
*عبور الظلام*
لم يكن السكون الذي عادت إليه يمنى بعد العملية هو السكون المعتاد. شعرت وكأنها في مكانٍ آخر، مكانٍ عميقٍ وساكن، حيث الزمن لا يمر، والذكريات لا تجد سبيلًا للوصول.
عيناها تغلقان وتفتحان في بطء، صوت الدكتور أحمد الذي يتنقل في الغرفة كان بعيدًا، كأنه يأتي من عالم آخر. شعرت وكأنها تغرق في هوةٍ لا قرار لها، حيث لا ملامح، ولا أصوات، ولا وجه آخر.
"كيف تشعرين الآن؟" جاء الصوت، مرة أخرى، قريبًا منها.
"أشعر... بشيءٍ غريب." كان صوتها خافتًا، وكأن الكلمات تتناثر من فمها متعبة، كما لو أنها لا تعرف كيف تصف ما تشعر به.
هناك شيء ثقيل في قلبها، شيء لا يمكن أن تُسمِّيه ألمًا، ولكنه كان قريبًا منه لم تشعر بأنها حرة تمامًا. هناك فجوة، ثغرة عميقة في روحها، وكأن شيئًا ما قد اختفى، ولكن شيئًا آخر قد بقي.
اقترب منها، وتحدث بهدوء: "لا تقلقي، هذا طبيعي. العقل يبدأ في إعادة ترتيب نفسه بعد العملية، والذكريات تتلاشى تدريجيًا. قد تشعرين بالفراغ لفترة قصيرة، ولكن سرعان ما ستشعرين بالتحسن."
لكنها لم تكن متأكدة. هل كانت هذه هي الراحة التي سعت إليها؟ هل كان الخلاص حقًا في محو كل ما مرّت به؟ أم أن التراجع عن الماضي كان يعني فقدان جزء من نفسها؟ شعرت أنها لا تعرف من هي، وكأنها قد ابتُليت بنوعٍ جديد من العمى؛ العمى عن ذكرياتها، عن ماضيها، عن كل لحظة كانت تمسك فيها بحبلٍ رفيع من الأمل.
"أين هو؟"
هذه كانت الفكرة الأولى التي خطرت في ذهنها، وتكررت كصدى في داخلها، لكن لم يكن هناك جواب ملموس. يونس... كان الاسم يتردد كالشبح الذي يطاردها دون أن تراه.
الغريب أن تلك الصورة البصرية المفزعة له وهو مع امرأة أخرى قد غابت، تحولت إلى كتلة رمادية مبهمة لا ملامح لها، لكن شعوراً دافئاً غامضاً كان يطفو على السطح بعناد، يصارع الفراغ النظيف الذي صنعه الطبيب في عقلها.
رفعت رأسها ببطء، وتوجهت بنظرها إلى الدكتور الذي كان يقف عند طرف السرير، يراقبها بصمت، كما لو أنه ينتظر منها إجابة لا يعلمها هو نفسه.
"هل... هل سأنسى كل شيء؟" سألته بصوتٍ خافت، لكن كلماتها كانت كأنها تصدر من مكانٍ بعيد جدًا.
"ليس كل شيء،" أجاب بهدوء، مسترجعاً تحذيره الأول: "العملية تهاجم المسارات التي سببت الألم الحاد وتخدرها. الذكريات الأخرى قد تبقى كأطياف، لكنها لن تلاحقكِ بنفس القسوة."
"وماذا عني؟" همست لنفسها، دون أن تدرك أن صوتها قد خرج أعلى مما كانت تتوقع. "ماذا عني الآن؟"
في هذه اللحظة كان الصمت هو الجواب.
مرت الساعات ثقيلة قبل أن يسمح لها الطبيب بالمغادرة. حين خطت خطوتها الأولى خارج العيادة، بدا العالم الخارجي باهتاً، الأصوات مشوشة، والوجوه عابرة بلا معنى، كأنها خرجت من عالم الأموات إلى عالم لا تنتمي إليه.
عادت إلى شقتها، وكان السكون هناك مرعباً هذه المرة. جلست على أريكتها تتطلع إلى الجدران وتتحسس الفراغ المحيط بها. كانت هناك مساحات في بيتها تبدو وكأنها كانت ممتلئة بشيء ما قبل ساعات، والآن أصبحت مجرد زوايا باردة تثير الحيرة.
في الأيام الأولى التي تلت العملية، عاشت يمنى في صومعة من اللاشيء؛ ترتب أشياءها برغبة هستيرية في ملء الوقت، وتتأمل يديها اللتين لم تعودا ترتعشان عند سماع صوته في خيالها، لكن قلبها كان كمنزل مهجور بعد عاصفة؛ بابه مفتوح للريح، لا يملكه أحد، ولا يذكر بدقة من سكنه، لكنه يعلم يقيناً أن شخصاً ما كان هنا... ورحل.