رواية رصيف نمرة خمسة الفصل الخامس5والاخير بقلم ديدي
جريت ناحيتها من غير ما أحس بنفسي، وقعت على ركبتي جنبها، ورفعت راسها بإيديا وأنا قلبي بيترعش
كنت بنادي عليها، لكن مفيش أي رد
ـــ دينا... دينا افتحي عينيكي...
بالله عليكي ردي عليا
من غير ما أضيع ثانية، شلتها بين إيديا، وجريت بيها على عربيتي
فتحت الباب وحطيتها على الكرسي اللي جنبي بكل حرص، وركبت بسرعة
إيديا كانت بترتعش وأنا بدور العربية، لكن أول ما دارت... دست بنزين بكل قوتي
الطريق كان قدامي مش واضح، مكنتش شايف غير وشها
كل شوية أبصلها وأقول بصوت مخنوق:
ـــ استحملي... خلاص وصلنا... متسيبنيش
وصلت المستشفى في دقايق، نزلت من العربية وشلتها تاني، ودخلت الطوارئ
صوتي خرج عالى :
ـــ حد يلحقنا! بسرعة... حد يجيب دكتور!
الممرضين جريوا ناحيتنا، ولما حاولوا ياخدوها من إيدي، لقيت نفسي ماسك فيها أكتر
"كنت حاسس إن أول ما هسيبها... هتضيع مني."
خدوها من بين إيديا وحطوها على الترولي، وأنا ماكنتش قادر أسيبها
فضلت ماشي جنبها لحد باب أوضة العمليات
الممرض وقفني، وسحب الترولي لجوه، والباب اتقفل قدامي
وقفت مكاني ثواني... مبستوعبش
بعدين رجليا خانتني، وقعدت على أول كرسي في الممر
إيديا كانت لسه بتترعش، وعلى هدومي كان لسه في آثار دمها
كنت باصص لباب العمليات... ومستني أي حد يخرج ويقولي إنها بخير
الدقايق كانت بتمشي ببطء قاتل
كل ثانية كانت كأنها ساعة كاملة
وفجأة، سمعت صوت خطوات كتير جاية بسرعة في آخر الممر
رفعت راسي، ولقيت العيلة كلها وصلت
جدي، وأبويا، وشمس، والباقي... كلهم كانوا باين عليهم الرعب
شمس أول ما شافتني بالحالة دي، حطت إيديها على بقها، ودموعها نزلت من غير ما تتكلم
أما أبويا، فقرب مني بسرعة، وملامحه كلها توتر، وحط إيده على كتفي وهو بيسأل بصوت مهزوز:
ـــ يونس... طمني... إيه اللي حصل؟ دينا مالها؟
بصيتله...
حاولت أتكلم
لكن لأول مرة في حياتي... الكلمات خذلتني
بلعت ريقي بصعوبة، وبصيت لباب العمليات، وقلت بصوت مكسور:
ـــ كانت جاية ناحيتي... وفجأة عربية خبطتها...
سكت...
وحسيت إن نفسي بيتقطع وأنا بكمل:
ـــ وأنا... وأنا ملحقتش أنقذها
العيلة كلها سكت
محدش كان عارف يقول إيه.
شمس كانت بتعيط، أما جدي فكان باصص لباب العمليات كأنه بيحارب خوفه.
وفجأة...
سمعنا صوت خطوات تقيلة جاية ناحيتنا.
لفيت، ولقيت اتنين من الشرطة داخلين الممر.
وقف واحد منهم قدامي مباشرة، وقال بصوت هادي لكن جاد:
ـــ حضرتك يونس الرويلي؟
هزيت راسي من غير ما أتكلم.
بصلي ثواني، وبعدين قال:
ـــ إحنا قدرنا نمسك صاحب العربية.
حسيت قلبي وقف.
قربت منه خطوة بسرعة وسألته:
ـــ مين؟
الظابط رد من غير تردد:
ـــ شاب اسمه... حمزة.
أول ما الاسم خرج من بقه، حسيت الدنيا اسودت قدامي.
افتكرت خوف دينا...
افتكرت وهي بتقولي: (أنا خايفة يا يونس...)
قبضت إيدي بغضب، وسألته بصوت عالي:
ـــ عمل كده ليه؟!
الظابط أخد نفس وقال:
ـــ في التحقيقات الأولية اعترف إنه كان متابع الآنسة دينا من وقت ما رجعتوا من أسوان... وكان مستني الفرصة دى.
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
لكن الظابط مكملش...
بص حواليه على العيلة كلها، وقال الجملة اللي خلت الكل يتجمد:
ـــ واعترف كمان إن كان في حد بيساعده... ويدي له أخبارها وتحركاتها.
جدي اتكلم لأول مرة:
ـــ مين؟
الظابط سكت ثانية...
وبعدين قال:
ـــ بنت عم دينا ... راية.
العيلة كلها اتصدمت
شمس شهقت وحطت إيديها على بقها.
وأبويا قال بعدم تصديق:
ـــ راية؟!
الظابط هز راسه وقال:
ـــ أيوه... واعترفت إنها كانت بتبعتله مكان دينا وتحركاتها... وآخر مكالمة بينهم كانت قبل الحادث بدقايق.
حسيت إن رجلي مش شيلاني.
راية...
هي اللي كانت السبب؟
رفعت عيني للظابط، وصوتي خرج بارد بطريقة حتى أنا خوفت منها:
ـــ هي فين دلوقتي؟
رد بهدوء:
ـــ تم التحفظ عليها... وهي موجودة تحت التحقيق.
بصيت لباب العمليات.
وبعدين بصيت للأرض.
في نفس اللحظة...
نور أوضة العمليات انطفى.
أول ما باب أوضة العمليات اتفتح...
الدكتور خرج وهو بيشيل الكمامة من على وشه، وكلنا اتجهت أنظارنا ليه.
قلبي كان بيدق بسرعة، ومكنتش قادر أستنى ثانية زيادة.
قربت منه بسرعة وسألته:
ـــ دينا... عاملة إيه؟
بصلي لحظة، وبعدها ابتسم ابتسامة هادية وقال:
ـــ اطمن... الحمد لله، حالتها مستقرة وبقت كويسة.
الكلمة دي لوحدها كانت كفاية ترجعلي النفس.
حسيت إني لأول مرة من ساعة الحادث قادر أخد نفس طبيعي.
ورايا، شمس انفجرت في العياط وهي بتحمد ربنا، وأبويا غمض عينه وقال بصوت متأثر:
ـــ الحمد لله... الحمد لله.
الدكتور كمل وهو بيشرح بهدوء:
ـــ كان عندها كسر في رجلها وبعض الكدمات وإصابة بسيطة في الرأس، لكن الحمد لله قدرنا نسيطر على كل حاجة، والخطر عدى.
بلعت ريقي وسألته بسرعة:
ـــ هتفوق إمتى؟
رد بابتسامة مطمنة:
ـــ هي دلوقتي تحت تأثير البنج، وإن شاء الله خلال شوية هتفتح عينيها... ومفيش داعي تقلقوا.
رجعت بصيت لباب أوضة العمليات.
وأول مرة من ساعة ما شفتها وهي بتقع قدامي...
حسيت إن ربنا ردلي روحي تاني.
═ ═ ═ ═ ═ ═ ═ ═ ═ ═ ═ ═
عدى وقت طويل...
وقت كفاية يغير ناس كتير... ويشفي جروح كنت فاكرة إنها عمرها ما هتخف.
ست سنين كاملة.
ست سنين من يوم ما فتحت عيني في المستشفى، ولقيت يونس أول وش شوفته.
بعد الحادث بأيام، التحقيقات كملت، والشرطة كانت عايزة تحبس حمزة وراية.
لكن أنا...
كنت تعبت.
تعبت من الخوف، ومن الكره، ومن إني أفضل عايشة في نفس الدائرة فـ تنازلت عن المحضر.
يونس وقتها كان معترض.
كان شايف إنهم لازم يتحاسبوا.
لكن أنا قولتله:
ـــ أنا عايزة أبدأ من جديد من غير كره
بصلي وقتها، وسكت.
ولأول مرة حسيت إنه فهمني من غير ما أشرح.
أما راية وحمزة اتجوز، وخلفوا بنوته .
وشمس اتجوزة وخلفة ولد وسمتها يونس .
أما أنا...
فربنا كتبلي الطريق اللي عمري ما كنت أتخيله.
بعد الحادث بشهر ، يونس طلب إيدي.
فاكرة اليوم ده كأنه امبارح.
اتجوزنا.
ومن يومها وأنا فهمت يعني إيه يبقى عندك بيت... وسند... وأمان.
يونس عمره ما كان بيعرف يعبر بكلام كتير.
لكن كل تصرف منه كان بيقول إنه بيحبني.
وبعد فترة .
ربنا رزقنا ببنوته.
لما شلتها أول مرة، بصيت ليونس ولقيته بيعيط.
ضحكت عليه ساعتها.
ضحك وسط دموعه وقال:
ـــ أول مرة أحس إن الدنيا ادتني كل حاجة كنت محتاجها.
سميناها... عسل .
كانت نسخة صغيرة من الفرح.
القصر اللي زمان كان مليان أسرار وخوف...
بقى مليان ضحك وجري ولعب أطفال.
و فـ يوم فى وقت المغرب كان هادي ....
الشمس بتسلم آخر نور ليوم طويل، والهوى داخل من البلكونة كأنه بيرتب المكان بهدوء.
كنت قاعدة على الكنبة، وعسل بنتي نايمة نص نومها في حضني…
و يونس كان قاعد قصادي، ماسك فنجان قهوته، وبيبصلنا بابتسامة هادية… الابتسامة اللي دايمًا بتحسسنى إنى في أمان.
عسل فجأة فتحت عينيها وبصتله… وبصوت طفولي ناعم قالت:
ـــ بابا…
يونس قام بسرعة كأنه مستني اللحظة دي، قعد جنبنا على الكنبة، وباس جبينها بهدوء.
"عسل مسكت في إيده وقالت ببراءة:
ـــ احكيلي قصة…
يونس ضحك بخفة وبصلي .
قرب منها شوية وقال:
ـــ عايزة تسمعي إيه النهارده يا قلب بابا؟
ردت وهي بتفكر:
ـــ حكاية حلوة… عن ربنا.
يونس ابتسم وهو بيحط إيده على شعر عسل بهدوء، وقال بصوت دافي:
ـــ حاضر يا قلب بابا… هنحكي النهارده عن سورة صغيرة بس معناها كبير قوي.
عدّل قعدته وقال:
ـــ سورة الإخلاص يا عسل، دي سورة بتتكلم عن ربنا سبحانه وتعالى… يعني بتعرفنا مين هو ربنا.
عسل بصتله بتركيز وهي ماسكة في إيده:
ـــ يعني إيه يا بابا؟
يونس ابتسم وقال:
ـــ يعني ربنا واحد… مفيش غيره، ومحدش شبهه خالص.
وبص ناحيتها كمل بهدوء:
ـــ "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" يعني قول يا محمد إن ربنا واحد، مش اتنين ولا تلاتة… واحد بس.
سكت لحظة وبعدين كمل:
ـــ "اللَّهُ الصَّمَدُ" يعني ربنا هو اللي بنلجأ له في كل حاجة، مش محتاج لحد، وكلنا محتاجينه.
عسل هزّت راسها كأنها بتفهم، فابتسم وقال:
ـــ "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" يعني ربنا مش زي أي حد فينا… ملوش أولاد، ومجاش من حد، هو الأول من غير بداية.
وبص لها بحنان وقال:
ـــ "وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ" يعني مفيش أي حد في الدنيا كله شبه ربنا… ولا في قوته ولا في عظمته.
سكت شوية وبعدين قال بصوت هادي قوي:
ـــ يعني يا عسل… سورة الإخلاص بتعلمنا إن ربنا واحد، كبير قوي، بيحمينا وبيسمعنا دايمًا.
عسل ابتسمت وقالت ببراءة:
ـــ يعني ربنا بيحبنا؟
يونس ابتسم ومسح على شعرهاوقال بهدوء:
ـــ أيوه… وربنا دايمًا أقرب لينا من أي حد، وبيحافظ علينا حتى وإحنا مش واخدين بالنا
بعد ما عسل نامت ، سيبتها في أوضتها بهدوء،
وغطّيتها كويس وبُست رأسها وانا ببتسم .
خرجت لقيت يونس مستنيني، ساكت زي عادته، بس عينه كانت بتطمنّي من غير كلام.
نزلنا سوا، وطلعنا على الرصيف اللي قدام القصر… المكان كان هادي جدًا، والليل نازل بهدوء كإنه بيحاول يهدي اللي جوانا.
قعدنا على المقعدة ، وأنا ساندت ضهري شوية .
مفيش كلام كتير، بس وجوده جنبي كان كفاية يخليني أهدى.
من غير ما احس ، لقيت نفسي بميل براسي عليه… سندتها على كتفه بهدوء.
حسيت إنه اتفاجئ لحظة صغيرة، وبعدين ما اتحركش، بالعكس كأنه ثبت أكتر عشان يخليني أرتاح.
اتنهدت وأنا عيني بتتقفل نص قفلة، وقلت بصوت واطي:
ـــ أخيرًا اليوم خلص …
سكتنا شوية، وصوت الهوا حواليّ كان هو الوحيد اللي بيتسمع.
حسيت بإيده بتتحرك بهدوء وبتشد على إيدي، حركة بسيطة بس دافية قوي.
بصيت قدامي وأنا لسه مسندة عليه، وقلت بهمس:
وَمَا كُنتُ أُبْصِرُ غَيْرَ طَرِيقِي .. فَبَصَّرْتَنِي بِكَ دُنْيَا الأَمَانِ ❤️
تمت
