رواية أربعيني في أحضان مراهقة الفصل السابع7 بقلم رحاب القاضي

رواية أربعيني في أحضان مراهقة الفصل السابع7 بقلم رحاب القاضي
"أشدُّ الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تدور في أعماق القلوب."

وقف سُهيل في مكانه كتمثال من حجر، وعيناه معلقتان بدانا التي كانت تجلس أمام البيانو، تتحرك أصابعها فوق مفاتيحه برقة، بينما ينساب اللحن هادئًا داخل الحديقة، كانت تبتسم بعفوية، وهي ترفع رأسها بين الحين والآخر نحو سُهيل، ثم تعود لتعزف من جديد، غير مدركة أن حياة ذلك الرجل الذي يقف خلفها قد انقسمت منذ لحظات إلى نصفين لا يجتمعان، داخل صدره كانت حرب لا تهدأ، حدبث شقيقه عن أمهُ التي كانت  تُغتصب وتُقتل امام أعينهم وهم أطفال، وصوت والده وهو يصرخ في الهاتف بأن أخاه قد مات، ثم وجه دانا البريء الذي لم يعرف يومًا معنى الكراهية، ارتجفت أنامله فوق مقبض سلاحه، ثم أغلق عينيه بقوة، وكأنه يحاول إخماد النار التي تشتعل داخله، لكن كلما تذكر أخاه، ازداد قلبه اختناقًا، وكلما سمع عزفها، شعر أن شيئًا داخله يرفض أن تتحول تلك الفتاة إلى ضحية جديدة.

_وفجأة رأي عزت السيوفي يسير نحوه بابتسامة واسعة، بينما بدت على وجهه علامات رضا لم يرها عليه من قبل.

عزت
إيه يا محمود واقف سرحان كده ليه، على فكرة أنا مبسوط النهارده بشكل ما تتخيلوش، ولما تعرف السبب هتفرح معايا.

_نظر إليه سُهيل بجمود، بينما كانت عضلات فكه تنقبض بقوة، لكنه لم ينطق بحرف واحد واقترب عزت أكثر، وربت على كتفه وهو يضحك وقال

عزت
أصل أخدت حقي، لا وأخدت حقك إنت كمان، وحق كل رجالة السيوفي اللي ماتوا.

_رفع سُهيل عينيه إليه ببطء، وقال بصوت خرج بصعوبة شديدة.

سُهيل
تقصد إيه يا حضرتك.

ابتسم عزت ابتسامة باردة 
فاروق الجندي هو اللي ورا الضرب اللي حصل علينا، وأنا متأكد من ده، والنهارده رديتله الضربة، قتلت ابنه الكبير

_وانفجر يضحك بصوت مرتفع، بينما شعر سُهيل أن الأرض تميد تحت قدميه، وأن الهواء اختفى من حوله، حاول أن يسيطر على ارتجافة شفتيه، لكن دموع قهرتهِ كادت تفضحه، ضغط على كفه حتى انغرست أظافره في جلده، ثم قال دون أن يشعر.. 

سُهيل
واستفدت إيه لما قتلته؟! 

_توقف عزت عن الضحك، ثم نظر إليه بإعجاب قائلاً.. 

عزت
برافو عليك حلو إنك مش من الناس اللي بتفرح بالانتقام وخلاص، إنت بتدور على النتيجة، ودي عقلية راجل كبير وواعي.. 

ثم اقترب أكثر، وانخفضت نبرت صوته.
النتيجة إن فاروق اتكسر، ابنه الكبير كان ضهره وسنده، وكان أكتر واحد عامللي قلق، لأني عارف إن الولد ده عمره ما هيسيب حق أمه،لانه للاسف شاف كل حاجه حصلت في امه زمان،ولو كنت افتكر انه هيكبر يبقي مزعج كده كنت قتلته وهو طفل وارتحت منه،بس دلوقتي فاروق هيعيش باقي عمره مكسور، وكل يوم هيصحى ويتمنى لو اللي مات كان هو مش ابنه، وابنه التاني مالوش فيها بسمع انه عيل بتاع نسوان وصايع

_كادت أنفاس سُهيل تنقطع، لكنه أخفى كل ما بداخله خلف وجه جامد، قبل أن يرن هاتفه فجأة، نظر إلى الشاشة، فوجد الاسم رمزي، ابتلع ريقه بصعوبة، فرمقه عزت باستغراب وقال.. 

عزت
في حاجة يا محمود شكلك عاجبني؟ 

_أغلق سُهيل الشاشة سريعًا، ثم أجاب بنبرة حاول أن يجعلها ثابتة.

سُهيل
لا دي والدتي شكلها تعبانة، ولازم أروح أشوفها.

_تغيرت ملامح عزت في الحال، وأخرج مفاتيح سيارته ووضعها في يد سُهيل.

عزت
خد عربيتي وروح بسرعة، ولو احتجت مستشفى خدها على مستشفى السيوفي، وما تشلش هم أي حاجة.

أخذ المفاتيح وقال
شكرًا يا عزت بيه.

_ثم استدار وغادر بخطوات ثابتة، بينما كان قلبه ينهار مع كل خطوة يبتعدها عن المكان، وفي تلك اللحظة، أسرعت دانا من أمام البيانو، واتجهت إلى والدها بقلق واضح.. 

دانا
بابا هو محمود مشي ليه؟ 

ابتسم عزت وربت على رأسها بحنان وقال
لا يا حبيبتي هو راجع تاني، راح يخلص شغل صغير وهيرجع تاني.

_التفتت دانا نحو البوابة التي خرج منها سُهيل، وظلت تنظر إليها بخوف، ولاحظ عزت ذلك فأمسك يدها برفق وقال 

عزت
قوليلي يا دانا إنتي مرتاحة لمحمود؟ 

دانا
آه... هو كويس أوي وعمره ما خوفني، ومش وحش زي الناس اللي بره، أنا بحبه اووي

ضحك عزت وقال
طيب  يبقى هنعمله اختبار صغير ولو نجح هخليه يبقي معاكي علي طول

نظرت إليه بعدم فهم
اختبار إيه؟ 

عزت
اطمني انا مش هخليه يبعد عنك أبدًا، بس لازم أتأكد الأول إنه يقدر يحميكي مهما حصل.

_ظلت دانا تنظر إليه دون أن تفهم شيئًا، ثم عادت بعينيها إلى الباب مرة أخرى، وهمست داخل قلبها بدعاء صامت أن يعود سُهيل سريعًا ولم تكن تعلم، أن الرجل الذي تنتظر عودته بكل هذا الشوق، يحمل داخل صدره قنبلة من الألم والانتقام، وأن انفجارها لن يدمره وحده، بل قد يحرق كل من في هذا القصر، بمن فيهم هي ووالدها

ـــــــــــــــــ #بقلم_الكاتبه_رحاب_القاضي ــــــــــــــــــ

_وبسيارة مراد كان يقود السيارة بهدوء بين شوارع المدينة، بينما جلست لينا بجوارهِ، تستند برأسها علي زجاج النافذة، وعيناها تتنقلان بين المارة والمحلات وأضواء الشوارع، كانت تراقب كل شيء بصمت، وكأنها تحاول أن تشبع عينيها من الحرية التي افتقدتها طوال الأيام الماضية، بينما كان الهواء الذي يتسلل من النافذة يحرك خصلات شعرها برفق، ويرسم فوق وجهها شيئًا من الراحة التي غابت عنها منذ وقت طويل.

_أما مراد، فظل ينظر إليها بين الحين والآخر، يراقب ابتسامتها الصغيرة كلما رأت طفلًا يركض أو أسرة تسير معًا، لكنه كان يشعر أن خلف تلك الابتسامة حزنًا أكبر بكثير مما تحاول إخفاءه

مراد
قوليلي يا لينا بصراحة، إنتي مستعدة تكملي حياتك مع إسلام اصل شااايفه واخد الموضوع بجد بيرتب عشاان تعيشو مع بعض لوحدكم وكده

لينا
أنا قولتلك قبل كده يا مراد، ما عنديش اختيار تاني، سواء كنت مستعدة أو لأ، دي حياتي دلوقتي ولازم أكملها.

ظل ينظر إليها منتظرًا أن تكمل، فتنهدت بهدوء وقالت
بس عارف هو مش وحش اووي معايا زي ما ازت فاكر، هو كويس والله عمره ما أجبرني على حاجة غير بعد ما عرف إني حامل، وبرجع أقول يمكن عشان هو نفسه كان مصدوم من اللي حصل ومكنش عارف يتصرف إزاي.

أطلق مراد ضحكة ساخرة وهو يقول
هههههه إيه ده، هو إنتي بتبرري اللي عمله معاكي كمان تدافعي عن واحد هو السبب في كل حاجه وحشه بتحصل معاكي

لينا
لأ... أنا مش بدافع عنه، أنا بس بقول الحقيقة، إنت فاهم إسلام غلط، هو مش شخص وحش.

ابتسم مراد بسخرية خفيفة وقال
يعني الراجل حابسك في البيت وضربك قبل كده ولسه شايفاه كويس؟! 

_أخفضت لينا رأسها للحظات، ثم تنهدت تنهيده طويله، وكأنها تبحث عن الكلمات التي تعبر عما بداخلها وقالت

لينا
أنا من يوم ما بابا سافر وأنا حاسة إني تايهة، حاسة إن مفيش حد أقدر أجري عليه لما أخاف، وكل حاجة حصلت مرة واحدة... جواز... حمل... مشاكل... وكل ده فوق دماغي وأنا أصلًا لسه مش مستوعبة حاجة، س الغريبة إن أكتر وقت بحس فيه إني مطمنة، بيكون وهو موجود، يمكن أكون زعلانة منه، ويمكن لسه وجع كلامه وتصرفااته جوايا ومش قادرة أنساه، لكن عمري ما خفت منه، بالعكس هو الوحيد اللي بثق فيه، والوحيد اللي بحس معاه بأمان وإن محدش هيقدر يأذيني.

_ابتلع مراد ريقه بصعوبة، بينما كانت كلماتها تثقل فوق قلبه واحدة تلو الأخرى، أما هي فابتسمت بخجل وهي تعبث بخصلاتها مع الهواء وقالت

لينا
هو أصلًا كبير شوية عني، وكل ما يبصلي أو يكلمني بحس إني مكسوفة منه، حتى اسمه معرفش ليه  بتكسف أقوله زيكم كده عادي، بحس إن لساني بيتلخبط وأفضل أقول هو... أو حضرتك... أو أي حاجة غير اسمه.

_انفجر مراد ضاحكًا، حتى اضطر أن يخفف سرعة سيارته وهو ينظر إليها.

مراد
هي علاقه غريبه بصرااحه انا مش عارف اقولك ايه، بس انتي شوفتي اسلام بنفس الطريقه اللي كل اللي بيحبوه شايفينه بيها 

لينا بتوتر
بس انا مش بحبه عادي يعني

_ابتسم مراد وهو ينظر إليها بحنان، ثم أوقف السيارة بهدوء على جانب الطريق، وما زالت ابتسامته معلقة فوق شفتيه، بينما بقيت هي تنظر إليه باستغراب، لا تعلم لماذا يبتسم اليها هكذا 

مراد 
انزلي يلا.. 

_اسمتعت لهُ وهبطت من السياره، وقال لها هو بهدوء.. 

مراد
استنيني هنا دقيقتين بس، المحل ده عنده أحلي آيس كريم في التجمع ، ما تتحركيش من جنب العربيه لحد ما أرجع

_ابتسمت لينا ابتسامه خفيفه هربت من بين كل همومها وهزت رأسها بالموافقه

لينا
حاضر، بس ما تتأخرش عشان ما بحبش الوقفه في الشارع

مراد
لا مش هتاخر دقيقه واحده بس

_تركها ودلف إلى محل الآيس كريم، بينما بقيت هي تستند بظهرها إلى السياره تنظر للطريق بشرود، ولم تشعر بذلك الرجل الضخم الذي اقترب منها بخطوات بطيئه حتى وقف أمامها تماماً وأخرج سلاحاً أخفاه أسفل سترته وهمس بجمود

الرجل
امشي قدامي من غير صوت... ولو فكرتي تصرخي هيبقي آخر نفس تاخديه

_شحب وجهها بالكامل، وتجمدت قدماها في مكانهما، ثم نظرت بخوف ناحية محل الآيس كريم لعل مراد يخرج، لكن الرجل ضغط بالسلاح على جانبها مره أخرى

الرجل
يلا ما تخلنيش أكرر كلامي

_ابتلعت ريقها بصعوبه، وتحركت أمامه بخطوات مرتعشه، وعيناها لا تفارقان باب المحل

لينا
أنا... أنا عملتلك إيه... إنت مين؟

الرجل ببرود
امشي وانتي ساكته أحسنلك

_فتح باب سيارة سوداء تقف على جانب الطريق، فأجبرها على الركوب داخلها، وما إن جلست حتى تحركت السياره بسرعه، وفي اللحظه نفسها خرج مراد يحمل كوبين من الآيس كريم، فارتسمت ابتسامه صغيره على وجهه وهو يبحث عنها بعينيه، لكن الابتسامه اختفت فجأه حين لمح السيارة السوداء تنطلق بها وهي تنظر له من النافذه وهنااك رجل يحاول تقيد حركتها

مراد بفزع
لينا...

_سقط كوبا الآيس كريم من يده على الأرض دون أن يشعر، وركض ناحية سيارته وقفز بداخلها وانطلق خلفهم بكل سرعته، وداخل السيارة كانت لينا ترتجف بقوه وهي تحاول فتح الباب، لكن الرجل أمسك يديها بعنف وربطهما، ثم وضع شريطاً لاصقاً على فمها، بينما انهمرت دموعها بصمت، نظر السائق في المرآه وقال بقلق

السائق
العربيه اللي ورانا دي شكله عرفها، ومش راضي يسيبنا

الرجل
لف من الشوارع الجانبيه، المهم نفلت منه بأي طريقه

_بدأت السياره تدخل طرقاً ضيقه ومتفرعه بسرعه جنونيه، بينما كان مراد يلاحقهم بكل ما يملك، يحاول ألا يضيعهم من أمامه، لكنهم اختفوا فجأه بين الشوارع، ضرب المقود بيده بعنف وهو يلتقط أنفاسه

مراد
لا والله ما هسيبكم... 

_وعاد يدور بسيارته في كل شارع وزقاق يحتمل أنهم دخلوا إليه، وقلبه يزداد رعباً مع كل ثانيه تمر

ـــــــــــــــــ #بقلم_الكاتبه_رحاب_القاضي ــــــــــــــــــ

_وفي ذلك الوقت كانت هيام تجلس خلف مكتب الاستقبال في السنتر، وأمامها دفتر المواعيد، إلا أن القلم بين أصابعها لم يكن يكتب شيئًا، بل كان يرسم خطوطًا متشابكة فوق الورقة دون وعي، بينما كانت عيناها شاردتين، وكأن عقلها في مكان آخر.

_وفجأة، توقف أدهم أمام المكتب، فرفعت رأسها ببطء، لتجد أدهم يقف أمامها، ينظر إليها بنظرات امتزج فيها الغضب بالعتاب.

أدهم
بتهربي مني ليه يا هيام

نظرت إليه بحزن واضح، ثم قالت بهدوء.
إنت إيه اللي جابك هنا؟ 

أدهم
جاي أتكلم معاكي، بكلمك بقالي كام يوم ومش بتردي، روحت البيت لقيت مرات ابوكي بتقولي إنك نزلتي الشغل من غير حتى ما تبلغيني، هو أنا بقيت آخر واحد يعرف أخبار خطيبته

هيام
إحنا في مكان شغل، وأنا مش فاضية للكلام ده دلوقتي، لو سمحت امشي ولما أخلص أبقى أكلمك

_اقترب منها خطوة، وانخفض صوته بصورة جعلتها تدرك أنه يحاول السيطرة على غضبه.

أدهم
لو ما خرجتيش معايا دلوقتي، أقسم بالله هعمل مشكلة في السنتر كله، وإنتي عارفة كويس لما بتعصب ببقى عامل إزاي، فما تجبرينيش أوصل للمرحلة دي

_ارتبكت هيام، ونظرت حولها إلى الموظفين والطلاب، ثم قالت بسرعة.

هيام
خلاص هروح أستأذن وأجيلك، بس استني بره

أدهم
مستنيكي بره، ومتتأخريش

_استدار وغادر، بينما أخذت هيام نفسًا عميقًا، ثم استأذنت من زميلتها، وبعد دقائق خرجت إليه، وكان يقف بجوار سيارته، وما إن رآها حتى اعتدل في وقفته، أما هي فتوقفت أمامه، وعقدت ذراعيها أمام صدرها.

هيام
ها... عايز إيه؟ 

_أمسك يدها فجأة، ثم نظر إلى إصبعها الخالي من خاتم خطبتها وقال بغضب.

أدهم
فين الدبلة، وإزاي تنزلي من البيت من غيرها، وقلعتيها ليه اصلا؟ 

_سحبت يدها منه بعنف، ثم فتحت حقيبتها، وأخرجت الدبلة، ووضعتها في كفه.

هيام
اتفضل دبلتك اهي ومش عايزة ألبسها تاني، وكمان هبعتلك باقي الشبكة مع باباا، وكل واحد فينا يروح لحاله، وصدقني ده أحسن ليا وليك

_نظر إلى الدبلة في يده لثوانٍ، ثم قبض عليها بقوة، وأمسك ذراعها بعنف.

أدهم
إنتي اتجننتي يا بت إنتي، ولا شربتي حاجة مخلياكي تهبدي بالكلام ده

دفعته بعيدًا عنها بعصبية، وامتلأت عيناها بالدموع
إوعي تمد إيدك عليا تاني، أنا مش عايزاك، ومش هتجوز واحد من أول علاقتنا بيهملني، ولا بيسأل فيا، وأسهل حاجة عنده يجرحني ويهيني، وفوق كل ده خاين

_ضحك ضحكة ساخرة، لكنه كان يخفي خلفها وجعًا واضحًا.

أدهم
ياااه... هو أنا ابن ستين كلب أوي كده في نظرك

هيام
من غير غلط ولا تجريح، أنا عرفت كل حاجة، وعرفت علاقتك بالرقاصة اللي اسمها علا، وسكت كتير عشان أتأكد، وراقبتك، وشوفتك بعيني وإنت داخل العمارة اللي هي فيها، وبعدها كنت بتكدب عليا وتقولي شغال، أنا مستحيل أكمل حياتي مع واحد بالأخلاق دي

_ظل ينظر إليها طويلًا، ثم خرج صوته منخفضًا ومليئًا بالخذلان.

أدهم
إنتي وصل بيكي الحال إنك تشكي فيا وتراقبيني يا هيام، للدرجة دي أنا ماليش أي قيمة عندك

هيام
أنا شوفت بعيني، ومش محتاجة حد يقنعني بحاجة تانية

أدهم
قبل ما تحكمي عليا كان المفروض تسمعي الحقيقة الأول، أنا عمري ما خنتك، وآه ساعات ببص لبنت قدامك أو أستفزك، بس كنت بنكشك عشان أشوف غيرتك عليا، ويمكن غلطت في دي، لكن الخيانة دي عمري ما عرفتها، أما إهمالي ليكي فأنا قلتلك سببه ألف مرة، أنا مش عايز آخد جنيه من حد، بجهز شقتنا لوحدي، وبحوش لكل حاجة تخص فرحنا، وبشتغل ليل نهار عشان يوم ما تيجي تعيشي معايا متحتاجيش لحد وقايلك علي مشروع الكافي اللي بعمله مع صاحبي وطلعان عيني فيه، ولو ما كنتش بحبك ما كنتش جيت طلبت اتجوزك

هيام
بتبرر إيه، أنا شوفتك وإنت طالع عندها، وبعدها كدبت عليا وقلت إنك في الشغل، هتكدب عيني أنا كمان؟ 

أخرج هاتفه من جيبه، وفتح صورة، ثم مده إليها
بصي كويس

_أخذت الهاتف، ورأت خبر بانه تم القبض علي راقصه تدعي علا وعنوان سكنها بنفس عنوان تلك الراقصه التي رأته ذاهباً عندها،وكان مقبوضًا عليها وسط رجال الشرطة.

أدهم
البنت دي كانت بتبيع مخدرات، وكانت ماسكة تشكيل كامل، وأنا كنت مأمور بالمهمة دي من شغلي، وكل مرة كنت بروحلها كنت بروح بصفتي ظابط، مش راجل بيخون خطيبته، بس للأسف إنتي ما كانش عندك ثقة فيا من الأساس

_شعرت هيام بأن الكلمات اختنقت داخل حلقها، وأخذت تنظر بين الصورة ووجهه بارتباك شديد، بينما بدأت ملامح الندم ترتسم فوق وجهها.

هيام
أدهم... أنا...

_لكنها لم تستطع إكمال جملتها، فقد خلع أدهم دبلته ببطء، ثم أمسك يدها، ووضع داخلها دبلته مع دبلة الخطوبة التي أعادتها إليه.

أدهم
خدي أنا اللي مش عايزك، ومش عايز الشبكة، ولا عايز منك أي حاجة، ومدام ما فيش بينا ثقه يبقي بلاش منها الجوازه كلها 

_وترك يدها، واستدار دون أن ينظر إليها مرة أخرى، ثم ركب سيارته، وانطلق بها سريعًا، وبقيت هيام واقفة في مكانها، تنظر إلى الدبلتين في كفها، ثم إلى السيارة التي ابتعدت حتى اختفت من أمامها، وأغمضت عينيها بقوة، وضربت جبهتها بكفها وهي تتمتم بندم.

هيام
أنا اللي طلعت غلطانة في الآخر، ده إيه الغلب اللي أنا فيه ده يا رب.
ـــــــــــــــــ #بقلم_الكاتبه_رحاب_القاضي ــــــــــــــــــ

_وبعد قليل عند لينا فقد أُخذت إلى منزل قديم مهجور، أُلقي بها على الأرض بقسوه، ثم نُزع الشريط اللاصق عن فمها، فأخذت تلهث بقوه وهي تنظر حولها برعب، لكنها تجمدت مكانها عندما وقعت عيناها على امرأتين تجلسان أمامها الاولي دينا والدتها والاخري شاادبه زوجة زوجها الاولي.. 

لينا
ماما...

_نهضت بسرعه وقد ظنت للحظه أن كل شيء انتهى، واتجهت إليها بعينين ممتلئتين بالرجاء

لينا
هو في إيه، ومين الناس دول يا مامي؟

نظرت إليها دينا ببرود شديد، ثم صاحت فيها
اخرسي خالص وما تقوليش مامي دي تاني

_توقفت لينا مكانها وكأن الكلمات صفعتها قبل أي شيء آخر، التفتت دينا نحو شاديه وقالت ببرود

دينا
أهي جبتها لحد عندك البنت اللي دمرت حياتك اعملي فيها اللي انتي عايزاه يا شاديه

_اتسعت عينا لينا بعدم تصديق، ثم التفتت إلى والدتها من جديد

لينا
إنتي بتقولي إيه يا مامي

_اقتربت منها شاديه بخطوات غاضبه، ثم قبضت على شعرها بعنف

شاديه
إنتي تخربي بيتي وتاخدي مني جوزي إنتي دلوقتي وأمك زمان، انتو عايزين مني ايه

_وأنهت كلماتها بصفعه قويه جعلت رأس لينا تميل بعنف، ووضعت لينا يدها على وجهها وهي تبكي

لينا
يا مامي خليها تبعد عني دي ضربتني

_رفعت عينيها نحو دينا تنتظر منها أي دفاع، أي كلمه، أي نظره حنان، لكنها لم تجد سوى نظرات بارده تحمل شماته موجعه، واقتربت شاديه منها مره أخرى وهي ترتجف من الغضب

شاديه
إنتي فاكره إنك هتحققي له الحلم اللي أنا استنيته سنين، هتخلفيله طفل ويبقى ليكي إنتي، مستحيل والله مستحيل أسيبك تاخدي مكاني، أنا اللي ضيعت عمري معاه، وإنتي جيتي في لحظه تاخدي كل حاجه

ثم اعتدت عليها بعنف وهي تصفعها علي وجهها بقوه حاولت لينا الدفاع عن نفسها لكن غضب الاخري كان اقوي منها،وسقطت لينا علي الارض والاخري ظلت تركلها بقدمها قي بطنها، بينما كانت لينا تصرخ من الألم وتبكي وهي تحاول حماية نفسها دون جدوى، وتعالت شهقاتها وصرخاتها وبدات الدما*ء تسيل منها بقوه وهي تنظر إلى دينا تستنجد بها ممسكه بطنها بألم كبير

لينا
ماما عشان خاطري أنا بموت...

_لكن دينا بقيت مكانها تنظر إليها بلا رحمه، وبعد لحظات اقتربت من شاديه وقالت

دينا
خلاص كفايه ممكن تموت فيها، وإحنا مش ناقصين مشاكل

_تنفست شاديه بعنف، ثم تركتها على الأرض، خرجتا معاً من المنزل، وقبل أن تصعد شاديه إلى سيارتها قالت لها دينا

دينا
أنا وفيت بوعدي وجبتها ليكي، وقلتلك الحقيقه كلها جه دورك بقى ترديلي المعروف

شاديه
اطمني أخويا هيخلص شغل جوزك في الجمارك زي ما وعدتك يلا نمشي، وخلي رجالة جوزك دول كمان يمشو

دينا
طب نبلغ إسعاف؟

شاديه ببرود
لا يارب تموت ونرتاح منها خالص

_وانطلقت السيارتان مبتعدتين وفي الجهه المقابله، كان مراد قد لمح السيارتين تخرجان من المكان، فتوقف بعيداً وهو يراقبهما وقد ضاق قلبه بشده وهو يحدق في المنزل المهجور

مراد
عملتوا إيه في البنت يا ولاد الحرام...

اندفع بسيارته بأقصى سرعه نحو المنزل، وفي اللحظه نفسها وصلت سيارة أخرى من الاتجاه المقابل، وترجل منها إسلام وعلي وجه جميع علامات الغضب، فالتقت عيناه بعيني مراد لثوانٍ، ثم ركضا الاثنان نحو الداخل دون أن ينطق أيٌ منهما بكلمه، دفع إسلام الباب بقوه، ثم تجمد مكانه، كانت لينا ملقاه على الأرض، وجهها شاحب، وملابسها ملطخه بالتراب والدمااء، وأنفاسها بالكاد تُسمع، بينما كانت الدموع ما زالت تنساب من عينيها، شعر إسلام أن الأرض تميد به، وانقبض قلبه بعنف وهو يراها بتلك الحاله، أما مراد فقد ركض نحوها بجنون، حاولت أن تفتح عينيها بصعوبه، فرأت وجه مراد يقترب منها، بينما كان إسلام يقف مذهولاً لا يصدق ما يراه، ارتعشت شفتاها وهمست بصوت بالكاد يُسمع

لينا
مرا...د...

_مدت يدها المرتجفه نحوه، فأمسكها فوراً بين يديه، وما إن شعرت بدفء يده حتى ارتخت أصابعها، وأغلقت عينيها تماماً، وفقدت وعيها بين صدمتهما، واستلقى جسد لينا فوق الأرض بلا حراك، بينما كانت أنفاسها الضعيفة تكاد تختفي وسط الدماء التي لطخت ملابسها، ولم يحتمل مراد رؤية حالتها أكثر من ذلك، فجثا على ركبتيه بجوارها، ثم مرر يده المرتعشة أسفل رأسها ورفعها برفق، بينما كانت عيناه تمتلئان بالرعب.

مراد
لينا فوقي بالله عليكي فوقي ومتغمضيش عينك ، بصيلي أنا أهو، افتحي عينيكي وقولي أي حاجة

_ربت على وجنتها برفق وهو يحاول إفاقتها، لكن رأسها بقي ساكنًا بين يديه، وأنفاسها تزداد ضعفًا مع كل لحظة، وفجأة جاءه صوت إسلام حادًا كالسهم.

إسلام
ابعد عنها وما تلمسهاش.

_انتفض مراد والتفت إليه، فوجد إسلام يقف خلفه، ووجهه شاحب بصورة مخيفة، بينما كانت عيناه تحملان غضبًا ممزوجًا بألم لم يراه فيه من قبل، وقف مراد ببطء وهو يهز رأسه بعدم استيعاب.

مراد
إسلام البنت بتموت قدامنا، إنت مش شايف حالتها، وبعدين أنا شوفت بعيني اللي عمل فيها كده، مراتك وأمها هما اللي كانوا هنا.

_لم تتغير ملامح إسلام، بل تقدم نحوه بخطوات بطيئة، ثم دفعه بقوة حتى ابتعد عن لينا.

إسلام
قولتلك ابعد عنها، وما تقربش من مراتي ولا تلمسها تاني، إنت فاهم ولا لأ.

نظر إليه مراد بصدمة لم يستطع إخفاءها
إنت ايييه هو ده وقته، أنا كل اللي كان هاممني أنقذها.

_لم يرد عليه، بل انحنى فورًا، ثم حمل لينا بين ذراعيه بحرص شديد، وكأنها قطعة زجاج يخشى أن تنكسر بين يديه، وضمها إلى صدره بقوة، بينما أخذ ينظر إلى وجهها الشاحب وعيناه ترتجفان خوفًا، ثم استدار بها مسرعًا وغادر المنزل بخطوات متلاحقة، ووقف مراد مكانه للحظات، يراقب السيارة وهي تنطلق بأقصى سرعتها، وأغمض عينيه بقهر، ثم أسرع إلى سيارته ملاحقاً بشقيقه كي يطمئن علي تلك الصغيره

_وبعد دقائق توقفت سيارة إسلام أمام المستشفى، وما إن ترجل منها حتى اندفع إلى الداخل وهو يحمل لينا بين ذراعيه.

إسلام
حد يلحقها بسرعة، مراتي حامل وبتنزف.

_تجمع الأطباء والممرضون حولها سريعًا، وانتقلت إلى غرفة العمليات، بينما بقي هو واقفًا أمام الباب المغلق، يحدق فيه دون أن يتحرك، وكأن روحه دخلت مع لينا ولم تعد إليه... 

_وبعد دقائق أخرى، وصل مراد إلى المستشفى، وأسرع إلى الداخل حتى لمح إسلام يجلس أمام غرفة العمليات، اقترب منه ببطء، ثم جلس إلى جواره، بينما كان الصمت يحيط بهما للحظات ثقيلة.

مراد
أنا آسف يا إسلام، والله العظيم ما كنت أعرف إن ده هيحصل، هي اللي طلبت تخرج وقالت إنها مخنوقة، وأنا وافقت عشان كنت فاكر ان خروجها من البيت هيغير نفسيتها، يدوب دخلت أجيب آيس كريم ورجعت ملقتهاش.

_ظل إسلام صامتًا، وعيناه معلقتان بباب غرفة العمليات، أكمل مراد بصوت يملؤه الندم.

مراد
أنا حاولت ألحقهم، بس ضيعوني بين الشوارع، ولما لقيت المكان كنت فاكر إني هقدر أوصلها قبل ما يحصلها حاجة، بس أنا مش قادر أفهم، شادية ليها أسبابها، إنما أمها تعمل فيها كده ليه، إزاي أم تشوف بنتها بالمنظر ده وتقف تتفرج عليها، وكمان تسيبها لتموت وتمشي

_لم ينطق إسلام بحرف واحد، بل نهض ببطء من مكانه، واتجه نحو النافذة البعيدة، ثم وقف أمامها، وأسند إحدى يديه إلى الزجاج، بينما وضعت يده الأخرى فوق قلبه، وأطلق تنهيده طويلة خرجت محملة بكل ما يعصف بداخله، ثم رفع بصره إلى السماء، وأغمض عينيه للحظة، ثم همس بصوت خافت لا يكاد يُسمع.

إسلام
يارب، خليهم يقوموا بالسلامة، وما تحرمنيش منهم، أنا مستني اللحظة دي من سنين، مستني أبقى أب وأشيل ابني بين إيديا، متاخدوش مني قبل ما حتى أشوفه.

ارتجفت أنفاسه، وانخفض رأسه قليلًا وقال
ولينا كمان، قومهالي بخير، مهما حصل بينا أنا ما كنتش عايز أوصلها للي هي فيه، ولو جرالها حاجة عمري ما هسامح نفسي، لأني المفروض كنت أحميها، والمفروض إنها وهي معايا ما كانتش تخاف من حد ولا يحصلها أي أذى.

_ساد الصمت من جديد، ولم يعد يُسمع في المكان سوى صوت الأجهزة القادمة من داخل غرفة العمليات، بينما بقي اسلام ومراد ينتظران خلف الباب نفسه، وكل واحد منهما يحمل خوفًا مختلفًا على الفتاة التي تقاتل في الداخل بين الحياة والموت.

ـــــــــــــــــ #بقلم_الكاتبه_رحاب_القاضي ــــــــــــــــــ

_في ذلك الوقت عند آسيا، كانت نائمه في فراشها وانفاسها متسارعه ونهضت سريها وهي تصرخ بقوه وتضع يدها علي قلبها الذي كان كاد ان يخرج من مكانه، وانفاسها متسارعه بقوه وجسدها بأكمله ينتفض بقوه، ودلفت عندها في ذلك الوقت عمتها التي قالت لها بقلق وخووف.. 

نعمه 
في ايه يا آسيا، مالك يا بنتي؟ 

اقتربت منها آسيا واحتضنتها وقالت ببكاء
بنتي يا عمتي... بنتي مش قادره والله اتحمل.. 

نعمه 
لا حول ولا قوة الا بالله، بنتك عند اللي خلقها اللي ارحم عليها منك ومن الدنيا كلها.. 

آسيا ابتعدت عنها وقالت بحزن
مش قادره اتخطي حزني عليها، دي روحي وعمري كله يا عمتي، وليه بشووف عليها كوابيس كده ليه مش فاهمه.. 

نعمه بحده 
عشااان انتي معلقه نفسك بالمااضي لا قادره تنسي بنتك ولا تنسي ابوها.. 

اخفضت نظراتها سريعا ونعمه اكملت حديثها بقسوه وقالت 
لو كنتي قدرتي تنسي وليد، كان زمان ربنا عوضك بعيل واتنين وتلاته من جوزك من احمد اللي موقف حياته بقاله عشرين سنه عشااانك.. 

آسيا بحزن
وايه اللي يجرره يعمل كده، ما يرجع لمراته ولعياله هو عترف اني مش بحبه.. 

نعمه 
هو القلب عليه سلطان عشاان يقرر يحب مين ويكره مين؟!.. 

آسيا بأنفعال 
بالظبط هو ده اللي جوايا، انا مش قادره انسي وليد بس والله ما في حاجه تاني هتجمعني بيه تاني في الدنيا، بس سيبني في حالي يا عمتي، وجعي علي لنتي ما حدش هيقدر يحس بيا فيه، عشاان هي كانت بنتي انا مش بنت حد تاني... 

نعمه 
ربنا يهديكي علي نفسك قووومي صلي ركعتين لله وصلي علي النبي ونامي وربنا يخفف عن قلبك يا بنتي، ويهديكي علي نفسك.. 

_وتركتها نعمه وذهبت للخارج، ونهضت آسيا ووقفت امام النافذه وهي تستنشق الهواء بقوه حتي يهدأ ارتجااف قلبها،  وهبطت دموعها مجددا وقالت بحزن.. 

آسيا 
هونها علي قلبي يارب، واجمعني عندك ببنتي وسامحني علي غلطي يارب.. 

ـــــــــــــــــ #بقلم_الكاتبه_رحاب_القاضي ــــــــــــــــــ

_وعلي الحانب الاخر جلست نيجار فوق المقعد المقابل لغرفة العمليات، وظهرها ملتصق بالحائط، بينما كانت عيناها معلقتين بالباب المغلق منذ دقائق لا تعرف عددها، وكأن الزمن توقف منذ اللحظة التي سقط فيها إمام أمامها غارقًا في دمائه

_أنزلت بصرها ببطء نحو كفيها، فتجمدت أنفاسها حين رأت بقع الدم التي لم تجف بعد، وارتجفت أصابعها وهي تتذكر كيف كانت تضغط بيديها على جراحه، وكيف كان جسده يثقل شيئًا فشيئًا بين ذراعيها

_أغمضت عينيها بقوة، لكن المشهد عاد إليها بكل تفاصيله، صوت الرصاص، ارتطام جسده بالأرض، نظراته الأخيرة إليها، وسؤاله الذي مزق قلبها

"هو لو موت هتزعلي عليا يا نيجار" 

_انتفض جسدها فجأة، وفتحت عينيها بفزع، ثم أخذت تهز رأسها بعنف وكأنها تحاول طرد تلك الذكرى من عقلها، لكن دموعها انهمرت رغماً عنها وهمست بصوت مختنق

نيجار
يا رب قومه بس وأنا والله مش هقوله كلمة تزعله تاني ولا هدعي عليه. 

_وفي تلك اللحظة، انفتح باب المستشفى بقوة، ودخل رمزي و يتقدمه فاروق، وكانت ملامحهما تحملان خوفًا لم يعرفاه من قبل، ما إن وقع بصر فاروق على نيجار حتى أسرع نحوها

فاروق
إمام فين؟ 

_رفعت رأسها إليه ببطء، لكنها لم تستطع أن تنطق بحرف، واكتفت بالإشارة المرتجفة نحو باب غرفة العمليات، التفت فاروق إلى الباب، ثم عاد ينظر إليها، فرأى الدماء التي تغطي يديها وملابسها، فاختنق قلبه أكثر

فاروق
الدم ده دم إمام؟ 

_أجهشت نيجار بالبكاء، ولم تستطع سوى أن تهز رأسها بالموافقة، اقترب رمزي منها وجلس بجوارها، وقال بصوت هادئ يخفي اضطرابه وقلقه

رمزي
اهدي يا نيجار وربنا كبير وإن شاء الله هيقوم بالسلامة

_أخذت تنظر إلى الدم فوق يديها مرة أخرى، ثم قالت بصوت متقطع

نيجار
أنا كنت بدعيله بالموت وأنا زعلانة منه وكنت فاكرة إني بكرهه، بس أول ما وقع قدامي حسيت إن روحي راحت، والله ما كنت أقصد، والله ما كنت عايزة أشوفه بالمنظر ده

_خفض فاروق رأسه، وأغمض عينيه للحظة، بينما ارتجفت أنفاسه رغم محاولاته المستميتة للتماسك، وفي تلك اللحظة، ظهر سهيل مسرعًا داخل الممر، وما إن وقعت عيناه على باب غرفة العمليات حتى أسرع بخطوات متعثرة

سهيل
إمام عامل إيه

_التفت إليه فاروق، وكانت عيناه حمراوين من شدة القهر وقال

فاروق
حالته صعبة اول ما دخلت قالولي كده المستشفي كلها بقيت عارفه بحالته، بس أقسم بالله لو حصله حاجة، لأخلي عزت السيوفي يتمنى الموت ألف مرة، وهنتقم منه انتقام ما شافوش في عمره

أغمض سُهيل عينيه وقاال بجمود
نطمن على إمام الأول يا بابا، والباقي كله يهون بعد كده

تقدم منه رمزي ووضع يده على كتف سهيل وقال
إنت ما ينفعش تكون موجود هنا يا سهيل، لو حد من رجالة عزت شافك في المستشفى الدنيا كلها هتتقلب، امشي وإحنا أول ما نعرف أي حاجة هنبلغك

فاروق
رمزي معاه حق، خد نيجار وروح وصلها البيت، البنت حالتها تصعب على الكافر

_عندها فقط انتبه سهيل إلى وجود نيجار ونظر إليها طويلًا، فرأى وجهًا شاحبًا، وعينين غارقتين في الدموع، وثيابها ملطخة بدماء أخيه، اقترب منها بهدوء، ثم انحنى قليلًا أمامها وقال

سهيل
يلا يا نيجار عشان أوصلك البيت ورمزي هيكلمك يطمنك عليه. 

لم ترفع رأسها، ولم تجبه، فقط نهضت ببطء شديد، وكأن قدميها لم تعودا تحملانها، وسارت خلفه في صمت، وطوال الطريق لم تنطق بكلمة واحدة، فقط كانت تنظر من نافذة السيارة، بينما الدموع تنزل بصمت فوق وجنتيها دون أن تحاول حتى أن تمسحها

_أما سهيل، فكان يقود السيارة بصمت هو الآخر، وكلما نظر إليها ازداد قلبه انقباضًا، لكنه أدرك أن أي كلمة لن تكون قادرة على تخفيف ما تعيشه الآن، وهو ايضاً غير قادر علي الحديث والمواسااه

_وبعد قليل توقفت السيارة أمام منزلها، وترجلت نيجار ببطء، وأغلقت الباب، ثم دخلت المنزل دون أن تلتفت خلفها، وكانت فتحية تجلس في الصالة، وما إن رأت ابنتها حتى ابتسمت وهي تقترب بمقعدها المتحرك منها وقالت

فتحيه
اتأخرتي ليه يا نيجار، قلقتيني عليكي، قولتي إمام تحت ونازله تشوفيه وطالعه علي طول، اخدك ورااح فين احتفلك بعيد ميلادك مش كده؟ 

_لكن ابتسامتها اختفت في اللحظة التالية، حين وقعت عيناها على بقع الدم التي تغطي ملابس ابنتها ويديها، اتسعت عيناها بفزع، واقتربت منها بسرعة

فتحية
يا نهار أبيض، الدم ده إيه، إنتي حصلك إيه يا بنتي؟ 

_لم تتمالك نيجار نفسها أكثر من ذلك، اندفعت نحو والدتها، وألقت نفسها بين ذراعيها، ثم انفجرت في بكاء مرير هز جسدها كله

نيجار
أنا ما كانش قصدي يا ماما، والله ما كانش قصدي أدعي عليه بالموت، أنا كنت زعلانه ومتعصبه منه وبس

_كانت كلماتها تخرج متقطعة بين شهقاتها وتابعت حديثها قائله... 

نيجار ببكاء
أنا أكتر واحدة موجوعة عليه دلوقتي، والله لو كنت أعرف إن ده هيحصل كنت أموت أنا ولا أشوفه بالمنظر ده

_ضمتها فتحية إلى صدرها بقوة، وأخذت تربت على ظهرها بحنان، بينما امتلأت عيناها بالقلق وقالت

فتحية
اهدي يا حبيبتي، اهدي وقوليلي بس حصل إيه... 

ـــــــــــــــــ #بقلم_الكاتبه_رحاب_القاضي ــــــــــــــــــ
_بعد دقائق ثقيلة مرت كأنها ساعات، انفتح باب غرفة العمليات ببطء، وخرج الطبيب وهو ينزع القناع الطبي عن وجهه، وقد ارتسمت على ملامحه علامات الحزن والإرهاق، انتفض إسلام من مقعده في اللحظة نفسها، واتجه إليه بخطوات سريعة، بينما نهض مراد هو الآخر وقد انعقد قلبه من الخوف.

إسلام
خير يا دكتور طمني مراتي عاملة إيه

تنهد الطبيب طويلًا، ثم نظر إليه بأسف وقال
للأسف... إحنا قدرنا نسيطر على النزيف وننقذ حياة المريضة، لكن الجنين ما قدرش يستحمل اللي حصل الجنين توفى جوه الرحم بسبب العنف الشديد اللي اتعرضتله، وخصوصًا إن سنها صغير وجسمها لسه ضعيف، والحمل من البداية كان محتاج رعاية وهدوء أكتر من أي حاجة

_تجمد إسلام في مكانه، واتسعت عيناه ببطء، بينما شعر وكأن الكلمات توقفت عن الوصول إلى أذنيه. ارتجفت شفتاه دون إرادة، ولمعت الدموع داخل عينيه، لكنه ظل صامتًا، وكأن الصدمة سلبت منه القدرة على النطق، أما مراد، فابتلع ريقه بصعوبة، ثم تقدم خطوة وهو ينظر إلى الطبيب بقلق شديد.

مراد
طيب ولينا... هي كويسة صح... هي أهم حاجة عندنا دلوقتي...

الدكتور
هي حالتها مستقرة الحمد لله، لكن فقدت كمية كبيرة من الدم، ولسه تحت تأثير المخدر، ولما تفوق هتكون مرهقة جدًا، وهترجع لحالتها بالتدريج إن شاء الله، بس أهم حاجة بعد كده حالتها النفسية، لأنها اللي هتحدد سرعة تعافيها، وممنوع أي ضغط عليها

_ثم نقل الطبيب نظره بين الاثنين، وعقد حاجبيه باستغراب.

الدكتور
هو مين فيكم جوزها؟ 

_التفت مراد تلقائيًا إلى إسلام، بينما أجاب الأخير بصوت خرج مبحوحًا.

إسلام
أنا جوزها

الدكتور
طيب يا أستاذ ياريت تيجي معايا المكتب، في شوية حاجات خاصة بالمريضة لازم أبلغك بيها، وفي شوية تعليمات مهمة تخص علاقتكم بعد اللي حصل

إسلام
حاضر جاي وراك

_استدار الطبيب واتجه إلى مكتبه، بينما بقي إسلام واقفًا للحظة، ثم التفت ببطء إلى مراد، وكانت ملامحه قد تبدلت تمامًا، واختفى منها كل أثر للهدوء.

إسلام
إنت لسه واقف هنا بتعمل إيه؟ 

مراد
هطمن عليها الأول وبعدها همشي على طول

_اقترب منه إسلام حتى أصبح أمامه مباشرة، ثم قال بصوت منخفض لكنه يحمل غضبًا كاد يحرق المكان.

إسلام
أنا خسرت ابني اللي كنت مستنيه من سنين بسببك إنت، وبسبب تدخلك في حياتي

مراد
إسلام اسمعني بس...

إسلام
مفيش حاجة هسمعها، امشي من هنا قبل ما أطلع فيك كل الغل اللي جوايا، ولو عايز تشوف وشي التاني بجد فكر بس إنك تقرب من لينا تاني لأي سبب والله ما هرحمك يا أوطى أخ شوفته في حياتي

_ظل مراد ينظر إليه في صمت، بينما استدار إسلام وغادر متجهًا إلى مكتب الطبيب دون أن يلتفت خلفه، وبقي مراد واقفًا مكانه، وعيناه معلقتان بباب الغرفة التي ترقد خلفه لينا، وقد أثقل الندم صدره بصورة لم يعشها من قبل.

_وبعد لحظات، خرجت إحدى الممرضات وهي تحمل بعض الملفات، واتجهت نحو غرفة لينا، فأسرع مراد إليها.

مراد
لو سمحتي، ممكن أدخل أطمن عليها دقيقة واحدة بس

الممرضة
آسفة يا فندم، ممنوع الزيارة دلوقتي

مراد
أنا مش غريب عنها أنا أخو جوزها وهي بالنسبالي زي أختي بالظبط، والله هبص عليها دقيقة واحدة وأخرج

الممرضة
مقدرش أسمحلك دي تعليمات الدكتور وتعليمات جوزها بنفسه، ممنوع أي حد يدخل عندها

مراد
بثي هي لو فتحت عينيها  وملاقتنيش هتزعل

الممرضة
حضرتك افهمني حتى لو والدها بنفسه جه دلوقتي مش هيدخل، الحالة محتاجة راحة تامة، وكمان حضرتك مش محرم ليها، وجوزها أكد علينا محدش يدخل غيره

ـــــــــــــــــ #بقلم_الكاتبه_رحاب_القاضي ــــــــــــــــــ

_وبعد قليل خرج إسلام من المستشفى بخطوات بطيئة، وكانت ملامحه جامدة بصورة مخيفة، بينما كانت عيناه تخفيان وجعًا لم يعد قادرًا على وصفه. توقف أمام سيارته للحظات، ثم أخرج مفاتيحه وفتح الباب، وجلس خلف المقود، لكنه لم يتحرك. ظل يحدق أمامه بصمت، قبل أن يهتز هاتفه للمرة العاشرة تقريبًا باسم ياسر، ونظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم ضغط على زر الإجابة، وألقى الهاتف بجواره، بينما ظل ممسكًا بالمقود بقوة.

ياسر
إنت فين يا إسلام أنا بكلمك من بدري ومش بترد، أمك هي اللي كلمتني وقالتلي اللي حصل عشان أبقى جنبك مراد تقريبا قالها اللي حصل، والله يا صاحبي زعلتلك من قلبي، بس دي إرادة ربنا، قدر الله وما شاء فعل، والولد ده ما كانش نصيبك، وربنا يعوضك خير وتخلف عشرة غيره إن شاء الله، المهم إنت شد حيلك. 

_ظل إسلام صامتًا للحظات، ثم قال بصوت بارد خالٍ من أي انفعال.

إسلام
إفتتاح الأوتيل الجديد اللي في التجمع هيبقى إمتى؟ 

ياسر
هو إيه اللي إفتتاح الأوتيل، إنت بتغير الموضوع ليه، أنا بكلمك في مصيبة وإنت بتسألني على الشغل، بس عمومًا بعد أسبوعين إن شاء الله، إشمعنى بتسأل؟ 

إسلام
كويس يبقى الإفتتاح ده هيتلغي، وهيبقى بدل منه فرحي

_انعقد لسان ياسر من شدة الصدمة، ثم قال بعدم استيعاب.

ياسر
فرحك إنت... يعني إيه، هو إنت مش متجوز أصلًا، ولا أنا فاهم غلط؟ 

إسلام
لأ فاهم صح، بس المرة دي هيبقى الفرح اللي الناس كلها تعرف فيه إن لينا الجندي مراتي، وهعمله قدام البلد كلها، ومش عايز مخلوق يقدر بعد كده يأذيها حتي بكلمة

ياسر
إنت بتقول إيه يا إسلام، أنا مش فاهمك، دي فرصة عشان تنهي كل اللي حصل وتطلقها وتحمد ربنا إنك خلصت من كل الفضيحة والمشاكل اللي دخلت نفسك فيها

_اشتدت قبضة إسلام على المقود حتى ابيضت أصابعه، ثم انفجر فيه قائلاً بحده

إسلام
حاسب إنت بتقول إيه، واتكلم عنها باحترام، لينا مراتي، واسمها ما يتجابش بالطريقة دي قدامي تاني

_ارتبك ياسر من نبرة صديقه التي لم يسمعها من قبل، فحاول تهدئته.

ياسر
أنا مقصدتش أضايقك والله، أنا بس خايف عليك وبفكر بعقلي

إسلام
وأنا مش طالب منك تفكرلي، أنا طالب منك تنفذ اللي بقوله وبس، تعملي أكبر دعوات لكل اللي نعرفهم واللي ما نعرفهمش في البلد، وتعزم كل رجال الأعمال وكل الصحافة ، عايز الفرح ده يبقى حديث الناس كلها، والكل يعرف إن لينا الجندي مراتي.. 

ياسر
بس يا إسلام...

إسلام
مفيش بس... يا تنفذ اللي طلبته بالحرف، يا اعتبر إن دي آخر مكالمة بينا، وساعتها تبقى نهاية صداقتنا كلها

_ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يتنهد ياسر باستسلام.

ياسر
حاضر هعمل كل اللي إنت طلبته

_أنهى إسلام المكالمة دون أن يرد، ثم ألقى الهاتف فوق المقعد المجاور، وأدار محرك السيارة بقوه، وانطلقت السيارة بسرعة كبيرة ، بينما كانت عيناه تشتعلان بغضب مكتوم، ولم يكن في عقله سوى وجه شادية، والدماء التي رآها تغطي ملابس لينا، وصوت الطبيب وهو يخبره أن طفله قد مات قبل أن يرى النور.

_ضغط على دواسة الوقود بقوة أكبر، واتجه مباشرة نحو منزل شادية، وقد اتخذ قراره، ولم يعد في قلبه مكان لأي رحمة.

ـــــــــــــــــ #بقلم_الكاتبه_رحاب_القاضي ــــــــــــــــــ

_وبعد قليل توقفت سيارة إسلام أمام منزل شادية، ثم ترجل منها وأغلق الباب بقوة، قبل أن يتجه نحو المنزل بخطوات ثابتة، بينما كانت ملامحه تخلو تمامًا من أي انفعال، وذلك الهدوء البارد كان أشد قسوة من أي غضب.

_فتحت كوثر الباب، وما إن رأته حتى ابتسمت في محاولة لكسر التوتر.

كوثر
اتفضل يا ابني، نورت البيت، الحمد لله إنك جيت يمكن الأمور تهدى بينكم

_لم يرد عليها، واكتفى بالدخول، حتى وقعت عيناه على شادية الجالسة في الصالة وكانت ملامحها شاحبة منذ اللحظة التي رأته فيها، فقد أدركت من نظرته أنه عرف كل شيء، لكنها تماسكت وأجبرت نفسها على الابتسام وقالت 

شادية
إيه ده، جيت تصالحني بعد ما أهنتني قدام أهلك 

_خرجت من إسلام ضحكة ساخرة قصيرة، ثم نظر إليها باحتقار وقال

إسلام
هو الكدب مش جديد عليكي، اللي يخليكي تكدبي عليا عشرين سنة، طبيعي جدًا يخليكي دلوقتي بالبرود ده بعد اللي عمله في مراتي

_ارتبكت شادية، بينما عقدت كوثر حاجبيها بعدم فهم وقالت.. 

كوثر
مراتك مين يا ابني؟ 

ردت شادية بعصبية قبل أن يتكلم هو
مراته اللي اتجوزها عليا، حتة عيلة مراهقة لعبت في دماغه وخطفته مني

التفت إليها إسلام بعينين مشتعلة
اتكلمي عنها باحترام، ولينا أشرف وأنضف منك ألف مرة، والبنت دي هي اللي كشفتلي كدبك اللي كنت عايش فيه سنين، واللي عملتيه فيها النهارده والله ما هيعدي كده بالساهل

_في تلك اللحظة خرج وائل شقيق شاديه الاصغر من غرفته على صوت الصياح، واتجه نحوه بغضب وقال

وائل
إنت اتجننت يا إسلام، جاي تهدد أختي في بيتنا، نسيت نفسك ولا إيه

استدار إليه إسلام ببطء وقال
إلزم حدودك وإنت بتكلمني، وقبل ما ترفع صوتك عليا اعرف الأول أختك عملت إيه

وائل
أنا عارف كل حاجة، وأنا اللي ساعدتها تاخد حقها من البنت اللي خطفت جوزها منها وكانت هتخرب بيتها

_اشتدت ملامح إسلام قسوة، واقترب منه حتى أصبحا وجهًا لوجه.

إسلام
ورحمة أبويا، لأخد حق مراتي وابني منكم، والله لأحبسك إنت وأختك، ولو الدنيا كلها وقفت قدامي مش هتراجع عن اللي هعملو ده

ابتسم وائل بسخرية وقال
هتحبس مراتك وأخوها، ولاد الراجل اللي كان صاحب الفضل عليك وعلى شغلك وعلى اهلك وحياتك كلها

ثبت إسلام عينيه في عينيه دون أن يرمش وقال
أبوك الله يرحمه جميله فوق راسي، وعمري ما أنكره، لكن هو ملوش ذنب في اللي إنتوا عملتوه، الجميل بيني وبينه حاجة، واللي هيكون بيني وبينكم حاجة تانية خالص، وإنت وأختك هتتحاسبوا على اللي عملتوه في مراتي، وعلى ابني اللي مات بسببكم

اقتربت كوثر منه وهي تبكي
استهدى بالله يا ابني، هتحبس مراتك بعد العشرة دي كلها

اسلام 
معاكي حق... ما يصحش فعلًا

_تنفست شادية الصعداء، وظنت أنه تراجع، لكنه التفت إليها مباشرة، وقال بصوت بارد هز أركان المنزل.

إسلام
شادية... إنتي طالق

_ساد الصمت، وتجمد الجميع في أماكنهم، واتسعت عينا شادية بصدمه، بينما نظرت إليه وكأنها لم تستوعب ما قاله.

شادية
إنت... إنت قولت إيه

إسلام
قولت اللي سمعتيه... إنتي طالق، ومن اللحظة دي مبقاش في حاجة تربطني بيكي

بدأت دموعها تنهمر دون إرادة، وهزت رأسها برفض
لأ... مستحيل... إنت أكيد بتقول كده وإنت متعصب... مستحيل تعملها

إسلام
أنا عمري ما كنت عاقل اكتر من اللحظة دي، ودلوقتي مبقاش عندي أي مشكلة أمسح بكرامتكم الأرض، وهتشوفوا إسلام البحيري هيعرف ياخد حق مراته وابنه منكم إزاي

_استدار وغادر المنزل دون أن يلتفت خلفه، وصرخت شادية وهي تركض نحوه.

شادية
إسلام... استنى... بالله عليك استنى

لكن وائل أمسك ذراعها قبل أن تخرج وقال بحده
استني هنا، إنتي مش شايفة حالته، هو خرج عن شعوره، ولو جريتي وراه دلوقتي ممكن يعمل كارثة، إحنا أصلًا في ورطة، وهو دماغه ناشفة، ولو نفذ اللي قال عليه هيودينا في داهية، ولازم نفكر هنعمل إيه

جلست كوثر على أقرب مقعد وهي تمسح دموعها.
منكم لله ليه تعملوا كده، ليه توصلوا الراجل للحالة دي، وأنا اللي كنت فاكرة إنكم هتصلحوا اللي بينكم يا شاديه، يطلع منك كل ده يا شادية

_لم ترد شادية، ولم تعد تسمع شيئًا حولها، وانسحبت بخطوات متعثرة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها،قبل أن تنهار على الأرض باكية، ووضعت يدها فوق فمها تحاول كتم شهقاتها، لكن الصدمة كانت أكبر من أن تُحتمل.

شادية
طلقني... إسلام طلقني... بعد العمر ده كله... خلاص بقيت ولا حاجة في حياته.

وأخذت تبكي بانهيار، بينما كانت للمرة الأولى تشعر أن الرجل الذي أحبته طوال عمرها لم يعلن نهاية زواجهما فقط، بل أعلن أيضًا بداية عداوة لن تتوقف بسهولة.

ـــــــــــــــــ #بقلم_الكاتبه_رحاب_القاضي ــــــــــــــــــ

_وصباحاً في منزل عزت السيوفي، جلس سُهيل داخل غرفته في قصر عزت السيوفي، وقد أغلق الباب خلفه بإحكام، بينما كان الهاتف ملتصقًا بأذنه. وعلى الرغم من هدوء ملامحه، فإن عينيه كانتا تفضحان الإرهاق الذي يسكنه منذ ساعات.

رمزي
اطمن يا سهيل، الحمد لله الدكتور قال إن حالة إمام بقت مستقرة، والخطر الأكبر عدّى، بس لسه محتاج راحة ومتابعة كام يوم

_أغمض سُهيل عينيه للحظة، ثم أطلق زفرة طويلة شعر معها وكأنه استعاد جزءًا من روحه.. 

سُهيل
الحمد لله أهم حاجة دلوقتي محدش يقربله، أمّنوا المستشفى كويس، ولو حتى شكيتوا إن في حد بيراقب المكان انقلوه فورًا

رمزي
إحنا عاملين حساب كل ده، بس أنا وفاروق اتفقنا إن أول ما الدكتور يسمحله بالخروج هناخده على البيت على طول، يكمل علاجه هناك، وجوده وسط أهله ومع رجالتنا هيبقى أمان بكتير من المستشفى

سُهيل
ده القرار الصح، المستشفى بقت مكان مكشوف، وأي حد من رجالة عزت لو عرف مكانه ممكن يحاول يكمل اللي بدأه

رمزي
في حاجة كمان لازم نفكر فيها من دلوقتي، إحنا محتاجين نوصل لإسلام البحيري

انعقد حاجبا سُهيل باستغراب وقال
إسلام البحيري، مش ده المحامي بتاع عزت السيوفي؟ 

رمزي
هو فعلًا محامي عزت، بس في نفس الوقت ده أقوى محامي جنائي في البلد، والناس كلها بتقول إن نص القضايا اللي عزت كسبها كانت بسبب شطارته هو، الراجل ده لو يوم وقف في صفنا، تبقى ضربة قاضية لعزت، لأن محدش هيبقى عارف ملفاته وأسراره زيه

ظل سُهيل صامتًا للحظات، ثم قال بهدوء.
خلينا الأول نطمن إن إمام رجع بيته بالسلامة، وبعدها نفكر في موضوع المحامي ده، خطوة خطوة أحسن من الاستعجال

رمزي
ماشي، على فكرة كلمت نيجار وطمنتها على إمام

ابتسم سُهيل ابتسامة خفيفة وقاب
كانت عاملة إيه

رمزي
والله يا أخي البنت دي طلعت بتحبه أكتر ما كنت متخيل، أول ما سمعت إنه بقى كويس فضلت تعيط من الفرحة، أقسم بالله إمام هيفرح أوي لما يعرف إنها كانت مرعوبة عليه بالشكل ده

ضحك سُهيل ضحكة قصيرة وقال
هو إنت لسه واخد بالك إنها بتحبه، دي من زمان وهي بتحبه، بس نيجار نفسها انه اتغير وبقى أحسن، وده حقها، لأن إمام مهما كان قلبه أبيض معاها، هو في حياته بالنسبالها شيطان وانا وانت وابويا.. 

رمزي
ربنا يهديها عليه ويجمعهم على خير، المهم دلوقتي إنه يقوم بالسلامة

سُهيل
إن شاء الله يلا خليك معاه وما تسيبوش لحظة، ولو حصل أي جديد كلمني فورًا

رمزي
متقلقش... سلام

سُهيل
سلام

_أنهى المكالمة، ثم وضع الهاتف فوق الطاولة، واتجه بخطوات بطيئة نحو النافذة، أزاح الستارة قليلًا، فرأى دانا تقف في نافذة غرفتها وتنظر للسماء ، ثم تنظر نحو بوابة القصر، وكأنها ما زالت تنتظر عودته، لا تعلم بأنه عاد منذ قليل دون ان ترااه  ، وطال النظر إليها، ثم أغمض عينيه للحظة، وهمس بصوت مثقل بالحزن.

سُهيل
أنا آسف يا دانا، آسف على اللي هعمله، بس لا هو بإيدك ولا بإيدي، إحنا اتولدنا في عيلتين ما بيعرفوش غير الكره والدم، والقدر حطنا انا وانتي في النص.

ـــــــــــــــــ #بقلم_الكاتبه_رحاب_القاضي ــــــــــــــــــ
_وفي نفس الوقت في المستشفي وبغرفة لينا كانت أشعة الشمس تتسلل بهدوء إليها، بينما وقف إسلام أمام النافذة، يحدق في الفراغ بعينين أنهكهما السهر. لم يذق طعم النوم طوال الليل، وكانت الأفكار تتزاحم داخل رأسه بلا رحمة، ولأول مرة، شعر أنه كان يعيش عمرًا كاملًا يخدع نفسه فيه و أقنع قلبه سنوات طويلة أن الاعتياد يكفي ليصنع حياة، وأن المسؤولية يمكن أن تحل محل الحب، وأن الاستقرار أهم من المشاعر، تحمل زواجًا لم يشعر فيه يومًا بالراحة التي كان يبحث عنها، وكلما أحس بالفراغ، أقنع نفسه أن هذا نصيب لا بد أن يرضى به، لكن الحقيقة ظهرت في أقسى صورة ممكنة. 

_المرأة التي ظنها يومًا شريكة عمره كانت تخفي عنه الأكاذيب، ثم امتدت يدها لتؤذي الفتاة الوحيدة التي أعادت إلى قلبه الإحساس بالحياة، وكانت سببًا في أن يفقد ابنه قبل أن يراه، أغمض عينيه بقوة، وهمس لنفسه بصوت خافت وهو يلوم نفسه بأنه هو من ظلم نفسه... 

_وقطع صوتها الرقيق شروده فجأة، عندما قالت لينا بنبره مليئه بالحزن والالم

لينا
إسلام

‌_التفت إليها بسرعة، وما إن وجدها قد استعادت وعيها حتى ارتجف قلبه، ورسمت ابتسامة تلقائية طريقها إلى شفتيه دون أن يشعر. اقترب من سريرها وجلس بجوارها.

إسلام
الحمد لله إنك فوقتي، عاملة إيه دلوقتي؟... 

نظرت إليه طويلًا، ثم امتلأت عيناها بالدموع وقالت
إنت... زعلان مني صح

هز رأسه سريعًا، وأمسك يدها برفق.
لأ يا لينا أنا عمري ما أزعل منك على حاجة مالكيش ذنب فيها، إنتي ذنبك إيه في كل اللي حصل ده

_انحدرت دموعها فوق وجنتيها وهي تتحدث بصوت مرتعش.

لينا
أنا مش فاهمة هما بيكرهوني كده ليه، هو أنا عملت إيه لكل الناس دي، مفيش أب يسيب بنته ويمشي زي ما بابي عمل، ولا أم تقف تتفرج وهي شايفة بنتها بتتضرب وكانت هتموت، كانت بصالي بنظرة خوفتني أوي، كأنها مش أمي، وأنا والله مش فاهمة عملت إيه يخليها تكرهني بالشكل ده.

_ازداد ضغطه على يدها، ثم مرر كفه الأخرى فوق رأسها بحنان وقال.. 

إسلام
اهدي ومتفكريش في أي حاجة وحشة تاني طول ما أنا موجود محدش هيقدر يقربلك تاني والله، وأنا مش هسيبك أبدًا، ولو على البيبي اللي راح ربنا كريم، وهيعوضنا عنه بعشرة غيره إن شاء الله.

_رمقته بنظرة مترددة، وكأنها تحاول أن تقرأ ما يدور داخله، وابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها حملت خلفها قرارًا حاسمًا.

إسلام
قومي إنتي بس بالسلامة، وهتشوفي إن في حاجات كتير أوي هتتغير.. 

ترددت قليلًا قبل أن تسأله.
يعني... إنت مش هتطلقني خلاص؟ 

_اقترب منها أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة جدًا، ثم نظر مباشرة إلى عينيها وقال

إسلام
أنا طول عمري كنت تايه يا لينا فاكر إني مرتاح، وكنت بقنع نفسي براحة وسعادة عمرهم ما كانوا موجودين، كنت عايش حياة من غير روح، ولأول مرة حسيت إن لحياتي طعم كان معاكي إنتي لما ظهرتي في حياتي. 

_ازدادت حيرتها، وبرغم الألم الواضح على ملامحها، همست له بهدوء

لينا
أنا... مش فاهمة... قصدك إيه؟ 

_رفع يدها التي يحتضنها بين كفيه، ثم طبع قبلة هادئة فوق أصابعها، وقال وهو ينظر إليها بثبات.

إسلام
قصدي إنك هتفضلي مراتي، وعمري ما هطلقك، ولسه جوايا كلام كتير اوووي بس قومي بالسللمه وهقولكزكل حاحه وهعمل حاجات كتير عشاانك وعشااني، وعشاان نبقي مع بعض
_اتسعت عينا لينا فجأة، وتجمدت ملامحها بين الدهشة وعدم التصديق، بينما بقيت تنظر إليه في صمت، غير قادرة على استيعاب ما سمعته.
أما إسلام، فلم يُبعد عينيه عنها، وكأنه ينتظر الكلمة التي ستحدد مصير كل ما سيأتي بعد ذلك.
يتبع 
                الفصل الثامن من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا
تعليقات



<>