
رواية زهرة في جوف العتمه الفصل السادس6 بقلم نور محمد
مليون جنيه حتة واحدة؟ الباشا اتجنن ولا إيه يا معلم؟ ده إحنا لو بنجيب راس وزير مش هيندفع فيها الرقم ده!"
"وطي صوتك يا غبي! الباشا ميدفعش مليون جنيه في حتة عيل فلاح وبت متغطية إلا لو وراهم كنز.. أو مصيبة تطير فيها رقابنا كلنا! انشروا صبيانكم في كل خرم إبرة في رمسيس، السبتية. العيال دي ملحقتش تبعد، وأكيد مستخبيين في جحر هنا ولا هنا. اللي يلمحهم يبلغني فوراً، والمليون جنيه دي هتخلي القاهرة كلها تدور معاهم. يلا اتحركوا، مش عاوز أشوف وشكم غير والواد ده متكتف!"
الكلمات دي كانت بتتردد زي فحيح الأفاعي في قهوة بلدي مقفولة في حواري السبتية المظلمة.
شبكة كاملة من البلطجية، والمرشدين، والنشالين، وحتى الشحاتين، اتجندت في لحظة عشان تصطاد أيوب وفتنة.
القاهرة، الغابة القاسية، كشرت عن أنيابها، والعيون بقت بتبص في كل زاوية، بتدور على الجايزة الكبرى اللي ماشية على رجلين.
في نفس الوقت، وفي الدور الأخير من "لوكاندة السعادة" المتهالكة، كان المشهد مختلف تماماً. مشهد مليان بوجع يقطع نياط القلب، وحنية تتوزن بالدهب.
الشمس بدأت تطلع، ونورها الخافت اتسرب من شقوق الشباك الخشب عشان ينور الأوضة الكئيبة. أيوب مكنش بيتحرك. جسمه القوي اللي كان بيتحمل شغل الفاس من الفجر للمغرب، انهار تماماً.
جرح راسه اللي اتلوث من تراب القطر وعرق الهروب، التهب بشدة. حرارته ارتفعت لدرجة إن جسمه كان بيطلع صهد زي الفرن، وعرق بارد كان مغرق وشه. كان بيترعش بعنف، وبيهذي بكلمات مش مفهومة، كأنه في عالم تاني بين المو*ت والحياة.
فتنة كانت قاعدة جنبه على الأرض الباردة، ضامة ركبها لصدرها، وبتبصله برعب. الرعب المرة دي مكنش من العتمة، ولا من الكلاب، ولا من الصوت العالي. الرعب المرة دي كان من فكرة إن "النور" الوحيد اللي في حياتها ممكن ينطفي.
بالنسبة لفتنة، الموت والحيا كانت مفاهيم غامضة. في البدروم الضلمة، كانت بتشوف الحشرات بتمو*ت، بتشوف الفيران حركتها بتبطأ لحد ما تسكن خالص وتتحول لشيء بارد مبيتحركش.
كانت عارفة إن السكون ده معناه النهاية. ولما شافت أيوب بيسكن، ونفسه بيضيق، وحرارته بتعلى، غريزتها صرخت جواها بإن في خطر حقيقي بيسرق منها الراجل اللي حماها.
"أيوب.." همست بصوت باكي وهي بتمد إيدها المرتجفة تلمس خده. أول ما لمسته، سحبت إيدها بسرعة من كتر السخونية. "نار.. أيوب نار."
حاولت تكرر اللي عملته بالليل. جابت القماشة المبلولة، وبدأت تمسح على وشه. بس المرة دي الماية اللي في الحوض الصغير كانت قطعت.
القماشة نشفت، وأيوب حرارته مبتنزلش. كان بيئن بو*جع مكتوم، وراسه بتتحرك يمين وشمال على المخدة الخفيفة.
"يا أُمي.. ادعيلي يا أُمي.. الأمانة تقيلة.. تقيلة أوي يا رب.." كان بيهذي بصوت مبحوح متقطع.
فتنة مكنتش فاهمة كلامه، بس نبرة الألم في صوته كانت بتذ*بحها. حست بالعجز، نفس العجز اللي كانت بتحسه وهي مربوطة في الضلمة والكلاب بتهوهو عليها. بس المرة دي هي مش مربوطة بالسلاسل، هي مربوطة بقلب الراجل اللي نايم قدامها ده.
الصراع الجبار اللي حصل جوه عقل البنت دي. فتنة، اللي بتترعب من صوت الهوا العالي، اللي بتخاف من خيالها في المراية، اللي مجرد فكرة الخروج من باب الأوضة بالنسبة لها زي الإعدام، لقت نفسها مضطرة تواجه العالم اللي بره.
لو فضلت جنب أيوب، أيوب هيمو*ت. لازم تجيب ماية، لازم تجيب حاجة تبرد ناره.
قامت من مكانها ببطء، رجليها كانت بتخبط في بعضها من الخوف. راحت ناحية الباب الخشب المقفول.
مدت إيدها تفتحه، بس سحبتها تاني بسرعة كأن الباب مكهرب. وقفت تعيط بصمت، دموعها بتنزل زي الشلال على خدودها. لفت وبصت لأيوب اللي رعشته زادت، وشه بقى أصفر شاحب، وشفايفه ازرقت.
الصورة دي كانت الدافع الأخير. مسكت العباية السودة اللي على الأرض، ولبستها. رفعت الطرحة لفتها حوالين راسها ووشها ومسابتش غير عينيها. مدت إيدها المرتجفة، وفتحت ترباس الباب.
صوت الترباس وهو بيزيق كان عامل زي طلقة رصاص في هدوء السطوح.
فتحت الباب حتة صغيرة، وبصت بره. الطرقة كانت ضلمة وهادية. خرجت خطوة، وبعدين التانية.
كانت بتمشي ساندة ضهرها على الحيطة، زي القطة الخايفة اللي بتستكشف مكان غريب وموحش. وصلت لبداية السلم اللي بينزل للدور التاني.
السلم كان ضيق وخشب مكسر. كل خطوة كانت بتعمل صوت بيخلي قلبها ينط من مكانه.
نزلت الدور التاني. الريحة هنا كانت مختلفة.. ريحة سجاير. كان في صوت تلفزيون واطي جاي من عند مكتب الاستقبال اللي قاعد عليه "عم أمين"، الراجل العجوز بتاع اللوكاندة.
عم أمين كان قاعد بيشرب شاي، وعينه على شاشة التلفزيون الصغير، لما فجأة حس بحركة خفيفة أوي. لف وشه، واتخض خضة خليته يدلق الشاي على هدومه.
كانت واقفة بعيد عنه بخطوتين، متغطية بالسواد من ساسها لراسها، كأنها طيف أو شبح. عينيها الخضرا كانت بتبصله من تحت الطرحة بنظرة فيها رعب الدنيا، ودموع متجمده، واستغاثة مبكيه.
"بسم الله الرحمن الرحيم.. إنتي مين يا بنتي؟ ونزلتي هنا إزاي كأنك ماشية على الهوا؟" قالها عم أمين وهو بيمسح هدومه وبيحاول يستوعب.
فتنة مكنتش بتعرف تتكلم جمل مفيدة، مصطلحاتها مكنتش تتعدى الكام كلمة اللي سمعتهم من أيوب، أو اللي محفورين في ذاكرتها من الطفولة.
مدت إيدها اللي بتترعش، وفتحت كفها قدامه. كان فيها فلوس من اللي أيوب سابها في الأوضة، وحتة القماشة اللي مليانة من دم أيوب.
"أيوب.. نار.. ماية مفيش.. أيوب هيمو*ت."
الكلمات طلعت منها متكسرة، بتشهق وهي بتقولها، وصوتها كان ضعيف جداً كأنه جاي من بير.
عم أمين بصلها بذهول. بص للقماشة المد*ممة، وبص للفلوس. عقله ربط الخيوط بسرعة. دول العيال اللي أجروا الأوضة إمبارح الفجر، الواد اللي كان ساند على الحيطة وراسه بتنزف.
"الواد الغفير.. تعبان؟" سأل عم أمين وهو بيقرب منها خطوة.
فتنة رجعت خطوتين لورا بسرعة وهي بتكش في نفسها. عم أمين رفع إيده الاتنين كأنه بيطمنها: "متخافيش متخافيش.. مش هقربلك. الواد سخن؟ عاوز ماية ودوا؟"
هزت راسها بقوة والموافقة في عينيها.
عم أمين اتنهد بضيق. هو راجل غلبان، ومش عاوز مشاكل، والمنطقة كلها من الصبح مقلوبة في كلام عن مكافأة للي يلاقي شاب وبنت بالمواصفات دي.
هو كان ناوي يبلغ عنهم عشان ياخد الفلوس، بس لما شاف عينيها.. عينين فتنة مكنتش عينين مجر*مة ولا هربانة، دي عينين طفلة مرعوبة بتستنجد بيه.
لسه عم أمين هيتكلم، سمعوا صوت فرامل عربية وقفت بحدة قدام باب اللوكاندة في الشارع تحت.
وبعدها بثواني، صوت خطوات تقيلة وسريعة طالعة على السلم الأساسي للوكاندة. خطوات رجالة كتير مش واحد بس.
"يا أمين! يا زفت يا أمين إنت نايم؟" صوت غليظ شق هدوء المكان.
عم أمين لونه اتخطف. دول رجالة "عزت بيه"، بلطجية المنطقة اللي مفيش نملة بتتحرك من غير علمهم. لو شافوا البنت هنا، هيقتلو*ها ويقتلو*ا الواد فوق ويقتلوه هو معاهم.
فتنة سمعت الصوت العالي، الصوت اللي بيفكرها بالعذاب. بدأت تتنفض، وكانت هتصرخ، بس عم أمين اتحرك بسرعة بديهة عجيبة بالنسبة لسنه.
نط من ورا المكتب، حط إيده بقوة بس بحذر على بؤها عشان يكتم صرختها، وسحبها وراه في زاوية ضلمة تحت السلم الداخلي المكسور اللي بيطلع للسطوح، ورا كراكيب وصناديق فاضية.
"اكتمي نفسك! اكتمي نفسك لو عاوزة أيوب يعيش!" همس في ودنها بحدة ورعب.
فتنة حطت إيديها الاتنين على بؤها فوق إيده، وعينيها مفتوحة على وسعها بتراقب الضلمة.
الرجالة وصلوا للدور التاني. كانوا تلاتة، أشكالهم تخوف، ماسكين مطا*وي في إيديهم.
"إيه يا معلم سيد.. أهلاً وسهلاً.. خير على الصبح كده؟" عم أمين طلع من تحت السلم وهو بينفض هدومه بيعمل نفسه كان بينضف المكان.
المعلم سيد مسكه من ياقة جلبابه ورفعه: "مفيش عيال غريبة باتت عندك إمبارح؟ واد أسمر متعو*ر ومعاه بت متغطية بعباية سودة؟ انطق ياد بدل ما أشق بطنك!"
عم أمين بلع ريقه، عينه جت للحظة على الزاوية الضلمة اللي فتنة مستخبية فيها، وبعدين بص للمعلم سيد بثبات مصطنع: "عيال مين يا معلم؟ إنت عارف لوكاندتي دي مبيدخلهاش غير الصنايعية بتوع السبتية والمغتربين اللي شغالين في ورش الخشب. وبعدين أنا قفل الدفتر من إمبارح العصر ومفيش نملة دخلت. تحب أفتحلك الدفتر؟ ولا تحب تطلع تفتش الأوض الأربعة بنفسك وتصحي الصنايعية؟"
المعلم سيد زقه بقرف. "صنايعية إيه وزفت إيه! بقولك مليون جنيه طالعة في راسهم! العيال دي شمتوها في رمسيس واختفوا من ناحية . يعني مستخبيين في البلوكات دي. لو عرفت إنك مخبيهم، هحرق اللوكاندة دي بيك."
"يا معلم لو أعرف مكانهم هجيبهملك وأخد أنا المكافأة، أنا أولى بالقرشين!" قالها عم أمين بمكر عشان يقنعهم.
"شغلوا عيونكم. لو شفتوا خيالهم تبلغوني." قال المعلم سيد لرجالتهم، ونزلوا السلم وهما بيشتموا وبيرزعوا في الحيطان.
عم أمين فضل واقف مكانه لحد ما صوت العربيات اختفى من الشارع. اتنهد تنهيدة طويلة كأنه كان كاتم نفسه، وراح ناحية الزاوية الضلمة.
"اطلعي يا بنتي.. مشيوا."
فتنة طلعت وهي بتزحف، كانت بترتجف لدرجة إن أسنانها بتخبط في بعضها. بصتله بنظرة شكر عمرها ما هتتنسي.
عم أمين سحبها من إيدها، ودخل بيها أوضة صغيرة ورا المكتب كان بينام فيها. جاب قزازة ماية كبيرة، وشريط برشام خافض للحرارة ومضاد حيوي كان بيستعملهم لعضمه، وحطهم في إيدها.
"اسمعيني كويس يا بنتي، أنا معرفش إنتوا هربانين من إيه ولا عاملين إيه، بس الناس دي مش هترحمكم، ومش هيرتاحوا غير لما يقلبوا القاهرة عليكم. الواد ده تديله حباية من دي، وحباية من دي، وتعمليله كمادات ماية لحد ما يفوق. وأول ما الليل يليل.. تاخديه وتطيروا من هنا. اللوكاندة مبقتش أمان، هيرجعوا يفتشوا بالليل أوضة أوضة. فاهمة؟"
فتنة أخدت الحاجات، ضمتهم لصدرها بقوة، وهزت راسها. سابت عم أمين وطلعت تجري على السلم، مش خايفة من الضلمة ولا من الصوت، كل اللي في بالها هو أيوب.
دخلت الأوضة، وقفلت الترباس وراها. أيوب كان حالته أسوأ. نفسه كان بيشخر، ووشه كله عرق.
جريت عليه، فتحت قزازة الماية، وبلت القماشة، وبدأت تعمل كمادات بتركيز وجنون. كانت بتمسح وشه ورقابته وإيديه، وتحط القماشة على راسه الملهلبه. طلعت حباية من البرشام اللي عم أمين أدهولها، بس معرفتش إزاي تخليه يبلعها وهو غايب عن الوعي.
فكرت ثواني. جابت كوباية بلاستيك صغيرة كانت جنب الحوض، حطت فيها شوية ماية، وكسرت الحباية بإيديها لحد ما بقت بودرة ودوبتها في الماية. رفعت راس أيوب بحضنها، وفتحت بؤه بالعافية، وبدأت تسقيه الماية بالدوا نقطة نقطة عشان ميشرقش.
كانت عملية بطيئة، مرهقة، ومليانة دموع. فتنة اللي كانت محتاجة رعاية، اتحولت لممرضة ومحاربة في نفس الوقت. فضلت قاعدة جنبه أكتر من خمس ساعات متواصلة. مابتتحركش إلا عشان تبل القماشة وتغيرها. بتكلمه بصوت واطي طول الوقت:
"أيوب يعيش.. فتنة هنا.. أيوب ميسيبش فتنة."
مع دخول العصر
رعشة أيوب بدأت تقل. وحرارته بدأت تنزل بالتدريج. نفسه رجع ينتظم شوية.
فتنة حست بالتغيير. قربت وشها من وشه، وحطت إيدها على خده، كان أهدى بكتير. أغمضت عينيها براحة، وحطت راسها على صدره ونامت من التعب والإرهاق النفسي اللي عاشته.
لما الدنيا بدأت تضلم، أيوب فتح عينيه ببطء. الرؤية كانت مزغللة، بس الوجع اللي في راسه كان أخف بكتير، والدوخة راحت. حس بتقل على صدره. بص لقى فتنة نايمة بعمق، إيديها ماسكة في هدومه بقوة، وفي إيدها التانية ماسكة شريط الدوا، وجنبهم قزازة الماية.
أيوب استوعب اللي حصل. عرف إن البنت اللي بتترعب من النور والصوت، اللي عاشت 14سنة في زاوية ضلمة، سابت أمان الأوضة ونزلت واجهت الدنيا عشان تنقذه. خطرت على باله ألف فكرة مرعبة، إزاي اتصرفت؟ مين شافها؟ إزاي جابت الدوا والماية؟
رفع إيده بحنية شديدة، ومسح على شعرها. اللمسة خلتها تصحى مخضوضة. رفعت راسها بسرعة، وأول ما عينيها جت في عينه وهو فايق، ابتسمت ابتسامة نورت الأوضة الضلمة كلها.
"أيوب فاق." قالتها بصوت واضح لأول مرة، جملة كاملة بدون تقطيع.
أيوب عينيه دمعت من فرحته بيها ومن تأثير الموقف. قام سند ضهره على الحيطة، وشدها لحضنه بقوة، كأنه بيخبّيها جوه ضلوعه.
"إنتي عملتي كده يا فتنة؟ نزلتي لوحدك بره؟ إنتي بطلة.. إنتي أقوى إنسانة شفتها في حياتي." همس أيوب وصوته بيترعش.
فتنة رفعت وشها من حضنه، وبصتله بعيون مليانة تحدي ويقين: "أيوب يحمي فتنة من الضلمة.. فتنة تحمي أيوب من الموت. إحنا سوا."
للحظة، أيوب نسي كل حاجة، نسي انه مطارد، نسي جرحه ونسي الموت اللي بيطاردوهم. الكلمتين دول كانوا أعظم اعتراف سمعته ودنه في حياته.
بس اللحظة دي مكملتش. صوت خطوات عم أمين العجوز على السلم قطعت المشاعر دي. خبط على الباب بخفة وقال من ورا الباب بصوت واطي ومرعوب:
"يا ابني.. لو إنت فقت، خد البت واهربوا من السطوح بسرعة للشارع اللي ورا. البلطجية عرفوا إنكم هنا ومحاوطين اللوكاندة وطالعين على السلم.. مفيش وقت.. اهربوا!"
أيوب انتفض من مكانه. مكنش في أي فرصة للتفكير. بص لفتنة، مسك إيدها بقوة.
"وقت الخوف خلص يا فتنة.. دلوقتي وقت الجري." قالها أيوب وعيونه بتدور في الأوضة على أي منفذ تاني غير الباب اللي طالعين منه.
مفيش قدامهم غير شباك خشب صغير، بيطل على سطح العمارة اللي قدامهم. مسافة مترين في الهوا بين السطحين، وتحتهم شارع ضلمة ملوش قرار.
الموت بيخبط على الباب، والموت التاني مستنيهم لو وقعوا في المسافة دي. وأيوب لازم يختار هياخد فتنة ويطيروا إزاي
الفصل السابع من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا