صوت راشد: أسمع! إحنا مش عايزين شوشره لو عندك ذوق وشوية احترام، أمشي بالذوق، مش عايزه تسمعك كفاية.
توقف رشدي قليلا، وأطرق جبينه، وكأنه أدرك أخيرا أنه لا فائدة من بقائه: مافيش فايدة... خلاص، ماشي.
صمت للحظات، ثم قال بصوت خافت، مثقل بالخذلان: بس كان نفسي تسمعيني، كان نفسي تسامحيني..
ابتلع غصته، ثم تابع: بس خلاص، واضح إن رشدي الدنيا مش كاتبة له إنها تسامحه وتديه فرصة يبقى كويس..
تنهد بمرارة، ثم قال: ماحدش يلومني بعد كده على أي حاجة هعملها، أنا عارف إنك مش هتفهميني دلوقتي، بس يمكن يجي يوم وتسامحيني.
تحرك رشدي مبتعدا عن المنزل، ودموعه تنساب على وجهه دون توقف.
في الداخل، ما إن سمعت مي خطواته تبتعد حتى انهارت باكية من جديد، أسرع والدها إليها، وضمها إلى صدره، وربت على ظهرها بحنان: معلش يا بنتي هو مشي.
حاتم بغضب مستفز:أنا مش عارف هنفضل لحد إمتى في القرف ده إحنا لازم نعمل محضر عدم تعرض ونحط حراسة على الباب، علشان يمنعه
أومأ راشد بحزم:إحنا فعلًا لازم نعمل كده.
على إتجاه آخر عند رشدي.
وصل رشدي إلى سيارته، كانت عيناه تلك المره تحملان شيئا مختلفا، لكنه مرير؛ عينان حمراوان، وخذلانا عميقا، وكأنه يشعر بخنجر مسموم يغرس في روحه.
جلس خلف المقود، وظل يتذكر كلمات مي؛ أنها لم ترضى حتى أن تسمعه او ترى، وأنه لم يعد قادرا على الحصول على أي فرصة،شعر أن حياته كلها قد انتهت.
أخذ يبكي بحرقة وضعف شديد، وكأن كل ما بداخله أنهار دفعة واحدة.
وضع يديه في جيبه، فأخرج مادة بيضاء، ووضع قليلا منها على ظهر يده، ثم استنشاقها، لكنه لم يهدأ، ما زالت النيران تشتعل في رأسه وروحه بلا هواده، عاد وأخذ جرعة أخرى، ثم ثالثة، محاولا أن يهرب من كل ما يشعر به، لكن شيئا لم يتغير.
ظلت الأفكار تطارده وهو يحاول أن يهرب منها بأي طريقة، لكنه لم يتوقف عن التفكير
لمح مسدسه المتواجد على التابلوه، أمسكه، وظل يحدق فيه، بينما راحت الأفكار السوداء تتزاحم داخل رأسه.
لا أحد يحبه.
لا أحد يتقبله.
حتى حور الآن ابتعدت عنه، وبالتأكيد سيأتي يوم تعرف فيه كل ما فعل بها وتكرهه، وإن لم تعرفه الآن، فستعرفه غدًا... أو عندما تكبر، فقد خسرها هي الأخرى للابد
تذكر إسعاد، تلك المرأة التي كانت تنظر إليه باحترام وتقدير، وأصبحت الآن تنظر إليه باحتقار.
تذكر أنه ظلم ماسة حقا، رغم أنها لم تكن مذنبة في شيء.
حتى فريدة وياسين، بالتأكيد، لن ينظرا إليه ولم يتعاملوا معه مرة اخرى
مدت وجهه بانكسار، ثم ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة حزينه ثم قال بداخله: هاعيش؟ وليه؟
شعر أنه خسر كل شيء، أمسك المسدس وعيناه غارقتان في اليأس، تذكر حديثه مع مي، ووعودهما، وكل ماتفقا عليه، وكل الأحلام التي ظن يومًا أنهما سيعيشونها سويا وأنهم لم يكونوا سوا مرة أخرى.
توقفت أنفاسه للحظة، سحب خزانه المسدس ووضع فوهته في فمه، ارتجفت يداه بعنف، بينما كانت الدموع تهبط من عينيه بلا توقف.
حاول أن ينهي كل شيء، كاد أن يضغط على الزناد، لكنه كان أضعف من أن يفعلها، ظل للحظات عاجزا، يرتجف ويبكي، ثم حاول مرة أخرى، لكن جسده خانه من جديد، ولم يستطع المضي قدما، ألقى المسدس بجانبه بغضب، ثم ضرب المقود بقبضته، وصاح بحرقة وقهر اهتزت لها أرجاء المكان، حتى برزت عروقه من شدة الانفعال.
كانت صرخة وجع.، وقهر، وخذلان.
وفجأة توقف، تغيرت ملامحه، وكأنه تذكر شيئا،(عزت وفايزة) هما السبب في كل هذا.
اشتعلت عيناه فجأة، وغرزت في رأسه فكرة جنونية، سأقتلهم... سأقتل البذرة القذرة التي كانت السبب في كل ما أنا عليه الأن، والتي دمرت حياتي.
تبدلت عيناه إلى سواد خطر، سواد لم نره من قبل، وكأن ملامحه تحولت إلى وجه شخص لا يريد سوى الانتقام ممن تسببوا في تدمير حياته.
شد عصا الفتيس، وضغط على البنزين بشدة، وقاد السيارة بجنون، وبينما كان يقود، راحت ذاكرته تستعيد كل شيء حدث معه منذ كان طفلا.
فايزة وعزت ..
وإهمالهما
الجرح
الوجع
ثم سليم، وهو يعاقبه، صاح بغضب حزين: إنت كان مالك؟! كان زيي زيك، كان لازم أعقابهم هما أنا غبي.
هز رأسه، وكأنه يراه أمامه: إنت صح يا سليم؟ أنا كان لازم أقتلهم هما، مش اقتلك إنت، أنا هجيب حقي وحقك منهم.
ضغط على البنزين بجنون أكثر، وهو لا يزال يتذكر كل شيء فعله.
بعد لحظات بدأ جسده يشعر بحرارة شديدة، وضاق نفسه، وبدأت يداه ترتعشان، غمضه عينه وفتحها بتركيز، ثم هز رأسه برعشة، محاولا أن يستعيد وعيه، لكن الدوار عاد من جديد.
نظر بجانبه، فوجد زجاجة مياه، مد يد وأخذها، فتحها واحتسى منها، ثم ألقى بعض الماء على وجهه، لكن الدوار لم يختفي، لا يزال يشعر بأن رأسه يدور، وبدأت عيناه تتشوشان، وضاقت أنفاسه أكثر حتى شعر أنها لم تعد موجودة..
وفجأة، ضرب نور قوي عينيه ارتفع صوت كلاكس حاد، ارتبك رشدي، وجذب المقود بقوة إلى اليمين، انحرفت السيارة عن الطريق، ثم اصطدمت بشجرة، ارتطمت رأسه بمقدمة السيارة، وسال الد*م من فمه ورأسه، وساد
يتبع
