رواية النغم الحزين الفصل الخامس والعشرون25 بقلم فاطيما يوسف

رواية النغم الحزين بقلم فاطيما يوسف
رواية النغم الحزين الفصل الخامس والعشرون25 بقلم فاطيما يوسف
ها هو النور قد تهادى إليهما بعد عتمة الليالي، وانجلى الظلام عن قمرٍ طال انتظاره أعواماً،
وها هي المهرة الأبية تقف شامخة، تكسر قيود الشقاء بأمْنٍ وأمانِ، 
وعلى ضفاف العهد، تلاقت قلوب العاشقين لتعلن فرحة هزت أركان المكانِ، 
هنا وضع ابن الهلالي قلبه في كفيها، سندًا وأمانًا لا تزلزله عواصف الأيامِ،
فـطارت بها الأشواق فوق الغيوم، لتكتب بدموع الفرح نهاية طريق وجعها على مر الأزمانِ،
وأخيراً قد جمع القدرُ النقاءَ بالشهامةِ، ورسا قارب الصبر على شاطئ الريَّانِ، 
فسبحان من ألف بين القلوب بعد عناء، وجعل لكل صابر في المحبة مقامِ.

مقدرش يتحمل المشاعر الجارفة والحب اللي ملى قلبه في اللحظة دي، وفي ثانية، وقدام عيون "نغم"  و"شيماء" وأمه وأخته وصاحباتها اللي واقفين يباركوا، قرب منها وبكل خفة وقوة ، شالها بين إيديه ولف بيها في وسط الأوضة! مهرة شهقت بصدمة مكسوفة وتمسكت برقبته جامد، والزغاريد انطلقت تاني أقوى من الأول. يونس لف بيها وهو حاسس إنه ملك الدنيا كلها، ونزلها براحة على الأرض وهو لسة محاوط وسطها، ونزل براسه وهمس جنب ودنها بهيام وغرام وصوت مبحوح من كتر الفرحة:
ـ ألف مبروك يا فتاة القمر، يا أجمل "مهرة" دخلت حياتي، يمين الله أنا مش مصدق إنك بقيتي ملكي وبقيت أنا سندك وأمانك لآخر العمر.

وفي لحظة نزلها على الأرض وحضن وشها بين ايديه وقرب شفايفه منها وباسها من جبينها بطريقة دوبتها، في اللحظة دي مكانتش قادرة تفتح عيونها وتبص جوة عيونه من شدة خجلها و"سند" جبينه على جبينها وغازلها بوله وكأنه في عالم لوحده معاها، مش حاسس بوجود أي حد حواليهم وهو بيهمس لها برغبة في امتلاكها:

ـ ياه لو كانت دي دخلتنا والنهاردة فرحنا، كنت أكلتك من جمالك ودلالك، إنتي جننتيني ومش قادر أتحمل قربك خالص يا "مهرة"  ومخطفكيش لحضني وأشبع من قربك.

"مهرة" رفعت عيونها الواسعة وبصت في عيونه اللي كانت بتطق عشق وشوق جارف، وابتسمت بنعومة ورقة لأول مرة، وخدودها منورة بخجل زادها جمال فوق جمالها الخاطف للأنفاس، لكن هي مكسوفة اكتر من اللي حواليها بسبب جرأة "يونس"، وطلبت منه بشفاه بترتعش من الخجل والتوتر:

ـ الله يبارك فيك يا "يونس" ، بس ممكن تبعد شوي علشان اللي حوالينا، أرجوك أني جسمي وأعصابي مش شايليني، ارجوك ابعد واهدى احنا اهنه في الصعيد.

فضل متمسك بيها بعند وهو بيشدد بايديه على كفوف ايديها:

ـ سمعيني كده تاني يا "مهرة"  هانم يا مراتي على سنة الله ورسوله بتقولي ايه؟

اتوترت بسبب عناده وتمسكه بيها بشدة قدام الناس ومش هامه أي مخلوق حواليه، ولأول مرة "مهرة" في موقف مش عارفة تتصرف فيه غير انها بتبعد عن عيونه وبتبتسم للي حواليها وبيباركو لها، كان "سند" واقف شايط وخصوصاً إن فيه رجالة أغراب من الجهتين لسه موجودين، بص لـ "نغم" انها تسبقه على البراندا، وفهمت عليه وراحت وراه وقال لها بغضب:

ـ هو ايه اللي بقى جوز أختك دي وحركاته اللي مش محسوبة اللي هيعملها داي، تروحي لهم دلوك وتقولي له يحترم نفسه ويبعد عنيها ويبطل تلزيقه فيها اللي مينفعش اكده قدام الخلق يا اما يمين بعظيم أخرج أشدها من يده وأكسفه ولا هيهمني ويُبقى يفتح خشمه اكده ويوريني، هو هيفكر حاله انه علشان كتب الكتاب يقرب منها بالشكل الهباب دي؟!

حاولت تهديه من عصبيته وزاد عليها بنفس الغضب:

ـ هو مفكر نفسه في أوضة نومهم ولا ايه عاد؟ ولا هيحترم عاداتنا ولا تقاليدنا ولا الرجالة اللي واقفة غريبة وهيلفت الانتباه لمرته وكل من هب ودب يتفرج عليها وهو هيحسس ويمسس بالشكل دي؟ اما عجايب الواحد هيشوفها من رجالة مصر بصُح!

بلعت "نغم" ريقها بصعوبة من غضب "سند" وحاولت تهديه:

ـ معلش يا "سند"  والله هما المصاروة اكده وأكيد ميعرفش عادتنا داي، احب على يدك خليها تعدي على خير واني والله هخليه يبعد عنيها.

وهدته على الآخر وخرج وهو بينفض جلابيته بغضب، اما "نغم" خرجت بسرعة ناحية أختها وقربت منهم بابتسامة مرسومة وشدت أختها لحضنها علشان متلفتش الانتباه ليهم وقالت لها بابتسامة رسمتها بعناية:

ـ إيه دي يا "مهرة"  كأنك نسيتي عوايدنا وتقاليدنا؟ ابوس يدك يا اختي بعدي عنيه واقفي جاره وخلي الساعة داي تعدي على خير على الأقل قدام الأغراب، "سند"  شايط وخايفة ياجي يمسك في خناق جوزك.

شددت "مهرة" على حضنها وطمنتها:

ـ حاضر يا "نغم"  متقلقيش.

واتحركت "نغم" وقفت جنبها، و"يونس" شد "مهرة" ناحيته من ايديها وقفت جنبه ملتصقة بيه كتف بكتف وقرب منها وهو بيسألها بشك من نظرات "سند" ليه:

ـ هو جوز أختك بدأها من اولها كده تحكمات فيا، متخلنيش اخدك دلوقتي وننزل على مصر وأتمم جوازنا قولاً وفعلاً، انا مبحبش أمور المريسة الكدابة دي، إنتي عارفاني كويس عصبي ومبتحملش.

ابتسمت له "مهرة" بزيف وهي ترد عليه:

ـ لو سمحت يا "يونس"  تهدى شوي، وتحاول تتحكم بانفعالاتك انت متجوز واحدة صعيدية وليها أهل وناس مش مقطوعة من شجرة عاد، وان مكنتش انت اللي هترفع بشأني وتكبر بيا قدام أهلي وناسي والله اني اللي هفوت لك الفرح وهمشي واني أجن منك.

بص "يونس" لـ "سند" بتحدي، قربت منهم "امينة" وهي شايفه الاتنين وشوشهم متغيرة وعارفة طبعاً ملامح ابنها لما يكون متضايق وسألتهم عن سبب هجوم ملامحهم فشتكت لها "مهرة" على طول:

ـ يرضيكِ يا دَكتورة اقول له حاول ما تقربش مني قوي ويادوب نقف جنب بعض وايدينا في ايدين بعض وبلاش القرب الزايد عن اللازم دي الحاجات دي غلط جدا حدانا، لحد ما جوز اختي لاحظ ان الرجالة هتبص علينا، وطلب مني ان احنا نقف طبيعيين ليه وليه قال اكده، وطبعاً "يونس"  باشا ما هيعجبهوش ان حد يعدل عليه حتى لو كان غلط.

وكملت بملامح حزينة:

ـ هو مش المفروض دي يوم كتابي وما ينكدش علي ويلتزم بعاداتنا وتقاليدنا ويكبر بيا قدام اهلي؟

طبطبت "امينة" على ضهرها وهي بترد عليها بحنان:

ـ لا يا بنتي انتِ عندك حق واولاً انا ما بقاش اسمي دكتورة انا بقى اسمي ماما "امينة"  زي ما "يونس"  و"مريم"  بينادوني بالظبط، انا مش عايزاك تتنكدي ولا تزعلي في يوم كتب كتابك وبعدين مكياجك هيبوظ وانا والله لاعلمه لك الادب في لحظة استني بس.

سابتهم وقربت من "يونس" وهي بتمد ايديها وبتسلم عليه وسحبته في حضنها وهي بتبتسم قدام الناس وقالت له بتحذير قاطع:

ـ عارف يا "يونس"  ان ما احترمتش نفسك ولميت الدور والتزمت بعاداتهم وتقاليدهم ما تعرفش انا هعمل فيك ايه راضي عروستك ما ينفعش تنكد عليها في يوم كتب كتابك وافرح بس التزم بأدب الفرح في بيوت الناس على حسب عاداتهم انا قلت لك اللي عندي.

رد على مامته بضيق وهو شايف ان كلهم بيتحكموا فيه وان هو ما عملش حاجة وانها مراته ومن حقه انه يفرح هو وهي على كيفه:

ـ حاضر يا امي حاضر اصل انا لسه عيل صغير هتمسكي لي العصاية وتقولي لي اعمل ايه وما تعملش ايه بس حاضر.

حذرته تاني قبل ما تسيبه وتمشي:

ـ اسمع الكلام يا "يونس"  من غير مقاوحة ومشي امورك وبعد كده هي مراتك لما تكونوا لوحدكم افرح بيها في حدود المعقول برضه.

سابتهم ومشيت وهو فضل يتنفس انفاس متتالية لكن حاول يهدي أعصابه وقرب منها وهو بيبتسم وبيمد ايديه ليها وهو واقف جنبها من غير جسمه ما يلمس جسمها والبنات اللي موجودين شغلوا أغنية واخواتها اتلموا حواليها وهو كمان وبدأوا يرقصوا كلهم ويا بعض و"نغم" كان يادوب بتحرك ايديها من نظرات "سند" التحذيرية ليها،

ورجعت اجواء الفرحة تاني تلقائياً، وخرجت "شيماء" بصينية الشبكة وبدأ "يونس" يلبسها شبكته والبسمة ما فرقتش وشهم هم الاتنين، وبعديها جت "نغم" بعلبة قطيفة تانية مفتوحة وقدمتها لـ "نغم" وهي ببارك لها و"سند" طبعاً كان واقف جنبها:

ـ ودي هدية أبو "مازن"  ليكي تتهني بيهم يا حبيبة قلبي وربنا يفرح قلبك وتعيشي متهنية طول عمرك.

ابتسم "سند" وبارك لها بسعادة حقيقية:

ـ الف مبروك يا "يونس"  باشا ألف مبروك يا مهرتنا الجميلة، يا ريت تقبلي الهدية البسيطة دي من اخوكي الكبير وربنا يتمم فرحكم بالف خير.

"يونس" ابتسم بسماجة ما كانش عاجبه ان "سند" بيناديها بمهرتنا ومن جواه قايد نار لكن حاول يداري غيرته وعدم رضاه عن وصف "سند" لـ "مهرة"، اما "مهرة" ابتسمت لـ "سند" وشكرته بامتنان:

ـ الله يبارك فيك يا اخوي والله لو كان ليا اخ من امي وابوي ما يعمل وياي كيف ما انت عملت ويانا، يشهد ربنا انك ما قصرت وكنت خير الاخ والصديق الوفي ربنا يبارك لنا في عمرك يا ابو "مازن" يا رب.

وكملت كلامها وهي بتبص لهديته بابتسامة عرفان:

ـ بس انت كلفت نفسك قوي والله انت عملت اللي عليك وزيادة وما كنتش تكلف حالك اكثر من اكده.

جاوبها بحب حقيقي من اخ كبير لاخته الصغيرة:

ـ عيب ما تقوليش كده يا دكتورة انتِ كيف اختي الصغيرة عاد، وبعدين الهدية حاجة بسيطة متليقش بمقامك يا دكتورتنا يا اللي مشرفانا في الصعيد وبراه.

"يونس" في اللحظة دي بص لـ "مهرة" لقاها مبسوطة جداً ان هي في وسط اهلها اللي قدروها وقدروه تعبها وما قدرش غير انه يشكر "سند" هو كمان على اللي بيعملوا معاهم:

ـ الله يبارك فيك يا ابو "مازن"  وان شاء الله نردها لك في ولادك.

وبدأ "يونس" يلبس الشبكة لـ "مهرة" في جو مليان بهجة وسعادة من كل الحاضرين واهمهم "مهرة" وامها واخواتها ربنا عوضهم وجبر خاطرهم والفرح دخل بيتهم بعد سنين من الشقا والتعب، على جنب كان اتنين صحاب "مهرة" واقفين واحدة بتقول للتانية وهي بتمط شفايفها بحسرة:

ـ بقى دي "مهرة"  اللي كانت دايماً جعانة وبتلبس لبس مقطع ومبهدل ما كانتش لاقية تاكل لدرجة انها شدت اللقمة من بق الكلب في يوم من الايام لان ما كانش حيلتها غيرها بتاكلها طول النهار، شفتي يا اختي حظها بقى عامل كيف، بقت ولا نجوم السيما في هيئتها وجمالها ولبسها ده غير عريسها اللي باين عليه ابن حسب ونسب وطول وعرض وظابط قد الدنيا واحنا شوفي حظنا الهباب راح فينا.

صاحبتها شهقت باستنكار لكلامها واستعاذت بالله في وشها:

ـ اعوذ بالله اعوذ بالله عليكِ يا شيخة حرام عليكِ مستكترة على البنية تفرح دي شافت ذل ومرمطة في حياتها علشان توصل للي هي وصلت له دي، اتحمَلت اللي عمرك ما كنت تقدري تتحمليه في يوم من الايام ولا تعيشيه يوم واحد فما بالك هي عاشت سنين عمرها وطفولتها بتكافح علشان توصل للي هي وصلت له والله كنوز الدنيا كلها قليلة على مهرة واللي شافته في حياتها، وبعدين ماله حظك ما انت ربنا كرمك ومتجوزة جوازة زينة وحداكي عيال ليه دايماً هتبص لها من زمان وانتِ اكده.

وفضلت تلومها والتانية اتكسفت وما بقتش ترد عليها ورجعوا لاجواء الفرح تاني وما فيش نص ساعة وانتهى الفرح والناس كلها مشيت،

وفي اللحظة دي قربت "نغم" من "سند" وهي بتطلب منه المرة دي باصرار لكن بتدلع عليه علشان يوافق، كانوا واقفين في مكان جانبي بعد ما الناس ما مشيوا وقربت منه ومسكت ايده برقة وطلبت منه:

ـ أني رايدة ابات ويا خواتي النهاردة والدَكتورة "أمينة"  هي وبنتها "مريم"  علشان هيمشوا خلاص بكرة وهيهملونا، بالله عليك يا سند سيبني النهاردة بس والله لو عايزني اجي من الصبح هاجي.

بص لها بعين ونص وهو رافع حاجبه ورد عليها وهو بيضغط على ايديها جامد:

ـ وه عاد على دلع الحريم دي، هو احنا مش كنا اتحدتنا فيه الموضوع دي من سبوع وقلت لك ان ما فيش بيات بره بيتك.

اتحايلت عليه بدلال:

ـ يا رب يخليك والله الليلة بس مش هطلب منك اكده تاني الا في الظروف القاسية، بالله يا "سند"  توافق.

اتنهد بغلب من محايلتها ومحبش يضايقها ووافق:

ـ ماشي يا ست "نغم"  موافق بس ما تكرريش الموضوع دي تاني علشان ما هحبهوش، نادي بقى على جوز اختك علشان نمشي المولد انفض خلاص ولا هو مفكر حاله هيبات اهنه.

قلبت عينيها بحيرة وطلبت منه بكل هدوء وهي خايفة من رد فعله:

ـ واه دي ما لحقش يقعد ويا عروسته بعد كتب الكتاب سيبه يقعد ساعة حتى يبارك لها بينهم وبين بعض ما تُبقاش قافش عليهم اكده.

نفخ بضيق ورد عليها:

ـ هو اللي زي دي ينفع يتساب ويا عروسته لوحدهم، دي كان هياكلها قدامنا وما مختشيش واصل من صنف مخلوق فما بالك لما اهمله يقعد وياها لوحدهم علشان يبارك لها على قولك هيعمل ايه الفاقد دي؟
ما هو لازمن يعرف ان هي عزيزة وغالية وإن كتب الكتاب عِندنا كيف الخطوبة لحد ما يعملوا الفرح وياخدها على بيته ويفرح على كيفه.

اتحايلت عليه تاني وهي بتبرر لـ "يونس":

ـ ما تخافش احنا كلاتنا اهنه حواليهم وهندخل وهنخرج عليهم كل شوي ما تحبكهاش بقى عاد سيبه يفرح ويا عروسته وبعدين هو ولد ناس ومتربي وامه كمان هتفهم في الاصول ما تخافش.

ـ طلباتك ودلالك كترو قوي يا ست "نغم"  شكلك بتاكلي بعقلي حلاوة علشان اخد بعض وامشي وهتشوفي إني بكبر المواضيع.

ـ لا والله ولا هاكل بعقلك حلاوة ولا حاجة دي انت زين الرجال وكلمتك على راسنا من فوق والله يا "سند"  بس انت عارف بقى عريس وعروسته يوم كتب كتابهم عايز يبارك لها فيها ايه يعني عاد؟

ـ ماشي اني هروح لأن وراي شغل الصبح بدري في طلبية كبيرة هتاخذ من المصنع ولازم أكون موجود من الصبح خلي بالكي من روحك وساعة بالظبط يقعدها جوز اختك وياها وهسيب له الغفير بالعربية يرجعه.

بصت حواليها ما لقيتش حد واقف قربت منه وحاوطت رقبته بدلال وهمست له بنبرة ناعمة:

ـ من عيوني يا نور عيوني ما انحرمش منك، ولا من حنانك وجدعنتك وياي ويا اخواتي بجد انت في قلبي من جوه.

نزل ايديها من على رقبته وهو بيبص حواليه ورد عليها وهو بيبص لها برغبة:

ـ مش كنتي روحتي وياي احسن بدل نظام شوق ولا تدوق دي يا بت الناس.

بعدت عنه خالص لما حسيت ان هو هيتراجع وخصوصاً لما شافت نظرة اشتياقه ليها في عينيه:

ـ شوق ايه مفيش الكلام دي عاد، يلا روح علشان وراك شغل بدري الصبح ومحتاج تنام وتستريح وما هتتحملش سهر اكتر من اكده وتروح شغلك ما تعرفش تركز.

ـ ماشي يا ست "نغم"  هانم همشي وانتِ خلي بالك على روحك.

وسابها ومشي وهي دخلت لاخواتها بقلب بيرفرف من الفرحة، كانت "مهرة" دخلت تغير فستانها و"شيماء" و"مريم" بيساعدوها، جريت عليهم بلهفة وهي بتحضنهم:

ـ يااااااااه أخدت افراج النهاردة يا ناس هبات معاكم يوم من نفسي أخيراً يا بنات، مش مصدقة حالي والله.

ردت "شيماء" بمرح:

ـ أخيرا الوحش سمح للأميرة انها تبعد عنه ممصدقاش والله يا "نغم"  يا أختي.

و"مهرة" كمان ردت عليها بنفس الدعابة:

ـ عملتيها كيف دي يا "نغم" ؟ وفلتي من قبضة الأسد اللهم لا حسد، دي إنتي معملتيهاش من وقت ما دخلتي البيت دي وكنتي على ذمة العرة "سمير" .

"مريم" استغربت وسألتهم لأنهم خلاص بقى واخواتها بالعشرة والايام اللي قضوها مع بعض ليل ونهار:

ـ ايه ده يا "نغم"  انت كنت متجوزة واحد قبل "سند"  جوزك؟

"نغم" اتحرجت من السؤال وفي نفس الوقت محروجة ترد بالاجابة لكن "مهرة" ردت عليها وجاوبتها بشجاعة:

ـ كانت متجوزة عرة الرجالة "سمير"  اخو "سند"  كان بيبهدلها وموريها النجوم في عز الظهر وياما شافت معاه ايام وسنين سودا شبه قلبه هو وامه العقربة حماتها ويشاء القدر بسبب الظروف ان هي تتجوز اخوه ولحد دلوقتي مش خلصانة منه هو وامه اللي ربنا ينتقم منهم بحق النبي.

استغربت "مريم" جداً وقالت:

ـ ياه اما قصة غريبة ان تطلقي من جوزك وتتجوّزي اخوه؟ يعني عادي من المعترف عليه ان الست تتجوز اخو جوزها اللي مات علشان الاولاد وكده يعني ناس كتير بتعمل كده لكن قصتكم غريبة شوية، بس اعذروني الفضول هيموتني انا شايفة ما شاء الله ابو "مازن"  محترم جداً وراجل خلوق وجدع ازاي يبقى التاني ده اخوه وهل امه مسيطرة عليه برضه زي ما كانت مسيطرة على اخوه؟

هنا ردت "نغم" وهي بتتكلم عن "سند" بعيون بتلمع بعشقه:

ـ لااه "سند"  مش زي اخوه نهائي الاتنين ما يشبهوش لبعض لا في الطباع ولا في الشكل ولا في الاخلاق، "سند"  حاجة تانية خالص راجل واخلاق وغير كل دي هيحبني وهيحميني من اي خطر حتى لو كان اخوه او امه اللي ما سايبانيش في حالي وهتحاول تخرب عليا كل شوية.

سألتهم "مريم" تاني بفضول:

ـ طيب انا شايفة ان هو عنده ولد اسمه "مازن"  معنى كده انه متجوز قبلك وانتِ الزوجة التانية؟

جاوبتها وهي تهز راسها لقدام:

ـ ايوه اني الزوجة التانية وهو متجوز بت خالته "دعاء"  ومخلف منها "مازن" و"سما"  ربنا يبارك له فيهم.

سقفت "مريم" بمرح وهي بتسألهم:

ـ واو ده حكاية حوار من زمان ما سمعتش الحاجات دي ولا شفتها، قولي لي طيب بتتعاملي انتِ و"دعاء"  بشغل الضراير ولا الأمور بينكم ماشية ازاي؟

كلهم ضحكوا على طريقة "مريم" وردت عليها "مهرة":

ـ فظيعة انتِ يا "مريم"  ما شاء الله عليكِ هتحبي تركزي في كل حاجة، ايه يا بنتي شغل الافلام اللي انتِ عايشة فيه دي؟ عايزة اقول لك ان في كتير ضراير في الصعيد والارياف عايشين مع بعض عادي جداً وبياكلوا وبيشربوا وبيربوا عيال بعض بمنتهى الهدوء قلّما لما تلاقي ضرتين بيعملوا مشاكل مع بعض، والأدهى بقى إنهم بيتنافسوا على حب الراجل اللي معاهم ومخليينه ولا سلطان زمانه.

"مريم" طبعاً ما عجبهاش الكلام:

ـ يا سلام انا مش فاهمة الستات اللي زي دول بيرضوا يعيشوا ازاي كده انا عن نفسي لما ابقى زوجة في يوم من الأيام ما اقبلش حد يشاركني في زوجي، معذرة يعني يا "نغم"  انتِ كان عندك ظروف لكده ولذلك اضطريتي ان انتِ تقبلي بالوضع ده، لكن بجد طمنيني عليكِ دعاء ضرتك دي بتتعامل معاكي ازاي؟

"نغم" جاوبتها باختصار:

ـ "دعاء"  قبل ما تكون مرته هي بت خالته وكمان هتحبه وعارفة ان احنا انجبرنا على الجوازة داي، وكمان هو ما هيقصرش مع واحدة فينا نهائي، وكمان هي عايشة في دار لوحدها واني عايشة في دار لوحدي ما فيش بيناتنا اختلاط قوي علشان نعمل مشاكل و"سند"  بيبقى يوم عندي ويوم عندها بما يرضي الله.

دخلت ام "نغم" عليهم وهي بتسأل عن "مهرة":

ـ ايه يا "مهرة"  يا حبيبتي سايبة خطيبك كل دي قاعد مستنيكي يلا اني جهزت العشا علشان تتعشوا سوا عيب اكده يا بتي تهمليه قاعد مستنيكي دي كلاته.

وخرجت وسابتهم و"نغم" قالت لها وهي بتستعجلها:

ـ انجزي روحي اقعدي وياه شوية علشان "سند"  كان عايزه يروح معاه واني اللي خليته يقعد وياكي ساعة يعتبر خطـ.ــفتها لك من بق الاسد، يلا يا ماما الحقوا اتحدتوا ويا بعض شوي قبل ما تلاقي الغفير جاي يستعجله.

كلهم ضحكوا على كلام "نغم" وردت "مريم":

ـ تعرفي اخويا "يونس"  ما بيحبش حد يتحكم فيه ابداً ده القيادات بتوعه لما يجوا يبلغوه مهمة بيتعاملوا معاه شكل ما يكون ابنهم بالظبط علشان عارفينه نرفوز وبيعملوا طبعاً حساب لبابا الله يرحمه لأنهم كلهم كانوا اصحابه وجوزك قافش عليهم قوي يا "نغم" .

وفضلوا البنات يضحكوا ويهزروا ولبست "مهرة" دريس أوف وايت وعليه حجاب نفس اللون ومسحت الميكب اب ما عدا حاجات خفيفة،

وخرجوا كلهم و"مريم" دخلت معاها عند "يونس" كان غير هو كمان الجلابية اللي كان لابسها ولبس تيشرت أبيض وبنطلون قطني كان ماسك موبايله بيتكلم مكالمة مهمة وشه مقلوب، وبعد ما خلص ملامح وشه اتغيرت وابتسم أول لما شاف "مهرة"، فشاغبته "مريم" أخته وهي بتخبط على كتفه:

ـ نحن هنا يا عمنا ولا عامل نفسك مش واخد بالك غير من ست العرايس "مهرة" هانم؟

قرب من "مهرة" وحاوطها بدراعه وسند راسها على كتفه ورد على "مريم" بنفس المشاغبة:

ـ انتي ايه يابنتي الرخامة دي ايه اللي جابك هنا دلوقتي وتقعدي عزول بين واحد ومراته حبيبته يا رخمة.

"مهرة" حاولت تفك نفسها من حصاره ومعرفتش فقالت له بتوتر وخجل من "مريم" وكمان مش متعودة على كده:

ـ بعد يدك يا "يونس" ، امي ممكن تدخل في أي وقت، وبعدين معاك بقى؟

رفع حاجبه باستنكار وهو بيبص لها بغيظ ووجه كلامه لاخته:

ـ طب روحي انتِ يا "مريم"  دلوقتي علشان في خناقة هتحصل في أم اليوم اللي مش معدي ده، شكل ما يكون أنا اول ولا آخر واحد يكتب كتابه وأول ولا آخر واحد يحاول يقرب من مراته وياخدو على بعض في حدود المعقول والمسموح.

خرجت "مريم" وسابتهم وهي بتحاول تهديه:

ـ طب بالراحة عليها يا عم الشبح علشان خاطر لسه ما تعرفش عرق الجنونة والعصبية اللي عندك، انا بقول النهاردة كتب كتابكم وبلاش تنكد على عروستك وخليك متفاهم وهادي ولو ان الهدوء ابعد ما يكون عنك اخويا وانا حافظاه.

ـ اخرجي يا ماما وبطلي لوكلوك كتير وهري على الفاضي.

ورجع لـ "مهرة" اللي بعدت عنه وكل لما يقرب منها هي تبعد لحد ما بقاش فيه مكان تروحه، قرب منها أكتر وهو بيحاول ينسى عصبيته، بيحاول بكل الطرق يخليها تتعود على قربه منها، مد ايده ناحية وشها اللي بقى احمر بلون الورد من شدة خجلها، قبل ايده ما توصل لوشها كانت بعدت وشها بعيد عن ايده، فمد ايده تاني ودور وشها قصاد عيونه وقال لها:

ـ ايه انتي بقى...

ردت بتوتر وخجل ولسان بيرتجف من قربه منها الزيادة عن اللزوم:

ـ ايه انت... بعد يدك عني مقدراش اتنفس من حركاتك داي يا يونس.

داعب خدودها بضهر ايده ونزل بإبهامه على شفايفها اللي بيرتعشوا من قربه وحاول يسحبها معاه لعالم عشقها وغرامه بيها:

ـ انتي مش حافظة غير الكلمتين دول يا مهرتي، 'بعد يدك عني'، لا بقى ده انا همد ايدي براحتي.

وقرب منها أكتر وهمس جنب ودانها بصوت رخيم مبحوح:

ـ انتي مراتي يا بابا، فاهمة يعني ايه مراتي؟ يعني حلال جداً أقرب منك عادي، وأتنفس أنفاسك عادي، وأدوب وأدوبك معايا عادي جداً.

وكمل وهو بيسحب ايديها الاتنين وبيثبتهم في كفوف ايديه، وقرب منها وسند جبينه على جبينها، ورفع ايديها وباسهم برغبة وشوق ولهفة وكمل كلامه بتأثير عاشق من قربها:

ـ وأبوس ايدك عادي جداً، ومش بس ايدك يا مهرة..."

وقرب من شفايفها اللي بيرتعشوا من قربه وكمل:

ـ وشفايفك عادي جداً، وعيونك عادي جداً، إنتي خلاص بقيتي في قبضة وملك "يونس" ابن الهلالي، وقرب " يونس" حاجة تانية يا مهرة النعمان.

وهمس لها بتأثر من قربها لحد ما أعصابها اتفككت من تأثير قربه الطاغي عليها:

ـ وقرب ابن النعمان لمهرته حاجة تانية خالص.

لمس طرف شفايفها بلمسة أخف من النسمة، فجسمها كله اتنفض بين إيديه زي عصفور صغنون بلله مطر الشتا المفاجئ، ورموشها الطويلة ارتعشت وهي بتحاول بالعافية تقفل عيونها، هرباً من النظرات المشتعلة اللي كانت بتخترق كل حصونها وتدوب كل قوتها، أنفاسه الساخنة كانت بتضرب في وشها بتزيده توهج، حاولت تسحب إيديها المتثبتة جوة كفوفه القوية، بس قبضة "يونس" مكنتش موجعة ولا قاسية، دي كانت قبضة عاشق عنيد استنى اللحظة دي بسنين عمره، ورافض دلوقتي يتنازل عن شبر واحد من ملكه اللي بقى حقه رسمي بشرع ربنا،

رجعت براسها لورا شوية، بتدور على شوية هوا يخففو من دقات قلبها السريعة اللي بقت سامعة صوتها في ودنها زي الطبل، وقالت بصوت متحشرج طالع بالعافية ومكسور من كتر الكسوف:

ـ "يونس" .. بالله تبعد بلاش الحركات داي عاد.. الدار برة مليان ناس، وأمي لو دخلت في أي وقت...

قاطعها "يونس" بابتسامة هادية، هزت قلبها من جوة وزلزلت اللي باقي من ثباتها، وقرّب وشه أكتر لحد ما أنفاسه اختلطت بأنفاسها، وهمس قصاد شفايفها بنبرة صوت أجش:

ـ أمي بره قاعدة مع والدتك كتابنا يا قلب يونس وانا امي بتفهم قوي وعارفة ان ابنها ملهوف ومشتاق لحبيبته، وبعدين، أهلك بنفسهم سلّموني إيدك وقالو لي صونها، وأنا دلوقتي ببتدئ أصون، بس بطريقتي أنا.. الطريقة اللي تخليني أصدق إنك بقيتي معايا بجد، ومش حلم هصحى منه على كابوس بعدك.

حرك إبهامه بنعومة على خدودها فجسمها ارتعش وخرجت منها تنهيدة قصيرة، حاولت تكتمها وهي بتضغط بأسنانها على شفايفها، وده خلى "يونس" يتنهد هو كمان تنهيدة طويلة طالعة من نياط قلبه. الرهبة كانت متملكاها بالكامل؛ دي أول مرة في حياتها تلاقي نفسها محاصرة بفيضان المشاعر ده والقرب الجسدي المباشر، مكنتش متعودة إن راجل يقرب منها المسافة دي كلها، ولا إن حد يبص لها بنظرات الرغبة دي، حسيت برجليها مش شايلاها، وكأن قربه منها بيسحب الأرض من تحت رجليها،

"يونس" لقط الرعشة اللطيفة دي، وعرف تأثيره الطاغي عليها، فابتسم بمكر وعشق وهو حافظ كل تفاصيل مهرته، ورخى قبضته عن إيديها شوية، بس مبعدش، بالعكس.. لف دراعه التاني حوالين وسطها، وسحبها ليه براحة لحد ما التصقت فيه تماماً، هنا "مهرة" شهقت بخفوت وحطت كفوف إيديها تلقائي على صدره العريض بتحاول تبعده، بس إيديها استسلمت، وبقت حاسة بدقات قلبه العنيفة اللي كانت بتسابق دقات قلبها في حرب الغرام دي،

وطى براسه شوية وباس خدها بوسة خفيفة، هامسة، خلت قشعريرة قوية تمشي في كل حتة في جسمها، همست بصوت كاد يكون مش مسموع، فيه رجاء رقيق وخوف طفولي:

ـ "يونس" .. علشان خاطري.. أني.. أني خايفة قوي.. بلاش إكده.. واصل.. مقدراش أتحمل والله.

"يونس" هدى حركته أول ما سمع كلمتها، ورفع راسه وبص لوشها بعيون كلها حنان ورقة ملهاش مثيل، شاف في عيونها لمعة دموع محبوسة، جاية من كتر الرهبة والكسوف، مش من زعل حدة رغبته بيها الشديدة هديت قدام طفولتها وعفتها اللي بيموت فيها، فأنفاسه هديت شوية، ومسح بطرف سبابته دمعة نزلت من عينها غصب عنها، وقال بصوت حنين دافي يطمن الروح:

ـ خايفة؟ خايفة مني أنا يا "مهرة" ؟ ده أنا "يونس" .. أمانك، وضهرك، والراجل اللي مستعد يهد الدنيا ويبنيها تاني بس علشان يشوف ضحكتك دي، أنا مش عايزك تخافي مني خالص يا مهرتي، أنا بقرب منك علشان أوهبك كل الحب اللي اتمنعنا منه، مش علشان أخوفك يا قلب "يونس" .

نبرته الصادقة والدافية دي نزلت على قلبها المرتجف زي المية الباردة على الجمر القايد، فدقات قلبها هديت، بصت له بعيون كلها عتاب وفيها دلال وقالت وهي بتوطي راسها في الأرض:

ـ بس الحركات داي.. جديدة علي، خليها واحدة واحدة قوي، أني مهتحملش قربك دي كلاته نوبة واحدة.. عاد بالراحة عليا، إحنا لساتنا هنبتد، ودي كتب كتاب وبس...

ضحك "يونس" من قلبه، ضحكة صافية هزت صدره اللي كانت ساندة عليه، ورفع دقنها براحة علشان تبص له تاني وقال بشقاوة مكرة:

ـ حاضر يا مهرتي، بالراحة، هصبر لحد ما يتقفل علينا باب واحد، ساعتها مش هتعرفي تقولي بالراحة، بس الليلة، ليلة كتب كتابنا، يرضيكي أرجع مصر وأنا محروم من دلال عروستي؟ يرضيكي ابن الهلالي يتكتب كتابه على فتاة القمر وميدوقش شهد شفايفها ولو حتة صغنونة تثبت له إنه بقى عريس صح.

وشها رجع يشتعل تاني بنار الكسوف، ودارت وشها تهرب من جراءته اللي ملهاش آخر، بس هو كان أسرع، وخطف شفايفها المرتعشة في بوسة رقيقة، بطيئة، مليانة شوق وحنين ساكن في ضلوعه من شهور طويلة، القبلة دي كانت إعلان استسلام كامل من "مهرة"، اللي رخت بين إيديه وتمسكت بكتفه بقوة، وسابت له القيادة في اللحظة دي، القبلة اللي قعدت ثواني كأنها دهر كامل، مغلفة بعطر غرام "يونس" وعفة بنت الصعيد،

لما بعد عنها براحة، كان بيتنفس بسرعة، وعيونه بتلمع ببريق نصر وعشق حقيقي. أما "مهرة"، فكانت في عالم تاني من الذهول، وشها كان هيتفجر من كتر الخجل، وبقت تبص للأرض ومش قادرة ترفع عينها في عينه، أخذت نفس طويل وهي بتحاول تلم شتات نفسها، وضمت دراعاتها حوالين نفسها بخجل ضاعف أنوثتها الطاغية في عينه،

قرب "يونس" من ودنها تاني، وهمس بنبرة رجولية كلها وعد وصيانة:

ـ مبروك عليا إتي يا "مهرة"  النعمان.. يمين الله، من اللحظة دي، مفيش قوة على الأرض هتقدر تبعدك عن حضني، إنتي بقيتي مرات "يونس"  الهلالي اخيرا يا بنت قلبي.

بصت له أخيراً، والابتسامة بدأت تظهر وسط خجلها ورهبتها، ابتسامة رضا حقيقي وأمان حست بيه لأول مرة في حياتها، كأنها بتتولد من جديد.

                   ******
قعدت "رابحة" في جنينة الدوار الكبيرة، مدة رجليها على الكرسي الخشب وساندة بضهرها لورا، والغل لسة بياكل في قلبها نار قايدة في جوفها مش راضية تبرد بعد ما "مهرة" علمت عليها وكسرت عينها وسابت لها كارت فرحها كيد وعناد، كانت ماسكة كباية الشاي بتقلّبها ببطء وعيونها بتلف في المكان زي الصقر اللي بيدور على أي فريسة يبرد بيها ناره،

وفي وسط غرقها في أفكارها الشريرة دي، سمعت صوت خطوات سريعة عند بوابة الجنينة، رفعت عينها ولمحت راجل غريب داخل، لابس لبس رسمي وفي إيده دفتر كبير تِقيل وملفوف فيه ورق كتير، قرب منها بخطوات واثقة وسألها:

ـ السلام عليكم يا حاجة، هي داي دار "سند"  الناجي؟

"رابحة" نزلت كباية الشاي من إيدها وحطتها على الترابيزة ببطء، وعيونها اضيقت بفضول وذكاء، وقالت وهي بتعدل قعدتها:

ـ وعليكم السلام يا ولدي.. صُح، دي دار "سند"  الناجي، خير؟ بتدور على إيه عاد في أول النهار اكده؟

الراجل فتح الدفتر بتاعه وقعد يقلب في الورق بسرعة وجاوبها:

ـ أني مُحضر من المحكمة يا حاجة، ومعاي إعلان رسمي من المحكمة جاي للسيدة '
"نغم الحناوي" ، هي موجودة اهنه في الدار؟

أول ما "رابحة" سمعت اسم "نغم"، قلبها دق دقة سريعة من الفضول، وحست إن فيه طاقة فرج اتفتحت لها من السما. لوت بوزها بمكر وقربت منه وسألته بنبرة مليانة بالفضول والخبث:

ـ "نغم" ؟ ورايدها في إيه عاد يا حضرة المحضر؟ قضايا إيه اللي جايباها لحد دارنا وإحنا ناس ملناش في المحاكم ولا المشاكل واصل؟ قول لي عايزها لإيه؟

المحضر نفخ بضيق، وطلع قلم جاف من جيبه وهو بيبص في الساعة اللي في إيده وقال بنبرة مفيهاش أي صبر:

ـ يا حاجة أنا مش فاضي للحديت ده كلاته، وراي ميت مشوار غير اهنه والبلد واسعة والشمس حامية، معاي ورقة رسمية من المحكمة ولازم تمضي عليها بنفسها علم بالوصول، جوزها الأولاني رافع عليها قضية ضم عيال، وجاي يطالب بحقه في حضانة ولاده الاتنين بعد ما هي اتجوزت راجل تاني. خلصيني عاد يا حاجة وقولي لي هي فين علشان أمضيها، ورايا شغل بالكوم ومفاضيش واصل للأسئلة داي.

في اللحظة دي، الدنيا لفت بـ "رابحة" من كتر الفرحة! حست بانتصار عظيم، وكأن ربنا بعت لها الدوا اللي هيشفي غليلها ويرد لها اعتبارها من غير ما تمد إيدها. عيونها لمعت بشر وقالت في سرها بـ شماتة ملهاش أول من آخر:

ـ يا فرج الله الواسع! أهي جات لك يا "نغم"  يا بت حناوي لحد عندك.. الفرحة اللي كنتوا عتطيروا بيها عتقلب نكد وحسرة على قلبك، وهحـ.ــرق قلبك وقلب أخواتك على عيالك، كيف ما حـ.ــرقتوا قلبي على ولدي "سمير"  وخليتوا كرامتنا في الأرض.

"رابحة" مأخرتش الراجل ثانية واحدة، وشها انفرد بابتسامة خبيثة ومكر، ووقفت على حيلها وشاورت له بايديها لبيت "نغم" وهي بتقول بلهفة واضحة:

ـ لاه، وليه التعب يا حضرة المحضر، نغم قاعدة فوق في شقتها مع عيالها، اطلع لها علطول من السلم دي.

سابها وطلع لـ "نغم"، أما "رابحة"، فقعدت تاني على الكرسي وهي حاسة بإنتعاش ملوش مثيل، مسكت كباية الشاي وشربت منها بـ تلذُّذ وهي بتضحك بصوت مكتوم وبتققول بصوت مسموع:

ـ اللعبة بدأت يا بت حناوي، وريني عاد هتعملي إيه لما عيالك يتسحبوا من تحت يدك، وخلّي الظابط جوز أختك ينفعك الليلة دي.

فوق في الشقة، كانت "نغم" قاعدة في الصالة، لمت عيالها الاتنين حواليها وبتلعب معاهم وتحضنهم بفرحة، والراحة مالية قلبها،

وفجأة، الباب خبط خبطات قوية، "نغم" اتخضت وقامت مستغربة مين ممكن يخبط بالطريقة دي في الوقت ده و"سند" برة البيت، مشيت براحة وفتحت الباب، ولقت قدامها راجل الغريب المحضر أول ما شافها سألها بعملية:

ـ انتِ الست "نغم"  الحناوي؟

"نغم" بلعت ريقها بتوتر وحست بنغزة في قلبها وقالت:

ـ أيوة أني.. خير يا حضرت؟ في إيه؟

المحضر سحب ورقة من وسط الدفتر ومدها لها مع القلم وطلب منها:

ـ أني محضر من محكمة الأسرة، معاكي إعلان رسمي بدعوى قضائية مرفوعة ضدك من طليقك.. بيطالب فيها بضم حضانة الأطفال لبيت أبوهم بسبب جوازك من راجل تاني. اتفضلي امضي اهنه استلام بالعلم، علشان أدخل على اللي بعدك ورايا مية مشوار.

"نغم" الكلمة نزلت على دماغها زي الصاعقة! جسمها كله اتلجم، والدم هرب من وشها اللي بقى أبيض زي الورقة. حست بركبها مش شايلاها، وعيونها اتسعت بصدمة ورعب حقيقي. مسكت الورقة بإيد بترتعش وبدأت تقرأ السطور، الكلمات كانت بتتحرك قدام عيونها زي الكوابيس "دعوى ضم حضانة الصغار... زواج الأم من أجنبي... سقوط الحق في الحضانة".

الخوف اتملك من كل شبر في كيانها، وعيالها لما شافوا منظرها كده جريوا عليها وتمسكوا بجلابيتها وهم خايفين من شكل أمهم المخطوف. "نغم" لسانها اتعقد، وبقت تبص للمحضر بدموع بدأت تتجمع في عيونها وتنزل على خدودها زي المطر، وقالت بصوت مرعوب وبلعثمة:

ـ "سمير"؟ ياخد عيالي؟ لاه.. لاه مستحيل! العيال دول ملهومش غيري في الدنيا، أبوهم مبيعرفش عنهم حاجة واصل من سنين.. إزاي ياخدهم؟ إزاي يضيعوا مني؟!"

المحضر نفخ بقلة صبر:

ـ يا ست أني ماليش صالح بالحديت دي كلاته! دي أوراق محاكم وقانون، الست لما تتجوز الحضانة بتتنقل علطول لأبو العيال أو جدتهم.. أني جاي أوصل ورقة وبس، خلصيني وامضي إمضا الاستلام دي، وراي شغل مش فاضي للبكاء والعياط اللي هشوفه كل شوية دي.

"نغم" حست إن روحها بتتسحب منها، والحيطة بتتهد فوق دماغها. سابت المحضر واقف على الباب، وجريت جوة الأوضة وهي منهارة وبتعيط بـ صريخ مكتوم، وسحبت موبايلها وبإيدين بترتجف، طلبت رقم "سند".

 الموبايل قعد يرن وهي بتموت في الثانية مية مرة، "سند" لما شاف اتصالاتها المتكررة:

ـ "أيوة يا "نغم" في إيه عاد؟

"نغم" ما قدرتش تمسك نفسها، وانفـ.ــجرت في العياط بـ صريخ وانهيار كامل وهتفت بصوت مقطوع من كتر البكا:

ـ الحقني يا "سند"! الحقني كل حاجة بتتهد على دماغي وعيالي هيضيعوا مني! المحضر واقف على الباب ومعاه ورقة من المحكمة.. أبوهم رافع قضية ورايد ياخد العيال مني علشان اتجوزتك! يا مري يا "سند".. عيالي هيموتوا لو بعدوا عن حضني، أني مقدراش أتنفس، قولي أعمل إيه؟! أبوس يدك اتصرف وتعال علطول!

"سند" اتفاجئ بانهيارها، بس حافظ على ثباته علشان يطمنها، وقال بنبرة هادية بس قوية:

ـ اهدي يا "نغم" ! اهدي يا حبيبتي ووعي لحديتك زين.. مفيش عيال هتتاخد حضنك واصل طول ما أني حي وعلى وش الأرض، هو المحضر لساته واقف برة؟

ردت "نغم" وهي بتشهق والدموع مغرقة وشها:

ـ أيوة واقف على الباب وعمال يزعق ويقول امضي وخلصيني ورايا شغل.. أني خايفة أمضي تضيع العيال مني!

"سند" أخذ نفس طويل وقال لها بصوت واضح ومفيش فيه شك:

ـ اسمعي الحديت يا "نغم" ، امضي الورقة ومتخافيش واصل.. دي مجرد ورقة إعلان بالقضية يعني لسة فيه جلسات ومحاكم وكلام كتير، وإمضاكي دي علم بالوصول بس ملهاش صالح بـ أخد العيال دلوك امضي وخليه يتوكل على الله الراجل ملهوش صالح بوقفته داي، أني دلوك مسافر في مشوار شغل برة البلد، ومش هقدر آجي الدار غير على الصبح.

"نغم" مسحت دموعها بكم جلابيتها وهي لسة بترتعش بالكامل، ونبرة "سند" طمنتها شوية بس الرعب لسة معشش في جوفها، قالت بصوت يقطع القلب:

ـ "حاضر يا "سند" هقفل وهمضي.. بس بالله عليك م تتأخرش واصل، الصبح بدري تكون اهنه.. أني بموت من الخوف على ولادي.

قفلت "نغم" الموبايل، وخرجت للمحضر بخطوات تقيلة كأنها ماشية على شوك، وخدت منه القلم وبإيد مهزوزة بترجف مضت اسمها على الدفتر وعلم الاستلام. المحضر سحب الدفتر والورقة التانية وساب لها الإعلان الرسمي، ولف ضهره ونزل السلم بسرعة من غير ما ينطق بكلمة تانية،

أول ما الباب اتقفل، "نغم" الورقة وقعت من إيدها على الأرض، وجريت على الكنبة قعدت في الأرض وأخذت عيالها الاتنين في حضنها.. كلبشت فيهم بكل قوتها وضمتهم لصدرها وهي بتعيط بـ انهيار وصوت واطي مقهور، وبتقول لهم والدموع نازلة زي الشلال على راسهم:

ـ يا حبايبي مفيش حد يقدر ياخدكم من حضني واصل، يمين الله أموت قبل ما أبوكم يلمس طرفكم ولا يبعدكم عن عيني، يا رب اقف معايا يا رب، ماليش غيرهم في الدنيا دي كلها.

العيال الصغيرين قعدوا يعيطوا هما كمان من كتر ما شافوا أمهم منهارة بالمنظر ده، ومبقاش في الشقة غير صوت البكا والقهر والخوف من المجهول اللي مستنيهم،

وفي وسط الانهيار ده كله، انفتح باب الشقة براحة.. وبخطوات بطيئة، خبيثة، مليانة شماتة والنصر، دخلت "رابحة" الشقة، ووقفت في الصالة تبص على "نغم" وعيالها الميتين من العياط في الأرض، قربت منها وقالت لها:

ـ شوفي بقى قدامك حل من الاتنين يا تطلبي الطلاق  وتنزلي اللي في بطنك اللي أني ياما حذرتك انك ما تعمليش اكده واصل وانتي رميتي ورا ضهرك وامنتي شري، يا اما تخلي أختك توافق على جوازها من "سمير"، و"مهره"  تاجي تعتذر وتبوس الايادي على اللي عِملته وياي و ويا أبو ولادك، يا إما ما هخليكيش تشوفيهم واصل يا بت حناوي. 

حطت "نغم"  ايديها على بطنها  برعب ومصدومة من اللي هي بتسمعه كانت بتحسس على بطنها بخوف حقيقي وهي بتسألها بلسان مصدوم:
ـ عايزاني اقـ.ــتل حتة مني علشان حتة مني تانية؟!
هتطلبي مني ازاي لمده؟!
دي  الموت أهون لي، حرام عليكِ ما تعمليش فيا اكده يا أما "رابحة". 
قربت منها وبكل جبروت وشر صدمتها...
يتبع 

تعليقات



<>