
رواية النغم الحزين الفصل الثالث والعشرون23 بقلم فاطيما يوسف
كل ده و"نغم" مش معاها خالص، كانت سرحانة في المنظر اللي شافته، ولقت نفسها طلعت موبايلها وبتبعت رسالة لـ "سند":
ـ آه يا ترى شايل مرتك قدام الخلق اكده وهي متعلَقة في رقبتك في مشهد ما شاء الله عظيم ورايح بيها فين؟ وجعت قلبي ومراعتش شعوري أني هغير وهتقطع من جواي دلوك، ربنا يسامحك.
ما كانش فاضي إن هو يقرا رسايل أو يفتح الموبايل من أساسه، كان مشغول مع "دعاء" والدكتور بيجبس لها رجلها وعمل لها إشاعات علشان يطمن على ضهرها وعلى كل جسمها وطلع شرخ في رجليها الشمال،
كانت قاعدة باصة للرسالة وماسكة الموبايل في إيديها وقلبها من جواه بيتقطع غصب عنها، بتحبه وبتغير عليه حتى من الهوا، طبطبت "شيماء" على ضهرها وهي بتطمنها:
ـ "مهرة" جاية في الطريق بتقول هتعدي على البيت تشوف إيه الأخبار وهتاجي على اهنه طوالي.
وكملت وهي باصة لـ "رابحة" بَصة خوف وقلبها بيدق:
ـ ماعرفاهاش، حاسة إن حماتك ما طايقاش وجودنا في البيت ونفسها إنها تنزل تديني قلمين على وشي وتشيلني كيف الصرصار ترميني برة البيت.
"نغم" كانت متوترة وقلبها بيدق ومش سامعة أصلاً "شيماء" بتقول إيه لحد ما سألتها تاني:
ـ أني نفسي أفهم انتِ ماسكة الموبايل ومسهمة في إيه وهكلمك وما هترديش علي عاد؟
وقربت منها وبصت للموبايل بفضول ولمحت الرسالة اللي بعتتها لـ "سند" فطبطبت على ضهرها:
ـ يوه! ما كنتش أعرف إن الحب والغيرة صعبين قوي اكده، والله انتِ طلع عقلك صغير يا "نغم"، امسحي الرسالة، أكيد طالما ما ردش عليكِ وطالما كان نازل شايلها بالشكل دي وعلى وشه ملامح التعب وما رماش السلام علينا يُبقى أكيد فيها حاجة أو تعبانة، ربنا يهديكِ امسحي الرسالة عاد.
سمعت كلامها ومسحت الرسالة وبدلتها برسالة تانية:
ـ طمني عليك في حاجة حُصلت؟
وبصت لـ "شيماء" وسألتها تاني وهي بتحاول تهدي أعصابها المشتتة:
ـ كنتِ هتقولي "مهرة" مالها؟
ردت عليها بابتسامة حنونة تشبه ملامحها الرقيقة الجميلة:
ـ كنت هقول لكِ "مهرة" جاية في الطريق، حماتك لو شافتها داخلة هتعمل لنا حاجة، حاكم هي من ساعة ما جينا وقعدنا وياكي اهنه وهي ما هتتحركش من بلكونتها وهاين عليها تُضـ.ــربنا بالنـ.ــار؟
رحبت بيها "نغم" جداً وطمنتها بثقة اكتسبتها مؤخراً من عيشتها مع "سند":
ـ لاه ما تقلقيش، طالما سكتت اليومين اللي فاتوا دول وقاعدة بَعيد عننا أكيد "سند" متكلم وياها علشان اكده ما اتكلمتش معانا خالص، اطمَني إحنا في حمى كبير البيت كلاته وهيعملوا له ألف اعتبار.
ابتسمت "شيماء" وافتكرت "علي" وعند اللحظة دي قلبها وجعها قوي وقالت لها:
ـ تعرفي رغم إن في ناس بيوجعونا إلا إن قلوبنا بتدق لهم وما تعرفيش تفلتي من التفكير فيهم وهما أصلاً وجعونا وجع ما نتحملهوش، نفسي يكون الإنسان اللي هرتبط بيه يحبني ويخاف علي ويحميني من الجن الأزرق كيف أبيه "سند"، هحسه راجل بجد هيخاف عليكِ وهيحبك ويحميكي ولو حتى من لمسة هوا هتضرك، ربنا يبارك لك فيه وعلشان اكده بنصحكِ ما تخسريهوش ولا تنكدي عليه بغيرتكِ الزيادة عن اللازم داي.
قربت منها "نغم" وشديتها لحضنها وهي بتسألها بقلق:
ـ مالك يا حبيبتي؟ وشك اتغير وبتتكلمي عن الوجع ليه؟ قولي لي هو في حد كسر قلبك أو انتِ حبيتي حد وخذلك احكي لي؟
حكت لها "شيماء" عن كل حاجة تخص "علي" وفي أخر كلامها عيونها دمعت بشدة، فطبطبت عليها "نغم" وهي بتشدد على أحضانها جامد بحنان وكأنها أمها مش أختها الكبيرة:
ـ بس كيف لسه هتحبيه بعد كل اللي عمله فيكِ؟ دي ما يتأمنلوش واصل يا بت أبوي.
وكملت كلامها وقلبها وجعها على أختها وهي بتنصحها:
ـ في جروح ومواقف ما بيداويهاش ولو ألف اعتذار، مواقف هتفضل معلمة في قلوبنا هتخلينا ما نسامحش بسهولة وغصب عننا مش بإرادتنا واصل، انتِ دلوك بقيتي دَكتورة وخلاص ما بقتيش ضعيفة ولا في موقف يخليكِ تخافي من حد، زمن الخوف ولى وراح، انسيه وما تفكريش تاني فيه وما تعلّقيش نفسك بإنسان كان ممكن يخسرك أعز ما تملكي في يوم من الأيام، بكرة هيقابلك الإنسان اللي يحبك وتحبيه بصدق ويخاف عليكِ وعمره ما يأذيكي أبداً، مش أول حد القلب بيدق له يبقى دي أخر حد هو اللي هنعيش وياه ومصيرنا ارتبط بمصيره، لساتك هتقابلي كَتير.
دمعت غصب عنها وقالت لها:
ـ أني رديت عليه بدل المرة ألف أني ما عايزاهوش ولا طايقاه، لكن أني هحبه ما قدراش أنساه، شكله ونظرة عيونه وهو بيعتذر لي وإنه ندمان عن اللي عِمله معاي هيغفر له كل حاجة غلط عِملها وياي، قلبي ما هيبطلش يدق بحبه يا "نغم" والله غصب عني مش بإرادتي، صدقيني أني عاملة له بلوكات من كل مكان ولحد أخر يوم ليا في الجامعة ما كنتش هسمح له يتحدت وياي خالص، وفي كل مرة بخليه يفقد الأمل فيا قلبي بيتعلق بيه أكتر، وخصوصي وهو بيقول لي في المرة الأخيرة إنه بدأ رحلة علاجه ومحتاج وجودي جاره، واللي زاد وغطى لما جاب والدته وقعدت تترجاني علشان أقف جنب ولدها لأن جزء من علاجه متوقف على وقوفي جاره، وقلت لها أني هفكر وبعدين بعتت لها رسالة اني مش هقدر، يعني عِملت كل حاجة تخليني أحاول أبعد عنه وبرضه قلبي متعلق بيه.
ابتسمت "نغم" وهي بتطمنها براحة:
ـ شوفي حكمة قرأتها كَتير؛ إذا أردت شيئاً بشدة فأطلق سراحه، فإن عاد إليك فهو ملك لك وإن لم يعد فهو ليس ملك لك من البداية، يعني اعملي كل حاجة تبعدك عنه علشان اللي حصل بيناتكم واللي عِمله مش شوي وميُغتفرش واصل، لكن النصيب غلاب لو ليكي نصيب وياه والله لو عملتي إيه ربنا هيجعله من نصيبك بعد ما يكون شفاه وهداه، وعلشان انتِ طيبة هيبقى وقتها طيب لأن الطيبون للطيبات يا حبيبة أختك.
*******
رجع "سند" من المستشفى وبرضه كان شايل"دعاء" لكن كانت رجليها متجبسة وكل ده طبعاً و"نغم" قاعدة مستنية رجوعهم، قلبها مش جايبها تطلع بيتها وهو برة ولا إنها تنسى المنظر اللي شافته وخصوصي إنه ما فتحش رسالتها ولا شافها، وأول ما شافتهم داخلين ولقت رجل "دعاء" مكسورة جريت عليهم وهي مخضوضة:
ـ يا حول الله يا رب، إيه اللي حُصل يا أبو "مازن"؟ مالك يا "دعاء"؟ ألف سلامة عليكي حبيبتي.
جاوبتها "دعاء" بنبرة حزينة وهي بتبص على رجليها بحسرة وعيونها بتلمع بالدموع:
ـ الله يسلمكِ يا "نغم" تسلمي لي من كل شر، الحمد لله على كل حال.
وبصت لـ "سند" وقالت له بخزي:
ـ ألف سلامة على أم "مازن"، هاجي معاكم علشان أطمَن عليها وأشوفها لو محتاجة حاجة عاد.
هز لها راسه ورد عليها:
ـ ياريت لأني مهعرفش أتصرف وياها لحالي.
ودخلت معاهم البيت كانت "رابحة" قاعدة على الكنبة وأول ما شافتهم قامت عليهم جري وكأنها ما عملتش حاجة:
ـ ألف سلامة عليكي يا "دعاء"، حمد لله على سلامة راجعتكِ لبيتك الحمد لله جت بسيطة.
لسه "دعاء" كانت هتتكلم وتعلي صوتها "سند" بص لها نظرة معناها إنها ما تتكلمش ورد هو على أمه:
ـ لاه هي مش بسيطة يا حاجة، أصلك ما كسرتيش رجل كنبة، داي مرت ولدك وبت اختك وأم أحفادك، واللي حُصل دي يا ريت ما يتكررش تاني، عن إذنك علشان هي تعبانة والدَكتور قال لازم لها الراحة.
بصيت لهم "رابحة" هما التلاتة بصدمة وحطت صباعها على بقها واتكلمت مع نفسها بغيظ:
ـ عَجبت لك يا زمن! جوز الاتنين جمعهم كيف مع بعضهم، والتنين مهيهمش حاجة وماشين وراه كيف المسحورين، اللي اعرِفه زين إن أي ضرتين هيمسكوا في شعور بعض لو اجتمعوا ويا بعضهم ولازمن واحدة فيهم تقلع التانية من حياتها.
وكملت باستغراب والتفكير كأنه هيطلع من جوة دماغها هيتكلم:
ـ هو "سند" ولدي ساحر لهم هما التنين ولا الدنيا اتشقلب حالها؟!
ورجعت قعدت مكانها تكلم نفسها على اللي هي عايشاه وشايفاه مع ولادها،
أما عند "دعاء" دخلها "سند" في أوضتها فطلبت منه "نغم":
ـ معلش سيبنا شوي هغير لها هدومها وهشطفها، أني عارفة أم "مازن" زين ما هتحبش رقدة المستشفيات وهتقرف منيها، وكمان "سما" لساتها صغيرة وما هتعرفش تعمل حاجة واصل.
بص لها "سند" ببسمة امتنان:
ـ ربنا يشفيكِ يا "دعاء" وما يحرمناش من عمايل يدك يا "نغم" ويجمعكم دايماً على بعض في الخير.
وسابهم وخرج قامت "نغم" وقفلت وراه الباب بالمفتاح وقلعت طرحتها وشمرت جلابيتها وراحت لـ "دعاء" تساعدها علشان تغير هدومها وهي بتقول لها:
ـ ياااه كأن الزمن بيتعاد يا أم "مازن"، من سنين كنتِ هتعملي وياي اللي هعمله وياكي دلوك لما خلفت بتي وكنتِ هتهتمي بيا كيف ما أكون أختك بالظبط.
وكملت ببسمة ومرح علشان تخليها تضحك:
ـ أها شفتي عاد الأيام دول، وامبارح عِندي والنهاردة عِندك.
أول ما قعدوا هما الاتنين مع بعض عيطت "دعاء" وهي بتحكي لـ "نغم" عن اللي حصل لها وكأنها أختها مش ضرتها:
ـ ربنا انتقم لحقك فيا من اللي كانت هتعمله خالتي فيكِ وأني كنت هقعد أتفرج عليها وما كنتش هحاول أدافع عنك ولا حتى أقول لها عيب يا خالتي، كنت هقول خليني في حالي أحلالي والزمن يلف ويدور ويجرى لي كيف ما جرى لك، لكن انتِ طلعتي أحسن مني وكنتِ هتستنيني وطلعتي وياي تراعيني قبل حتى أمي ما تعرف اللي بيا.
اتنهدت "نغم" بوجع لما فكرتها "دعاء" بالأيام اللي كانت عايشاها مع "سمير" و"رابحة" والسواد اللي عيشوها فيه سنين بحالها وهي متهانة ومضروبة وكانت تحت إيديهم ولا الخدامة اللي اشتروها بفلوسهم لكن ردت عليها بصبر وقوة تحمل ربنا سبحانه وتعالى وضعه في قلبها:
ـ وبرضه ما كنتيش هتأذيني ولا بالكلام ولا باللسان وكفاية كنتِ أوقات هتطبطبي علي وهتقولي لي كلمة معلش، وأهي الدنيا دارت وبقيت في أمان من عند ربنا لما اتجوز....
ما كملتش الكلمة وحست إنها اتحرجت من "دعاء" لأنها بقت ضرتها ويعتبر أخدت جوزها منها لكن في اللحظة دي "دعاء" هي اللي ردت عليها وكملت كلمتها:
ـ غير لما اتجوَزتي "سند" ما تخافيش يا "نغم" أني ما زعلناش على جوازك منيه لأني أني اللي شجعته إنه يتجوَز لأني ظلمته وياي كتير، وربنا الأعلم إن ظلمه وعدم طاعتي ليه كانت خارجة عن إرادتي ولحد دلوك ما قادراش أدي له اللي انتِ وهبتيه له وخلاني شفت نظرة اللهفة وعشقك جوة عيونه دلوك، زمان لما جم اتفقوا علشان يجوزونا لبعض لا أني كنت رايداها الجوازة دي ولا هو كمان كان رايدها بس الأمهات لما يتفقوا على حاجة ويحطوها في راسهم ما حدش يقدر يقلعها منهم أبداً، وحُصل النصيب وعشت عشان خاطر ولادي لكن هو دفن شبابه وياي ومشافش مني غير كل جحود وجمود ميتحملهوش راجل، وأول ما وقعت في ضيقة كان هو أول يد اتمدت لي وشالني على يده وشفت خوفه وحزنه علي.
وكملت بحزن:
ـ واتوَّكدت دلوك إن حمايتي وحماية ولادي مهقدرش عليها لحالي أو بالأصح ما هقدرش عليها من الأساس من غير "سند"، خالتي استحلت سحلتي وضـ.ــربي وكسـ.ــرت لي رجلي ومن غيره كانت ممكن تمـ.ــوتني عادي من جبروتها وقسوتها.
"نغم" كانت غيرت لها هدومها وبتسرح لها شعرها وهي بتطبطب عليها وبتحاول تهون اللي حصل أما برة كانت "سما" بتبكي في حضن أبوها وهو بيطبطب عليها هي وأخوها وبيطمنهم:
ـ خلاص عاد يا "سما" أمك زينة والله العظيم وهتدخلي تشوفيها دلوك وهتتوَّكدي بنفسك ما تعيطيش وصدقيني اللي حُصل دي ما هيتكررش تاني عاد، اهدي بقى يا بت أبوكي وبزياداكي بكا عاد انتِ خلاص كبرتِ وما عدتيش صِغيرة.
"سما" كانت متمسكة بحضن أبوها وخرجت منه وهي بتبص له بعيون مليانة دموع:
ـ أني هحبكِ قوي يا أبوي ما كنتش متخيلة لو ماما جرى لها حاجة أو إنك مش موجود في حياتنا كان إيه اللي هيُحصل لنا وكانت ستي عِملت فينا إيه، ما تسيبناش يا أبوي ولا تبعد عننا عشان ستي كانت هتمـ.ــوت أمي وممكن في يوم من الأيام تمـ.ــوتني أني و"مازن" كمان، داي كل لما تشوفني تزعق لي وتفضل تشتمني وما هيعجبهاش حاجة واصل تخصني.
طبطب "سند" على ظهرها، ومسح دموعها بإيديه وحضن وشها بين كفوفه وعيونه في عيون "مازن" اللي قاعد ساكت ما بيتكلمش خالص وهو بيطمنهم:
ـ شوفوا يا ولاد، طول ماني عايش على وش الدنيا ما عايزكمش تخافوا خالص من أي مخلوق واصل، وإذا كان على اللي حُصل بين أمكم وستكم هي في الأول وفي الآخر خالتها يعني أمها وعمرها ما كانت هتاذيها وكمان كسـ.ــر رجليها كان غصب عنها، ستكم هتحبكم انتو التنين وشايفة إنها بقساوتها وهي بتنصحكم هتعلمكم اللي لو سابتكم للدنيا هي اللي تعلمه لكم هتبقى أقسى عليكم منيها مليون مرة، ساعات الأهل بيعلموا ولادهم بالقسوة من كتر حبهم فيهم وشوية وهتلاقيها طالعة تاخدكم في حضنها وتطبطب على أمكم، ستكم "رابحة" وأني خابرها زين هتحب أمكم أكتر حتى من ولدها.
وفضل يطمنهم ويطبطب عليهم حتى لو بالكدب بكلامه على أمه لحد ما هديوا واستكانوا في حضن أبوهم، وقامت "سما" دخلت لـ "دعاء" وأول ما دخلت لقيت "نغم" بتلم لها شعرها فجريت على أمها وأخدتها في حضنها وهي بتعيط:
ـ ما تسيبنيش تاني يا ماما أني كنت همـ.ــوت عليكي من القلق.
طبطبت "دعاء" على حضنها وهي بتطمنها:
ـ ما تخافيش يا حبيبتي أني زينة مجرد شرخ بسيط في رجلي وعشر أيام وهبقى زينة.
دعت لها بالشفا وهي متمسكة بحضنها وهي بتبص لـ "نغم" نظرة امتنان على اللي بتعمله مع أمها:
ـ ألف سلامة عليكِ يا ماما، ربنا يشفيكي يارب.
عدى ساعة وهم قاعدين مع بعض "نغم" كانت بتعمل أكل لـ "دعاء" وللعيال وخلصته ودخلته لهم، في الوقت ده كان "سند" قاعد في الصالة مع "مازن" بصوا لقوا أمه وأخوه "سمير" طالعين يطمنوا على "دعاء"، فرمت "رابحة" السلام بهدوء:
ـ مساء الخير، جايين نطمَن على "دعاء" ونشوفها عاملة إيه؟
بصت لـ "مازن" ووجهت باقي كلامها ليه:
ـ ادخل يا "مازن" شوف أمك خليها تظبط حالها علشان واد خالتها رايد يدخل يشوفها ويطمَن عليها وياي.
بص لهم "سند" بعدم راحة، وقام من مكانه وراح ناحية أوضة "دعاء" ونادى بصوت عالي:
ـ نغم، تعالي دلوك.
قامت بسرعة وقربت منه وقبل ما تتكلم كان واقف قصادها وحاجب رؤيتها عن "سمير" وأمه وقال لها بصوت واطي:
ـ يلا معاي على بيتك من غير ما تبصي يمين ولا شمال، ولا ترمي سلام ولا كلام.
كانت عرفت مين اللي برة من "مازن" وهو بيبلغ أمه وخرجت مشيت جنبه وكل ده و"سند" بيحاول يداريها بغيرة عن أخوه مش عايزه يلمح طرفها وكل ده و"سمير" قاعد هيتجنن من الغيظ لحد ما شدته أمه علشان يدخل يطمن على "دعاء" وتخليه يخرج من سكرة وجود "نغم" في المكان أو يعمل أي حاجة تلفت انتباه "سند" وتبقى مشكلة كبيرة، أول ما دخلوا عند "دعاء" بصت لها بعتاب قاسي:
ـ جاية ليه دلوك يا خالتي؟ اوعي تكوني ما كفاكيش اللي حُصل وجاية تكسري لي رجلي التانية عاد.
بصيت لها "رابحة" باعتذار حقيقي وندم على اللي عملته معاها وقربت منها وطبطبت على ضهرها وباست راسها وحقت لها نفسها:
ـ حقك علي يا بتي، انتِ قبل ما تكوني بت الغالية انتِ بتي وأني اللي ربيتك أكتر من أمك، دي من كتر حبي فيكِ أخدتك لولدي ووقفت قصاد الكل وقلت لهم هي داي هُتبقى مرت "سند" الناجي.
بصيت لها "دعاء" بسخرية على كلامها:
ـ ونعم الاختيار يا خالتي ليا ولابنك.
******
أما عند "نغم" و"سند" أول ما دخلوا البيت كان حاسس بإرهاق وتعب شديد، قربت منه وهي بتساعده يخلع عبايته وبدأت كلامها علشان تهون عليه:
ـ اطمن أم "مازن" هتُبقى زينة، وأني هطمن عليها من الوقت للتاني وما هفوتهاش لحالها واصل.
التفت لها بسرعة ونطق بتحذير شديد اللهجة وعيونه بتنطق بالغيرة:
ـ اوعاكي رجلك تعتب هناك تاني غير لما تكون على رجلي، فاهمة يا "نغم" ولا مفهماش؟ وإن حُصل ما تلوميش إلا حالك على اللي هيجرى لك مني.
كانت مستغربة من طريقته ومن طلبه فسألته:
ـ طب وهتقول ليه اكده عاد؟
أني وأم "مازن" معاملتنا زينة مع بعض ومن زمان، وكمان هي ما تقدرش تراعي حالها ولا تراعي ولادها وأني عارفة زين إن أمها مشغولة وما هتاجيش تاخد بالها منها.
حذرها تاني ومنظر دخول "سمير" بحجة إنه يطمن على "دعاء" مش طالع من دماغه والغيرة بتاكل في قلبه:
ـ أني قلت اللي عندي، ما لكيش صالح بيها هجيب لها بدل الخدامة عشرة، انتِ رجلك ما تعتبش هناك يا "نغم" إلا لما تكون على رجلي، واسمعي الكلام أني تعبان وما قادرش على المناهدة وياكيظ
في اللحظة دي فهمت معنى طلبه وردت عليه بطاعة:
ـ حاضر اللي تشوفه يا "سند" هعمله بس ما تعصبش حالك، وإذا كان على تعبك تعالى وياي استريح، وكمان أعمل لك عشا انت ما عرفتش تاكل ويا العيال، وكمان هعمل لك كوباية قهوة تظبط دماغك من اللي هتحبها من يدي.
اتنهد بتعب وهي خرجت تعمل له قهوة لأنه رفض العشا، وخلع عبايته وقعد على السرير وسند عليه وهو بيفكر في كلام أمه عن "سما" وعن اللي كانت عايزة تعمله فيها، ومن جواه قلبه بيتوجع ومحروق على بنته وعلى حياته الصعبة اللي ما شافش فيها يوم استقرار بسبب كل الضغوط اللي حواليه وكأنه هو الجبل اللي الكل بيتسند عليه لحد ما بقاش قادر يتحمل،
دخلت "نغم" بصينية القهوة بعد ما غيرت هدومها ولبست بيجامة وفردت شعرها وقعدت جنبه وابتسمت وهي بتطبطب على إيده وناولته القهوة:
ـ عايزاك تروق بالك وأعصابك، على فكرة أني بعت لك رسالة أطمن فيها عليك بس انت ما شفتهاش.
بص لملامحها الجميلة ولابتسامتها وهدوءها وحنيتها ومن جواه بيحمد ربنا إنه رزقه بيها زي الملاك بتطبطب عليه وقت تعبه وبتديله الابتسامة الهادية اللي بتخلي روحه الموجوعة تطمن وتهدى في وجودها، ورد عليها باللي صدمها وهو بيعتدل في جلسته وبيبص لها بمكر:
ـ أها شفتها من الإشعارات على الشاشة على السريع اكده، وشفت الرسالة اللي قبلها كمان اللي انتِ حذفتيها وعدلتيها، الرسالة المجنونة إياك.
شهقت بصدمة وهي تفتح بقها بصدمة من اللي سمعته منه وردت عليه بتوتر وهي موطية راسها بخجل:
ـ أممم... أني عارفة إني اتسرعت في الرسالة بس والله كان غصب عني، قلبي اتقطع جوايا وأني شايفاك شايلها وخارج بيها، أي نعم في الوقت دي كان لازمن أحكّم عقلي شوي بس ما قدرتش، نـ.ــار الغيرة أكلت في قلبي ولقيتني زي الهبلة بمسك الموبايل وببعت الرسالة وبعدين لمت نفسي وعدلتها، والحمد لله إني عملتها طلعت غلطانة في الآخر وهي كانت يا حبة عيني مكسورة بين يدك.
كانت بتهرب بعيونها بعيد عنه، مد إيده ورفع وشها وخلى عيونها اتقابلت مع عيونه:
ـ طب هتداري عيونكِ الحلوين دول عني ليه يا حبيبي؟
وكمل وهو بيشاغبها بمكر:
ـ وبعدين فيها إيه لما أشيلها حتى وهي سليمة؟ هي مرتي على فكرة برضه وحقها علي نفس حقوقك، إيه اللي يزعلك بقى يا "نغم" هانم؟
حست بنـ.ــار قادت في قلبها وهي بتواجه عيونه وردت عليه بتملك وعشقها ليه غلبها:
ـ أه هي مرتك والأولى وأم ولادك ويمكن أولى مني عِندك في كل حاجة، بس مهتتحسبش بترتيب الأرقام يا "سند".
وكملت بنبرة شجن وقعدت على الأرض ونامت على رجله:
ـ محدش عشقك وحبك ولا هيحبك كدي، مفيش ست على وجه الأرض هتشوف لهفتها عليك كدي مهما كانت تكون، هغير عليك كأني هغير على روحي علشان انت روحي، غصب عني مهتحملش قربها منك ودي والله العظيم ما قلة أصل مني ولا هحب إنك تفترق عنيها ولا يُحصُل بيناتكم زعل بس غصب عني ما بيديش يا "سند"، قلبي وغيرته وناره ومشاعري بيقيدوا جواي لما أحسك قريب منها، المشاعر داي عمري ما عشتها ولا جربتها قبل اكده ولا قلبي حس بيها غير وياك، يمين الله غصب عني هتلاقيني بندفع لحالي ومهقدرش أتحكّم في أعصابي ولا رد فعلي، بس لو زعلت بعد اكده هكتم حزني جواي وهبعد وهحاول أهدي روحي بروحي ومهخليكش تحس بحاجة واصل.
كان بيحسس على خصلات شعرها الناعم وهي زي الملاك نايمة على رجله، رقتها ومشاعرها وجمال كلامها وغيرتها عليه أثاروا مشاعره ناحيتها، خلت كل خلية في جسمه تعانده وتطالبه إنه يستجيب لأمر الحب والعشق بين إيديها رغم تعب جسمه وأعصابه إلا إنها البلسم الشافي بكل جوارحه مهما كان تعبان ومرهق، نزل لمستواها على الأرض وحملها وقعدها على رجله، وقرب راسها على صدره جنب قلبه، وهمس لها بخشونة وصوت مبحوح وعيونه وأنفاسه بتتشبع بملامحها وريحتها الجميلة:
ـ وأني كمان كراجل عمري ما جربت إحساس إن مرتي وحب عمري هتغير علي، عمري ما جربت أشوف وأقرأ إحساس اللهفة في عيون أي ست كيف ما شفتها جوة عيون حبيبي، عمري ما حسيت بحلاوة الغيرة علي ولا طعم الحب الحقيقي إلا في قربك، سبحان الله مؤلف القلوب، بعد ما كنتِ لغيري وكان من الاستحالة إني أشوفك غير أخت وعيني ما كانتش هتشوفك غير شيء محرم هقدس حرمانيته إلا إنه بقدرته وعظمته بدل الإحساس جواي من أخت لزوجة ضلعها من ضلعي، ونفسها من نفسي، وروحها هترفرف حوالين روحي، خلاكِ كل حاجة حلوة أختم بيها يومي، خلاكِ الفجر اللي بيشقشق نهاري ويفتح النور لقلبي بعد ضلمة وحرمان السنين.
حركت إيديها على صدره لحد ما وصلت لموضع قلبه وحست بدقاته، كانت في اللحظة دي عندها يقين إنها أحسن ست في الدنيا لأن ربنا رزقها بحب العمر بعد الحرمان، بالعوض الجميل بعد الشقى والمر:
ـ ياه لو كان حد قال لي من عشر سنين اكده إنك لازمن تتحملي الوجع علشان ربنا هيرزقك بالنصيب الحلو مكنتش صدقت واصل، إنك لازمن تصبري علشان أخر الصبر جبر مكنتش برضه هصدق، طلع ربنا كريم يعطي من يشاء بغير حساب، وعلشان اكده أكرمني بيك يا "سند".
وكملت وهي بتشد إيده وبتحطها على بطنها وسألته بشغف:
ـ قل لي بقى نفسك في واد ولا بنت؟
حرك إيده بحنان على بطنها وجاوبها بنفس الشغف:
ـ بصراحة اكده نفسي في أخ لـ "مازن" يشد عضده ويكونوا كتف بكتف.
وكمل بنبرة حزينة على حاله هو وأخوه:
ـ نفسي ولادي يحققوا مع بعضهم اللي أني وأخوي مقدرناش عليه ويا بعضنا مع إننا من نفس الأب والأم، وفي نفس الوقت خايف يطلعوا ميحبوش بعض أو يفرقهم الزمن علشان دي في حتة ودي في حتة تانية ووقتها قلبي هيتوجع، بس أني هعمل كل جهدي علشان ولادي يبقوا كف بكف والتاني يُبقى في ضهر أخوه.
بص لها وهو مركز جوة عيونها وبيسألها بشجن:
ـ تفتكري هقدر أخلي ولادي يد واحدة، أو إن ربنا هيديني طولة العمر إني أعيش وأشوفهم أكده ولا هكون فارقت وقابلـ..."
مكملش كلامه ولقاها حطت إيده على شفايفه تمنع باقي كلامه وهي بتشجعه:
ـ لااااه متكمَلش وحياتي عندك، يارب يجعل يومي قبل يومك، إنت هتعيش وهتشوفهم وهتربيهم على الحلو والحلال، وأني هساعدك وهشجعك وهقف وياك كتف بكتف علشان نشوفهم أحسن الناس، انت جميل وقوي وشجاع يا "سند" وحتماً ربنا هيكرمك في عيالك، انت اسم على مسمى وسند الكل، متخافش من اللي جاي وأني وياك، هتلاقيني البسمة الحلوة وقت تعبك وهمك، واليد اللي تطبطب وقت الضيقة والحزن.
وقربت منه وحضنته تاني ولفت إيديها حواليه بتملك:
ـ والحضن الحنين وقت ما تحتاج وتريد يا قلب "نغم".
شدد على حضنها وحس إنه ملك الكون في اللحظة دي:
ـ قلبه وعيونه وروحه انتِ والله.
وكانت الـ "نغم" حضن الأمان والراحة لسندها، الإيد اللي طوقت قلبه بعشقها وبراءتها وروحها الحلوة، العمر الجاي اللي كان رحمة من ربنا ليه، شقى الأيام وتعبها بيزول في لحظة لما يكون في حضنها.
*******
بعد مرور عشر أيام،
كان قاعد في البلكونة اللي بتطل على الجنينة هو وأمه فسألها بتركيز وهو بيحك دقنه:
ـ إلا قولي لي ياما هي مين اللي هتلعب مع عيالي في الجنينة داي؟ حكم أني هشبه عليها وحاسس إني شفتها قبل سابق.
مطت شفايفها وهي مش عاجبها اللي بيحصل لكن مش قادرة تتكلم علشان تحذيرات "سند" لها وردت عليه بسخرية:
ـ وه جرى لك إيه يا "سمير" يا ولدي؟!
آه هي اللي في راسك أم نضارة كعب كوباية اللي كانت ما هتشوفش تحت رجليها، وما كانَتْش تعرِف تفرِق أبوها من أمها إلا لما تقرب منهم وتمقق بعينيها قوي علشان تشوفهم زين، المسخوطة الصغيرة أخت طليقتكِ.
بص لها بنظرات إعجاب قذرة وهو بيخرج لسانه وبيعـ.ــض على شفايفه وسمَّع أمه الكلام اللي ما كانتش متخيلة إنها تسمعه:
ـ يا أبوي داي البت كبرت واتدورت واحلوت حلاوة تضـ.ــرب أختها بالجزمة القديمة وبقت مزة واعرة قوي، واللي عاجبني فيها إن طولها نص طولي وأني مجربتش الصنف المزمز دي قبل سابق، أني رايد اتجوَزها هي وما عايزش العروسة اللي انتِ جايباها لي.
ضـ.ــربت على صدرها باستنكار وغضب وهي مش مصدقة اللي عيونها سمعته:
ـ يا مرك يا "رابحة" ولدكِ اتجَنن، تك جاك خابط في نافوخك واتعميت في عينيك اللي عايزة تتخـ.ــزق داي على اللي انت رايدَه دي يا بن بطني، دي انت أكبر منها بياجي ١٥ سنة.
قلب وشه وبدله لغضب قدام أمه وهو عارف إن الوش ده بيجيب معاها وسمعها الأسطوانة الكذابة اللي متعود عليها:
ـ يعني هو ابنك يتنعم في حضن مرتي والفرق بيناتهم نفس فرق السن وأني راكبني العيب اكده؟!
يعني وقت ما ألاقي البنت اللي نفسي فيها تحرميني منيها وتقولي لي عيب وغلط؟!
وكمل كلامه وهو بيندب حظه وبيتمسكن عليها لحد ما يتمكن كعادته:
ـ أديني بطلت تفكير في الهبابة "نغم" وعيني وقلبي اختاروا واحدة غيرها تقوم إنتي كالعادة تكفريني وتطلعيني متعب وقارفك في عيشتك ومرايداش ليا الراحة أبداً ودي كلاته علشان تبَعديني عن أي حاجة تخص ولدك الكبير والحيلة اللي على قلبك كيف العسل.
فتحت عيونها بصدمة من كلامه وسألته باستنكار:
ـ أني يا "سمير"؟! أني يا ولدي مهحبكش وهحب "سند" أكتر منكِ يا شيخ حرام عليك، وبعدين حب إيه اللي انت لحقت تحبها لها المسخوطة داي اللي ربنا ياخدها علشان وجع القلب اللي أني فيه دلوك بسببها.
برق عينه بصدمة ورجع يبص على "شيماء" تاني برغبة وقذارة:
ـ متدعيش عليها يا أما داي هتُبقى مرت ولدك اللي لسه متهناش بيها، وبعدين إنتي كنتي رحتي وجسيتي نبضهم وهما رفضوا، داي لسه قايلة لي الصبح السلام وأني داخل من البوابة وهي خارجة دخلت قلبي وأني مكنتش أعرف إنها أخت الزفتة داي، شكلها اتغير عن ما كنت هشوفها، البت بقت مزة جامدة قوي وأني رايدها يعني رايدها ويا اما تنزلي دلوك وتطلبيها من أمها وخواتها التنين يا أما هرتكب لكِ جريمة وهعاود أقول لكِ ترجعي لي مرتي.
وكمل بإجرام متعود عليه باللي رعبها وملامحه بتنطق بالشر قبل لسانه:
ـ أو نتقـ.ــاتل أني وأخوي وواحد فينا يخلص على التاني وتُبقى مجزرة الدنيا كلاتها تتحاكي بيها.
حركت راسها برفض وردت عليه:
ـ لاااااه تقـ.ــاتل انت وأخوك لااااه يا "سمير"، صدقني مفيش مرة تستاهل تتخانق انت وأخوك بسببها يا ولدي، أني هنزل أجس نبضهم لكن افرض البنت رافضاك ومعايزاكش هنروح للعروسة اللي اختارتها لك ونفض الموضوع دي سيرة.
رد عليها بكبرياء وثقة إنها هتوافق:
ـ ترفض "سمير" الناجي بجلالة قدره؟!
كانك متعرِفيش ولدك عليه نظرة فتاكة تجيب أجل أي واحدة وتخليها تقول يا هو دي يابلاش.
أمه كانت عايزة تضحك وردت عليه:
ـ وكانك انت اللي مختار واحدة ما هتعرفش أصلك من فصلك يا ولدي دي تاريخك الأسود كلاته عنديهم.
حرك راسها برفض لكلام أمه:
ـ البت داي ما شافتنيش من بقالها كَتير و"نغم" ما كانتش هتروح هناك غير كل فين وفين وما هتعرفش عني أي حاجة، أصلك ما تعرفيهاش كانت عيلة صغيرة ما هتفهمش حاجة في الأمور اللي بيني وبين أختها عاد.
ردت عليه علشان تخليه يفقد الأمل:
ـ وأهي الصغيرة كبرت يا ولدي ومن المتوكد إنها فهمت كل حاجة وعلشان اكده هنصحك وهقول لك بعد عنيه الطريق دي وما تكسفش حالك.
صمم إن هو وأمه ينزلوا ويعملوا اللي هو طلبه بثقة:
ـ ما لكيش صالح ياما يلا قومي دلوك أني ما هصبرش ولا ثانية.
ما كانتش عايزة تنزل في الوقت ده لكن هو فضل يتحايل عليها ويشدها من إيديها لحد ما نزلوا تحت كانت "نغم" وأمها وإخواتها الاتنين قاعدين بيضحكوا مع بعض، وأول ما "نغم" و"مهرة" شافوهم جايين عليهم وشهم اتبدل واتكلمت "مهرة":
ـ أعوذ بالله من غضب الله، الشر كلاته جاي علينا، أقبح اتنين في الدنيا الواحد ممكن يستفتح يومه بيهم جايين علينا أها.
ولسه هتاخد أمها وأختها علشان يقوموا ويسيبوا "نغم" تشوفهم عايزين إيه وجايين عليهم ليه إلا إن "نغم" اتمسكت بيهم برجاء:
ـ لااااه خليكم بالله عليكم متسيبونيش معاهم لحالي، دي "سند" ممكن يقاطعني فيها العمر كلاته.
قعدوا مكانهم وجت عليهم "رابحة" ببسمة مرسومة على وشها وترحاب شديد خلاهم استغربوا و"سمير" واقف جنبها عينه منزلتش من على "شيماء" بنظرات خلتها قرفت منه وكانت عايزة تسيبهم وتمشي و"مهرة" كمان لاحظت وبصت له من فوق لتحته بنظرة جحيم خلته ودى وشه الناحية التانية،
أما "نغم" كانت في حتة تانية خالص مرعوبة لـ "سند" يرجع في أي وقت يشوف المنظر ده ويلاقيها موجودة في المكان اللي "سمير" موجود فيه وقلبها بيدق برعب، وفضلت "رابحة" تتكلم معاهم يمين وشمال أي كلام لمدة ربع ساعة بحالها لحد أخيراً فتحت معاهم الموضوع:
ـ والله "سمير" ابني من بعد الحادثة اتغير خالص يا أم "نغم" وبقى بيصلي ويعرف ربنا وما بقاش يخرج يروح الأماكن اللي كان بيروحها، وعايز يستقر ويتجوز وبصراحة اكده عينه من "شيماء" بتك القمرة المنورة داي وصدقيني هخليه يشيلها في عينيه وهتشوف الهنا على إيديه وهيخليها ست البنات وست البلد كلاتها.
كلهم شهقوا بصدمة وما كانوش متوقعين اللي سمعوه من "رابحة" والصدمة لجمت ألسنتهم كلهم إلا واحدة فيهم بس "مهرة"، لقيت نفسها بترد على "رابحة" بقوة ماكنتش تتوقعها "رابحة":
ـ هتقولي إيه يا ولية انتِ عاد، شكلك كبرتي وخرفتي؟! تك جنازة تشيلكِ انتِ وابنك العرة اللي واقف وراكي دي، انتوا شكلكم اتجنيتوا عاد ومهتعرفوش بتطلبوا يد مين عاد؟
وكملت بصدمة من اللي سمعته ومش عارفة تستوعبه لحد دلوقتي:
ـ بقى ابنك العرة دي رايد يتجوَز الدَكتورة "شيماء" بجلالة قدرها، دي ابنك لعب في عداد عمره والمرة داي وقع مع من لا يرحم وبدل ما يُبقى اسمه "سمير" هخليه لك اسمه "سميرة" يا ولية يا ناقصة يا اللي مشفتيش بربع جنيه رباية إنتي وولدك.
انصدمت "رابحة" من الكلام اللي سمعته وطبعاً وشها التاني ظهر وركنت وش الخير اللي كانت رسماه عليهم من شوية ولسه هترد عليهم وتفحمهم بالشتايم إلا إن "سمير" رد بدل عنها:
ـ جرى إيه يا "مهرة" كلام إيه اللي هتقوليه دي عاد أني طالب الخير والحلال يُبقى دي ردك على؟! واحد في مقام أخوكِ الكبير وكان كنت جوز أختك وهبقى جوز أختك التانية احترميني شوي.
اتنهدت بأنفاس عالية وقالت بصوت عالي وعيون كالجحيم:
ـ جوز مين يا اللي انت بتحسب على الرجالة اسم في البطاقة بس والفعل حرمة حرمة مفيش كلام يعني.
رد عليها بعند وجبروت متعود عليه وفاكرهم لسه البنات اللي ما لهمش ضهر ويعمل فيهم اللي على كيفه وإذا كان "سند" منعه عن "نغم" محدش هيقدر يمنعه عن "شيماء" وقرب منهم وفجأة سحب "شيماء" ومسكها من وسطها وشدد عليه جامد بقذارة وهو بيهددهم بجبروت:
ـ طب هتجوَزها يعني هتجوَزها وريني هتعملي إيه، يا أما هشيعها لك لقبرها النهاردة وأخليكم تاخدو عزاها يامرة منك ليها.
هجمت عليه بكل قوتها زي الأسد اللي كان محبوس وفي لمح البصر كورت قبضة إيديها وضـ.ــربته في عينيه كانت لابسة خاتم لبس في وشه وخلاه اتعور وشدت "شيماء" من إيديه بقوة ما كانش متخيلها وجابت طوبة كبيرة كانت واقعة على الأرض ونزلت على دماغه فتحتها له وهي بتقول له بتحذير ووعيد شديد وكل ده وهو عمال يصـ.ــرخ ومش متخيل اللي حصل له في لمح البصر من "مهرة":
ـ عارف يا "سمير" لما الراجل يضـ.ــرب ست دي المعروف عند أصنافك اللي مش متربيين أما بقى لما الست تضـ.ــرب راجل قدام أمه وقدام الحريم يُبقى يروح يغير بطاقته ويخلي اسمه من "سمير" لسميرة، ويمين على يمين تاني لو قربت من "شيماء" ولا لمستها ولا فكرت حتى تضايقها ولا تبعت لها أياً كان مين لا هكون مخلصة عليك بيدي وهخلي أمك تلطم عليكِ عمرها كله.
وعلت صوتها بجبروت رعب "رابحة":
ـ فوق ياض احنا مش التلت بنات الغلابة اللي كنت هتدوس عليهم بمالك وقوتك وشرًَك، أني "مهرة" الحناوي اللي تربت على الأرصفة وكان أجدع شنب بيقف قدامي بيترعب من الاسم بس، المرة الجاية مش هفتح لك دماغك ولا هخـ.ــزق لك عينك المرة الجاية أني اللي هشيعك لقبرك.
وكملت كلامها وهي بتبص لـ "رابحة" اللي قاعدة تلطم وتعيط على "سمير" من اللي حصل له:
ـ عقلي ابنك يا "رابحة" وعرفيه إن احنا ما بقيناش الطيور اللي يتاكل لحمها عاد، كيف ماكان هيعمل فينا زمان، أني بعون الله قادرة أحمي أختي من الجن الأزرق بس هحب أعرفك بردو إني هتجوز ظابط شرطة وهخليه يجي ياخد ابنك قدام عينك ويوديه لك ورا الشمس وما هخليكيش تلمحي طرفه تاني، أني حذرتك وقد أعذر من أنذر، ولولا غلاوة أبو "مازن" عندي كنت خلصت لك عليه دلوك علشان يده اللي اتمدت على أختي، لكن أني عِملت له اعتبار علشان هو راجل جدع ومحترم وعلمت على العرة دي بس.
كان "سمير" واقف بيصرخ زي العيال الصغير وهو حاطط ايده على دماغه بيكتم الدم:
ـ اه الحقيني ياما دم دم بينزل مني من كل حته قتلـ.ــتني الجاحدة اللي فيهم، كانت عايزه تمـ.ــوتني، اه همـ.ــوت ياما.
كل ده و"نغم" واقفة مصدومة من اللي أختها عملته في "سمير" ما كانتش متوقعة إن "مهرة" قوتها وصلت للدرجة دي وأمهم طبعاً ست تعبانة كل اللي عليها عمالة تدعي عليه وعلى "رابحة"، بصت "مهرة" لإخواتها وفتحت دراعها ليهم وأخذتهم في حضنها لأنهم كانوا منهارين من العياط وطمنتهم بحنان:
ـ بس يا بنات ما تعيطوش ولا تخافوا دي حتة كلب ولا يسوى وكيف ما انتم شفتوه مرمي هيولول على حاله، ولو اتعرض لواحدة فيكم بعد اكده تعرفوني علشان خلاص أني حطيته في راسي، وتعملوا كيف ما أني عملت بأي حاجة قدامكم تناولوه بيها ولا يهمكم.
بعد ما هديت "نغم" أخذت أمها وإخواتها وطلعت على شقتها كانوا مجهزين حاجتهم علشان يروحوا بيتهم لأنه جهز بس كانوا مستنيين "سند" يجي يوصلهم زي ما هو متفق معاهم، وكانت "مهرة" مصممة تاخد أمها وأختها ويمشوا إلا إن "نغم" طلبت منها:
ـ معلش يا "مهرة" اصبري "سند" هياجي ياخدكم هو في الطريق أني كلمته وزمانه جاي، وكمان لازمن يعرِف اللي حُصل.
وعدى وقت بسيط كان "سند" رجع من شغله وداخل بعربيته أمه شافته داخل جريت عليه وهي كانت بتعيط بشدة خلته انصدم من منظرها وقرب منها وهو بيسألها:
ـ مالك يا أمي إيه اللي مخليكِ هتعيطي بالشكل دي؟ حُصل إيه، انتِ فيكِ حاجة، تعبانة؟
شدته من إيده ووديتُه عند "سمير" اللي قاعد على الكرسي سايح في دمه ويادوب الدكتور لسه واصل وهي بتشتكي له:
ـ شوف بنات الشوارع اللي انت جبتهم وقعدتهم في بيتي عملوا في أخوك إيه، كانوا هيموتوه، أخوك كان هيروح فيها النهاردة.
كان واقف مصدوم من اللي شافه وسمعه ومش متخيل إن ده ممكن يحصل وسألها بشك لأنه عارف إنهم بنات غلابة ويستحيل يصدر منهم فعل غلط غير لما يكون رد لفعل أبشع:
ـ إيه اللي حُصل ياما بالظبط؟ ما تجيبيش الموضوع من الآخر؟
ردت عليه بسخرية:
ـ كيف عادتك يا ولدي هتدافع عن الغريب وما هتدافعش عن أخوك، دي حتى المثل هيقول أني وأخويا على ابن عمي وأني وابن عمي على الغريب، لكن انت كل اللي همك إنك ما تزعلش السنيورة بتاعتك ولا خواتها اللي ما احترموش الناس اللي فتحت لهم بيتهم وقعدتهم فيه كيف الهوانم بعد ما كانوا قاعدين في الزريبة.
زهق "سند" من طريقة أمه وكلامها وسألها تاني بنفاذ صبر:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني يا أمي هقول لك احكي لي اللي حصل هتديني المرشح بتاعك؟ كل مرة ولدك فيها هيُبقى في مصيبة، احكي لي يا أمي اللي حصل ولو أخوي له حق هجيبه له قدامك.
قلبت عيونها بخزي وهي بتفكر تجاوبه إزاي من غير ما يتعصب لما يسمع وقالت له:
ـ كنت نازلة أني وأخوك نرحب بيهم وبوجودهم في بيتنا وكانوا كلهم قاعدين في الجنينة قدام دارهم، أخوك شاف "شيماء" أختها عجبته فطلب مني إني أطلبها للجواز على سنة الله ورسوله، كفرنا عاد؟ تقوم الكونتيسة "مهرة" تشتمني بأبشع الشتايم وهجمت على أخوك كيف المسعورة وعورته وفتحت له راسه وكانت هتـ.ـخزق له عينيه.
ضرب "سند" كف على كف بعد ما عرف اللي حصل:
ـ أه يعني ولدك كيف عادته مرعاش ضيوف أخوه اللي في بيته ولا راعى حرمته في غيابه وهو هيبص على الحريم اللي موجودة في البيت، كيف ياما تطاوعيه في الطلب اللي هيطلبه دي؟!
ما عقلتهاش في راسكِ ليه قبل ما تخلي عيل ما هيفهمش في الأصول واصل كيف ولدك "سمير" يطلب طلب كيف دي.
وكمل كلامه وهو بيستنتج باقي اللي حصل لأنه عارف طبع أخوه كويس جداً:
ـ وطبعاً ولدك استخدم عليهم قوته وفكرهم البنات اللي ما لهمش ضهر وقال لهم إنه هيتجوزها غصب عنيها ومش بعيد كمان يكون مد يده عليها، ما هو دي أخوي وأني حافظه زين وياما عِملها مع بنات كَتير قبل سابق.
وعلي صوته وهو بيسأل أمه:
ـ ردي علي يا أمي ابنك هددهم ومد يده عليها ولا كان طلب وخلاص؟
وطت وشها في الأرض وما قدرتش ترد عليه لأن كل الغفر اللي كانوا في الجنينة واقفين وشافوا الخناقة كلها وردت عليه وهي بتتمسكن كعادتها:
ـ روح يا ولدي الله يسهلك أني عارفة إني ما هعرفش آخد معاك حق ولا باطل وانك مش هتنصفني ولا هتنصف أخوك اللي دمه ساح على يد حرمة مهما كان عِمل، وقلت في عقل بالي إنك هتغضب وهتثور لدم أخوك ولكن كيف كل مرة تخذله مع القريب والغريب.
قرب منها وقال لها بحزن شديد:
ـ هروح يا أمي وأني جواي وجع منك ومن أخوي على إنك ما علمتهوش يحترم ضيوفي وخصوصاً لما يكونوا حريم مع إني منبه عليكي، ما هعرفش مين فينا اللي كل مرة هيخذل التاني ويحط عليه بعمايله أني ولا انتم، الله يسامحكم يا أمي.
وسابهم ومشي راح على "نغم" وهو بيقدم خطوة وبيأخر التانية ومش عارف هيقول لهم إيه، بس قبل ما يطلع راح على الغفير وسأله عن اللي حصل واتأكد فعلاً إن أخوه مد إيده عليها وهددهم زي عادته وزي ما كان متأكد، أول ما طلع قابلته "نغم" بدموع وطبعاً كانت شايفاه واقف مع أمه وهي واثقة إن هي فضلت تقومه عليهم وممكن كمان تكون قالت له حاجة فجريت عليه وهي بتفهمه:
ـ والله العظيم احنا مظلومين يا "سند" ولو كانت أمي "رابحة" قالت لك حاجة عن اللي حصل لأخوك فهو اللي ابتدى ويانا بالشر ومد يده على "شيماء" وهددنا إن هو هيقـ.ـتلها لو ما نفذناش اللي هو رايده، أخوك عايز يتجوَز "شيماء" أختي العيلة الصغيرة غصب عنينا.
طبطب عليها وهو حاسس بقهر جواه من اللي أخوه دايماً بيعملوا فيه والمواقف المخزية اللي دايماً بيحطه فيها قدام الناس:
ـ أني سألت الغفير وعرفت كل حاجة معلش حقكم علي واصل.
وكمل كلامه وهو بيخطي وقعد جنب حماته وباسها من راسها واعتذر لها:
ـ معلش يا أمي حقك علي في اللي حُصل وإذا كان على اللي "سمير" قالوا ما تخافوش ما يقدرش يمس "شيماء" بأي سوء واصل ودي وعد مني.
ردت "مهرة" باعتذار لـ "سند":
ـ معلش يا أبو "مازن" حقك علي، أني عملت اللي انت شفته وعرفته وانت مستضيفنا في بيتك وهتقف جارنا كيف ما تكون أخونا، بس كان لازمن أعرِفه إننا ما بقيناش كيف زمان ولولا إنك مش موجود وقت ما مد يده على أختي وهددنا ما كانش حُصل وكنت رجعت لك، لكن أني ما كانش ينفع أسيبه يمد يده عليها من غير ما آخد موقف، ولو كنت سبته كان ممكن يعـ.ــتدي عليها وانت خابر إنه شراني ويعملها وما هيهمهوش حد واصل.
فضلوا يتكلموا مع بعض والموضوع عدى وأخدهم "سند" على بيتهم بعد ما تجدد وبقى حاجة تانية خالص، بيت فعلاً يشرف اللي يدخله، وبعد مرور أسبوع أخيراً "يونس" جايب أمه وأخته وخاله وعم من أعمامه علشان يخطبوا "مهرة" ودخلوا في مشهد يخـ.ــطف الأنفاس من جماله قدام أهل البلد كلها، اللي عرفوا إن حضرة الظابط "يونس" الهلالي جاي يخطب "مهرة" بنتهم، في الوقت ده "مهرة" كانت لبست فستانها الأحمر الجميل وحجابها الأبيض واتزينت بميك أب بسيط لكن طالعة زي القمر في ليلة تمامه كانت متوترة جداً و"نغم" و"شيماء" حواليها بيغنوا وبيرقصوا ويفرحوا معاها، استقبلهم على الباب "سند" وكان جايب معاه العمدة وشيخ البلد علشان يحضروا اتفاق الدكتورة "مهرة" ويشرفوها قدام "يونس" وأهله،
وبعد ما قعدوا واستقروا خرجت لهم العروسة بطلتها اللي تخـ.ــطف الأنفاس وهي بتقدم لهم واجب الضيافة واحد واحد، وأول ما وصلت عند "يونس" ما قدرش يفضل ساكت لما شاف جمالها اللي سحره حتى كمان والدته و"مريم" انبهروا بجمالها، أخذ منها الكاس وهو بيغازلها بغرام كعادته:
ـ قمر أقسم بالله قمر، أنا من الليلة سميتك فتاة القمر اللي خطـ.ــفت قلب ابن الهلالي يا أجمل "مهرة" شافتها عيوني