رواية عشق علي خط النار الفصل الثاني2بقلم بسنت محمد محي الدين


رواية عشق علي خط النار الفصل الثاني2بقلم بسنت محمد محي الدين



لم تكن نبضات قلب ليلى هي الشيء الوحيد الذي يتسارع في تلك اللحظة؛ بل كان العالم كله من حولها يتحول إلى ساحة معركة حقيقية. الغبار الذي ملأ الغرفة عقب الانفجار الأول جعل الرؤية شبه مستحيلة، ورائحة البارود بدأت تتسلل إلى الأنفاس لتعلن أن المزاح قد انتهى تماماً، وأنها الآن تقف على خط النار الفعلي.

أمسك الرائد مراد بمعصمها بقوة ثبتت أقدامها المرتعشة، وسحبها خلف ظهره العريض الذي بدا في تلك اللحظة كجدار خرساني عازل بينها وبين الموت. تحرك بركبتين منثنيتين قليلاً، يوجه مسدسه نحو الباب الخشبي المائل لغرفة التحقيق، وعيناه الصقريتان تتحركان يميناً ويساراً ليرصد أي حركة خلف الدخان الكثيف.

"اسمعيني جيداً يا ليلى"، همس مراد بصوت منخفض لكنه حاد كالشفرة، واخترق نبرته هدوء غريب لا يتناسب مع حجم الكارثة بالخارج: "العصابة لا تهدف لإحداث فوضى فقط، هم يريدون تدمير السيرفرات البديلة والتخلص منكِ لأنكِ تحملين الشفرة المفتاحية لملفاتهم. تحركي خلفي خطوة بخطوة، وإذا صرختِ أو فكرتِ في الجري بمفردك، سأترككِ لهم.. هل هذا مفهوم؟".

أومأت ليلى برأسها بسرعة مبالغ فيها، وعيناها متسعتان من الصدمة، وقالت بصوت خافت ومتقطع: "مفهوم.. مفهوم جداً يا سيادة الرائد! أنا أصلاً من أنصار السلام الروحي والهدوء النفسي، ومش هتنفس خالص لو تحب. بس والنبي بلاش نبرة التهديد دي في الأوقات الرومانسية دي!".

لم يمنحها مراد وقتاً للحديث؛ إذ دوى صوت إطلاق رصاص كثيف ومتتالي من أسلحة آلية في الممر الخارجي. تحطمت النوافذ الزجاجية المتبقية في الغرفة وتناثرت الشظايا كالمطر. بلمح البصر، ألقى مراد بجسده فوق ليلى ليدفعها أسفل المكتب الحديدي الثقيل، محيطاً إياها بذراعيه لحمايتها من الزجاج المتطاير.

في تلك اللحظة القريبة جداً، التقت عيناهما لأول مرة بدون حواجز. رأت ليلى في عينيه لمعة من القلق الحقيقي المخفي وراء قناع الصرامة، بينما تفرس هو في ملامحها البريئة التي غطاها رماد الانفجار، وشعر بنبضات قلبها التي تقرع كطبل حرب. رغم الموقف العصيب، شعرت ليلى بقشعريرة غريبة تسري في جسدها، وتمنت لو أن الزمان يتوقف لتتأمل كاريزما هذا الضابط الذي يحميها بروحه.

لكن الواقع كان أسرع. نهض مراد بخفة مذهلة بمجرد توقف الزجاج عن التساقط، وسحبها من يدها قائلاً: "هيا.. الباب الخلفي للممر هو مخرجنا الوحيد الآن قبل أن يطوقوا المبنى بالكامل".

خرجا إلى الممر الذي تحول إلى ركام، وكانت إضاءة الطوارئ الحمراء تومض بشكل متقطع، مما أضفى على المكان أجواء مرعبة. سارت ليلى خلفه وهي تحاول جاهدة ألا تتعثر في خفها الوردي، متمسكة بطرف سترته العسكرية كأنه طوق نجاتها الوحيد في هذا العالم.

وفجأة، ظهر من نهاية الممر رجلان ملثمان يحملان أسلحة رشاشة. صرخت ليلى تلقائياً: "حاسب يا مراد!".

في أجزاء من الثانية، تصرف مراد بمهارة فائقة اكتسبها من سنوات التدريب الصارم في العمليات الخاصة. أطلق رصاصتين دقيقتين أصابتا أيدي المسلحين ليسقطا أسلحتهما أرضاً، ثم اندفع نحو الأول بضربة خطافية بيمناه أطاحت به أرضاً غائباً عن الوعي، واستدار للثاني ليوجه له ركلة دائرية عنيفة في صدره قذفت به نحو الجدار.

وقفت ليلى في مكانها، تصفق بيدها بذهول وإعجاب شديد، وقالت بنبرة ملؤها الفخر الكوميدي: "الله عليك يا وحش المباحث! إيه الحلاوة دي؟ دا أنت تروح تعمل أفلام أكشن في هوليوود وتكسب ملايين بدل البهدلة دي والله!".

التفت إليها مراد وعلامات الغضب والتعجب تكسو وجهه، وجذبها بعنف ليكمل طريقهما قائلاً: "هل أنتِ مجنونة؟ نحن في وسط معركة حقيقية وأنتِ تقيمين أدائي القتالي؟ تحركي أمامي فوراً!".

وصلا إلى نهاية الممر حيث يوجد سلم الطوارئ المؤدي إلى القبو السفلي للمبنى. كان هذا القبو يحتوي على المولدات الكهربائية وخطوط الاتصال البديلة، وكان وسيلتهم الوحيدة للخروج نحو فناء خلفي سري لا يعلمه أحد سوى القيادات الأمنية.

بينما كانا ينزلان الدرج بسرعة، انقطعت الكهرباء تماماً وساد ظلام دامس. توقفت ليلى في مكانها بخوف حقيقي، وشعرت برعب يطبق على أنفاسها، فهي تخاف الظلام منذ طفولتها. "مراد.. أنا مش شايفه حاجة.. أنا بخاف من الضلمة أوي"، قالتها بصوت يرتجف وكأنها على وشك البكاء.

شعر مراد بارتعاش يدها التي تمسك به. في تلك اللحظة، رق قلبه الصارم قليلاً، فتخلى عن نبرته الجافة، وأمسك بيدها بكلتا يديه ليحتضنها بدفء قائلًا بصوت هادئ ومطمئن: "لا تخافي يا ليلى، أنا معكِ ولن أسمح لأي شيء بأن يمسكِ بسوء. ثقي بي فقط".

كلماته البسيطة نزلت على قلبها كالبلسم، وأعطتها طاقة غريبة لمواجهة الموقف. أخرج مراد هاتفاً صغيراً مخصصاً للطوارئ واستخدم إضاءته الخفيفة لينير الطريق أمامهما. وصلا إلى باب القبو الحديدي، لكن الصدمة كانت في انتظارهما؛ الباب كان مغلقاً بنظام تشفير رقمي معقد، والأسلاك الكهربائية المغذية له قد تضررت جراء الانفجارات بالخارج.

حاول مراد فتح الباب بالقوة مستخدماً كتفه، لكن دون جدوى. ضرب الجدار بقبضته قائلاً بقلة حيلة: "تباً! النظام مغلق تماماً، وإذا لم نفتح هذا الباب خلال دقيقتين، سيصل إلينا المسلحون ونصبح في مصيدة".

هنا، لمعت عينا ليلى بذكائها المعهود، ونفضت عن نفسها ثوب الخوف تماماً. تقدمت نحو لوحة التحكم الإلكترونية للباب وقالت بثقة واعتزاز: "تراجع خطوتين للخلف يا سيادة الرائد، واترك الأمر للمحترفين. هذا هو ملعبي الخاص!".

فتحت الغطاء البلاستيكي للوحة التحكم بأظافرها، وبدأت تعيد توصيل الأسلاك المقطوعة بمهارة فائقة وسرعة أبهرت مراد الذي كان يراقبها بذهول. أخرجت من جيبها دبوس شعر صغير واستخدمته كأداة لتوصيل التيار يدوياً، وهي تهمس ببعض المصطلحات البرمجية المعقدة.

"ثوانٍ معدودة.. جاري تخطي نظام الحماية الأمني.. وأخيراً.. سمسم افتح!"، قالتها ليلى بابتسامة انتصار وهي تضغط على سلكين معاً، لتصدر اللوحة صوتاً إلكترونياً قصيراً، وينفتح الباب الحديدي الثقيل ببطء معلناً عن نجاتهما.

نظر إليها مراد بنظرة تقدير حقيقية لم يستطع إخفاءها، وقال بنبرة هادئة: "اعتذر.. يبدو أنني أخطأت عندما وصفتكِ بالمستهترة. أنتِ بالفعل هاكر عبقرية".

احمرت وجنتا ليلى خجلاً من مديحه غير المتوقع، وقالت بدلال كوميدي: "أقل ما عندي يا فندم! بس ياريت تسجل الشهادة دي في ملفي عشان لما نطلع من هنا تدلعني في التحقيق".

ابتسم مراد ابتسامة خفيفة للغاية، كادت ألا تلمح في الظلام، لكن ليلى رصدتها بدقة وشعرت بنصر أكبر من فتح الباب. خرجا معاً إلى الفناء الخلفي المظلم، حيث كانت سيارته المدرعة الخاصة تقف في الزاوية، ليقتربا من النجاة، لكنهما لم يعلما أن خط النار الحقيقي قد بدأ للتو، وأن المشاعر التي ولدت في هذا الظلام ستغير حياتهما للأبد.

                 الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>