رواية فستقي المحبوب الفصل الخامس5 بقلم هاجر سلامة
خرجت دلال من الحمام والشرار يتطاير من عينيها العسلية. مسحت يديها بفوطة ورقية وهي تبتسم ابتسامة مكرة: "بقى أنتوا عايزين تلبسوني تهمة؟ ماشي يا جيهان يا صفرا أنتي وشاهيناز الحرباية.. وربنا لأسود عيشتكم، والبادئ أظلم!"
عادت دلال إلى المكتب وجلست خلف مكتب السكرتارية الفخم، وبدأت تتظاهر بالانشغال في الأوراق وهي تضع خطتها الجهنمية. كان فارس يجلس في مكتبه بالداخل، يتابع الكاميرات ويراجع بعض العقود، وعيناه تزيغان كل فترة نحو الشاشة التي تعرض مكتب دلال بالخارج، مستمتعاً بملامح وجهها التي تتغير كل ثانية كأنها تخطط لغزو عالمي.
بعد ساعة، انتهزت "جيهان" الفرصة، ومسكت ملفاً فارغاً ودخلت به إلى ممر الإدارة العليا، عازمة على الدخول لفارس بحجة العمل لكي تتقرب منه وتغيظ دلال. لمحتها دلال وهي تقترب بتمطط ودلع مستفز.
دلال في سرها: "جت رجلك يا حلوة.. وريني بقى هتعملي إيه."
انتفضت دلال من مكتبها بسرعة الصاروخ، ودخلت مكتب فارس قبل أن تصل جيهان بثوانٍ. فارس رفع رأسه بدهشة وهو يراها تندفع نحو مكتبه وعيناها تلمعان بخبث طفولي.
فارس برفع حاجب: "جرى إيه يا لِمضة؟ داخلة كأن البوليس بيجري وراكي ليه؟"
دلال لم تجبه، بل اقتربت من كرسيه وبحركة سريعة ومفاجئة، انحنت فوقه تماماً، وأمسكت بياقة قميصه الأسود كأنها تعدلها، وأصبحت أنفاسها الدافئة تلامس وجهه. فارس اتسعت عيناه بصدمة، وقلبه دق دقة عنيفة من قربها المفاجئ، وامتزجت رائحة الياسمين المنبعثة منها برائحة عطرها الرجولي القوي.
في هذه اللحظة بالذات، انفتح الباب ودخلت جيهان وهي تقرأ بصوت عالٍ ودلع: "فارس بيه.. أنا جبت لحضرتك ملف المناقـ..."
تسمرت جيهان في مكانها، وسقط الملف من يدها على الأرض بصدمة. كانت دلال شبه حاضنة لفارس، ووجههما قريب جداً من بعضهما!
دلال التفتت ببطء شديد وتظاهرت بالارتباك اللطيف، ثم نظرت لجيهان بابتسامة مستفزة وقالت: "أوبس! سورري يا جيهان.. مخدتش بالي إنك دخلتي. أصل فارس حبيبي كان قميصه متبهدل شوية، وأنا كزوجة مطيعة ميرضينيش ينزل هيبته قدام الموظفين.. صح يا فستقي؟" وفمزت لفارس بطرف عينها.
فارس في البداية كان مذهولاً، لكنه بمجرد أن رأى وجه جيهان الذي تحول إلى اللون الأزرق من الغيظ، ورأى غمزات دلال المضحكة، فهم اللعبة فوراً! كتم ضحكته الرجولية بصعوبة، وقرر أن يجاريها بل ويزيد من الجرعة.
فارس وضع يده على خصر دلال برقة وغمز لها هو الآخر قائلاً بصوت دافئ ورخيم: "تسلم إيدك يا روحي.. طول عمرك بتاخدي بالك من تفاصيلي. شوفي الآنسة جيهان عايزة إيه عشان تفضل لنا قعدتنا."
جيهان كانت تشعر وكأن أحداً يسكب فوق رأسها مياه مغلية! دبدبت في الأرض وجمعت أوراقها بغيظ أعمى وصرخت: "مفيش حاجة! نسيت الورق التاني برة!" وخرجت ورزعت الباب خلفها بقوة كادت تكسر الزجاج.
بمجرد إغلاق الباب، نفضت دلال نفسها بسرعة وحاولت الابتعاد، لكن يد فارس كانت ما زالت تحيط بخصرها ولم يتركها.
دلال بكسوف ووجنتين مشتعلتين: "احم.. سيب يا فارس خلاص، الحرباية مشيت."
فارس ضحك بصوت عالٍ هز أركان المكتب، ونظر في عينيها العسلية بخبث: "الحرباية مشيت.. بس انا قلبي تاذى من حركاتك! ممكن أفهم بقى إيه الفيلم الهندي اللي شغال من الصبح ده؟ أنتي فاكراني مش فاهم حركاتك؟"
دلال لوت بوزها بدلال وعفوية: "بصراحة كده.. هما بيحوروا عليا، وأنا قررت أربيهم بطريقتي. بس أنت طلعت فنان وبتفهمها وهي طايرة!"
فارس ابتسم بعمق وشعر برغبة عارمة في ضمها بصدق، لكنه تمالك نفسه وقال: "أنا فارس النمرود يا شاطرة.. يعني مفيش الهوا بيعدي من تحت إيدي. بس عجبني دور (فستقي) ده.. كملي، أنا معاكي في أي مصيبة."
بعد الظهر، جاء دور "شاهيناز". كانت ترتدي نظارة شمسية وتتحرك بلؤم، ودخلت المكتب وهي تحمل كوباً من القهوة الفاخرة لفارس لكي تتقرب منه وتنفذ خطتها البديلة لسرقة بعض الأوراق الأخرى.
دلال رأتها من بعيد وهي تدخل بتبختر. ضحكت دلال في سرها: "أهلاً بالضحية الثانية!"
دخلت شاهيناز المكتب دون استئذان وقالت بدلع: "فارس يا حبيبي.. عملت لك القهوة المظبوطة اللي بتحبها بإيدي."
وفجأة، وبدون مقدمات، ظهرت دلال من خلف الكرسي الخاص بفارس، وانحنت على كتفه، ومسكت القلم من إيده وهي بتقول بنبرة طفولية ناعمة: "فارس.. الخط ده مش واضح، قولي الكلمة دي إيه؟" وبشكل متعمد، التفتت ونظرت لشاهيناز بدهشة مصطنعة: "أوه.. شاهيناز! كتر خيرك والله تعبتي نفسك.. بس فارس مبيشربش قهوة من إيد حد غيري من يوم ما اتجوزنا، هاتيها أنا هشربها بداله!"
شاهيناز كادت جلطة تصيبها في مكانها! نظرت لفارس بلهفة تتوقع منه أن يوبخ دلال، لكنها وجدت فارس يسند ظهره للخلف، ويضع يده حول كتف دلال بامتلاك كامل، ويقسم ملامحه بابتسامة ساحرة هزت كيان شاهيناز غيرة.
فارس بنبرة لئيمة ومستمتعة: "معلش يا شاهيناز.. دلال عندها حق، أنا مبقتش أستطعم أي حاجة إلا من إيدها. خدي القهوة اتفضلي، ومفيش داعي تدخلي مكاتب الإدارة تاني من غير إذن السكرتيرة.. قصدي مراتي."
شاهيناز وشها جاب ألوان الطيف، وضغطت على كوب القهوة بغل وهي بتبص لدلال بنظرة وعيد وشر: "ماشي يا فارس.. مبروك عليك السكرتيرة الجديدة!" وخرجت وهي بتبرطم وتتوعد بخراب البيت كله.
أول ما خرجت، دلال لفت لفارس وضربت كفها بكفه وهي بتضحك من قلبها: "كفك يا زميلي! قصف جبهة ثلاثي الأبعاد!"
فارس مسك إيدها ومسابهاش، ونظر لعيونها بجدية ممزوجة بحنان غريب: "اللعب معاهم حلو وممتع.. بس أوعي تنسي إن اللعب معايا أنا له حساب تاني خالص يا دلال.. وقلبي اللي أنتي عمالة تخبطي عليه من الصبح ده، حسابه هيبقى تقيل أوي لما يقرر يفتح الباب!"
دلال سكتت فجأة، وحست بكهربا مشيت في جسمها كله، وعينيها العسلية تاهت في سواد عينيه. في اللحظة دي، بدأت مشاعر حقيقية تتولد جواها من غير ما تحس، وبدأ الفارس يتحول من مجرد "هرب من الدار" لحاجة تانية خالص!
الخامس
فستقي المحبوب
الكاتبة هاجر سلامة
السادس
بعد ما شاهيناز خرجت وهي بتولع من الغيظ، ساد الهدوء في مكتب فارس الفخم.
دلال كانت لسه واقفة قريبة منه، ووشها أحمر من الكسوف بعد الكلام اللي قاله لها. فارس سحب كرسي مريح وقعد عليه، وبص لدلال بنظرة دافية ومريحة جداً، وشاور لها تقعد على الكرسي اللي قدامه.
فارس بابتسامة هادية: "اقعدي يا دلال.. سيبي بقى اللعب مع الحربايات على جنب، وعايز أتكلم معاكي بجد شوية."
دلال قعدت وحطت إيدها في حجرها بتوتر وهي بتبص لعيونه السودا: "نعم يا فارس.. في حاجة في الشغل؟"
فارس سهد في ملامحها البريئة النظيفة من غير أي مساحيق، وقال بنبرة هادية: "لا.. برا الشغل. قولي لي يا دلال.. أنتي عندك كام سنة؟"
دلال لوت بوزها بلطف طفولي: "عندي عشرين سنة."
فارس برّق عينيه بذهول خفيف، وبعدين ضحك بصوت واطي جذاب: "عشرين سنة؟ يا نهار أبيض.. ده أنتي صغيرة أوي يا دلال! أنا عندي 33 سنة.. يعني أكبر منك بـ 13 سنة بحالهم! أنتي لسه طفلة بنسبالي." وبعدين سكت ولفت نظرة دافية لعيونها العسلية وكمل بصوت رخيم: "بس صغيرة وحلوة أوي بصراحة.. جمالك ملوش حل."
دلال أول ما سمعت الكلمة دي، وشها بقا أحمر زي الطماطم، وحست بقلبها هيطلع من ضلوعها من الكسوف، ووطت راسها في الأرض وهي مش عارفة ترد تقول إيه من كتر اللخبطة.
فارس ابتسم على كسوفها وكمل سؤاله بجدية واهتمام: "طب قولي لي.. معاكي كلية إيه؟ أو بتدرسي في إيه؟"
دلال ابتسامتها اختفت وحست بغصة في حلقها،
ونظرت للأرض بحزن: " انا عايزة قولك حاجة انا بنت يتيمة جيت من دار الاتيام بشرط اني تجوزك علشان جيهان مكنتش مواقفة اضطرت وافق علشان اهرب من العذاب اللي كنت بعيشه يعني انا مش بنت عم جيهان ولا حاجة ومش معايا كلية.. أنا مكملتش تعليمي. كنت شاطرة جداً في المدرسة وكان نفسي أدخل كلية إدارة أعمال عشان أفهم في الشركات الكبيرة دي، بس.. الظروف في دار الأيتام مكنتش بتسمح، والمديرة كانت بتشغلنا وبتمنعنا من التقديم في الجامعات."
فارس حرك فكه بغضب وعروق إيده برزت لما افتكر الأيام الصعبة اللي شافتها، وحس برغبة قوية إنه يحميها من أي حزن.
دلال اتنهدت وقالت بنبرة راضية: "الحمد لله.. نصيب ومكتوب."
فارس وقف بطوله الفارع واقترب منها ببطء، وملامحه اتحولت لإصرار وقوة، وقال بصوت حاسم يطمن: "مفيش حاجة اسمها نصيب يقف لحد هنا يا دلال.. طول ما أنا عايش وعلى وش الدنيا، مفيش حلم ليكي هيتمسح. أنا قررت إني هقدملك فوراً في أكبر كلية إدارة أعمال في مصر، وهتدرسي وتكملي تعليمك واياكي تقولي انك يتيمة تاني فاهمة ."
دلال رفعت عينيها العسلية واسعة بصدمة وفرحة مش سايعاها: "بجد يا فارس؟! بتتكلم بجد؟"
فارس قرب منها أكتر، وبحركة مفاجئة وسريعة سحبها من خصرها الممشوق لارتكازه، وضمها ليه وهو بيبص في عيونها المصدومة، وغمز لها بخبث كوميدي ووسامة تذوب الصخر: "بجد جداً كمان.. ونفس الوقت هتفضلي تشتغلي معايا هنا في المكتب مساعدة غصب عنك، وأهو تاخدي خبرة عملية وتقيلة من الفارس شخصياً.. هاه؟ قولي لي بقى، مين قدك؟ هتبقى دراسة وشغل وحب.. احم، أقصد خبرة!"
دلال تاهت تماماً في عينيه، وفي اللحظة دي بالذات، اعترفت لنفسها بشكل قاطع ونهائي: "أنا وقعت في حب الراجل ده.. أنا بقيت بعشقه بجد مش تمثيل!"
في نفس الوقت، وفي كافيه قريب من الشركة، كانت "شاهيناز" قاعدة مع "جيهان"، والشرار بيطلع من عيونهم هما الاتنين بعد القلم اللي خدوه من دلال وفارس في المكتب.
شاهيناز وهي بتخبط على التربيزة بغل: "أنا مش هسكت يا جيهان! البت الشحاتة دي خلاص لفت على فارس وفارس بقا خاتم في صباعها! دي كانت واقفة حاضناه في المكتب وبتغيظنا عيني عينك! وفارس الغبي بيجاريها ويضحك لها!"
جيهان وهي بتعض في ضوافرها من كتر الغيظ والندم: "والعمل؟ البت دي لو فضلت كده، فارس مستحيل يسيبها و احنا لازم نخلص منها فوراً!"
شاهيناز لمعت عينيها بشر وخباثة وقربت من جيهان وقالت بصوت واطي: "بصي بقى.. أنا عرفت إن فارس حاطط شيكات بملايين في الخزنة الصغيرة اللي في مكتبه، والخزنة دي مفيش حد بيدخل الأوضة بتاعتها غيره.. ودلوقتي دلال بحكم إنها المساعدة الجديدة. أنا هروح الفيلا بالليل وأحاول ألطش مفتاح الخزنة من جيب جاكتة فارس، أو أخليه ينساه في المكتب، وناخد الشيكات دي ونخبيها في مكتب دلال أو في حاجتها الشخصية.. ونقول إنها هي اللي سرقتهم عشان تهرب بيهم! وساعتها فارس مستحيل يسامحها، وهيحبسها بإيده بتهمة السرقة !"
جيهان ضحكت بشر وشماتة: "يا يخرب بيت أفكارك يا شاهيناز! دي خطة متخرش المية! وساعتها دلال هتروح السجن .. وفارس يرجع لنا!"
رجع فارس ودلال الفيلا بالليل، ودلال كانت طايرة من الفرحة بسبب قرار الكلية، وفارس كان بيراقب فرحتها بابتسامة دافية. لكن مع دخولهم، كانت شاهيناز واقفة في الصالة وبتخطط لسرقة المفتاح وتنفذ المؤامرة!
