رواية مودة وقاسم الفصل الثالث3 بقلم داليا بدوي


رواية مودة وقاسم الفصل الثالث3 بقلم داليا بدوي

كان بيشده من دراعه وهو بيفتح باب الشقة وبيقوله بحزم وإرهاق : 

— يا بني أدخل الله يهديك متتعبش قلبي إنت كمان بكفايا اللي حصل تحت! 

التاني بصله وهو بيحاول يتحكم في غضبه اللي بيغلي جوا عروقه وبص لباب الشقة برفض وهو مش عايز يخطيها وقال بغضب مكتوم : 

= وإنت إيه ذنبك بس يا أستاذ محمد وهتصدق إزاي أصلاً إن الراجل السو اللي كنت عنده قل بأصله وطردني وإتبلى عليا وسط الحارة إني خاين للأمانة وأنا زي ما غريب عنهم غريب عنك إنت كمان ومتعرفنيش! ، وكمان ملكش ذنب إني ضربته بسبب طولة لسانه وقلة أدبه! 

التاني بصله بحكمة وثقة وقال بهدوء : 

= ومصدقكش ليه بقا يا قاسم! ، وبعدين هو إنت فاكرني عيل صغير ولا إيه! 

قاسم فضل ساكت مبيتكلمش وهو باصصله ومستنيه يكمل كلامه وبالفعل بيكمل كلامه بنفس النبرة وبيقول : 

— هو أنا هدخلك بيتي وسط أهلي وأنا مش واثق فيك ولا أعرفك ولا إيه ، وبعدين أنا عارف مين اللي ورا الملعوب دا زي ما أنت عارف بالظبط! 

قاسم شال عينه من عليه بإحراج ومكانش هيتكلم في اللي عارفه ومكانش يعرف إن الحاج عارف ، وقتها الحاج إتنهد بحزن وقال : 

— أنا عارف إنه زرعة شيطاني مفيش منه فايدة ، وكنت واخد بالي من بدري إنه مستقصدك حتى وأنا مش فاهم ليه ، وعشان هو إبن أخويا كان المفروض على الأقل أقف له ، ها عرفت بقا إن عليا ذنب وذنب كبير كمان! 

قاسم متوقعش اللي الحاج قاله ولا إنه هيشيل نفسه ذنب زي دا فقال بسرعة : 

= لا يا حاج دا أنت في مقام أبويا ، وصدقني إنت ملكش ذنب في أي حاجة بالعكس دا إنت معاملتك ليا وحنيتك عليا اللي مصبراني على كل اللي بيحصل دا! 

إبتسم الحاج وإنتهز الفرصة وقال بمرح : 

— طب سيبنا من إبن الرفضي اللي مبيجيش من وراه غير المصايب دا ، وخلينا فيك إنت وكلامك! ، بما إني في مقام أبوك بقا مش راضي تدخل الشقة ليه! 

قاسم إتنهد بخنقة وقال : 

= ما هو يا حاج ..... 

قاطعه الحاج وهو بيشده يدخله وبيقول بحزم : 

— بلا ما هو بلا مهواش ومتمأمأليش! ، أنا كدا كدا خليت الولا حمادة يروح يجيب حاجتك اللي كانت تحت دي وزمانه على وصول. 

كان قاسم هيتكلم ويعترض تاني بس الحاج بصله بغضب مصطنع وقال بأمر غير قابل للنقاش : 

— على ما الولا حمادة يطلع حاجتك هدخل أشوف جماعتنا ، وأهو تكون إنت لفيت في الشقة وإتفرجت عليها وعلى عفشها على ما أجيلك تقولي عجبتك ولا لا ، عشان لو معجبتكش أو عايز حاجة تتغير فيها أو في عفشها ألحق أتصرف! 

والمرة دي برضو قاسم ملحقش يتنفس حتى ولقى الحاج سابه واقف مكانه وطلع يفتح باب شقته اللي جنب الشقة اللي هو فيها بالظبط ، وقاسم سمع وقتها أصوات كتيرة متداخلة بترحب بالحاج وبتتطمن عليه بس مركزش عليهم وصب تركيزه في المكان اللي هو واقف فيه وبكمية الإمتنان والعرفان اللي حس بيها ناحية الراجل دا وجمايله ، وبالفعل معداش ثواني ولقى حمادة مطلعله حاجته وشنطه اللي كانت تحت وقبل ما ياخدها منه لقاه بيقوله بمحبة ولهجة قهراوية زي معظم اللي إتعامل معاهم : 

_ أمانة عليك يا أستاذ قاسم ما تزعل من اللي حصل ولا من اللي الراجل الناقص دا عمله ، كلنا هنا في البلد عارفين إنه سو وناقص وأبوه وأمه الجنيه وميملاش عينه إلا التراب ، وكلنا برضو عارفين مين اللي ممشيه ، إنت جديد وسطنا آه بس محدش فينا تايه عن جدعنتك وتربيتك! ، وبيني وبينك ، يا ريتك كسرتله رقبته مش دراعه بس! 

قاسم خد منه الحاجة وهو بيقول : 

= تسلم يا حمادة وكلامك على راسي والله ، ومش عارف أقولك إيه ، ومتقلقش أنا مش زعلان ، أنا صاحب حق وأصحاب الحق عيونهم قوية مبتنحنيش ، وبعدين أنا راجل ومبحبش أأذي حد ولا أمد إيدي على حد وأمشيها بالدراع وبالفتونة! ، بس دراعه المكسور دا كان تأديب على قلة أدبه في حق الحاج محمد مش أكتر. 

حرك حمادة راسه بالإيجاب وهو متفق مع قاسم وبيقوله : 

_ راجل وأصيل كمان وعداك العيب ومفيش عليك لوم في اللي عملته ، وعلى العموم أنا خدامك في أي وقت ، وقت ما تحتاجني ناديني بس هتلاقيني عندك طوالي. 

إبتسم قاسم وقال : 

= تسلم يا حمادة ومتشكر على اللي عملته وربنا يديم الود والمعروف يا رب. 

وبعدين سلم عليه بالإيد وسابه ينزل لشغله ولف للشقة تاني بعد ما إتنهد وحمد ربنا في سره وقال دعاء الإستخارة قبل ما يتحرك ، وبعدين بدأ بالفعل يتحرك في الشقة بتيه وهو بيستكشفها وبيستكشف شكلها ، لحد ما رجله خدته لأوضة من أوض النوم اللي فيها بلكونة خاصة بيها ، واللي أول ما دخلها كل حاجة فيه هدت وكأنه مصابوش هم ولا غم خالص وحس بروحه فيها خفيف وبيتنفس وبرغم إنه كان حاسس بدا جزئيًا في بقية الشقة إلا إن الأوضة دي مختلفة وبدون أي سبب واضح! 

وقتها إرتاح لها وإرتاح لفكرة إنه يقعد فيها ، وإستعان بالله في اللي جاي ، واللي ناوي يعمله!

على الجنب التاني 

بعد ما الحاج محمد خبط على الباب ، مراته وبناته الإتنين إستقبلوه بلهفة وقلق وعدم فهم وهما عايزين يتطمنوا عليه ويفهموا إيه اللي حصل تحت معاه ، ويا دوب بيدخل وبيقعد على الكنبة في الصالة ، بتتوالى على دماغه الأسئلة بدون توقف وأولهم رحمة اللي مقدرتش تتحكم في فضولها أكتر من كدا وهي بتقول : 

_ إيه الخناقة اللي كانت تحت دي يا بابا؟! 

بصتله نجاة مراته كمان وقالت بنفس النبرة : 

— وإيه الصوت العالي اللي كان في الشقة من شوية دا؟! 

بصتلهم مودة بإستنكار وهي بتقاطعهم بصدمة : 

– إيه يا جماعة شغل المحقق كونان دا!! ، طب مش نتطمن ع الراجل الأول ولا إيه!! 

باباها ضحك وقال بمرح : 

— أهي حبيبة أبوها العاقلة دي اللي قالت الكلام العدل في القعدة بتاعتكوا دي! 

وضيق عيونه عليهم بتوعد مصطنع خلاهم يهربوا بعيونهم عنه وقال : 

— بقا أنا جاي من برا يا مُفتش كرومبو إنتي وهي وبدل ما تتطمنوا عليا وعلى صحتي ، داخلين فيا شمال على طول وبتقرروني عن اللي حصل ، إخص عليكوا ، إخص! 

مودة رفعت حاجبها وهي بصاله وقربت منه وقعدت قدامه مباشرة وهي بتقوله : 

– بابا يا حبيبي! ، بص لي في عينيا كدا وجاوبني ومتتوهش في الكلام يا روح قلبي! 

أبوها بصلها وطبطب على راسها وخلى إيده على خدها وهو بيقول بجدية : 

— يا حبيبة بابا والله أنا كويس إنتي قلقانة كدا ليه ، أنا محصليش حاجة والله متقلقيش عليا! 

سألته التأكيد بعينيها فحرك راسه بالإيجاب فإتنهدت براحة وهي بتبوس إيده بمحبة فشدها قعدها جنبه وخدها في حضنه وكمل وقال : 

— وبعدين يا ستي كل الحكاية إن الخناقة كانت بسبب إن الراجل اللي إسمه قاسم اللي ساكن هنا في البلد بقاله ياجي أكتر من أربع شهور الراجل اللي مأجرله طرده فجأة كدا برا الشقة من غير سبب ، لا ومكتفاش بكدا بل نزل وفضل يزعق لحد ما لم الناس حواليه وفضل يغلط في الكلام وكل دا وقاسم فضل ساكت مبيردش عليه ولا معبره أصلاً والراجل يتغاظ ويعلي في صوته ويزود غلطه..... 

سكت لما رحمة مدت إيديها بالمياة عشان يشرب وخدها من إيديها وسمى الله وهو بيشرب منها وبعدين قال : 

— وأنا زي ما إتفقت معاكوا كنت نزلت أصلي العصر عشان نتغدى سوا ولما طلعت من الجامع سمعت صوته العالي دا ف رحت أشوف في إيه عشان أظن إن محدش فينا تايه مين اللي بيحرك بوز الإخص دا وبيمشيه بأوامره! 

إتنهد بحزن وكمل وقال : 

— وأول ما وصلت لقيت المنظر اللي حكيته لكوا دا ، ويا دوب لسه بتكلم مع بوز الإخص دا على صوته وقل أدبه وبدأ يتطاول على اللي حواليه وأنا كنت هبقى في السكة خاصة إنه وصل بقلة إحترامه إنه شد هدومي وأنا بكلمه ، ووقتها لقينا قاسم الهادي الساكت اللي كان واقف في جنب مش معبره إتحول وكأنه بقا وحش ودخل بعده عن الناس ، وهاتك يا ضرب لحد ما إتشلفط ودراعه كمان إتكسر! 

مودة إتنفضت وحواجبها إتعقدت وقالت لروحها : 

( يا نهار أبيض! ، دا كسر دراع الراجل وشلفطه في خناقة!! ، بغض النظر إنه كان بيجيب حق بابا والناس اللي حواليه بس دا مش إسم على مسمى خالص!! ، يكونش هرقل فرع الصعيد!!!) 

بعد ما سرحت في أفكارها فاقت لروحها على صوت أبوها وهو بيقول : 

— يعني لولا قاسم واللي عمله كان زمان بدل الإهانة كان هيبقى في إهانة وتطاول كمان! 

قاطعته مودة وقالت : 

– بعد الشر يا حبيبي! ، لا عاش ولا كان اللي يهينك ولا يتطاول عليك أبدًا! 

إبتسم لها إبتسامة واسعة بمحبة وخدها في حضنه أكتر وهو بيبوس راسها وبيقول : 

— تسلميلي يا ست البنات ويسلملي عمرك ولسانك ، أهو الواحد هيعوز إيه تاني بس ولا هيشيل هم إيه ويزعل والقمر بحاله أهو في حضنه! 

مودة خدودها إحمرت وضحكت على تدليل أبوها ليها وكانت لسه هترد لحد ما الإتنين سمعوا حمحمة جنبهم خرجتهم من الموود وخلتهم يبصوا لمكان الصوت ويتفاجئوا بأمها ورحمة باصينلهم بغيظ وبرحمة وهي بتقول بتذكير : 

_ إحنا هنا يا سي بابا إنت والست مودة بتاعتك ، ولا تكونش نسيتنا زي كل مرة!! 

مودة وأبوها تبادلوا النظرات وبعدوا عن بعض وهما بيتحمحموا وبيتصنعوا إنهم منسيوهمش ولا حاجة وبالفعل أبوها بيقول بمحبة وهروب : 

— لا أنساكوا إزاي بس هو أنا أقدر لا سمح الله! ، وبعدين أنا مقولتلكوش على الصوت اللي كان في الشقة صحيح! 

نجاة مراته إفتكرت وقالت بتذكر وحيرة : 

— أيوة يا محمد صحيح إنت مقولتلناش ، كان صوت إيه دا؟ 

إتنهد براحة لنجاح محاولته لتشتيتهم ، ومودة جاهدت تكتم ضحكتها على اللي حصل وتركز في المناقشة خاصةً لما قال بجدية : 

— الصوت دا يا ستي كان صوت قاسم ، أنا جبته هنا معايا بالعافية من وسط الخناقة وهو غضبان وعلى آخره بدل ما يموت الراجل في إيده وبعتت الولا حمادة يجيب حاجته على هنا من غير ما أعرفه عشان عارفه طبعه حامي وميقبلش على روحه أي حاجة مش من حقه! 

وبعدين ضحك وهو بيفتكر شكل قاسم وبيقول : 

— ومكانش راضي أبدًا يدخل الشقة لحد ما حطيته قدام الأمر الواقع وسيبته يتفرج عليها وجيت هنا عشان أطمنكوا... 

سكت شوية وهو بينقل نظراته بينهم وبسكمل وبيقول : 

— وكمان عشان أقولكوا متزعلوش مني إننا فوتنا الغدا بسببي ، وإني هاخد الغدا وهروح أتغدى مع قاسم. 

التلاتة بصوا لبعض ونجاة إتكلمت بحُب وقالت : 

— أولاً مفيش حاجة نزعل منك عليها يا أبو الأصول والواجب كله ، ثانيًا إحنا بنقبل العوض عادي والغدا اللي فات النهاردة يتعوض بإذن الله ، ثالثًا من غير كلام كتير في الحوارات دي هو الجدع اللي قلت عليه دا كتر خيره في اللي عمله برضو ، وربنا يحميه لشبابه ويسدد خطاه ويبعد عنه ولاد الحرام قادر يا كريم! 

محمد إبتسم على كلامها وقال بنفس المحبة ويمكن أزيد : 

— ربنا يديمك ليا يا نوجة وميحرمنيش منك ولا من وجودك أبدًا يا رب ، ومن عينيا حاضر ، محمد باللي فيه كله فدى عيونكوا يا أحلى نعمة ربنا راضاني بيها ، أما عن قاسم بقا ، ف إدعيله من قلبك يا نجاة عشان هو يستاهل ، وشياطين الإنس كلها متقصداه وواقفة في طريقه! 

كلامه خلى الكل يبتسم ، وخلى الكل برضو يدعي لقاسم ومن غير كلمة زيادة نجاة شدت رحمة من إيديها وقاموا يحضروا الغدا اللي هيطلع ويحضروا غداهم جنبه وسابوا مودة مع أبوها لوحدهم عشان كانوا عارفين إنها عايزة تتكلم معاه. 

وبالفعل يا دوب قاموا ، مودة لفت ناحيته عشان تواجهه وقالت بتساؤل وقلق : 

– إذا سمحتلي يعني يا بابا أسأل ، هو حضرتك عادي كدا هتسكن حد غريب معانا في البيت وكمان في الشقة اللي جنبنا!! 

إبتسم محمد وقال بمحبة : 

— أسمحلك يا ست مودة تعملي ما بدالك عشان عارفك عاقلة وعارف من الأول إنك هتسألي الأسئلة دي ، بس عشان ترتاحي ، إنتي بتثقي فيا ولا لا؟ 

إتصدمت مودة من السؤال وقالت بسرعة وبدون تفكير : 

– إيه السؤال دا يا بابا أكيد بثق فيك طبعًا وبدون حد كمان ، هي دي محتاجة سؤال ولا إيه!! 

قال بهدوء وحنية : 

— لا يا قلب أبوكي مش محتاجة سؤال ، دي بس إجابة صغيرة على سؤالك عشان تريحك ، لأن طالما إنتي واثقة فيا يبقى أكيد واثقة إني عمري ما هعمل حاجة تضركوا أبدًا حتى لو معرفتيش أسبابها حاليًا. 

أومأت مودة براسها بفهم وبعدين سرحت وقالت : 

– وبعدين برضو أنا كمان مش فاهمة علي شاف إيه من قاسم دا ولا يعرفه منين عشان يترصدله ويرازيه كدا ، لا وكمان يتسبب في طرده من المكان اللي كان عايش فيه! 

إتنهد أبوها بحزن وهو بيقول بعدم فهم : 

— والله ولا أنا كمان يا بنتي فاهم هو بيعمل كدا ليه ولا بقيت فاهم شره دا هيوصل لحد فين وهيطول مين تاني! 

إتنهدت مودة وقالت : 

– أنا عارفة إنه غلاوي وشراني آه بس كنت أتوقع إنه مع اللي يعرفهم بس إنما مش على خلق الله كدا!! 

كمل أبوها بحزن : 

— لا نملك إلا أن نقول حسبي الله ونعم الوكيل يا بنتي في كل ظالم ، ولعل وعسى ربنا يهديه ويصلحه. 

مودة حركت راسها بشرود وهي بتفتكر علي إبن عمها والمواقف الكتير اللي بيعملها معاها واللي بتبين هوسه الشديد بيها رغم إن مكانش في موقف منهم كانت بتبقى طايقاه فيه ، وإفتكرت كمان تدليل عمها ومراته ليه لحد ما وصل للنسخة الفاسدة اللي ملهاش حدود اللي هو عليها دي حاليًا وكمية الأذى اللي بيطلع منه ناحية أي حد أيًا كان هو مين! 

وفاقت من سرحانها على صوت رحمة وهي بتبلغ أبوها إن الأكل جهز ، وبالفعل قام وخد الأكل وطلع من الباب عشان يروح لقاسم ، ومودة قامت تكمل مع أمها وأختها تجهيز بقية السفرة عشان يتغدوا هما كمان.

وبعد دقايق أبو مودة دخل الشقة ولقى قاسم في أوضة من الأوض ، واللي أول ما سمع صوت رجوعه طلعله على طول وهو بيقول بإحراج : 

= ليه بس كدا يا حاج محمد ، مكنش له أي لزوم والله وبعدين خيرك سابق يعني وزايد كمان! 

همهم محمد وبعدين رد بمرح وقال : 

— وإيه كمان يا أستاذ قاسم! ، لا ما هو أنا مش مفوت الغدا معاهم عشان أجيلك إنت كمان تجوعني هنا بمبادئك اللي ملهاش أي لازمة بيني وبينك! 

بصله قاسم بإحراج وقبل ما ينطق محمد سبقه وقال بجدية : 

— بالله ما تنطق حرف زيادة! ، أنا مش تايه عنك يا قاسم وعارف دماغك كويس واللي بيدور فيها ، ومفيش أي حاجة من اللي في دماغك دي ف بطل تشيل الهم بقا وتعالى كُل! 

بصله قاسم بإمتنان إتحولت بعده ملامحه لإبتسامة واسعة لما محمد كمل بمرح وقال : 

— يلا عشان إن إتأخرت ربع ثانية كمان هاكل الأكل لوحدي وأسيبك وإنت حر!! 

ولما محمد لقاه لسه متردد وعايز يقول حاجة ومانعها قال بمرح عشان يرفع عنه حرج الكلام : 

— إيه اللي بيدور في دماغك دي تاني يا قاسم!! 

قاسم إتنهد وعزم أمره وإتوكل على الله وإتجه للكرسي اللي قصاد الحاج وقعد عليه وقال بجدية : 

= بصراحة كدا يا حاج ، أنا إن سكنت في الشقة بإذن الله هنكتب عقد إيجار وأأجرها منك بالتمن اللي يريحك ، غير كدا فطالما بتقول إن حضرتك عارفني تبقى عارف رأيي! 

محمد فضل باصصله بتأمل وفخر وكان متيقن من رد فعله دا ونوى نية لله وعزم على تنفيذها بينه وبين ربه ، وعشان كدا إتنهد وقاله بمحبة وحزم : 

— طب سيبك من كلام الأغراب دا دلوقتي ، وخلي الأب وإبنه يتهنوا باللقمة اللي هتبرد من كتر الرغي دي! 

قاسم إتنهد بإستسلام وعرف إن مفيش مجال للكلام تاني دلوقتي ، وبالفعل الإتنين سموا الله وبدأوا ياكلوا سوا. 

بعد شوية وقت الحاج محمد إتجه ناحية شقته عشان يرجع الأكل بعد ما شبع هو وقاسم وحمدوا ربنا وأول ما دخل لقى مودة مقابلاه وهي بتقول : 

– كنت عارفة إنك هتيجي وجهزتلك الشاي كمان ، إديني بس دقيقة واحدة أصبه وأرجعلك. 

إبتسم محمد بمحبة على نسخته المصغرة اللي بتفهمه من غير كلام ، وفضل واقف يدعيلها لحد بعد ما خد منها الشاي ورجع لقاسم اللي كان قاعد سرحان في ملكوت الله وفي نفس الوقت بيفكر في كل اللي بيحصله. 

ولما الحاج دخل قاله بجدية وهدوء : 

— بما إننا رجعنا لكلام الأغراب ، ف أنا موافق على طلبك وزي ما أنت قلت الشقة هتتأجر بالمبلغ اللي يريحني والكلام فيه منتهي من دلوقتي ، بس أنا كمان عندي شرط.... 

قاسم كان باصصله براحة إنه وافق على طلبه ، بس أول ما سكت وحس إن في تكملة للكلام جسمه إتحفز وبصله بتساؤل وهو بيحول تساؤله لكلمات وبيقول : 

= إنت تؤمرني يا حاج ، بس شرط إيه دا؟ 

إتنهد الحاج وقال بحزم : 

— تشتغل معايا. 

قاسم قال بعدم فهم ودهشة : 

= معلش مش فاهمها دي ، أشتغل مع حضرتك إيه يا حاج؟ 

الحاج بدأ يشرحله طبيعة شغله في مزارعه وأراضيه ومصنع الألبان اللي قايم على مساحة منهم والحسابات والجرد ومباشرة العمال والمحصول والمواشي والمنتجات. 

ويعد ما الحاج شرحله كل حاجة إتنهد وقال بتعب : 

— الحاجات دي أنا شقيت فيها عمري كله يا قاسم يا بني ، وبناتي كمان شغالين معايا فيهم وبقوا شايلين عني شغل كتير. 

وسرح الحاج أكتر وهو بيكمل بحزن وبيقول : 

— ومخبيش عليك أنا قلقان عليهم من علي وعمايله ، وإنت بنفسك مكملتش هنا سنة وشفت منه اللي شفته كله برغم إن محدش فينا فاهم هو مستقصدك إنت ليه! 

وبيكمل الحاج بدهشة مخلوطة بالحزن وبيقول : 

— بس أهو علي دا أبوه وأمه ميختلفوش عنه كتير ، وأخته وبناتي وأمهم وأمي مساكين وسط شرار الخلق دول! ، واللي فات من العمر يا بني مش قد اللي جاي ، ربنا يدينا ويديك الصحة والعافية يا رب. 

بعدين رفع وشه ناحية قاسم اللي من أول القعدة ساكت وبيسمع بس وقاله بفهم للأسئلة اللي مالية عينيه : 

— أنا عارف إنك مستغرب أنا بعاملك كدا إزاي وبحكيلك كل دا إزاي وليه وإنت المفروض غريب ومعرفش عنك حاجة ، وعارف برضو إنك مستغرب ثقتي فيك! 

وإبتسم إبتسامة هادية وكمل وقال بحبور : 

— كل اللي أقدر أقولهولك يا بني إني عشت في الدنيا دي طول حياتي آخد دروس مرة وإتنين ومليون وأتعلم وأشوف ناس ، لحد ما الحمدلله ربنا رزقني بنعمة البصيرة وبقيت أحس إذا كان اللي قدامي إبن حلال ولا ياكل مال اليتيم ويحلي برز بلبن بعده! 

نهى كلامه بضحكة مرحة في آخره خلت قاسم كمان يبادله الضحك ، وبعدها قاسم رجع لجديته تاني وهو بيقول : 

= بس إذا سمحتلي يا حاج في حاجات مهمة أوي لازم تعرفها عني قبل ما تثق فيا وتآمنلي وتأمنني! ، يمكن تغير رأيك لما تسمعها! 

____________________________________

بعد ساعات 

الحاج محمد دخل شقته وهو مُرهق من اليوم الطويل دا ، خاصة بعد ما فضل يتكلم مع قاسم كتير ويسمعه وكمان جهزوا العقد ومضوه بعد ما قاسم كمان وافق يشتغل معاه ، وجابوا كمان حد ينضف الشقة ، وبعدها إستئذن هو كمان من قاسم وسابه يرتاح من تعب اليوم 

ويا دوب دخل لقى مودة بتقرب منه وهي بتحضنه ف بادلها الحضن وباس راسها وسمعها بتقوله بلوم ومرح : 

– كل دا تأخير يا بابا!! ، مش بعادتك تتأخر عليا كدا يعني! ، وبعدين يا سي بابا إدخل يلا إتحمم بسرعة على ما أجهز العشا هوا! 

إتحمحم بإحراج وهو بيقول : 

— أنا هتحمم ماشي ، بس عشا إيه! ، لا عشا لا! 

بعدت عنه وبصتله ثواني وهي رافعة حاجبها وبتقول : 

– عشا لا ليه بقا يا سي بابا!! 

إتحمحم تاني وهو بيحاوطها بدراعه وبيمشي بيها وبيقول : 

— ما هو أنا يا روح بابا إتعشيت مع قاسم ، عشان كدا مش جعان ، وبعدين يرضيكي يعني أسيب الراجل ياكل لوحده! 

بالرغم من إنها إقتنعت لإنها الأصول إلا إنها مقدرتش تبعد شرارة الغيرة اللي طغت في عقلها وقالت : 

– يادي قاسم اللي طالعلي في البخت النهاردة!! ، هو أنا معتش ورايا غير قاسم دا بقا ولا إيه يا سي بابا ، وبعدين أرضى جدًا على فكرة إنك تسيبه ياكل لوحده وتيجي تاكل معايا! ، ما هو مش من بقية أهلي هو! 

أبوها مكانش تايه عن دماغها فقرص خدها بخفة وهو بيقول بمحبة وبيشاور على رحمة اللي متابعة الحوار من الأول : 

— عارف إن حبيبتي العاقلة فاهمة بس بتقاوح! ، بس كفاية مقاوحة بقا وسيبيني عشان أروح أشوف نجاة كمان وأريح بقا ، وروحي إنتي يلا كلي مع رحمة بألف هنا على قلبكوا. 

حركت مودة رأسها بموافقة وهي بتتنهد بإستسلام وبتسيبه وبترجع لرحمة عشان ياكلوا سوا ، وهو بعد ما بيخلص بيدخل أوضته ويلاقي نجاة لسه صاحية ومستنياه زي ما توقع ، وبالفعل بيدخل يتمدد جنبها وبيقول بثقة وفهم ومحبة : 

— عارف اللي في دماغك يا نجاة وفاهمك! ، بس قولي أنا سامعك ، وهكملك كل النقط اللي ناقصاكي. 

إتنهدت نجاة وقالت بقلق حاولت تخبيه : 

— ليه جبت حد يسكن في الشقة ، مع إنك قافلها من سنين ومكنتش موافق تسكن فيها حد؟ 

إتنهد محمد وقال بصدق : 

— عشان قاسم غير يا نجاة! ، وعشان شفت فيه قوة وأمانة مشفتهومش في حد غيره ، تقدري تقولي كدا زي ما الشيخ شُعيب شاف القوة والأمانة اللي بنته قالت عليهم في سيدنا موسى عليه السلام ، وكمان عشان مفيش أحسن منه أسيبه وسطكوا يا نجاة ، وسط بيتي وأهلي ويحمي الكل كمان إن حصلي حاجة وربنا إسترد أمانته في أي وقت! 

قاطعته نجاة وهي بتقول : 

— بعد الشر عليك يا حبيبي! ، ربنا يطول لنا في عمرك يا رب ويديك الصحة والعافية ونفرح ببناتنا سوا يا رب! 

إبتسم لها بمحبة وبعدين سرح تاني وقال بنفس الصدق اللي متعود عليه معاها : 

— وبيني وبينك يا نجاة ، كل دا برضو بسبب إني حلمت بقاسم ذاته قبل كدا بس مكنتش شايف وشه ، والحلم دا حسسني بكمية راحة متتوصفش ، وحتى أول ما جه مكنتش أعرف إنه نفس الشخص اللي حلمت بيه! 

بصلها وقال : 

— لحد ما حلمت نفس الحلم تاني بصورة أوضح وبتفاصيل أكتر ووشه واضح فيه ، والراحة بعدها تضاعفت وكأنهم كانوا إشارات من ربنا ليا ونعمة جديدة رزقني بيها ، وكأنه بيزوده معاكي إنتي وبناتي في كفة رزقي اللي كانت طابة من الأول بأبويا وأمي واللي مش هوفي ربنا حق شكره عليها أبدًا! 

كانت نجاة بتسمعه وعيونها مدمعة من تأثير كلامه لحد ما خلص وفضل ينكشها عشان تضحك تاني وبعد ما ضحكها قالها بطمئنة : 

— مش عايزك تقلقي من قاسم خالص يا نجاة! ، وكدا كدا عارف هتعامليه إزاي بعد كدا! 

وبدأ يحكيلها كل اللي حصل بعد ما كان عند قاسم وكل اللي إتفقوا عليه وقالوه وموافقته على تأجير الشقة وشغله معاه وبعدها كل واحد فيهم نام وهو بيسلم أمره للي لا بيغفل ولا بينام! 

____________________________________ 

في الشقة التانية 

قاسم مكانش جايله نوم بعد ما رتب حاجته في أكتر أوضة إرتاح فيها ، وإتحمم وصلى لربنا كتير وهو مش عارف يشكر النعم الكتير اللي بيبعتهاله دي إزاي ، وبسبب أرقه دا طلع يتنفس هوا نضيف من البلكونة وهو بيسرح في ملكوت الله وبيسبحه ، لحد ما ودنه بتلقط صوت حد بيقرأ قرآن مكانش سامعه أول ما دخل ، وواحدة واحدة بيُدرك إنه صوت أنثوي! 

وبرغم صدمته إلا إنه متحركش ، خاصة إنه حس إنه إرتاح أكتر وهدى أكتر ، وهو بقاله كتير أوي محسش الإحساس دا.

ورا الحيطة الفاصلة بين المكانين

كانت مودة خلصت وضوء وجهزت مصحفها وقعدتها بتاعت كل يوم اللي هي متعودة عليها من زمان ، خاصة من بعد ما الشقة فضيت خالص! 

وبجانب ثواب قراءة القرآن كانت بتاخد ثواب عمار الشقة المقفولة كمان! 

وكانت ناسية وغافلة تمامًا عن الساكن الجديد اللي كان بيسمع قرائتها من الناحية التانية وهو مستكين ، لحد ما خلصت قرائتها ولمت حاجتها ودخلت أوضتها عشان تنام قبل معاد صلاة الفجر. 

وفي نفس الوقت اللي مودة بتدخل أوضتها فيه ، قاسم بيرفع راسه للسما بإمتنان للخالق على كمية الراحة اللي حاسس بيها وبيتنهد وهو بيشكره في سره وبيرجع أوضته هو كمان وهو بينهي اليوم العجيب دا وبيجهز روحه ليوم جديد لا يعلمه إلا علام الغيوب مع بداية صلاة الفجر! 

                     الفصل الرابع من هنا

تعليقات



<>