رواية جمر الثار وعاصفة العشق الفصل الرابع4 بقلم هاجر سلامه


رواية جمر الثار وعاصفة العشق الفصل الرابع4 بقلم هاجر سلامه

التفت بدر نحو زهرة ببطء، كانت عيناه كالجمر المشتعل. اقترب منها بخطوات ثقيلة مرعبة، بينما انسحبت الحاجة آمنة من الدَّوار بهدوء لتترك لهما الساحة. 

وقف بدر أمام زهرة التي كانت دموعها قد بدأت تشق طريقها أخيراً على وجنتيها بعد رحيل أهلها وتبرؤهم منها، لكن كبرياءها ظل شامخاً لم ينحنِ.

بدر مسك زهرة من كتافها وهزها بعنف وهو بيجز على سنانه:

"إيه العرض اللي عملتيه قدام أهلك ده؟! بحب بدر وبِهرَب عشان أشوفه؟! أنتي فاكرة الحبتين دول هياكلوا معايا واصل؟! فاكرة بكلمتين الحب دول هنسى دم أبويا وأخويا؟!"

زهرة مسحت دموعها بسرعة وقالت بنبرة جافة ورجعت لبرودها:

"أنا مقلتش كِدِه عشان تِحن عليا يا ابن الهواري.. أنا قلت الحقيقة عشان أقطع عِرق وأسيـح دمه، وعشان أهلك وأهلي يعرفوا إني إهنه برغبتي، ومحدش ليه عندي حاجة واصل. ودلوك.. وسع يدك عني عشان ورايا واكل لازم يجهز."

سابت زهرة بدر واقـف في وسط الدوار وعقله هيطير من برودها، والغل بدأ يملى قلبه لأنه مش عارف يكسر كرامتها

مرت أيام قليلة على تلك العاصفة التي ضربت دوار الهواري، وكان الصمت في القصر أشد وطأة من زئير المدافع. اتخذ بدر قراره الحاسم بأن يذيق زهرة مرارة الاختيار؛ أراد أن يرى ذلك الكبرياء الشامخ يترجى وينكسر تحت وطأة المشقة والتعب. أصدر أوامره الصارمة بأن تتولى زهرة وحدها أعمال القصر الشاقة، من تنظيف الردهات الواسعة، وجلي النحاس، وغسيل السجاد العتيق الثقيل، مانعاً الخدم من مد يد العون لها نهائياً.

كانت زهرة تستيقظ مع زقزقة العصافير الأولى، تربط خصرها بمنديلها الصعيدي، وتبدأ العمل الشاق ودون أن تنطق بشكوى واحدة. كان جسدها الرقيق يئن من التعب، ويداها الناعمتان بدأتا تتشققان من أثر المنظفات والمياه الباردة، لكن عينيها كانتا تحتفظان ببريق غريب.. بريق يتحدى جبروت بدر في كل مرة يمر فيها ويراقبها بنظراته الحادة.

في ردهة القصر الكبيرة، كانت زهرة قاعدة على ركبها وبتِمسح الأرضية الرخام الواسعة، وعرقها نازل على وشها بس ملامحها راصية وثابتة. 

بدر نزل من على السلم بهيبته العالية، وقف وبص عليها وهي شقيانة، وكان مستني منها تبص له بنظرة رجاء أو تطلب منه الرحمة، لكنها مالت وكمّلت مسح ولا كأنه واقف.

بدر جز على سنانه وقرب منها، وخبط جردل المية برجليه فـ المية اتدلقت على الأرض تاني، وقال بقسوة:

"إيه عاد.. لساتك قادرة تقومي وتِقِفي على رجليكي يا بت الرَّحَايْمَة؟ فاكرة الشغل ده هينسيني أنتي بنت مين؟ أنا عايزك تتوسليلي عشان أخفف عنك، وأنتي واقِفة كيف الحيط الصم!"

زهرة وقفت وعدلت ضهرها، وبصت في عيونه بكل ثقة وقالت بنبرة هادية حطمت كبريائه:

"الشغل مش عيب يا بدر بيه.. أنا بنت أصول وبيت كرم، وأعرف أخدم دار جوزي بيدي ومن غير ما اشتكي واصل. وعمري ما هقُول المَرحمة لغير ربنا.. امسح الأرض تاني وتالت وعاشر، بس كرامتي مهتتمسحش واصل."

بدر اتعصب من برودها اللي بيقتله كل يوم، وزعق بصوت هز المكان:

"تمام.. وريني كرامتك دي هتوصلك لفين! من اليوم وطالع مفيش شغالة تمد يدها في الدار واصل، كِله على رقبتك أنتي!"

وفي اللحظة دي، انفتح الباب الكبير ودخلت "جليلة" بنت عم بدر. كانت لابس عباية حرير ملونة، وذهبها مالي إيديها برقش ورنين، ملامحها فيها مكر وغيرة عمياء، وأول ما شافت زهرة واقفة بتمسح والخدم واقفين يتفرجوا، لوت بوزها بـ سخرية وقالت بصوت عالي عشان الكل يسمع:

"يا مري يا مري! إيه ده يا واد عمي؟ هي دي العروسة الجديدة اللي البلد كِلت وشنا بيها؟ دي مِش شبه الحريم واصل.. دي مِش واخدة مكانها صوح، مكانها تحت رجلينا مع الشغالات والخدم!"

الرابع 

جمر الثأر وعاصفة العشق

هاجر سلامة 

الخامس

التفتت زهرة ببطء نحو جليلة، ونظرت إليها نظرة باردة لم تخلُ من استخفاف جعلت جليلة تشتاط غيظاً. 

كانت الشغالات يقفن في زاوية المطبخ يرقبن الموقف بخوف، بينما وقف بدر يتابع ما سيحدث، منتظراً أن تنفجر زهرة باكية أو تبدي ضعفاً أمام إهانة ابنة عمه. لكن زهرة فاجأت الجميع كالعادة.

جليلة قربت من زهرة وهي رافعة راسها وبتقول للخدم بصوت عالي:

"أنتي يا بت.. هاتي جردل المية ده ونظفي تحت مداسي إهنه، يلا وريني همتك عشان أشوف شغلك يستاهل اللقمة اللي بتاكليها في دار الهواري ولا لاه!

"

الخدم كلهم سكتوا وخافوا من المواجهة، وزهرة بصت لجليلة من فوق لتحت بكل برود، وقالت بصوت قوي وراسي:

"دار الهواري ده دار جوزي على سنة الله ورسوله، واللقمة اللي باكلها من مالي وحلالي كـ زوجة، مش شحاتة ولا جارية. أما أنتي يا جليلة.. أنتي ضيفة إهنه في دار واد عمك، والأصول في الصعيد بتقول إن الضيف يلزم حدة وميتدخلش في شؤون ست الدار والخدم بتوعها!"

جليلة وشها جاب ألوان من الكسرة قدام الخدم، وزعقت وراحت لبدر:

"شايف يا بدر؟! شايف بت الرَّحَايْمَة بتتطاول عليا كيف في دارك وقصاد الخدم؟! دي بتغلط في بنت عمك لحمك ودمك!"

بدر بَص لزهرة وحس بنوع من الإعجاب الخفي بقوة ردها وكبريائها اللي متهزش، لكنه حب ينصر بنت عمه عشان يِقهر زهرة، فقال بصوت حاد:

"زهرة.. جليلة بنت عمي وصاحبة دار إهنه، وكلمتها تمشي عليكي وعلى الكل. اعتذري ليها دلوك ويالّا على شغلك!"

زهرة بصت لبدر، وبكل هدوء شالت جردل المية والمسّاحة، وقالت بنبرة باردة هزت قلب بدر:

"أنا م بغلطش عشان أعتذر يا بدر بيه.. والأرض نِضفت خلاص."

وسابتهم وطلعت على فوق بكل هيبة وشموخ، وسابت جليلة هتموت من غيظها وبدر واقف بيغلي ويسأل نفسه: "البت دي معمولة من إيه واصل؟! كيف كسرها واعر كِدِه؟!"

جليلة لفت لبدر وقالت له بمكر:

"بدر.. البت دي واخدة في نفسها مقلب، ولازم تعرف مقامها صوح. وأنا موافقة على طلبك يا واد عمي.. أنا موافقة نتجوز الليلة قبل بكرة عشان أوريك ست الدار الحقيقية!"

بدر بَص لجليلة ببرود وقالها:

"الحديث ده سابق لأوانه يا جليلة.. بعدين نتكلم."

وسابها ومشى وهو عقله كله مع اللي طلعت فوق وكسرت كلمته للمرة الألف.

استمرت الأيام داخل قصر الهواري كأيام الحصار؛ حرب صامتة تدور رحاها بين قلبين يخفيان خلف العناد لوعة وشوقاً. كان بدر يراقب زهرة وهي تتحرك في أنحاء القصر كطيف ساحر، يقتلها التعب نهاراً ولكنها ترفض الانحناء. ولأن جبروت الرجل الصعيدي بداخله لم يتقبل برودها واقتراحها بأن يعيشا كالأخوة، قرر أن يضربها في مقتل أنوثتها، مستغلاً وجود ابنة عمه "جليلة" التي كانت تقضي معظم وقتها في القصر لتقرب الزفاف المحتوم.

بدأ بدر اللعبة متعمداً إظهار الود لجليلة كلما لمحت عيناه زهرة وهي تمر بردهات القصر أو تهبط الدرج الحجري الكبير حاملة أعباءها الشاقة، منتظراً تلك اللحظة التي يرى فيها لهيب الغيرة يشق برود وجهها الملائكي.

في صالة القصر الكبيرة القريبة من الحديقة، كانت جليلة قاعدة على الكنبة القطيفة وبتتكلم بدلع مبالغ فيه، وأول ما بدر لمح زهرة نازلة من على السلم وشايلة في إيدها غسيل السجاد، قرب من جليلة ومسك إيدها بحنان مصطنع، وقال بصوت عالي ودافي قاصد يوصل لزهرة:

"منورة الدار يا بت عمي.. قصر الهواري ملوش عازة من غير طَلِتِك الواعية دي. أنا بفكر نسرّع في تجهيزات الفرح، عشان تبقي ست الدار دي صوح وتمليها عليا."

جليلة عيونها لمعت بالفرحة وبصت لزهرة بشماتة، وقالت بدلع:

"تسلملي يا غالي يا واد عمي.. أنا تحت أمرك، ودارك هي داري، ومش هسيب حد غريب يتحكم فيها واصل."

زهرة وقفت على السلم لثوانٍ وا حدة. عيونها جت في عيون بدر اللي كان بيبص لها بنظرة تحدي ونصر، مستني يشوف دموعها أو يسمع منها كلمة عتاب. 

لكن زهرة خدت نفس طويل، وبلعت غصّة مريرة كتمت أنفاسها، وكسرة قلبها خبتها ورا ابتسامة باردة ملوش مثيل. كملت نزول بخطوات تِهِز الأرض، وقفت قدامهم وقالت بكل برود ورُقي:

"ألف مبروك يا بدر بيه، مبروك يا جليلة. دار الهواري واسعة وتشيل من الحبايب ألف. ربنا يتمم بخير.. عن إذنكم ورايا شغل كتير."

سابتهم ومشت للمطبخ، وبدر حس إن السكينة اللي كان عايز يغرسها في قلبها، اتردت في صدره هو. جز على سنانه وساب إيد جليلة بعنف وقام وقف وهو بيغلي من العصبية: "البت دي إيه؟! مِش حِرمة واصل؟! كيف قلبها حجر كِدِه ومبتغيرش عليا؟!"

                   الفصل الخامس من هنا

تعليقات



<>