رواية عيون الاسد الفصل الخامس5 بقلم اميرة خالد

رواية عيون الاسد الفصل الخامس5 بقلم اميرة خالد

بعد وقت، بدأ "البريك". خرج فادي وعين وجلسا معاً في الحديقة. أخرجت عين علب الطعام من حقيبتها الكبيرة.
​فادي (بذهول وهو ينظر للحقيبة): أنا نفسي أفهم الشنطة دي فيها إيه؟! كلها أكل بس؟!
عين (تضحك بدلال): لا طبعاً يا حبيبي، فيها حاجات كتيرة جداً.. بس أنت اللي مش مقدر قيمتها!
فادي (يبتسم بيأس): فعلاً، المفروض أقدر الشنطة وأعمل لها تعظيم سلام.. بقولك إيه، أنا هقوم أعمل نسكافيه، أجيب لك معايا؟
عين: لا ماتجيبليش، أنا معايا المشروب الرسمي بتاعي.
فادي (يهز رأسه بيأس): طبعاً.. هتقولي لي معاكي ميكس شوكولاتة!
عين (بضحكة رنانة): طبعاً يا حبيبي! هو أنا عايزة أضيع صحتي زيك؟ أنا لسه قدامي مشوار طويل.
فادي: طيب يا أختي.. خليكي مع الشوكولاتة.
​(تركها فادي ومشى. جلست عين بمفردها وتلفتت حولها، لتلمح فتاة تجلس وحيدة على مقعد بعيد، والدموع تنساب على خديها. قامت عين بهدوء واقتربت منها).
​عين (بابتسامة حنونة): ممكن أعرف القمر زعلان ليه؟
يارا (ترفع وجهها بسرعة وتمسح دموعها بخجل): مفيش حاجة.. أنا كويسة جداً.
عين: طيب يا ستي، أنا بقى اسمي "عين".
يارا (تنظر لها باستغراب): عين؟
عين (تضحك): طبعاً مستغربة اسمي! بس اللي عايزة أقوله لك إن ماما هي اللي سمتهوني.. الله يرحمها. أنتِ بقى اسمك إيه؟
يارا (برقة وخجل): اسمي يارا.
عين: اسمك جميل أوي يا يارا.. كنتِ بتعيطي ليه بقى؟
يارا (شعرت بالارتياح لعين): بصراحة.. البنات بيضايقوني جوة وأنا معملتلهومش حاجة.. كل شوية يتريقوا ويقولوا عليا "أم أربع عيون" عشان النضارة.
عين (تبتسم وتنظر لها بتمعن): فين الأربع عيون دول؟ ما أنتِ ليكي عينين اتنين أهو، وزي القمر كمان!
يارا (تبتسم بخجل): شكراً ليكِ.
عين: أنتِ في كلية إيه؟
يارا: هندسة تكنولوجيا.
عين: يعني مهندسة قد الدنيا! طيب يا ستي، تعالي بقى اقعدي معانا وافطري، وسيبك من البنات دول.. دول ناس فاشلة.
​(أمسكت عين يد يارا وقادتها نحو مقعدها، وأخرجت لها شطيرة).
​عين: اتفضلي يا ستي.. افطري.
يارا (بكسوف): شكراً يا عين، مش عايزة أتعبك.
عين: بقولك إيه؟ بلاش الشغل ده عشان مابحبهوش، فاهمة ولا لأ؟ وثانياً.. اللي يتريق عليكِ اتريقي عليه أنتِ كمان، وإياكِ تتكسفي.. لازم تاخدي حقك بإيدك!
فادي (يأتي من خلفها فجأة ويهمس): إوعي تسمعي كلامها.. البنت دي هتضيعك وتوديكي في داهية!
​(التفتت يارا لتجد شاباً وسيماً يقف خلف عين، ثم جلس وبسط يده يمازح عين ويمسكها بخفة من رقبتها).
​فادي: أنا نفسي أفهم، أغيب عنك شوية أرجع ألاقيكي بتعلمي الناس المشاكل وعمل العصابات؟!
عين: أبداً يا حبيبي والله! حتى اسألها.. صح يا يارا؟ مش أنا معملتش مشاكل؟
يارا (تبتسم، وظنت من طريقتهما أنهما حبيبين): أيوة طبعاً.. مظبوط.
فادي: يا بنتي دي قنبلة مصايب متحركة، خلي بالك منها!
عين (تلاحظ خجل يارا): ماتتكسفيش يا حبيبتي.. ده فادي، حبيبي وكل دنيتي. (وطبعت قبلة سريعة على خده).
​(رفعت يارا نظارتها قليلاً لتعدلها).

يارا: أهلاً وسهلاً.. تشرفنا.
​(انصدم فادي للحظة عندما وقعت عيناه على عينيها العسلية الجميلة وملامحها الهادئة الرقيقة التي ظهرت بوضوح).
​عين 
يلا بقى اقعد خلينا نفطر.
​(جلس فادي، لكن عينيه كانت تسرق النظرات نحو يارا بين الحين والآخر، واندمجوا في الحديث).
​في مكتب يعقوب الفخم، كان يجلس بوقار وخلفه الأوراق. رفع سماعة الهاتف الداخلي.
​يعقوب: أيوة يا ليالي.. ابعتي لي الملف مع البنت الجديدة.
ليالي (بنبرة غيرة واضحة): مش معنى يعني؟ ما أنا ممكن أدخل لك أنا بالملف ده يا يعقوب بيه!
يعقوب (بصرامة وجفاء): اسمعي الكلام يا ليالي.. ونفذي اللي قلت عليه.
​(أغلق الخط في وجهها مباشرة. نظرت ليالي إلى صافي بغضب مكتوم وضيق).

​ليالي (تلقي الملف أمام صافي): خدي الملف ده.. ودخليه ليعقوب بيه جوة.

​ صافي ابتسمت بانتصار ووقفت تعدل هدومها وكمان شعرها واخذت الملف 
ملامح يعقوب اتقلبت تماماً، والصدمة اتحولت لغضب حقيقي أعمى. هو كان فاكر إن "البنت الجديدة" اللي دخلت قلب القاعة بلبسها البسيط وبراءتها هي اللي هتكون قدامه، مش صافي اللي لسه مدلوق عليها بيبسي ومبهدله الدنيا بمشاكلها.
​صافي قربت بدلع وهي حاطة الملف على المكتب: اتفضل يا مستر يعقوب، الملف اللي حضرتك طلبته.. وأنا جاهزة لأي شُغل تؤمر بيه.
​يعقوب بص للملف وبص لها بنظرة حادة خلت الضحكة تتجمد على وشها، وقال بصوت فحيح مرعب: هو مين اللي اختارك تبقي هنا؟
​صافي اتوترت وبلعت ريقها: أستاذ فؤاد، مدير العلاقات العامة.. عمل لنا اختبار وأنا جاوبت أول واحدة.
​يعقوب ضغط على القلم اللي في إيده لحد ما كان هيكسر، وافتكر شكل عين وهي قاعدة مربعة في القاعة بكل تلقائية، وعرف إن في لغبطة حصلت. بس طبعاً برستيجه وكبريائه مسمحلوش يظهر ده قدام صافي. حدف الملف على المكتب وقال ببرود قاتل: تمام.. حطي الملف واخرجي برة، وشغلك كله هيكون مع ليالي.. مش عايز أشوف وشك جوة المكتب ده واصل، فاهمة؟
​صافي خرجت والدموع في عينيها من الإحراج والصدمة، وغرورها اتمسح بالأرض. أول ما خرجت لقت ليالي واقفة ومبتسمة بشماتة: مش قلت لك؟ مالكيش دعوة بـ يعقوب بيه.. يلا على مكتبك عشان تشوفي الشغل اللي وراكي.
​في نفس الوقت، جاسر دخل مكتب يعقوب ولقاه قايم وعمال يروح وييجي في المكتب وعروقه بارزة من العصبية.
جاسر باستغراب: في إيه يا بني؟ مالك قالب الوش الخشب ده ليه؟ البنت الجديدة ضايقتك في حاجة؟
​يعقوب زعق بعصبية: فؤاد ده حمار! أنا قلت له هاتي بنت من التدريب، راح جاب لي البنت المسهوكة بتاعة المشاكل اللي كانت بتتخانق في القاعة!
​جاسر ضحك بصوت عالي: قصدك صافي؟ طب وأنت زعلان ليه، مش دي من نوعية البنات اللي بتعجبك؟
يعقوب بصلة بنظرة غضب: جاسر! قسماً بالله مش طايق نفسي.. غبي وفهم غرضي غلط.
​جاسر سكت وغمز له: غرضك؟ ولا أنت كان عينك على حد تاني؟ البنت الصغنونة أبو قطتين دي مثلاً؟
يعقوب دور وشه وبص من الشباك على الحديقة، ولمح من بعيد عين وهي قاعدة بتضحك مع فادي والبنت الجديدة (يارا)، وملامحه هديت لثواني من غير ما يحس، بس رجع لجموده تاني وقال: سيبك من الكلام الفاضي ده.. خلينا في مصيبة عادل والشركة.
​أما في الحديقة، فادي كان عمال يسرق النظرات لـ يارا اللي كانت بتتكلم بكسوف ورقة، وعين لاحظت ده وبدأت تغمزل لـ فادي من ورا يارا وتضحك عليه.
عين بصوت واطي لـ فادي: إيه يا برنس؟ النسكافيه برد في إيدك وأنت سرحان في الهندسة!
​فادي اتلخبط وبص لـ عين بغيظ: بس يا مصيبة أنتِ.. كلي السندوتش وأنتِ ساكتة.
يارا قامت بكسوف: طيب يا جماعة، البريك خلص وأنا لازم أرجع المعمل عشان دكتور مازن ميزعقش.. بجد مبسوطة إني اتعرفت عليكي يا عين.. وأنت كمان يا بشمهندس فادي.
​فادي وقف بسرعة: الشرف لينا يا يارا.. لو عوزتي أي حاجة في المعمل أو برا المعمل، أنا موجود.
يارا ابتسمت ورجعت نظارتها لورا ومشيت، وفادي فضل باصص وراها.
عين خبطته في كتفه: وقعت ومحدش سمى عليك يا فوزي! البت أدب ورقة، مش زي الأشكال اللي بنشوفها.
​فادي ابتسم: فعلاً يا عين.. ملامحها هادية أوي. بس يلا بينا إحنا كمان عشان الشغل.
​وفي مكان تاني، في مكتب هدير، كانت قاعدة بتفكر في كلام عادل ومضايقة من فكرة إنها تتقرب من جاسر وتتجوزه رسمي عشان المصلحة، بس طموحها وفلوس عادل كانوا عمين عينيها. تليفونها رن وكان عادل.
هدير: أيوة يا عادل.
عادل بعصبية: عملتي إئي مع المغفل اللي عندك؟
هدير: جاسر خلاص واقع، وقال إنه جاي يتقدم لي رسمي.. بس أنا خايفة يعقوب يكشفنا، يعقوب مش سهل يا عادل وأنت عارف.
عادل بضحكة خبيثة: يعقوب بيلعب في كذا جبهة ومشتت، والمصنع اللي أخدوه مني هخليه يندم عليه.. اسمعي الكلام واتجوزي جاسر في أسرع وقت عشان نبقى جوة الشركة وبنحرك كل حاجة بمزاجنا.
هدير: ماشي يا عادل.. هشوف هعمل إيه.
​خلص اليوم الشاق في الشركة، وعين وفادي خرجوا تعبانين جداً.
فادي: يلا يا عيوني عشان أوصلك، وأتأكد إن عمي مش موجود في البيت.
عين: لا يا فادي، روح أنت ارتاح عشان بكره ورانا شُغل كتير، وأنا هطمنك أول ما أوصل.. متخافش عليا.
​أول ما عين وصلت الحارة ودخلت البيت، لقت الشقة هادية تماماً، وعفاف قاعدة بتعيط ووشها أحمر.
عين جريت عليها برعب: في إيه يا ماما؟! حصل إيه؟ بابا رجع تاني وعمل فيكي حاجة؟!

​عفاف بدموع وصدمة: لأ يا بنتي.. أبوكي مرجعش.. المصيبة إن أختك انجي اختفت! نزلت تروح الدرس من العصر ومرجعتش لحد دلوقتي، وتليفونها مقفول!

​​​عين حست بركبها سابت ومش قادرة تقف، دموعها نزلت من الصدمة والخوف على أختها الشقية. مسكت تليفونها بسرعة وإيدها بتترعش، وأول حد جه في بالها كان فادي.
​رنت عليه وجالها صوته تعبان بس أول ما سمع شهقاتها اتفزع: في إيه يا عين؟! حصل إيه؟ أبوكي عمل لكم حاجة؟
عين بصوت متقطع: فادي.. إنجي يا فادي! نزلت الدرس من العصر ومرجعتش وتليفونها مقفول، وماما هتموت من الرعب عليها!
فادي وقف في مكانه في الشارع وزعق: إيه؟! إنجي؟ طب اهدوا أنا جايلكم حالاً، خمس دقائق وأكون عندكم!

​في نفس الوقت، في مكان تاني في شوارع القاهرة..
كان جاسر سايق عربيته بسرعة وهو متعصب ومضايق جداً بعد ما خرج من الشركة  وسرحانه، ملمحش البنت الصغيرة اللي كانت بتعدي الشارع بسرعة وهي بتجري عشان تلحق الميكروباص وترجع البيت.
​فجأة.. صوت فرامل قوي هز الشارع!
جاسر ضرب فرامل بكل قوته، بس العربية خبطت إنجي، ووقعت على الأرض غرقانة في دمها ومغمى عليها تماماً والتليفون بتاعها اتكسر وطار بعيد.
​جاسر نزل من العربية مرعوب وقلبه هيقف، قرب منها وشافها بنت صغيرة في السن، شالها بسرعة ودموعه في عينيه وهو بيدعي إنها متكونش ماتت، ركبها العربية وطلع بيها بأقصى سرعة على مستشفى استثماري قريبة.
​أول ما وصل، الممرضين أخدوها منه بسرعة ودخلوها غرفة الطوارئ، وجاسر كان واقف بره هيموت من الرعب والذنب، وكلم يعقوب يلحقه.
يعقوب وصل المستشفى بسرعة ولقى جاسر منهار: في إيه يا جاسر؟ حصل إيه؟
جاسر بعياط: خبطت بنت بالعربية يا يعقوب، مشوفتهاش، كانت بتعدي بسرعة.. أنا خايف تموت وأروح في داهية!
يعقوب مسكه من كتافه بقوة: اهدى يا جاسر، إن شاء الله هتقوم بالسلامة، المستشفى دي بتاعتي وأنا هتابع مع الدكاترة بنفسي، اهدى.
​تاني يوم الصبح..
الشمس طلعت وعين منامتش ولا دقيقة، وفادي فضل معاهم طول الليل بيلفوا في الأقسام ومفيش فايدة. عين نزلت الشركة مع فادي وهي مش حاسة بالدنيا، عينيها حمرا ومنفوخة من العياط والكسرة.
​صافي شافتها في الطرقة وبدأت تتناقض عليها، بس عين مردتش ومشت للمعمل بدموع محبوسة. يارا أول ما شافتها جريت عليها وحضنتها وفادي فهم يارا الموضوع، ويارا وقفت جنب عين بكل جدعنة وحنية، وفادي كان باصص لـ يارا بنظرات إعجاب وحب حقيقي بدأ يتولد في قلبه.
​في غرفة المستشفى.. إنجي بدأت تفوق ببطء وتفتح عينيها، ولقت المحاليل في إيدها وجاسر قاعد جنبها ووشه دبلان من التعب والخوف.
إنجي بصوت ضعيف جداً كحّت وقالت: أنا فين؟ وآه.. يا قفايا.. قصدي يا دماغي.
جاسر وقف بسرعة وفرحة: حمد الله على السلامة يا حبيبتي! أنا آسف جداً، أنا اللي خبطتك بالعربية.. أنتِ كويسة؟ حاسة بحاجة؟
​إنجي بصت له وتنحت في وسامته وشياكته رغم التعب، وقالت بعفوية وطريقتها الكوميدية: هو أنت اللي خبطتني؟ طب الحمد لله إن اللي خبطني مُز زيك مش سواق ميكروباص يعاهمني! بس تليفوني فين؟ ماما وعين زمانهم قالبين الدنيا عليا!
جاسر ابتسم غصب عنه على كلامها وطريقتها رغم التعب، وطلع تليفونه بسرعة: تليفونك اتكسر يا حبيبتي، خدي كلميهم من تليفوني وطمنيهم.
​إنجي أخدت التليفون وحفظت رقم عين، وطلبت الرقم.
في المعمل، تليفون عين رن برقم غريب، فتحت بصوت دبلان: ألو؟
وجالها صوت إنجي: ألو.. عين؟ أنا إنجي يا عين!
عين وقفت فجأة في المعمل والتليفون كان هيقع من إيدها، وصرخت بدموع وفرحة هزت المكان: إنجي؟! أنتِ فين يا بنتي؟! جرالك إيه؟! ماما هتموت عليكي!
​إنجي: اهدى يا عين أنا كويسة، بس في أستاذ كمل معايا الواجب وخبطني بالعربية، وأنا دلوقتي في مستشفى (...) في الدقي، تعالى خدينا بسرعة قبل ما بابا يعرف وييجي ياخد تعويض من الراجر الغلبان ده!
​عين قفلت السكة وهي بتترعش وبصت لـ فادي: إنجي في المستشفى يا فادي! مخبوطة بالعربية!
فادي مسك إيدها بسرعة: طب يلا بينا حالاً!
يارا: أنا جاية معاكم مش هسيبكم!
​الثلاثة جريوا وخرجوا من الشركة بأقصى سرعة، وفي نفس الوقت يعقوب كان جاي يطمن على جاسر في المستشفى.
​عين وفادي ويارا وصلوا المستشفى، وعين كانت بتجري في الطرقة زي المجنونة ودموعها مغرقة وشها وهي بتسأل على أوضة إنجي، وفجأة وهي بتجري.. اتخبطت في صدر قوي وعريض، ورفعت عينيها لقت قدامها يعقوب واقّف بوقاره وهيبته!
​يعقوب اتصدم لما شاف عين في المستشفى ودموعها مغرقة وشها، وعين بصت له برعب واستغراب: دكتور يعقوب؟! حضرتك بتعمل إيه هنا؟
يتبع 
تعليقات



<>