رواية الرقصة والمعلم الفصل الخامس5بقلم اميرة خالد
مرَّ شهر كامل، تبدلت فيه مصائر وهدأت فيه عواصف لتشتعل أخرى.
أنهت دينا وتامر امتحاناتهما بنجاح، بينما طوى يزيد صفحة "سهر" تماماً بالطلاق، لينصبّ تركيزه على إدارة مصنعه الجديد الذي بدأ العمل فيه بالفعل، وإن كان عقله لا يزال أسيراً لذكراها وعيناه تبحثان عن امرأة أخرى تملأ فراغ حياته.
أما نيفين، فما زالت غارقة في خيانتها، تواصل محادثاتها السرية مع ذلك الشخص المجهول. وفي المقابل، تمسكت تقى بموقفها الحاسم: الاستقالة من عملها كمنظفة أو ممرضة، والابتعاد بأشقائها عن ملاحقات هاني.
وفي مكان آخر، كان ممدوح غارقاً في تفكيره بدينا، يرفع يديه بالدعاء في كل صلاة أن يجمع الله بينهما مجدداً وأن تكون قريبة منه. في حين كانت سمر تهوي إلى القاع؛ تسوء حالتها يوماً بعد يوم، وتغرق في محادثات شبابية عابرة، دون أن تكف عن إرسال رسائل التوسل لممدوح. وعلى الجانب الآخر، تدهورت علاقة علي بيزيد منذ شجارهما في حفل الزفاف، فأصبح علي يتجنب مواجهته ويفضل الابتعاد عن طريقه.
بارقة أمل وشقة جديدة
استيقظت تقى من نومها على رنين هاتفها. أجابت بصوت يغالبه النعاس:
"أيوة.. مين معايا؟"
جاءها صوت السمسار الدافئ:
"أنا يا تقى.. عمك عزيز السمسار."
اعتدلت تقى في فراشها بلهفة: "أيوة يا عم عزيز، خير؟ لقيت حاجة؟"
قال عزيز بنبرة مبشرة: "الحمد لله يا بنتي، لقيت لك شقة ممتازة، بس للأمانة هي في منطقة بعيدة عن هنا شوية."
لم تهتم تقى بالمسافة بقدر اهتمامها بالأمان، فقالت بفرحة: "مش مهم المكان يا عم عزيز، المهم تكون المنطقة كويسة وأمان."
طمأنها قائلاً: "المنطقة راقية والعمارة بتاعة ناس محترمة، بتوع ربنا وأصحاب فضل."
قالت بلهفة: "تمام، أجي أشوفها إمتى؟"
أجابها: "على العصر كدة تعالي لي."
اتفقت معه وأغلقت الهاتف والراحة تتسرب إلى قلبها.
خرجت تقى إلى الصالة لتجد باب الشقة يُفتح، ودخل تامر يحمل قفص الخبز الطازج ووجبة الإفطار، وهو يهتف بابتسامة: "صباح الخير يا تقى."
ردت بحنان: "صباح النور يا تامر.. تعبت نفسك ليه يا حبيبي؟ كنت نزلت أنا جبت الفطار."
ابتسم تامر قائلاً: "تعب إيه بس! يلا بينا ناكل الطعمية وهي سخنة نار."
قالت تقى: "هات عنك أحط الأكل على الطبلية، وروح صحي العفريتة أختك."
وفجأة ظهرت دينا من خلفها قائلة بضحكة مشاكسة: "أنا صاحية يا حبيبتي، مش زيك غرقانة في النوم!"
انتفضت تقى بخوف مصطنع: "بسم الله الرحمن الرحيم! إنتِ بتطلعي إزاي كدة؟ خضيتيني!"
ضحكت دينا بخبث وقالت: "أنا عفريتة أصلاً! كنت قاعدة بتفرج على التلفزيون، بس طبعاً حضرتِك مش واخدة بالك وعينك دايماً على تامر ودالقة عليه المحبة."
ردت تقى ضاحكة: "طب يا ختي روحي هاتي الطبلية بدل ما آكل أكلِك!"
جلس الثلاثة يتناولون طعامهم، فقالت تقى بنبرة جادة: "على فكرة، عم عزيز السمسار كلمني، ولقى شقة في منطقة ممتازة، وهنروح نشوفها بعد العصر."
قال تامر بارتياح: "يا مسهل، اللي فيه الخير يقدمه ربنا."
علقت تقى: "يا رب يا حبيبي."
في هذه الأثناء، كان يزيد يجلس في مكتبه بالمحل، والضيق يبدو جلياً على وجهه. لاحظ صديقه عبد الرحمن ذلك، فسأله: "مالك يا عم؟ متضايق كدة ليه؟"
تنهد يزيد بضيق: "إنت مش شايف المرمطة؟ احنا في نهاية الموسم، والمصانع عمالة تقفل الحسابات، وكل شوية مصنع يطلع لي بحكاية وفيلم جديد!"
رد عبد الرحمن بتهوين: "ما إنت عارف السوق وعارف إن الشغل كدة دايماً، إيه الجديد يعني؟"
قال يزيد بقلة حيلة: "والله ما أنا عارف.. زهقت."
قطع حديثهما رنين هاتف عبد الرحمن. كان المتصل هو السمسار عزيز، الذي قال له: "أيوة يا عبد الرحمن، في سكان جُداد جايين يشوفوا الشقة بعد العصر."
أجابه عبد الرحمن: "تمام يا عم عزيز، هستناكم."
أغلق الهاتف والتفت إلى يزيد قائلاً: "أنا بعد العصر مش هكون هنا، في ناس جايين يعاينوا الشقة الفاضية عشان يأجروها."
هز يزيد رأسه قائلاً: "إن شاء الله يا أخويا.. يلا كمل الشغل اللي في إيدك وشوف مصنع مين اللي عليه الدور في التقفيل."
قال عبد الرحمن: "حاضر، عيوني."
فوق السطوح.. الخيانة العارية وعين الراصد
في بيت يزيد، كانت نيفين تجلس في غرفة الأطفال، تجري مكالمة فيديو وهي ترتدي قميص نوم جريء.
قال الطرف الآخر بإعجاب وانبهار: "هوبا! إيه الجمدان والشياكة دي كلها؟"
ضحكت نيفين بدلال: "بس بقى ما تكسفنيش!"
قال الرجل بنبرة عاشقة: "أكسفك إيه يا قمر؟ أنا طالع لك الشقة حالاُ."
ذعرت نيفين وقالت: "لا مش هينفع خالص، العيلة كلها تحت والبيت عمران."
طمأنها: "ما تخافيش، افتحي الباب بس وأنا هتصرف وأجيلك."
ردت بقلق: "أفرض حد من العيال طلع فجأة؟"
فكر للحظة ثم قال: "خلاص، البسي العباية فوق اللي لبساه، واطلعي أوضة السطوح، مفيش حد هناك."
وافقت نيفين والسعادة تملأ وجهها: "ماشي، مسافة السكة."
أغلقت الهاتف، وارتدت عباءتها على عجل فوق قميص النوم، وتسللت خارج الشقة صاعدة إلى السطح. لكنها لم تكن تعلم أن عين "هيام" كانت تراقبها بتركيز. استغربت هيام صعود نيفين في هذا التوقيت، وزاد شكها عندما رأتها تمشي على أطراف أصابعها كاللصوص.
تسللت هيام وراءها بهدوء شديد، حتى رأتها تدخل غرفة السطوح وتغلق الباب خلفها.
اقتربت هيام من نافذة الغرفة بحذر، وفجأة سمعت صوت ضحكة نيفين العالية. نظرت من شق النافذة، لتجمد الدماء في عروقها؛ رأت نيفين ترتمي في أحضان "علي" وهو يقبلها بشغف!
شهقت هيام وصدمتها ألجمت لسانها، لكن دهاءها جعلها تخرج هاتفها بسرعة وتلتقط لهما مقطع فيديو يوثق الجريمة.
نزلت هيام تهرول إلى شقتها، ونبضات قلبها تكاد تتوقف من الصدمة، وقالت لنفسها بذهول: "هو اللي أنا شفته ده حقيقة ولا حلم؟! ده يزيد لو عرف هيقتلهم هما الاتنين! ربنا يستر من اللي جاي."
في شقة صابر.. ذكريات "صفا" ومكائد "سناء"
في مكان آخر، كانت منار تجلس مع والدها صابر في شقته، وقالت بنبرة ضيق: "حال البيت مش عاجبني يا بابا، الوضع مبقاش مريح."
سألها صابر بحنان: "ليه يا حبيبتي؟ حد من الحريم ضايقك أو كلمك؟"
ردت بثقة: "هو حد يقدر يكلمني أصلاً؟"
ضحك صابر وقال باعتزاز: "عارفة يا منار.. إنتِ فيكِ شبه كبير من أمك، أكتر من يزيد. أمك صفا الله يرحمها كانت ست بـ مية راجل، قوية وعمرها ما خافت من حد، وكانت جميلة زيك كدة."
ابتسمت منار وسألته بنعومة: "لسة بتحبها يا بابا؟"
تنهد صابر بعمق: "ولا عمري هنساها.. دي كانت السند الحقيقي، واقفة في ضهري طول عمرها. عمرها ما اشتكت ولا قالت تعبت، ولا تطلعت للي في إيد غيرها زي بقية النسوان. كان كل همها تشوف أنا عايز إيه وتعملهولي، حتى لو كنت غلطان."
قالت منار بترحم: "الله يرحمها، مفيش زيها فعلاً."
قال صابر: "فعلاً يا حبيبتي.. يلا قومي اعملي لي فنجان قهوة من إيديكِ الحلوة دي."
ردت منار بحب: "من عيوني الاتنين يا حبيبي."
كل هذا الحوار دار على مسمع من "سناء" التي كانت تقف وراء الباب، وتأكل الغيرة قلبها. دخلت بعصبية قائلة: "هو إنت طول ما إنت قاعد مفيش على لسانك غير صفا وصفتها؟!"
رد صابر بنفاد صبر وضيق: "عايزة إيه يا ولية إنتِ؟ ابعدي عن سمايا أنا مصدع ومش طايق نفسي."
زعقت سناء: "ما إنت كنت بتتكلم وتضحك دلوقتي وزي الفل! أول ما جيت أنا أكلمك بقيت مصدع؟!"
قال صابر باحتقار: "عشان إنتِ مابتنطقيش بحاجة مفيدة، كلامك كله نكد ويحرق الدم! يلا غوري من وشي بدل ما أقوم أطلع غلي كله فيكِ يا بنت الكلب!"
صاحت سناء بقهر: "أيوة، اقعد اشتم واقعد مع السنيورة بنتك، وعيالك إنت دايماً مزعق لهم وكاسر بخاطرهم!"
رد صابر بسخرية لاذعة: "عيالك يا ختي عمرهم ما سألوا فيا، ولا يعرفوا أنا باخد علاجي إنت ولا كلت وشربت إيه! أنانيين زيك بالظبط، ومتوقع إيه يعني؟ ما إنتِ اللي مربياهم على إيدك!"
ضحكت سناء بسخرية: "وانت عايز تفهمني إن منار ويزيد هما اللي عارفين إنت بتعمل إيه وبتاخد علاجك إمتى؟"
قال صابر بثقة: "أكيد طبعاً، واستني وشوفي بنفسك."
في تلك اللحظة، خرجت منار من المطبخ تحمل في يدها شطيرة (ساندوتش) وقالت برفق: "يلا يا بابا، كل الساندوتش ده الأول عشان معاد البرشامة بتاعك جه، وبعدين هجيب لك القهوة."
نظر صابر إلى سناء بنظرة انتصار وقال: "طيب يا حبيبتي، تسلم إيدك."
دخلت منار المطبخ مجدداً، فالتفت صابر إلى سناء وقال باشمئزاز: "شفتِ يا بنت الكلب بنتي بتعمل إيه؟ شفتِ الفرق؟ يلا غوري من وشي."
دخلت سناء غرفتها والغل يتآكلها، لتدخل وراءها ابنتها هند قائلة بهمس: "بقولك إيه يا عمتي، أمي بتقولك إن الراجل الدجال طالب فلوس كتيرة عشان يكمل العمل."
ردت سناء بشر وعناد: "مش مشكلة الفلوس، المهم يعمل اللي عايزينه، ومنار ويزيد يكرهوا البيت ده ويمشوا منه وميرجعوش!"
قالت هند: "طيب يا عمتي، هطلع أكلم أمي وأقولها إن الفلوس جاهزة وهتبعتيها."
قالت سناء: "ماشي، اخلصي."
خرجت هند، وتوعدت سناء في سرها: "يا أنا يا أنتم يا ولاد صفا!"
معاينة الشقة.. ولقاء غير متوقع
في بيت تقى، استعدت للخروج وقالت: "يلا يا تامر عشان نروح نشوف الشقة مع عم عزيز."
قال تامر: "يلا يا تقى، بس اعدلي حجابك الأول."
ابتسمت وقالت: "حاضر يا حبيبي." ثم التفتت إلى دينا وقالت: "اعملي الغدا عقبال ما نرجع."
سألت دينا ببرود: "وعايزة تأكلي إيه يا أبلة تقى؟"
ردت تقى بنفاد صبر: "هو إنتِ بتعرفي تعملي حاجة غير المكرونة والبانيه والبطاطس المحمرة؟"
قالت دينا ببلاهة: "يعني برضه أعمل إيه؟"
ضربت تقى كفاً بكف: "يا مصبّر الوحش على الجحش! هو إنتِ غبية يا بت؟ ما أنا لسة قايلة لك هتعملي إيه! مكرونة وبانيه وبطاطس! هي عايزة فكاكة؟"
ضحك تامر متهكماً: "فهم الحمار يا اختي!"
ركضت دينا خلفه بغيظ: "أنا حمارة؟ ماشي يا كلب البحر إنت!"
قال تامر ضاحكاً وهو يحتمي بتقى: "والله بهزر معاكِ، سيبيني ألحق المشوار مع أختك."
قالت دينا: "طيب، عشان خاطر تقى بس هعديهالك."
نزلت تقى وتامر والتقيا بالسمسار عزيز، وركبوا "توكتوك" متوجهين إلى المنطقة المقصودة.
وعند وصولهم إلى العمارة، التقوا بممدوح الذي أرسله عبد الرحمن بالمفاتيح. لمح ممدوح تامر وعرف وجهه على الفور؛ إنه الشاب الذي كان مع دينا!
أخذ السمسار المفتاح من ممدوح وقال: "يلا يا تقى، اتفضلي."
صعدوا إلى الشقة، وانبهرت بها تقى؛ كانت واسعة تتكون من ثلاث غرف وصالة ومطبخ وحمام نظيف.
سألت تقى السمسار: "هو صاحبها طالب كام يا عم عزيز؟"
أجابها: "طالب 1500 جنيه في الشهر، والعربون (المقدم) حسب عدد السنين اللي هتمضي عليها."
قالت تقى بحسم: "أنا عايزاها عقد مدته 10 سنين."
قال عزيز: "يبقى تدفعي 10 آلاف جنيه مقدم، والشقة بتزيد سنوياً بنسبة 10%."
وافقت تقى: "تمام يا عم عزيز.. بس قولي، شفت لي المحل اللي قتلك عليه عشان افتحه كوافير ويكون قريب من هنا؟"
قال لها: "حاضر يا بنتي، هدورلك."
بينما كان ممدوح يقف بعيداً، وقلبه يرقص فرحاً؛ لقد قاده القدر إلى طريق حبيبة قلبه دون مجهود!
جذب تامر شقيقته تقى جانباً وقال بقلق: "مش شايفا إن الفلوس دي كتيرة عليكِ يا حبيبتي؟"
ردت تقى باطمئنان: "مش كتيرة ولا حاجة، أنا كنت شايلة قرشين للزمن، وإنت عارف إن منطقتنا القديمة بقت وحشة ولازم ننقل منها."
قال تامر: "طب يا حبيبتي اللي تشوفيه، بس كنت بقول توفري الفلوس دي لجوازك."
قطعت كلامه قائلة: "ما تخافش يا حبيبي، الفلوس دي عشانكم إنت ودنينا، وأنا مش عايزة اتجوز أصلاً."
قال تامر: "طيب يا ستي، نتكلم في الموضوع ده في البيت."
التفتت تقى إلى عزيز وقالت: "أنا جاهزة أكتب العقد دلوقتي."
نظر السمسار إلى ممدوح وقال: "طب يلا بينا نروح لمحل الحاج صالح صاحب العقار ونكتبه هناك."
المكيدة تثمر.. سقوط صفا الصغير
في بيت يزيد، كان الأطفال يلعبون لعبة الاختباء (الاستغماية). كان الدور على الطفلة "صفا" لتبحث عن حور ومالك. صعدت صفا إلى السلم المؤدي للسطح، فقابلتها هيام التي سألتها بخبث: "أمك فين يا صفا؟"
أجابت الطفلة ببراءة: "مش عارفة يا طنط، حضرتِك عايزاها؟"
قالت هيام بابتسامة صفراء: "لا يا حبيبتي أنا بسأل بس.. إنتِ بتعملي إيه هنا؟"
قالت صفا: "بلعب استغماية وبدور على حور ومالك، ما تعرفيش استخبوا فين؟"
قالت هيام وهي توجهها نحو الفخ: "أنا شفت مالك وحور بيطلعوا فوق السطوح."
فرحت صفا وقالت: "شكراً يا طنط." وركضت صاعدة إلى الأعلى.
ابتسمت هيام بشر، فهي متأكدة أن الطفلة ستضبط أمها وعمها في وضع مخل.
فوق السطح، كانت نيفين لا تزال في أحضان علي، وقالت بضيق: "هنفضل في الحال ده كتير يا علي؟ أنا زهقت وتعبت من الاستغماية دي."
قبلها علي قائلاً: "خلاص يا حبيبتي، هانت."
قالت بنبرة باكية: "مش قادرة استحمل وأنا بشوفك مع هند، وفي نفس الوقت عايشة مع يزيد وبنام في حضنه وقلبي وعقلي معاك إنت!"
رد علي بواقعية: "ما إنتِ عارفة العين بصيرة والإيد قصيرة، مش هنقدر نمشي ونهرب من هنا وأنا معيش فلوس. لازم نأمن نفسنا بمبلغ كبير عشان نعرف نعيش."
قالت نيفين بشر: "اتصرف يا علي وخد فلوس بأي طريقة، وأنا من ناحيتي هحاول أقلب يزيد في أي قرشين."
ضحك علي بسخرية: "هو يزيد ده حد يعرف يطلع منه مليم؟ ده ناصح ومفتح!"
وافقت قائلة: "معاك حق.."
وفجأة، قطع حديثهما صوت الطفلة صفا وهي تنده على مالك وحور قادمة نحو الغرفة.
انتفض الاثنان برعب، ارتدت نيفين عباءتها بسرعة، وقال لها علي بهمس مذعور: "اخرجي إنتِ الأول بسرعة قبل ما البنت تدخل هنا وتشوفني!"
خرجت نيفين مسرعة، فوجدت صفا تنادي، فقالت لها بنبرة مرتبكة: "بتعملي إيه هنا يا صفا يا حبيبتي؟"
قالت الطفلة: "بدور على مالك وحور يا ماما، بلعب معاهم استغماية."
قالت نيفين وهي تحاول طردها: "مفيش حد هنا يا حبيبتي، انزلي دوري تحت."
استغربت صفا: "متأكدة يا ماما؟ أصل طنط هيام قالت لي إنهم استخبوا هنا."
تضاعف رعب نيفين وقالت بحدة حذرة: "أنا متأكدة يا حبيبتي مفيش حد، انزلي يلا."
قالت صفا: "طيب يا ماما، هسبقك أنا."
ركضت الطفلة صفا على درجات السلم بسرعة، وفجأة تزلقت قدمها بسب الزيت الذي سكبته هيام! صرخت الطفلة صرخة مدوية وهوت من طابق يزيد إلى الأسفل.
تسمرت نيفين مكانها من الرعب، ثم ركضت لتجد ابنتها غارقة في دمائها بالأسفل. خرج علي وراءها ونزل يركض، تجمع أهل البيت على صوت الصراخ، وكانت هند تنظر إلى علي باستغراب شديد؛ فقد اتصلت به قبل ساعة وقال لها إنه في العمل، فماذا يفعل هنا؟!
صاحت منار بهلع: "شيلها بسرعة يا علي نوديها المستشفى! البنت غرقانة في دمها!"
كانت نيفين تصرخ وتبكي بحرقة، حمل علي الطفلة واندفعوا جميعاً بسيارته إلى المستشفى.
أخرجت منار هاتفها واتصلت بيزيد، الذي كان جالساً في مكتبه ينهي حساباته مع مندوب المصنع.
قال يزيد للمندوب: "ثواني هرد على التليفون." وأجاب: "أيوة يا أم مالك، في حاجة؟"
جاءه صوت منار الباكي والمذعور: "الحقنا يا يزيد.. الحقنا!"
انتفض يزيد واجتاح الرعب قلبه: "في إيه؟! حد جرى له حاجة؟!"
قالت منار: "احنا في المستشفى.. صفا وقعت من على السلم!"
التقط يزيد مفاتيح سيارته وخرج يركض كالمجنون دون أن يستمع لبقية التفاصيل، والمندوب ينظر إليه بذهول. سأله عبد الرحمن وهو يراه يركض: "رايح فين يا يزيد؟" لكن يزيد لم يجبه وركب سيارته وانطلق.
دخل عبد الرحمن المكتب وسأل المندوب: "في إيه؟ يزيد جرى كدة ليه؟"
قال المندوب: "مش عارف، جاتله مكالمة تليفون وطار."
حكى المندوب لعبد الرحمن تفاصيل الحسابات، وفي هذه الأثناء رن هاتف عبد الرحمن وكان السمسار عزيز يخبره بأنه يقف عند العمارة مع السكان الجدد.
قال عبد الرحمن: "طب ثواني يا عم عزيز، هبعت لك حد بالمفاتيح عشان مش هعرف آجي دلوقتي."
أغلق الهاتف، ونزل ونده على ممدوح قائلاً: "خد المفاتيح دي وروحي للعمارة اللي في أول الشارع، هتلاقي السمسار واقف ومعاه زباين فرجهم على الشقة، ولو وافقوا يكتبوا العقد هاتهم على محل الحاج صالح."
قال ممدوح: "حاضر، بس إنت مروحتش ليه؟"
أجابه: "يزيد خرج فجأة ومندوب المصنع قاعد فوق مش هينفع أسيبه."
قال ممدوح: "تمام، مسافة السكة." وخرج ممدوح بينما عاد عبد الرحمن للمندوب.
في المستشفى.. المواجهة والتحقيق
وصل يزيد إلى المستشفى يركض وعلامات الفزع واضحة على وجهه. وجد منار ونيفين يبكيان، وعلي يقف بجانبهما.
سأل بلهفة قتالة: "البنت فين؟! جرى لها إيه؟"
طمأنت منار وهي تمسح دموعها: "الحمد لله يا خويا جت سليمة، الدكتور كشف عليها وقال ده جرح في دماغها بس، ودراعها اتكسر وكسروا لها جبس."
سأل يزيد بغضب: "وده حصل من إيه؟ إزاي تقع كدة؟"
ردت منار: "كانت بتلعب واتزحلقت على السلم."
اقترب يزيد من نيفين، وقبض على يدها بقوة وعنف قائلاً بنبرة تهديد: "ده إهمال منك! إنتِ لو مخلية بالك من البنت مكانش حصل لها كل ده!"
بكت نيفين بخوف: "وأنا ذنبي إيه؟! هي كانت بتلعب وأنا ماشفتهاش!"
قال يزيد بعيون تشتعل شرراً: "حسابنا مش هنا.. حسابنا لما نرجع البيت!"
تدخل علي لتهدئة الموقف: "اهدأ يا يزيد، حصل خير والبنت بقت كويسة الحمد لله."
نظر إليه يزيد بنظرة غامضة مليئة بالشك والضيق، ولم يرد عليه.
تسهيلات الحاج صالح.. وبداية جديدة لتقى
في محل الحاج صالح، جلست تقى وتامر والسمسار عزيز.
قالت تقى بأسف: "بص يا حاج.. أنا موافقة جداً على الشقة، بس الـ 10 آلاف جنيه عربون كتير عليا ومقدرش عليهم دلوقتي."
نظر إليها الحاج صالح برفق وسألها: "طيب يا بنتي، إنتِ هتسكني في الشقة مع مين؟"
أجابته: "أنا وإخواتي تامر ودينا بس."
سألها: "وأبوكم وأمكم فين؟"
قالت تقى بنبرة حزينة: "البركة فيك يا حاج.. احنا يتامى ملناش حد."
تأثر الحاج صالح بكلامها وقال بشهامة: "خلاص يا بنتي، اللي تقدروا تدفعوه في العربون ادفعوه وأنا مش هراجع وراكم، شكلكم ناس طيبين وولاد حلال."
شكرته تقى بامتنان وقالت: "أنا معايا 5 آلاف جنيه بس حالياً، لأني لسة عايزة آجر محل قريب عشان أفتح كوافير وأشتغل فيه."
استغرب الحاج صالح وقال: "هو إنتِ كنتِ شغالة إيه الأول يا بنتي؟"
تدخل تامر قائلاً: "أصل تقى كانت شغالة ممرضة في مستشفى، وكانت بتتأخر وتتعب جامد، وأنا قلت لها ترتاح وتتفرغ للمحل عشان تسيب شغل المستشفى والمقالب اللي فيه."
ابتسم الحاج صالح وقال: "طب ما أنا عندي المحل المحل المطلوب! المحل اللي جنبي فاضي، هو صغير شوية بس ينفع كوافير وزي الفل."
فرحت تقى وقالت: "تمام يا حاج، طب طالب إيجار كام فيه؟"
قال الحاج صالح بكرم: "بصي يا بنتي، أنا هعمل معاكِ واجب.. هأجر لك المحل، وهنزل لك من إيجار الشقة وأخليه 1000 جنيه بس بدل 1500."
تهلل وجه تقى بالبهجة وشعرت أن الله أرسل لها هذا الرجل الرحيم إنقاذاً لهم: "أنا موافقة طبعاً يا حاج، كثر ألف خيرك."
تمت كتابة العقود، وسألها الحاج صالح: "هتنقلوا إمتى إن شاء الله؟"
قالت تقى: "يومين بالظبط وتلاقينا هنا يا حاج."
سلمها المفاتيح وقال: "على بركة الله، بس المحل محتاج شوية توضيب ونظافة، وأنا هخلي الرجالة يفضوا الحاجة اللي فيه."
قالت تقى بثقة: "مفيش مشكلة، أنا هبيضه وأظبط الديكور بنفسي."
ضحك الحاج صالح مستغرباً: "وإنتِ هتعرفي تبيضي وتنقشي يا بنتي؟"
ردت بفخر: "طبعاً يا حاج، أبويا الله يرحمه كان نقاش قد الدنيا، وعلمني الصنعة وكنت بشوفه وهو بيشتغل دايماً."
قال صالح: "خلاص، اتكلي على الله وربنا يجعله قدم السعد عليكِ."
التفت ممدوح للحاج صالح وقال: "محتاج مني حاجة تاني يا حاج؟ هرجع أنا على السنتر والمحل."
قال له: "تسلم يا ابني، اتفضل."
انطلق ممدوح وهو يكاد يطير من الفرحة، فحبيبته ستكون جارتهم وفي ملكهم.
أما تقى وتامر، فخرجا مع السمسار عزيز، وأخرجت تقى مبلغاً من المال وقدمته له: "اتفضل يا عم عزيز، ده حقك وتعبك معانا."
قال عزيز بتعفف: "عيب يا بنتي، هو أنا غريب عنكم؟"
أصرت تقى: "تسلم يا عم عزيز، بس ده حقك ومقدرش آخده منك." أخذ عزيز المال، فاقتربت منه وقالت بهمس ورجاء: "بص يا عم عزيز.. أرجوك، لو أي حد سأل عن عنواني الجديد أو مكاني، أوعى تقولهاله، أنا مش عايزة حد يوصلي هنا أبداً."
طمأنها عزيز: "حاضر يا بنتي، سرك في بير."
التفتت لتامر: "يلا بينا يا تامر نشتري شوية كراتين وشنط كبيرة عشان نلم فيها عفش الشقة القديمة."
قال تامر: "يلا بينا يا حبيبتي."
هيام تنتشي بالنصر.. وغموض صفا
في المستشفى، كتب الطبيب لصفا بعض الفيتامينات والمسكنات، وأوصى بتغيير الجرح كل يومين حتى موعد فك الغرز. حملها يزيد وخرجوا متوجهين إلى البيت.
في المنزل، كانت هيام تجلس وعلى وجهها ابتسامة انتصار خبيثة. تذكرت ما فعلته؛ فبعد أن صعدت صفا للسطح، تسللت هيام بسرعة إلى شقتها وأحضرت زجاجة زيت طعام، وسكبته بغزارة على درجات السلم المؤدي لشقتهما، ثم نزلت بهدوء. قالت لنفسها بشماتة: "كدة يزيد هيقلب عليكِ يا نيفين ويفرمك، ويعرف إنك خاينة ومقضياها.. ويبقى وريتكم النجوم في عز الظهر!"
وصل ممدوح إلى السنتر وقال لعبد الرحمن: "الحمد لله، السكان الجداد مضوا عقود الشقة والمحل كمان."
قال عبد الرحمن بقلق: "طب كويس.. أنا عمال أتصل على يزيد وتليفونه غير متاح ومبيردش خالص."
قال ممدوح: "طب ثواني، هكلم أم مالك (منار) أطمن منها."
اتصل ممدوح، وردت منار بصوت متعب، وسألها ممدوح باهتمام، فحكت له كل ما جرى لصفا وسقوطها من السلم ونقلها للمستشفى.
قال ممدوح بقلق: "طب والبنت كويسة دلوقتي؟"
قالت: "الحمد لله، الدكتور طمنا وخرجنا وراجعين البيت."
أغلق ممدوح الهاتف ونقل التفاصيل لعبد الرحمن، الذي تنفس الصعداء قائلاً: "الحمد لله إنها جت على قد كدة، المهم إن البنت بخير."
الاستعداد للرحيل.. وتحقيق يزيد الفاشل
عادت تقى وتامر إلى البيت يحملان الأكياس والكراتين والشنط الكبيرة.
استقبلتهما دينا باستغراب: "إيه الحاجات دي كلها؟ في إيه؟"
قالت تقى بحسم وعجلة: "بقولك إيه، مفيش وقت للكلام والرغي.. أنا هدخل أغير هدومي، وإنت يا تامر لم حاجتك وهدومك وحطها في الكراتين دي، وإنتِ يا أبلة دينا خدي الشنط دي ولمي كل كركبتك وهدومك فيها."
سألت دينا بذهول: "ليه؟ هنروح فين؟"
ضحك تامر وقال لتقى: "خشي إنتِ غيري يا تقى وأنا هفهمها الحكاية."
دخلت تقى لتغير ثيابها وترتدي جلابية البيت المريحة لتشرع في العمل، بينما قال تامر لـ دينا بفرحة: "احنا مضينا عقد الشقة الجديدة والمحل كمان، وأختك عايزانا ننقل اليومين دول بسرعة."
برقت عينا دينا بفرحة: "بجد؟! والشقة حلوة يا تامر؟"
قال تامر بحماس: "جميلة جداً، وأحلى حاجة فيها إنها واسعة وكل واحد فينا هيبقى ليه أوضة لوحده."
طارت دينا من الفرحة، وأخذت الشنط ودخلت غرفتها بنشاط تبدد فيه ملابسها وتجمع أغراضها، بينما دخلت تقى المطبخ وبدأت في تعبئة الأواني والأطباق داخل الكراتين وعقلها مشغول بكيفية التخلص من ملاحقة هاني.
في شقة يزيد، دخل وحمل ابنته صفا بعناية ووضعها على سريرها. خرج إلى الصالة وقال لمنار: "فين الأكل يا حبيبتي؟ البنت لازم تاكل عشان علاجها."
قالت منار: "أنا هانزل المطبخ تحت أشوفهم عملوا إيه وأجيبه وأطلع."
التفت يزيد نحو نيفين، واقترب منها بعيون حادة كالنسر وسألها بخشونة: "كنتِ فين والبنت بتقع من على السلم وتموت؟"
ارتجفت نيفين وقالت برعب محاولاً التماسك: "كنت في الشقة جوة، وطلعت على صراخها.. مكنتش شفتها وهي بتلعب لأني كنت مشغولة بروق الشقة وبنظفها."
نظر يزيد حوله بسخرية واشمئزاز؛ فالشقة كانت مقلوبة رأساً على عقب، والكركبة في كل مكان، وأطباق العشاء من الليلة الماضية لا تزال متسخة على الطاولة.
قال لها بنبرة هازئة وقاسية: "هي دي الشقة اللي كنتِ بتروقيها؟ ده إنتِ حتى الأطباق المتسخة مشلتيهاش من على الترابيزة من إمبارح!"
تلعثمت نيفين بالخوف: "أصل.. أصل أنا كنت تحت عند حماتي، وطلعت ولسة هبدأ ترويق سمعت صوت صرختها."
قال يزيد بتهديد واضح وصوت منخفض مرعب: "دي آخر مرة أشوفك مهملة في البنت أو في أخوها.. لو تكررت تاني، حسابك معايا هيكون عسير وهتزعلي مني جامد، فاهمة؟"
ردت بخضوع وخوف: "حاضر.. فاهمة."
دخل يزيد غرفة صفا وجلس بجانبها على السرير وقبل رأسها: "ينفع اللي حصل ده يا صفا؟ وقعتِ إزاي يا حبيبتي وطيرتِ عقلي؟"
بكت الطفلة وقالت ببراءة: "والله يا بابا أنا كنت بلعب استغماية مع مالك وحور، وطلعت ادور عليهم فوق السطوح وملقتهمش، وأنا نازلة بسرعة عشان أشوفهم تحت، اتزحلقت من على السلم."
وقفت نيفين خلف الباب تستمع، وحمدت الله في سرها أن صفا لم تذكر ليزيد أنها رأتها مع علي في الغرفة.
تابع يزيد تحقيقاً مع ابنته واستغرب كلماتها: "استني هنا.. إنتِ طلعتِ السطوح لوحدك؟"
قالت صفا: "لا.. ما أنا لقيت ماما هناك على السطوح."
عقد يزيد حاجبيه بدهشة وشك: "إزاي؟ ماما مكنتش في الشقة؟"
قالت صفا: "لا يا بابا، دي كانت فوق السطوح."
في هذه اللحظة رن هاتف يزيد، فخرج إلى الصالة ليجيب. استغلت نيفين الفرصة ودخلت بسرعة لصفا، وقالت لها بنبرة لوم وتخويف: "كدة يا صفا؟! كدة تقولي لبابا إني كنت على السطوح؟ كدة بابا هيفتكر إني أهملت فيكِ وهيخرب الدنيا وهيضربني ويبهدلني!"
خافت الطفلة وقالت بأسف: "أنا آسفة يا ماما.. طب أعمل إيه؟"
قالت نيفين بخبث ملقنة إياها: "لما يدخل تاني، قولي له إنك كنتِ مخبوطة في راسك ونسيتِ، وإن ماما كانت في الشقة مش على السطوح، ماشي؟"
هزت الطفلة رأسها بخوف: "حاضر يا ماما."
خرجت نيفين وهي تتنفس الصعداء ومستبشرة بنجاح خطتها.
دخل يزيد مجدداً لغرفة ابنته، فلاحظ الخوف المرتسم على وجه الصغير. سألها بحنان: "مالك يا حبيبتي؟ خايفة من إيه؟"
قالت صفا بارتباك وتلعثم: "أصل.. أصل يا بابا راسي بتوجعني أوي من الخبطة."
سألها يزيد بذكاء وهدوء: "طب قوليلي يا صفا.. هي ماما كانت بتعمل إيه فوق السطوح لما شفتيها؟"
نظرت الطفلة يميناً ويساراً وقالت بخوف ظاهر: "بس.. بس ماما مكنتش على السطوح يا بابا.. ماما كانت في الشقة جوة، أنا اللي كنت دايخة من الواقفة والوقعة ومكنتش مركزة."
استغرب يزيد من هذا التناقض السريع وسألها: "إزاي يا صفا؟ إنتِ لسة قايلة لي حالا إنها كانت على السطوح!"
قالت الطفلة بتهرب: "مش فاكرة يا بابا.. راسي بتوجعني."
قال يزيد بشك ينهش عقله لكنه آثر التهدئة: "طيب يا صفا، نامي دلوقتي وارتاحي، ولما الأكل يجي هصحيكِ تاكلي."
قالت: "حاضر يا بابا."
خرج يزيد وهو يفكر بعمق وغموض، مرجعاً الأمر مؤقتاً إلى تأثير الصدمة والخبطة على دماغ الصغيرة، بينما كانت نيفين تراقب من بعيد والسعادة تملأ قلبها لنجاتها من المأزق.
أفكار تقى السريعة.. وشكوك هند
في شقة تقى، كانت قد انتهت من حزم معظم الأمتعة والكراتين. وفجأة رن هاتفها برقم "هاني". نظرت إلى الشاشة باشتعال وقالت في سرها: "أنا لازم نمشي من هنا النهاردة بالليل ومستناش للصبح.. بس لازم أغير خطوط التليفونات بتاعتي وبتاعت إخواتي عشان محدش يعرف يوصل لنا، هعملها إزاي دي؟" وجلست تفكر في خطة سريعة لتأمين هروبهم تماماً.
أما في شقة علي، فكانت الأجواء مشحونة بالشك. وقفت هند أمامه وقالت بنبرة حادة ومستجوبة: "بقولك إيه يا علي.. أنا مش لسة مكلماك قبل ما صفا تقع بساعة بالظبط، وقلت لي إنك غرقان في الشغل ومش فاضي؟ لحقت ترجع إمتى وتكون موجود في البيت وقت الوقعة؟"
رد عليها علي بزهق وضيق محاولاً الهروب من عينيها: "حصلت مشكلة في الشغل فسبته ومشيت ومكنش ليا نفس أكمل.. وبعدين إنتِ مالك بتستجوبيني كدة ليه؟"
قالت هند بشك: "لا مفيش.. بس غريبة يعني."
قال علي بعصبية ونفاد صبر: "ما غريبة إلا الشيطان! ياريت تسيبيني في حالي عشان أنا تعبان وعايز أنام!"
جذب الغطاء (الكوبرتة) فوق رأسه وتصنع النوم، بينما جلست هند بجانبه والشكوك تنهش رأسها، والضيق يملأ صدرها من غموضه المريب.
