
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الحادي والثلاثون31 بقلم عاشقة القلم
✍️في اليوم التالي...
استيقظت ديلان كعادتها على أذان الفجر، فتوضأت وأدت صلاتها، ثم صلت ما تيسر لها من النوافل، وبعد أن فرغت، جلست في هدوء تذكر الله، ولسانها لا يفتر عن التسبيح والاستغفار، ثم فتحت مصحفها وأكملت وردها اليومي من القرآن.
كانت تلك الساعات من أكثر أوقات يومها سكينة؛ ساعات تشعر فيها أن قلبها يستطيع أن يتنفس بعيدًا عن ضجيج الحياة وأثقالها.
وبقيت على حالها حتى أشرقت الشمس، ثم حان وقت صلاة الضحى، فأدتها بخشوع، وبعدها نهضت وبدلت ثيابها، وارتدت ثوبًا أنيقًا محتشمًا، ثم نزلت إلى شقة والدي زوجها.
ما إن دخلت حتى استقبلتها عائشة بابتسامة واسعة، وكأن حضورها أسعدها.
اقتربت منها، وقالت بحنان:
عائشة: لماذا نزلتِ يا ابنتي؟ كنت سأجهز لكِ فطورك وأصعد به إلى غرفتك، هل تأخرت عليكِ اليوم؟
ابتسمت ديلان، وأمسكت يد عائشة بحب.
ديلان: لا يا أمي، لم تتأخري عني، بل أنا التي سئمت النوم والبقاء في الشقة، لا أستطيع أن أجلس دون أن أقوم بشيء.
ثم سكتت لحظة، قبل أن تقول بنبرة اشتياق:
ديلان: كما أنني اشتقت إلى أمي وإخوتي، لكنني لم أستأذن مراد في الذهاب، ولا أعرف إن كانت أمي في المنزل أم في المدرسة، لقد مضى وقت طويل منذ كانت آخر زيارة لي لها في البيت.
تغيرت ملامح عائشة إلى حنان أمومي خالص.
ربتت على كفي ديلان، وقالت:
عائشة: إذا كنت تريدين الذهاب إليها، فسأتصل بمراد وأطلب منه أن يأذن لكِ، ثم اتصلي بوالدتك أو بالمدرسة، واسألي عنها، فإن كانت في البيت فاذهبي إليها واطمئني عليها.
ثم ابتسمت وأضافت:
عائشة: اخرجي قليلًا ورفهي عن نفسك يا ابنتي، النفسية السيئة لا تفيد الأم ولا حتى الجنين، ولا أريدك أن تبقي حبيسة هذه الجدران.
ما إن ذكرت عائشة كلمة الأم والجنين حتى شعرت ديلان بوخزة مؤلمة في صدرها.
أطرقت برأسها، كان ذلك أكثر ما يؤلمها في هذه الكذبة.
لم تكن تخاف فقط من انكشاف الحقيقة، بل كانت تشعر بالذنب لأنها تخدع أشخاصًا أحبّوها بصدق، وعلى رأسهم عائشة،
كلما سمعتهم يتحدثون عن الجنين، شعرت وكأن شيئًا يضغط على قلبها، ربما كان ابتعادها قليلًا عن المنزل هو ما تحتاج إليه، وربما يكون بيت أمها، ودفء حضنها، وكلماتها، كفيلًا بأن يخفف عنها شيئًا من هذا الحمل الذي لا يراه أحد في صدرها.
أخرجت عائشة هاتفها واتصلت بمراد.
انتظرت قليلًا.
لكن لم يجب.
عاودت الاتصال مرة ثانية، ثم ثالثة، وفي كل مرة كانت الرسالة المسجلة تخبرها بأن الهاتف مشغول أو خارج نطاق التغطية،
تنهدت عائشة وأغلقت الهاتف.
أما ديلان فتوجهت إلى الهاتف الأرضي الموجود في غرفة الجلوس، وطلبت رقم والدتها.
انتظرت...
لكن الهاتف كان مغلقًا،
انقبض قلبها،
عاودت الاتصال مرة أخرى، ثم اتصلت بالمدرسة، وما إن عرّفت عن نفسها حتى سألت عن والدتها.
جاءها الرد:
الموظفة: والدتك أخذت إجازة اليوم لظرف خاص.
تجمدت ديلان للحظة.
ديلان: ظرف خاص؟، هل تعرفون إن كان كل شيء بخير؟.
الموظفة: للأسف لا نعرف التفاصيل، أخبرت الإدارة فقط بأنها مضطرة إلى الغياب اليوم.
شكرت ديلان الموظفة وأغلقت الهاتف.
وقفت للحظات تحدق في الجهاز، بينما بدأت الأفكار المقلقة تتزاحم في رأسها.
لماذا غابت أمها عن المدرسة اليوم فجأة؟،
هل حدث شيء؟،
هل مرض أحد إخوتها؟،
أم أن الأمر يتعلق بها؟،
عادت إلى عائشة بخطوات سريعة.
لاحظت عائشة القلق المرتسم على وجهها، فسألتها:
عائشة: ماذا قالوا لكِ؟.
أخبرتها ديلان بما حدث، ثم قالت:
ديلان: أمي ليست في المدرسة اليوم... قالوا إنها أخذت إجازة لظرف خاص، لكنهم لم يخبروني ما هو.
نظرت عائشة إلى وجهها، ورأت القلق الذي لم تستطع إخفاءه.
اقتربت منها وربتت على كتفها.
عائشة: إذن لا تنتظري يا ابنتي، اصعدي وتجهزي، واذهبي إلى بيت والدتك واطمئني عليها بنفسك.
رفعت ديلان عينيها إليها.
ديلان: لكن مراد لم يجب.
عائشة: سأتصرف أنا، عندما يعود أو يتصل بي سأخبره أنك ذهبت إلى والدتك.
ثم ابتسمت مطمئنة:
عائشة: لا أريدك أن تقلقي، وزيارة والدتك واجب عليك، ومن حقك أن تذهبي إليها وتطمئني عليها.
سكتت لحظة، ثم قالت:
عائشة: وسأتصل بالعم محمود، صديق والدك عزت، كنا نستعين به عندما نحتاج إلى الذهاب إلى مكان ما، قبل ان نشتري سيارة، وهو رجل في سن عزت وأثق به، سيأخذك إلى بيت والدتك، وفي المساء سيعود ليصطحبك إلى هنا.
شعرت ديلان بشيء من الارتياح.
ديلان: شكرًا لكِ يا أمي.
ابتسمت عائشة وربتت على يدها.
عائشة: لا تشكريني يا ابنتي، اذهبي واطمئني على أمك، فهذا أهم شيء.
صعدت ديلان إلى شقتها، وبدأت تستعد للخروج.
ارتدت ثوبًا محتشمًا، ورتبت حجابها ونقابها، ثم أخذت حقيبتها وتفقدت ثيابها للمرة الأخيرة قبل ان تخرج.
وما إن وصلت إلى الأسفل حتى أخبرتها عائشة، لا يوجد اتصال من مراد، ولا حتى رسالة.
تنهدت ثم حملت حقيبتها، ثم ودعت عائشة وخرجت.
عائشة: العم محمود ينتظرك في الخارج، سيأخذك إلى بيت والدتك، وفي المساء سيعود ليعيدك إلى هنا.
أومأت ديلان، ثم احتضنت عائشة للحظات.
كان ذلك الحضن البسيط كافيًا لأن تشعر بعاطفة غريبة تجتاحها.
أغمضت عينيها وهمست:
ديلان: ادعي لي يا أمي.
ربتت عائشة على ظهرها.
عائشة: حفظك الله يا ابنتي، وطمأن قلبك.
ابتعدت ديلان عنها، ثم خرجت.
كانت تظن أنها ذاهبة فقط لتطمئن على والدتها...
لكن شيئًا في داخلها كان يخبرها بأن غياب أمها المفاجئ لم يكن أمرًا عابرًا.
ومع كل خطوة كانت تخطوها نحو السيارة، كان القلق يكبر في صدرها، بينما كان قلبها يتشبث بأمنية واحدة:
أن تكون أمها بخير.
في الشقة بالطابق الأول، كانت دنيز جالسة وحدها في غرفتها، تحدق أمامها بشرود، بينما عقلها يعيد تفاصيل ما حدث في اليوم السابق مرة تلو الأخرى.
كانت قد اقتربت...
اقتربت جدًا من الحصول على الرسالة.
لم يبقَ سوى لحظات، وكانت ستضع يدها عليها، لولا وصول باران في ذلك التوقيت بالذات، وكأنه ظهر من العدم ليحطم خطتها في اللحظة الأخيرة.
ضغطت دنيز على شفتيها بغيظ، وشعرت بالغضب يتصاعد في صدرها كلما تذكرت المشهد.
دنيز في سرها: لو تأخر قليلًا فقط... لكانت الرسالة الآن بين يدي.
لكن الغضب لم يكن أكثر ما يقلقها.
كان باران.
لقد لاحظ شيئًا.
ربما لم يعرف الحقيقة، لكنه بالتأكيد لم يعد ينظر إليها كما كان من قبل، نظراته يومها، وإصراره على معرفة حقيقة إصابة كاحلها، ثم رحيله وهو يراقبها بشك... كل ذلك لم يكن مطمئنًا.
نهضت من مكانها، وأخذت تتجول في الغرفة ذهابًا وإيابًا.
دنيز في سرها: لا بد أنه بدأ يشك بي.
توقفت أمام المرآة، ونظرت إلى انعكاسها.
كان عليها أن تكون أكثر حذرًا.
فإذا بدأ باران بمراقبتها، فإن أي خطوة خاطئة قد تكشف كل شيء.
والأسوأ من ذلك أن وجوده في المنزل أصبح عائقًا حقيقيًا أمامها.
تنفست ببطء، ثم عادت إلى التفكير.
لم يكن أمامها سوى الانتظار.
عليها أن تختار الوقت المناسب، حين يبدأ باران عمله ويغادر المنزل، وتتأكد من أنه غير موجود بالبيت، لن يعود حتى المساء، حينها فقط ستعود إلى شقة ديلان.
لكن هذه المرة لن تترك شيئًا للصدفة، لن تتظاهر بأنها جاءت لتطمئن عليها فقط، ولن تسمح لأي شخص بأن يقطع عليها الطريق هذه المرة.
ستدخل، وتأخذ الرسالة من المكان الذي خبئتها به ديلان، وستخرج بها.
وضعت يدها على صدرها، وشعرت بنبضات قلبها تتسارع.
فالرسالة لم تعد بالنسبة إليها مجرد ورقة فحسب، لقد أصبحت سلاحها الوحيد.
السلاح الذي يمكن أن تستخدمه ضد ديلان، وتفتح به الطريق أمام نفسها نحو مراد، وكان أكثر ما يخيفها أن تسبقها ديلان إلى التخلص منها.
فإذا مزقتها وألقتها، ضاع كل شيء.
إذا اختفت الرسالة، اختفى الدليل الذي تعلقت به خطتها كلها.
رفعت دنيز رأسها، وظهرت في عينيها عزيمة باردة.
دنيز في سرها: لن أسمح لها بذلك.
ثم ابتسمت ابتسامة خافتة.
دنيز: هذه المرة لن أعود خالية الوفاض.
عادت وجلست على طرف السرير، وبدأت تفكر في كل خطوة ستقوم بها.
ستنتظر.
ستراقب.
وستختار اللحظة التي تضمن فيها غياب باران.
أما ديلان...
فلم تكن تعلم أن دنيز لم تتراجع، وأن فشل محاولتها الأولى لم يجعلها تتخلى عن خطتها، بل جعلها أكثر حذرًا وإصرارًا.
وكانت الرسالة، المختبئة في مكانها، لا تزال تنتظر اليد التي ستصل إليها...
دون أن تعرف ديلان أن الخطر أصبح أقرب إليها من أي وقت مضى.
وصلت ديلان إلى بيت والدتها وقلبها يسبق خطواتها شوقًا وحنينًا، وما إن طرقت الباب حتى فُتح سريعًا، ليظهر أمامها شقيقها أحمد، الذي ما إن رآها حتى أشرق وجهه بالفرح.
أحمد: ديلان!.
ابتسمت له ديلان، وانحنت لتحتضنه، ثم دخلت وهي تمسك بيده.
وما إن خطت بضع خطوات حتى سمعَت صوتًا صغيرًا يهتف باسمها من داخل المنزل.
عمر: ديلان!.
خرجت أمينة من المطبخ على عجل، وقد كانت منهمكة في إعداد الغداء، وما إن وقعت عيناها على ابنتها حتى تركت ما في يديها واتجهت إليها.
لقد مضى أكثر من شهر على آخر زيارة لديلان، وكان الشوق قد أثقل قلب الأم كما أثقل قلب ابنتها.
احتضنتها أمينة بقوة، وأخذت تقبل وجنتيها ورأسها.
أمينة: ديلان... ابنتي! لقد اشتقت إليكِ كثيرًا.
أغمضت ديلان عينيها وهي تستشعر دفء حضن أمها، وقالت بصوت يحمل شيئًا من العتاب:
ديلان: وأنا اشتقت إليكِ أكثر يا أمي. لكن لي عتاب عليكِ... ألست ابنتك؟، كيف لا تسألين عني ولا تتصلين بي، ولا تأتين لزيارتي، مع أن بيتي قريب من مقر عملك وعملي السابق؟.
تنهدت أمينة وربتت على شعر ابنتها.
أمينة: اعذريني يا ابنتي، نعم؛ أنا مقصرة معكِ، لكن مشاغل الحياة تسرقنا أحيانًا دون أن نشعر، أنت تعلمين أنني أعمل وأرعى طفلين وحدي، وما يمنعني من زيارتك إلا أنني مطمئنة عليكِ.
ثم ابتسمت بحنان:
أمينة: أنتِ الآن وسط عائلة تحبكِ وتحسن معاملتكِ، وخصوصًا عائشة... إنها بالنسبة إليكِ أم ثانية.
أومأت ديلان.
ديلان: نعم يا أمي، وهذا صحيح... لكن ذلك لا يمنعكِ من زيارتي.
ابتسمت أمينة، ثم أمسكت بيدها وأدخلتها إلى غرفة الجلوس.
جلست ديلان إلى جانب والدتها، وما هي إلا لحظات حتى التف حولها أحمد وعمر، يتسابقان في الحديث معها وطرح الأسئلة، وكأنهما يحاولان تعويض الأيام التي غابت فيها عنهم.
ضحكت ديلان لأول مرة منذ مدة، وشعرت أن صدرها بدأ يتنفس.
هنا...
بين أمها وإخوتها.
بعيدًا عن أسرارها، وعن الكذبة التي أثقلت قلبها.
لكن ذلك الشعور لم يدم طويلًا.
استأذنت أمينة للعودة إلى المطبخ لإكمال إعداد الغداء، بينما بقيت ديلان مع شقيقيها.
وفجأة...
سمعت صوتًا تعرفه جيدًا، صوت اكثر شخص تكرهه وتبغضه.
كاظم: السلام عليكم.
تجمدت ديلان.
انطفأت ابتسامتها في لحظة.
شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها، وكأن الماضي عاد ليقف أمامها فجأة بكل ما يحمله من خوف.
استدارت ببطء.
وكان هو.
كاظم.
الرجل الذي ظنت أنه خلف القضبان، وغيابه عن البيت سيمنحها أخيرًا فرصة لتتنفس.
نهضت من مكانها دفعة واحدة، وصاحت غير مصدقة:
ديلان: كاظم؟!.
تراجعت خطوة.
ديلان: متى خرجت من السجن؟، وكيف أطلقوا سراحك؟.
ارتسمت على وجه كاظم ابتسامة ساخرة، وكأنه لم يرَ في استقبالها سوى فرصة جديدة لإذلالها.
كاظم: بدلًا من أن تفرحي بعودتي وتهنئيني بخروجي من السجن، تستقبلينني بهذه الطريقة؟!.
ثم اقترب قليلًا وقال بتهكم:
كاظم: أهذا جزائي؟، أهكذا تستقبلين الرجل الذي ربّاكِ؟.
اشتعل الغضب في عيني ديلان.
ديلان: اخرس!.
ارتجف صوتها، لكن كلماتها خرجت حادة:
ديلان: أنت لست أبي، ولن تكون أبي، مهما حاولت أن تقنع نفسك بذلك، مكانك هناك خلف القضبان، حيث كان يجب أن تبقى!.
ابتسم كاظم ابتسامة مستفزة.
كاظم: ما هذا الكلام الذي أصبح أكبر من عمرك؟.
ثم راح يتأملها بنظرة جعلت الخوف والغضب يمتزجان في صدرها.
كاظم: لكنني، بصراحة، اشتقت إليكِ كثيرًا.
توقفت ديلان عن التنفس للحظة.
تابع كاظم:
كاظم: وأرى أن الزواج قد أتى بثماره عليكِ... لقد ازددتِ جمالًا وأنوثة.
ثم ابتسم ابتسامة مقززة:
كاظم: اشتقت إلى تلك الأيام... أتذكرين يا حلوة؟، ثم غمز لها بطرف عينه غمزة وقحة.
تراجعت ديلان عنه، ثم دفعته بكل قوتها بعيدًا عنها.
ديلان: ابتعد عني أيها الحقير!
ارتفع صوتها:
ديلان: وإياك أن تلمسني أو حتى تفكر في الاقتراب مني، لن أسكت هذه المرة، وسأكون أنا من يعيدك إلى حيث كنت!.
ضحك كاظم بسخرية.
كاظم: لقد كبرت القطة... وظهر لها أظافر، وأصبحت تعرف كيف تخربش.
اشتعلت ديلان غضبًا، ودفعته مرة أخرى، حتى اختل توازنه وكاد يسقط.
ثم استدارت واندفعت نحو الباب.
تفاجأت امينة وهي ترى ديلان مسرعة نحو باب البيت لتغادر فصاحت من خلفها.
أمينة: ديلان! انتظري يا ابنتي!.
لكن ديلان لم تتوقف.
كانت دموعها قد بدأت تتجمع في عينيها، وصدرها يعلو ويهبط من شدة الانفعال.
وحين تجاوزت عتبة الباب، توقفت لحظة والتفتت إلى أمها.
كان في عينيها عتاب موجع.
ديلان: ألهذا السبب أخذتِ إجازة اليوم؟.
ارتجف صوتها لكنها واصلت الكلام:
ديلان: وأنا التي ظننت أنكِ مريضة... جئت مسرعة لأراكِ وأطمئن عليكِ.
خفضت أمينة عينيها، ثم قالت بحزن:
أمينة: لقد أُطلق سراحه صباح اليوم، استعنت بمحامٍ، وساعدتني مديرة المدرسة الجديدة، التي أوصت بي إليها السيدة كريمة، وبعد أن قضى نصف المدة، وتنازل المشتكي عن القضية، وبعد تسوية المستحقات ودفع مبلغ وصولات الأمانة، التي ساعدتني بها إحدى الحمعيات الخيرية، التي تكلمت معهم المديرة الجديدة واوصتهم بمساعدتي، صدر قرار الإفراج عنه أخيرا.
نظرت إليها ديلان بصدمة ممزوجة بالمرارة.
ديلان: إذن لم تقصري جهدًا في إخراج ذلك الكلب من سجنه...
وقفت امينة مستغربة من نبرة ديلان وتلك الكلمات التي تلفضت بها.
امتلأت عينا ديلان بالدموع، ولم تستطع البقاء أكثر.
استدارت وغادرت دون أن تقول كلمة أخرى.
أمينة: ديلان... ابنتي!.
لكن الباب أُغلق خلفها.
وقبل أن تستوعب أمينة ما حدث، جاء صوت كاظم من خلفها، مليئًا بالغضب والشكوى:
كاظم: أرأيتِ ابنتك المدللة؟!، إنها تكرهني حتى إنها تتمنى أن أبقى في السجن!.
ثم تابع بصوت أعلى:
كاظم: لا تفكر في إخوتها الذين عاشوا بلا أب! طيلة هذه المدة، هي فقدت أباها، ولذلك تحمل الحقد عليّ، وحتى على إخوتها!.
كانت أمينة واقفة صامتة تنظر إليه بإستغراب، تنظر إلى الباب الذي خرجت منه ابنتها، ثم تعود بعينيها إلى كاظم.
لكن كاظم لم يتوقف.
كاظم: منذ أن تزوجت، بدأت ترى نفسها أكبر مني وأعلى شأنًا!، تظن أنه لم يعد يحق لي أن أتحدث معها أو أقوّمها!.
ثم رماها بنظرة اتهام:
كاظم: وكل هذا بسبب دلالك لها، كنتِ دائمًا تقولين إنها طفلة ولا تعرف شيئًا... انظري إليها الآن!، لقد أصبحت قليلة الأدب، وتحتاج إلى من يربيها من جديد.
ظلت أمينة صامتة.
كانت تسمع كلماته، لكن عقلها كان في مكان آخر.
كانت ترى وجه ديلان وهي تغادر.
تلك النظرة التي لم تكن تحمل غضبًا فقط...
بل خيبة.
خيبة امرأة جاءت إلى بيت أمها بحثًا عن الأمان، فعثرت على الكابوس الذي كانت تظن أنها نجت منه.
أما خارج المنزل، فكانت ديلان تمشي دون أن تعرف إلى أين تتجه.
كانت دموعها تنهمر بصمت.
لقد جاءت إلى هنا وهي تشتاق إلى حضن أمها...
وعادت تحمل في قلبها جرحًا جديدًا.
وكان السؤال الوحيد الذي يطرق رأسها بقسوة:
لماذا، يا رب، كلما ظننت أنني وجدت مكانًا آمنًا... عاد الماضي ليطاردني من جديد؟.
لم تعرف ديلان كم مضى من الوقت وهي تسير...
كانت قد غادرت بيت والدتها بخطوات متعثرة، والدموع تنساب على وجنتيها دون أن تكلف نفسها عناء مسحها. لم تكن ترى الطريق أمامها بوضوح، ولم تكن تعرف إلى أين تتجه، وكأن قدميها كانتا تقودانها وحدهما، بعيدًا عن كل شيء، وباتجاه المكان الوحيد الذي لطالما شعرت فيه بالأمان.
حتى توقفت أمام تلك الحديقة.
الحديقة التي كانت تلتقي بها بصديقتها الراحلة مريم...
رفعت ديلان عينيها إليها، فاجتاح قلبها ألم قديم، ألم لم يندمل رغم مرور الوقت.
هنا كانت تجلس مع صديقتها الوحيدة.
هنا كانت تضحك معها، وتبكي بين ذراعيها، وتروي لها ما تخفيه عن الجميع، كانت مريم تعرف أسرارها، وتفهم صمتها قبل كلامها، وكانت ديلان تجد في وجودها ملاذًا من قسوة الحياة.
لكن مريم رحلت...
ومنذ رحيلها، لم تجد ديلان من يشبهها.
لم تجد قلبًا تفتح له صدرها دون خوف، ولا كتفًا تسند إليه رأسها حين يثقلها التعب، ولا صديقة تركض إليها حين تضيق بها الدنيا.
دخلت الحديقة بخطوات بطيئة، ثم اتجهت إلى المقعد الذي اعتادتا الجلوس عليه.
جلست...
وبمجرد أن استقرت عليه، انهار ما تبقى من صبرها.
أطلقت العنان لشهقاتها، وانفجرت بالبكاء.
خرجت دموعها كأنها كانت محبوسة خلف سدٍّ طويل، وما إن انكسر ذلك السد حتى تدفقت بلا توقف، تغسل شيئًا من الحزن المتراكم في صدرها، حتى تبلل نقابها الذي يغطي وجهها.
وضعت يديها على وجهها فوق النقاب، وانحنت بجسدها وهي تبكي.
ديلان في سرها: يا رب...
ارتجف قلبها وهي تناجي ربها بصمت.
ديلان: يا رب، لقد تعبت...
رفعت رأسها قليلًا، ومسحت دموعها بيد مرتجفة، ثم عادت إلى مناجاته.
ديلان: لم أعد أعرف إلى من ألجأ... لم يبقَ لي أحد.
توقفت لحظة، ثم ابتلعت غصتها.
ديلان: كانت لي مريم... وكانت تعرف كل ما في قلبي، ثم أخذتها مني يا رب، وأمي... ذلك الحضن الذي يهرب إليه الناس حين تضيق بهم الدنيا، حتى هذا الحضن لم يعد لي كما كنت أرجو.
انهمرت دموع جديدة.
ديلان: لم أعد أريد شيئًا من الدنيا... أريد فقط أن أجد مكانًا أضع فيه هذا التعب.
ثم أغمضت عينيها وهمست:
ديلان: ليس لي سواك يا الله... أنت وحدك تعلم ما أخفيه، وتعلم ما يؤلمني، وتعلم كم أخشى أن ينكشف كل شيء، وكم أخاف أن أخسر من أحب بسبب أخطاء لم أعد أعرف كيف أخرج منها.
ساد الصمت من حولها.
لم يكن هناك سوى صوت الريح وهي تحرك أوراق الأشجار، وبعض أصوات العابرين البعيدة.
وبقيت ديلان تبكي...
تبكي حتى خفت شهقاتها شيئًا فشيئًا.
وكأنها أفرغت في تلك الدموع شيئًا من ثقل روحها.
لم تختفِ أحزانها، لكنها شعرت بأن صدرها أصبح أوسع قليلًا، وأن الحمل الذي كان يضغط على قلبها بدأ يخف، ولو بقدر يسير.
رفعت رأسها، ونظرت حولها.
كانت الحديقة كما تركتها مريم في ذاكرتها؛ الأشجار، والمقاعد، والممرات التي شهدت يومًا ضحكاتهما وحديثهما الطويل.
ثم رفعت عينيها إلى السماء.
كانت ملبدة بالغيوم، وقد اكتست بلون رمادي هادئ، يشبه تمامًا لون عينيها حين يغمرهما الحزن.
حدقت بها طويلًا.
وشعرت للحظة وكأن السماء تشاركها وجعها.
لكنها، بعد لحظات، رأت شيئًا يتغير.
بدأت الغيوم تتباعد ببطء...
وانشق ذلك الستار الرمادي عن خيط من النور.
ثم اتسعت الفجوة شيئًا فشيئًا، حتى ظهرت أشعة الشمس من خلف الغيوم، تتسلل إلى المكان في هدوء.
وبعد لحظات، ظهر قرص الشمس كاملًا، وأرسل أشعته الذهبية الدافئة فوق الحديقة.
لامست أشعتها وجه ديلان، وجففت شيئًا من آثار دموعها.
شعرت بدفء يتسلل إلى يديها، ثم إلى صدرها.
نظرت إلى السماء طويلًا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، بالكاد تُرى.
لم تكن تعرف إن كانت تلك مجرد مصادفة...
أم أنها أرادت أن تراها رسالة.
لكن قلبها اختار أن يؤمن بأنها رسالة.
ديلان في سرها: لعلها علامة منك يا رب...
ابتسمت والدموع لا تزال عالقة في عينيها.
ديلان: لعل بعد هذا الحزن فرحًا... وبعد هذا الضيق فرجًا.
ثم أغمضت عينيها لحظة، واستنشقت الهواء بعمق.
كانت الشمس قد خرجت من خلف الغيوم...
وكأنها تقول لها دون كلمات:
إن الغيوم مهما طال بقاؤها، لا تستطيع أن تمنع الشمس من الشروق وتحجب اشعتها من إختراقها.
وربما كان حال قلبها كذلك.
فمهما طال الليل، لا بد أن يأتي الفجر.
ومهما أثقلها الحزن، لا بد أن يأتي يوم تشرق فيه شمس سعادتها، فتنسى كل هذه الدموع، وكل هذه الأيام التي ظنت فيها أن الحياة لن تمنحها شيئًا سوى الألم.
عادت ديلان إلى بيت زوجها وقلبها مثقل بما حدث في منزل والدتها. كانت الشمس تميل نحو الغروب حين وصلت، ولم تكن تعلم أن ما ينتظرها في الداخل سيكون أشد قسوة مما تركته خلفها.
في شقة عائلة زوجها، كانت الأسرة مجتمعة حول مائدة الغداء، جلس عزت في مكانه، وإلى جواره عائشة، بينما كان باران يتجهز ليجلس ويتناول الطعام.
دخل مراد إلى المنزل حيث التفت حوله، وكأن شيئًا ينقص المكان.
مراد: ألم تنزل ديلان؟، ألا يعلم أحد أين ذهبت؟.
وقبل أن يجيبه أحد، جاء صوتها من خلفه:
ديلان: أنا هنا... لقد عدت.
استدار مراد بسرعة، فرآها تقف عند مدخل الشقة.
ديلان: كنت في زيارة لأمي.
لكن ما إن وقعت عيناه عليها حتى تبدلت ملامحه، وكأن الغضب الذي كان يخفيه طوال الطريق وجد أخيرًا من يصب عليه.
تقدم نحوها بخطوات سريعة، وأمسك معصمها بقوة.
مراد: أين كنتِ يا هانم؟! وكيف تخرجين من البيت دون إذني؟!.
شهقت ديلان من الألم، وحاولت تخليص يدها.
ديلان: مراد... اتركني، أنت تؤلمني!.
لكن قبضته ازدادت قوة، وفي اللحظة نفسها انتفضت عائشة من مكانها واتجهت نحوهما مسرعة.
عائشة: مراد! اترك يدها!.
وفي اللحظة التي كاد فيها الموقف يتجاوز حدوده، دوّى صوت عزت في أرجاء المكان:
عزت: مراااد!.
تجمد الجميع.
حتى مراد نفسه توقف في مكانه.
نظر عزت إلى يد ابنه التي كانت لا تزال قابضة على معصم ديلان، ثم قال بصوت جهوري امتزج فيه الغضب بالخيبة:
عزت: ما الذي تفعله؟!، أوصل بك الأمر أن تمد يدك على زوجتك أمامنا؟!، ألهذا الحد لم يبقَ لنا عندك ذرة احترام أو قدر؟!.
ثم أشار إلى ديلان:
عزت: ماذا فعلت لك حتى تهجم عليها بهذه الهمجية؟!.
أفلت مراد يدها أخيرًا.
تراجعت ديلان خطوة، واحتضنت عائشة كتفيها فورًا، وكأنها تريد أن تحجبها عن غضب ابنها.
أما باران، فبقي واقفًا في مكانه، عاجزًا عن استيعاب ما رأته عيناه.
باران في نفسه: أيمكن أن يكون مراد... يمد يده على زوجته؟،
كان يعرف أن أخاه لم يختر تلك الفتاة ولم تكن بينهم قصة حب قبل الزواج، وقد لاحظ أن معاملته لديلان لم تكن مثالية، لكنه لم يتخيل أن الأمر بلغ حد العنف.
نظر إلى ديلان.
كانت واقفة بجوار أمه، تحاول أن تخفي ارتجافها، بينما بقي أثر قبضته واضحًا على معصمها.
شعر بشيء ينقبض في صدره.
أما عائشة، فلم تنتظر تفسيرًا.
استدارت إلى ابنها، وكانت عيناها ممتلئتين بالغضب والألم معًا.
عائشة: ما هذا الذي تفعله يا مراد؟! أوصل بك الأمر إلى أن تؤذي زوجتك أمامنا؟!.
ثم أمسكت بيد ديلان واحتضنتها.
عائشة: ماذا فعلت لك؟! ذهبت لزيارة والدتها فقط!.
رفع مراد صوته، وكأنه وجد لنفسه مبررًا يتمسك به:
مراد: لكنها خرجت من البيت دون إذني!، لقد حذرتها من قبل ألا تعصي أمري!.
حدقت فيه عائشة غير مصدقة.
عائشة: وكيف كانت ستستأذن منك وأنت منعت عنها الهاتف وسحبته منها؟!.
ساد الصمت.
تابعت بحدة:
عائشة: بل حتى الهاتف الأرضي رفضت أن توصل به شقتك!، ثم إنها لم تخرج دون أن تستأذن، لقد جاءت إليّ وطلبت مني السماح لها بالذهاب، وأنا وافقت بعد أن حاولت الاتصال بك مرارًا وتكرارا دون رد منك!.
ثم أشارت إلى هاتفها.
عائشة: لو فتحت هاتفك لرأيت عدد اتصالاتي، ولو كنت تنظر إلى إشعاراته لعرفت أننا حاولنا الوصول إليك!.
اقتربت خطوة من ابنها، وقالت بصرامة:
عائشة: ثم أخبرني... إلى أين ذهبت؟ إلى مكان غريب؟ إلى بيت رجل لا تعرفه؟!.
لم يجبها مراد.
فقالت:
عائشة: ذهبت إلى بيت أمها! هل تحتاج زوجتك إلى إذنك حتى تنزل إلى بيت أمها، وهي لا تملك هاتفًا تتصل به بك لأنك أنت من حرمتها منه؟!، ثم قل هل تأخذ زوجتك إذن منك لتنزل إلي وتزورني انا أيضا.
بقي مراد صامتًا.
كانت كلمات والدته تصيبه واحدة تلو الأخرى، ولم يجد جوابًا يستطيع أن يقف به أمامها.
أما ديلان، فكانت تستمع والدموع تملأ عينيها.
لم تكن تتوقع أن تدافع عنها عائشة بهذه القوة.
احتضنتها عائشة أكثر، وربتت على ظهرها بحنان.
عائشة: لا تخافي يا ابنتي... أنا هنا.
كانت تلك الكلمات البسيطة كافية لتجعل قلب ديلان يرتجف.
كم كانت بحاجة إلى أن تسمعها...
لكن صوت عزت قطع اللحظة.
عزت: اسمعني جيدًا يا مراد.
رفع مراد عينيه إليه.
عزت: هذه آخر مرة أسمعك تتحدث مع زوجتك بهذه اللهجة، أو أراك ترفع يدك عليها، وإذا كنت تظن أنها وحيدة، لا أب لها ولا أخ يقف في وجهك...
تقدم عزت خطوة، وقال بحزم:
عزت: فأنا أبوها منذ دخلت هذا البيت، وأنا من سأحاسبك إن ظلمتها.
ثم أضاف:
عزت: وإن كنت تظن أن أمها بعيدة عنها بسبب عملها ورعاية طفليها، فأمك هي أمها هنا، ولن تسمح لك بإهانتها أو ظلمها.
خفض مراد رأسه.
للمرة الأولى شعر أن الجميع يقف في الجهة الأخرى منه.
وبعد لحظات قال بصوت خافت:
مراد: أنا آسف يا أبي... أعتذر منك ومن أمي.
لكن عائشة هزت رأسها.
عائشة: نحن لسنا من يجب أن تعتذر إليه.
رفع مراد عينيه إليها.
فأشارت إلى ديلان.
عائشة: هي من يجب ان تعتذر منها وتطلب منها السماح.
سكتت لحظة، ثم قالت بنبرة تحمل عتاب أم لا تريد أن ترى ابنها يظلم إنسانة ائتمنه الله عليها:
عائشة: اعتذر لزوجتك يا مراد. ليست لأنها زوجتك فقط، بل لأنها إنسانة لها كرامتها ومشاعرها.
ثم اقتربت منه وقالت:
عائشة: لا تظن أن صبرها ضعف، ولا أن هدوءها يعني أنك تملك حق إهانتها، لقد صبرت على تصرفات كثيرة منك، وتحملت ما لم تكن مضطرة إلى تحمله، ولم تقابل إساءتك بإساءة.
تنهدت بحزن.
عائشة: احمد الله أن رزقك زوجة صالحة، صابرة، مطيعة، وتحاول أن تحفظ بيتك رغم كل ما تفعله بها.
ثم نظرت إليه نظرة حازمة:
عائشة: فلا تجعل صبرها يغريك بظلمها، لان النعمة إذا لم تُصن، زالت.
ساد صمت ثقيل حول المائدة.
أما باران، فكان يقف وكأن كلمات أمه قد فتحت أمامه بابًا لم يكن يريد أن يفتحه.
كان ينظر إلى أخيه، ثم إلى ديلان.
باران في نفسه: هل هذا هو مراد الذي أعرفه؟،
لم يستطع أن يربط بين أخيه الذي طالما رآه سندًا للعائلة، وبين الرجل الذي وقف قبل لحظات قابضًا على معصم امرأة لم تفعل شيئًا سوى أنها خرجت لزيارة أمها.
ثم عاد ينظر إلى ديلان.
رآها تحاول أن تخفي ألمها، وأن تمسح دموعها بصمت حتى لا تزيد الأمر تعقيدًا.
شعر بشيء من الاحترام يتسلل إلى قلبه تجاهها.
باران في نفسه: كم كنت مخطئًا في ظني بها...
لم يرَ أمامه امرأة ضعيفة كما كان يعتقد، بل امرأة تملك من الصبر ما يكفي لتحمل رجل لم يمنحها حتى فرصة عادلة.
وتسلل إلى قلبه شعور آخر لم يستطع تفسيره.
تمنى، في لحظة عابرة، لو أن المرأة التي أحبها كانت تحمل من صفات ديلان شيئًا من هذا الصبر، وهذا الوفاء، وهذا الهدوء.
لو كانت امرأته لوضعها تاجًا على قلبه، وملكة على حياته، ويفخر بها أمام الناس بدل أن يراها تُهان أمام عينيه.
لكنه سرعان ما طرد تلك الأفكار من رأسه، وأشاح بنظره.
أما ديلان، فبقيت صامتة بين ذراعي عائشة، تشعر للمرة الأولى منذ وقت طويل أن هناك من يقف إلى جانبها دون أن تطلب منه ذلك.
وفي الطرف الآخر، وقف مراد مطأطئ الرأس.
وللمرة الأولى، لم يكن يشعر بالغضب من ديلان...
بل بالخجل من نفسه.
......✍️مرت عدة أيام على تلك الحادثة، وبدأت الحياة تستعيد شيئًا من هدوئها الظاهري.
كان باران قد تسلّم عمله أخيرًا، وأصبح يغادر المنزل كل صباح، فلا يبقى فيه خلال ساعات النهار سوى النساء؛ ديلان في شقتها، وعائشة وملك الصغيرة في الطابق الثاني، بينما كانت صفية ودنيز في الطابق الأول.
وكان غياب باران بالنسبة إلى دنيز فرصة طال انتظارها.
جلست في غرفتها تراجع في ذهنها ما حدث، ثم تنفست براحة حين تأكدت أن عيني باران لم تعودا تراقبان تحركاتها.
دنيز في سرها: الآن أصبح الطريق مفتوحًا.
لقد كانت الرسالة لا تزال في مكانها، أو هكذا ظنت، ولم تكن مستعدة لأن تسمح لديلان بأن تسبقها إليها.
نهضت وارتدت ملابسها، ثم خرجت من شقتها، وصعدت الدرج بخطوات هادئة. وقبل أن تطرق باب ديلان، ألقت نظرة حولها لتتأكد من خلو المكان.
ثم طرقت.
بعد لحظات، فُتح الباب، وظهرت ديلان أمامها.
ابتسمت دنيز واقتربت منها مصطنعةً الحنان.
دنيز: كيف حالك يا ديلان؟ لقد اشتقت إليك كثيرًا.
ديلان: أهلًا بك يا دنيز، تفضلي.
دخلت دنيز وأغلقت الباب خلفها، ثم التفتت إليها متصنعة العتاب.
دنيز: أنا غاضبة منكِ.
نظرت إليها ديلان باستغراب.
ديلان: ولماذا؟.
دنيز: لم تكلفي نفسك حتى بالسؤال عني بعد أن التوى كاحلي.
ابتسمت ديلان بحرج.
ديلان: لكنني رأيتك بعد ذلك تسيرين عليه بشكل طبيعي.
وضعت دنيز يدها على صدرها وكأنها ما زالت متأثرة بما حدث.
دنيز: سامحك الله! لقد كنت خائفة من باران عندما وجدته أمامي وبدأ يصرخ، من شدة خوفي لم أشعر حتى بألم كاحلي!
ضحكت ديلان بخفة.
ديلان: حسنًا، حصل خير، وكيف أصبحت قدمك الآن؟.
دنيز: الحمد لله، أفضل بكثير.
ثم نظرت إليها وأضافت بمكر لطيف:
دنيز: لكن هل سنبقى نتحدث عند الباب؟، ألا تدعينني إلى الدخول والجلوس وتقدمين لي شيئًا باردًا بعد أن صعدت كل هذه الدرجات لأطمئن عليكِ؟.
ابتسمت ديلان.
ديلان: بل تفضلي، أهلًا وسهلًا بك، اجلسي، فأنا أيضًا أشعر بالعطش، كنت سأعد عصير المانجا، وسأعد لكِ معي، أم تفضلين شيئًا آخر؟.
أسرعت دنيز بالإجابة:
دنيز: لا، أحب المانجا.
توجهت ديلان إلى المطبخ.
وما إن ابتعدت خطوات حتى تبدلت ملامح دنيز.
لمعت عيناها.
كانت هذه اللحظة التي انتظرتها.
التفتت نحو الشرفة، واتجهت إليها بخفة، حتى وصلت إلى الأصيص الذي كانت قد رأته من قبل.
رفعت يدها، وتوقفت لحظة.
ثم سحبت الرسالة من مكانها.
تسارعت أنفاسها.
أخفتها بين ثيابها، وضغطت عليها بيدها وكأنها تخشى أن تختفي.
دنيز في سرها: أخيرًا...
شعرت بفرحة عارمة تكاد تفضحها.
لكن في تلك اللحظة...
رن جرس الباب.
انتفضت دنيز، وسرعان ما أعادت ترتيب ملابسها، ثم اتجهت إلى الباب.
دنيز: ديلان، لا تقلقي، سأفتح أنا وأرى من الطارق.
جاءها صوت ديلان من المطبخ:
ديلان: شكرًا لك يا دنيز.
فتحت الباب، فإذا بروني يقف أمامها.
عقدت حاجبيها.
دنيز: روني؟ ماذا تريد؟.
روني: جئت لأسأل ديلان عن فلاشة أعطيتها لمراد، كنت قد طلبت منه بعض المعلومات الخاصة بالبحث الذي أعمل عليه، وقد ساعدني وجمعها لي ووضعها في فلاشة.
التفتت دنيز نحو المطبخ، ثم نادت:
دنيز: ديلان!.
خرجت ديلان، فشرح لها روني سبب مجيئه.
ديلان: لا أعلم شيئًا عن الأمر، ولم يخبرني مراد بذلك، لكن يمكنك الدخول إلى المكتب والبحث عنها بنفسك.
أومأ روني.
روني: أعرف شكلها ولونها، فأنا من أعطيتها لمراد أصلًا.
دخل روني إلى غرفة المكتب، بينما عادت ديلان إلى المطبخ لإكمال إعداد العصير.
أما دنيز، فقد أدركت أن الفرصة قد جاءت على طبق من ذهب.
كان بإمكانها أن تخرج دون أن تثير الشبهات.
فتحت الباب بهدوء، وألقت نظرة أخيرة إلى الداخل، ثم غادرت وأغلقت الباب خلفها.
ابتعدت في الممر، وقلبها يخفق بشدة.
لقد حصلت على ما جاءت من أجله.
أما في الداخل، فلم يشعر روني ولا ديلان بخروجها.
وبعد دقائق خرجت ديلان من المطبخ وهي تحمل صينية عليها أكواب العصير.
وفي اللحظة نفسها خرج روني من المكتب يحمل الفلاشة.
نظرت إليه ديلان.
ديلان: أين ذهبت دنيز؟.
رفع روني حاجبيه باستغراب.
روني: لا أعلم... ظننت أنها ما زالت معك.
وقبل أن تستوعب ديلان الأمر، فُتح باب الشقة.
دخل مراد.
وما إن وقعت عيناه على زوجته وروني واقفًا وحدهما جنبا إلى جنب في الصالة، حتى تجمد مكانه.
تبدلت ملامحه في لحظة.
مراد: ما الذي يحدث هنا؟!.
ارتبكت ديلان.
ديلان: لا شيء، جاءت دنيز لزيارتي، ثم جاء روني ليأخذ الفلاشة التي تركتها له.
لكن مراد لم يسمع سوى ما أراد سماعه.
مراد: وأين دنيز إذن؟!.
ثم حدق بها بعينين غاضبتين.
مراد: هل تبخرت؟ أم تحاولين استغفالي؟.
وقبل أن تتمكن ديلان من الإجابة، اندفع نحو روني وأمسكه من ياقته.
مراد: ماذا تفعل هنا في شقتي مع زوجتي وحدكما؟!.
حاول روني تخليص نفسه.
روني: أقسم لك يا مراد، جئت فقط من أجل الفلاشة التي أخبرتك عنها! كانت دنيز هنا، لكننا لا نعرف أين ذهبت.
لكن الغضب كان قد أعمى مراد.
دفع روني وضربه، وهو يصرخ:
مراد: أتستغفلني أيها الحقير؟!، وتصعد إلى زوجتي في غيابي؟!.
نجح روني في الإفلات من قبضته، وخرج مسرعًا من الشقة.
لكن مراد لم يهدأ.
استدار نحو ديلان.
تراجعت إلى الخلف، وقد أدركت من عينيه أن غضبه لم ينتهِ.
ديلان: مراد، اسمعني... أقسم لك أن الأمر ليس كما تظن.
لكنه لم يمنحها فرصة.
انفجر غضبه عليها، وبدأ يصرخ ويتهمها بكلمات جارحة، ثم دفعها بعنف.
صرخت ديلان وهي تحاول الابتعاد عنه.
ديلان: توقف! أنت تظلمـني!.
لكن الغضب كان قد سيطر عليه تمامًا.
انهالت عليها كلماته القاسية قبل أن تمتد يده إليها، فحاولت حماية نفسها وهي تبكي.
ثم قبض على عنقها، فاختنق صوتها وتحولت صرخاتها إلى شهقات متقطعة.
مراد: إذن اشتقتِ إلى أحضان عشاقك؟!، ولم تجدي غير ابن عمي لتخونيني معه؟!.
كانت ديلان تحاول التقاط أنفاسها.
ومع ذلك، خرج صوتها مخنوقًا لكنه ممتلئ بالغضب والكرامة:
ديلان: أنا أشرف منك أيها الحقير!
حاولت دفع يديه عنها.
ديلان: لست أنا من يبيع آخرته بدنيا فانية... ولست أنا من يرخص نفسه بالخيانة!.
كانت الكلمات أشبه بشرارة زادت غضبه، لكن قبل أن يتفاقم الأمر أكثر...
دوّى طرق عنيف على الباب.
باران من الخارج: مراد! افتح الباب!.
كان قد عاد في ذلك الوقت، وقد سمع أصوات الصراخ من خلف الباب.
طرق مرة أخرى.
باران: مراد!.
بقي يدفع الباب بقوة وهو يسمع صرخات ديلان من خلف الباب، ثم فجأة فتح الباب ودخل مسرعًا.
تجمد في مكانه للحظة.
رأى أخاه، ورأى ديلان في حالة يرثى لها، فقد راى أخاه مراد وهو يطبق على عنق ديلان، وهي بالكاد يخرج صوته، من تحت النقاب.
اسرع وابعد يدي مراد عنها .
تراجع مراد خطوة.
أما ديلان، فما إن شعرت انها حررت من قبضة مراد، سقطت ارضا وبدات تتنفس بصعوبة، وما إن شعرت بوجود باران حتى أسرعت إلى غرفتها، تحاول أن تهرب بنفسها وتخفي ارتجاف جسدها.
لكن باران لمح آثار الاعتداء على عنقها قبل أن تختفي خلف الباب.
أغلقت ديلان الباب خلفها، ثم استندت إليه لحظات، قبل أن تنهار على سريرها.
دفنت وجهها بين يديها، وانفجرت بالبكاء.
أما في الخارج، فقد أمسك باران بذراع أخيه وسحبه إلى غرفة الجلوس.
كان الغضب واضحًا في عينيه.
باران: ما الذي فعلته يا مراد؟!.
مراد: لا تتدخل، أنت لا تعرف ما حدث!
باران: بل رأيت ما حدث بعيني!.
ثم أشار نحو باب غرفة ديلان.
باران: هل هكذا تعامل زوجتك؟!، هل أصبح الشك مبررًا لأن تمد يدك عليها وتتهمها بالخيانة؟!.
صمت مراد.
تابع باران بصوت أكثر حزمًا:
باران: حتى لو كنت غاضبًا منها، لا يحق لك أن تفعل بها ما فعلته، كان بإمكانك أن تسألها، أن تسمع منها، أن تتحقق من الحقيقة!.
ثم أضاف وهو يحدق فيه:
باران: أنت لم تظلم ديلان وحدها اليوم يا مراد... لقد ظلمت نفسك أيضًا.
ساد الصمت بين الأخوين.
وفي الغرفة الأخرى، كانت ديلان تبكي بصمت، لا تدري أن ما حدث أمام باران قد غيّر شيئًا في نظره إلى أخيه وإليها إلى الأبد.
أما دنيز...
فكانت في شقتها، تقبض على الرسالة بين يديها، غير مدركة أن خروجها في ذلك التوقيت، وترك روني وديلان وحدهما للحظات، قد أشعل كارثة لم تكن في حساباتها.
هبط روني الدرج مسرعًا، وكانت خطواته تضرب درجات السلم بعنف، بينما الغضب يغلي في صدره، لم يكن ما حدث في شقة مراد يفارق ذهنه؛ صورة ديلان وهي تبكي، وصوت استغاثتها، ومراد وهو يفقد السيطرة على نفسه... كل ذلك كان يلاحقه حتى بعد أن أغلق باب شقته.
ما إن دخل حتى اتجه مباشرة إلى غرفة دنيز.
فتح الباب دون أن يطرق، وصاح بها:
روني: ما الذي فعلتِه يا دنيز؟!.
رفعت دنيز رأسها، وقد فوجئت بدخوله عليها بهذه الطريقة، ثم وقفت وهي تضيق عينيها.
دنيز: وما الذي فعلته أنا، يا سيد روني؟!.
اقترب منها روني، والغضب واضح في ملامحه.
روني: كيف تتسللين من الشقة وتتركينني أنا وديلان وحدنا هناك، حتى يأتي مراد ويرانا معًا ويظن أن بيننا شيئًا؟!.
اتسعت عينا صفية التي كانت في الغرفة، والتفتت إلى ابنها بصدمة.
صفية: ماذا تقول أنت؟!.
استدار إليها روني، وقال بانفعال:
روني: لا تصرخي في وجهي يا أمي! اسألي ابنتك عما فعلته، وبعدها ستعرفين سبب كل ما حدث!.
وفي تلك اللحظة، فُتح باب الشقة.
كان إبراهيم قد عاد من الخارج، فتوقف عند المدخل حين سمع أصواتهم المرتفعة، نظر إليهم واحدًا تلو الآخر، ثم قال بحدة:
إبراهيم: ما الذي يحدث هنا؟، ولماذا أسمع أصواتكم إلى آخر الشقة؟!.
اقترب منه روني، وكأنه كان ينتظر وصوله.
روني: اسأل ابنتك عن فعلتها الرعناء، التي لم تفكر فيها لحظة واحدة، ولم تحسب عواقبها... إلا إذا كانت قد فعلت ذلك وهي تعرف تمامًا ما قد يحدث.
قطب إبراهيم جبينه.
إبراهيم: تكلم بسرعة، لقد رفعتُم ضغطي، ماذا حدث؟.
أخذ روني نفسًا عميقًا، ثم بدأ يروي ما جرى، وكلما استعاد تفاصيل الموقف ازداد غضبه.
روني: صعدت إلى شقة مراد، ابن عمي، لأخذ الفلاشة التي حفظ لي فيها المعلومات التي كنت أحتاج إليها في البحث الذي سأقدمه للجامعة، كانت دنيز هناك مع ديلان.
ثم تابع:
روني: عندما أخبرت ديلان بسبب مجيئي، قالت لي إنني أستطيع الدخول إلى غرفة المكتب والبحث عنها بنفسي، فدخلت بالفعل، بينما ذهبت هي إلى المطبخ لتعد العصير.
توقف لحظة، ثم نظر إلى أخته بغضب.
روني: وفي تلك اللحظة، تسللت أختي من الشقة وخرجت دون أن تخبرني، وتركتني أنا وديلان وحدنا في المنزل، وكل واحد منا منشغل بما يفعله!.
ارتجفت ملامح دنيز قليلًا، لكنها حاولت إخفاء ارتباكها.
تابع روني:
روني: وبعدها جاء مراد.
صمت للحظة، وكأن مجرد تذكر ما حدث كان يشعل غضبه من جديد.
روني: رآني مع زوجته وحدنا، فجن جنونه، وأمسكني من ملابسي واتهمني بالخيانة معهـا، حاولت أن أشرح له، لكنه لم يستمع إلى كلمة واحدة، ثم ضربني!.
شهقت صفية.
أما إبراهيم فظل صامتًا، يستمع.
روني: ولولا أنني أفلتُّ نفسي منه وخرجت من الشقة، لربما حدث ما هو أسوأ، ثم اتصلت بباران، ولحسن الحظ كان قريبًا، فجاء مسرعًا وأنقذ ديلان من بين يديه.
ثم أشار إلى دنيز بغضب:
روني: بينما أختي المصون تجلس هنا في بيتها، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن تلك المسكينة لم تكن تصرخ وتستنجد بسبب تصرفها!.
اتسعت عينا دنيز، وحاولت أن تتحدث.
دنيز: لكنني...
لم تكمل.
فقد دوّى صوت والدها:
إبراهيم: اخرسي!.
تجمدت في مكانها.
تقدم إبراهيم خطوة، وكانت ملامحه تحمل غضبًا لم تره دنيز على وجهه منذ وقت طويل.
إبراهيم: كل هذا حدث بسببك!.
وأشار نحوها بيده.
إبراهيم: تلك الفتاة المسكينة... سمعت صراخها منذ أن خطوت أول خطوة داخل البيت، كنت أظن أن شيئًا خطيرًا حدث في شقة مراد، ولم يخطر ببالي للحظة أن ابنتي هي السبب في إشعال كل تلك الفوضى!.
خفضت دنيز عينيها، بينما حاولت صفية التدخل دفاعًا عنها.
صفية: لكن كيف لها أن تعرف أن مراد سيأتي ويتصرف بهذه الطريقة الهمجية؟!.
استدار إبراهيم نحو زوجته، وقد اشتد غضبه.
إبراهيم: وأنتِ بالذات لا تتدخلي!
سكتت صفية.
إبراهيم: لا تفتحي فمك للدفاع عنها قبل أن تعرفي حجم ما فعلته، تربيتك لها وتساهلك معها أوصلاها إلى أن تتصرف دون أن تفكر في عواقب أفعالها!
رفعت صفية عينيها إليه، لكنها لم تجد ما تقوله.
أما دنيز، فبقيت صامتة.
كان غضب والدها يضغط عليها، لكن ما كان يؤلمها أكثر هو أن خطتها التي كانت تظن أنها تسير كما تريد، انتهت بكارثة لم تكن تتوقعها.
اقترب إبراهيم منها وقال بحزم:
إبراهيم: من اليوم، لن أسمح لك بالخروج والتجول كما تشائين، إذا لمحت خيالك خارج غرفتك دون إذني، فلا تلومي إلا نفسك، وإياك اراك تقتربين من إبن عمك او زوجته.
شهقت دنيز.
دنيز: أبي...
رفع يده مانعًا إياها من الكلام.
إبراهيم: لم أنتهِ بعد.
ثم قال بصرامة:
إبراهيم: وأول عريس يتقدم لخطبتك، سأوافق عليه. وسأزوجك إياه، ولن أسمح لك بعد اليوم بأن تضيعي حياتك خلف أوهام لا نهاية لها.
اتسعت عينا دنيز، وكأن كلماته أصابتها في أكثر مواضعها حساسية.
دنيز: لكنني...
إبراهيم: قلت انتهى الكلام!.
ساد الصمت.
نظر إبراهيم إلى زوجته وابنته وابنه، ثم قال بحزم:
إبراهيم: هيا، كل واحد إلى غرفته، لم تتركوا للمرء وجهًا يستطيع أن يقابل به الناس!.
استدارت صفية بصمت، وهي تشعر بالعجز أمام غضب زوجها.
أما روني فبقي للحظات واقفًا، ينظر إلى أخته بنظرة عتاب قاسية، ثم اتجه إلى غرفته.
وبقيت دنيز وحدها تقريبًا في مكانها.
كانت تحدق في الأرض، لكن عقلها لم يكن حاضرًا مع كلمات والدها.
كان يعود رغماً عنها إلى الرسالة التي أخفتها في غرفتها.
لقد حصلت عليها أخيرًا...
لكن بدل أن تفتح لها أبواب أحلامها كما ظنت، فتحت في يوم واحد أبوابًا من الفوضى والغضب والشك، والرسالة التي منذ ايام وهي تخطط للوصول إليها لتعطيها لمراد، تبخرت فكيف ستخرج وتلتقي بمراد بعد ان منعها والدها من الخروج من البيت دون إذنه، وتحذيره الواضح من إقترابها من مراد.
وللمرة الأولى، شعرت دنيز أن اللعبة التي بدأت تحرك خيوطها من خلف الستار قد بدأت تلتف حول عنقها هي أيضًا
يتبع