رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثاني والعشرون22 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثاني والعشرون22 بقلم عاشقة القلم

✍️......بعد أن اتفقت عائشة وكريمة على الخطوات القادمة، حملت كريمة على عاتقها مهمة،

أن تذهب إلى أمينة وتحدثها عن الأمر.

كانت تعرف أن أمينة أم ديلان، وأن أي قرار يخص ابنتها يجب أن يمر من خلالها أولًا.

ورغم كل ما حدث بين أمينة وديلان في الفترة الماضية، كانت كريمة تعلم أن قلب الأم يبقى متعلقًا بمصلحة ابنتها، وأنها مهما أخطأت فهي في النهاية تريد الخير لها.

في ذلك اليوم، ذهبت كريمة إلى بيت أمينة.

استقبلتها أمينة بترحاب، فهي تعرف مكانة كريمة لديها، وتعرف أنها كانت السند الذي وقفت بجانب ديلان في أصعب أيامها، لم ترد كريمة محادثتعا بالمدرسة، حتى لاتشعر أمينة ان كريمة تتدخل في خصوصيات بيتها، او أن الامر مفروضا عليها، بل ارادت ان يكون بكل ود في بيت أمينة د، رفعا للحرج عنها.

بعد أن جلستا وتبادلا اطراف الحديث، نظرت كريمة إلى أمينة وقالت بهدوء:

كريمة: جئت اليوم لأحدثك في أمر يخص ديلان.

تغيرت ملامح أمينة قليلًا، وانتبهت لكل كلمة، وإرتسمت عليها علامات الدهشة.

قالت:

أمينة: خيرًا إن شاء الله؟.

ابتسمت كريمة.

كريمة: لاتقلقي يا أمينة، خير بإذن الله.

ثم أمسكت يدها وقالت:

كريمة: هناك سيدة تدعى عائشة، كانت مديرة المدرسة التي كنت ادرس بها قبل ان اسوي تقاعدي، وعي سيدة فاضلة وتقطن بالقرب من المدرسة القرآنية، حفيدتها تلميذة عن إبنتك ديلان،

سكتت قليلا وعندما رأت إهتمام أنينة، ربتت على يدها فوق حجرها وقالت...

كريمة: لاداعي للقلق، فعائشةمنذ ان رأت إبنتك ديلان وتعاملت معها، اعحبت بها وبأخلاقها، وتريد أن تتقدم لخطبة ديلان لابنها مراد.

ساد صمت قصير.

كانت أمينة تستوعب الكلام،

عندها اضافت كريمة:

كريمة: انا اعرف جيدا هذه العائلة، فهي نعم العائلة ومراد إبنها رجل بمعنى الكلمة.

ثم قالت:

أمينة: مراد... ابن عائشة؟، اتقصدين تلك السيدة التي تتردد على مكتبك كلما جلبت حفيدتها الصغيرة ملك.

أومأت كريمة.

كريمة: نعم.

ثم بدأت تتحدث عنهما.

كريمة: أمينة، أنت تعرفين أنني لا أقول هذا الكلام مجاملة، أنا أعرف عائشة منذ سنوات، وأعرف بيتها وأخلاقها، هي سيدة فاضلة وإنرأة بمعنى الكلمة، هذه المرأة ليست ممن يبحثن عن أي فتاة لابنها فقط، بل هي تفكر بقلب أم تريد الأفضل له، هي تبحث عن فتاة لتحمل إسم العائلة، هدفها فقط ان تجد زوجة لإبنها تعلم ماهي المسؤولية وتقدس الخياة الزوجية، لا تهمها ماديات أوشكليات، فعم عائلة ميسورة والحمد لله لهم بيت ملكمهم الخاص، وهي عائلة تتمنى اي فتاة ان تكون فردا منها.

ثم أضافت:

كريمة: ومراد أعرفه أيضًا منذ كان طفلا صغيرا يدرس بالمدرسة التي كانت والدته ناظرتنا، هو رجل محترم، مسؤول، تربى على يد عائلة طيبة، أراه رجلًا سيحافظ على ديلان، وسيصونها، وسيعطيها المكانة التي تستحقها.

نظرت إليها أمينة بصمت.

فقالت كريمة:

كريمة: بل سأقول لك شيئًا يا أمينة...

ابتسمت بحنان.

كريمة  لو جاء مراد يومًا وطلب ابنتي مريم، فلن أتردد لحظة واحدة بقبول عرضه، لأني أعلم جيدا أنني لن أجد أفضل منه لأطمئن عليها معه.

تأثرت أمينة بهذه الكلمات.

فهي لم تكن مجرد شهادة عن مراد، بل شهادة من امرأة تعرفها وتحترم رأيها.

تابعت كريمة:

كريمة: وديلان بالنسبة لي ليست مجرد صديقة ابنتي، أنت تعلمين ذلك جيدا، أنا أعتبرها ابنتي أيضًا، عشت معها أيام خوفها وألمها، ورأيت قلبها وأخلاقها.

ثم قالت:

كريمة: لذلك لن أقبل لها إلا بمن أراه خيرًا لها.

خفضت أمينة عينيها.

كانت تفكر في كل ما مرت به ابنتها.

في الخوف الذي عاشته،

في الكلمات التي ربما جرحتها،

وفي حاجتها إلى بيت تشعر فيه بالأمان خصوصا ما حدث في الآونة الأخيرة، حيث اظطرت ان تبتعد عنها إبنتها لتبقى ببيت آخر غير بيتها، وهي تتمنى لإبنتعا حياة افضل وزوجا يصونها ويحافظ عليها، ويكون لها سندا في هذه الحياة، فهي أكثر شخص عانى من هذه الحياة، ومن السند الذي لم تجده لا في اهلها ولا حتى اهل والد ديلان، بعد وفاته وبقيت وحيدة تتقاذفها الايام.

قالت بهدوء:

أمينة: إذا كنت أنتِ يا كريمة مطمئنة لهذا الأمر... فأنا أثق برأيك.

ابتسمت كريمة براحة.

فأكملت أمينة:

أمينة: سأتحدث مع ديلان بأمر، ثم تحدثي مع عائشة، وحددوا الموعد المناسب، أخبريني فقط متى سيأتون حتى نستعد.

أمسكت كريمة يدها.

كريمة: بارك الله فيك يا أمينة.

ثم قالت:

كريمة: وأريد أن أخبرك بشيء آخر...

نظرت إليها أمينة باهتمام.

قالت كريمة:

مريمة: تحدثت مع ديلان قبل ان اكلمك حتى اعطيها وقتا لتفكر به، ويمكنك ان تكلميها انت أيضا في هذا الموضوع، فأنت والدتها ومهما حدث بينكما، فأنا اعلم جيدا ان مصلحة ديلان تهمك وليس لدي ادنى شك في ذلك،

ترددت قليلًا ثم ابتسمت.

كريمة: وهي وافقت وأبلغتني بالامر، وهذا ليس تعديا على حقك ام بها، فقط لانني قريبة منها هذه الايام وكما تعلمين هي وإبنتي صديقات، واثرت ان اعرف رأيها قبل ان اطلعك على الموضوع، لكن رأيك انت أيضا مهم فأنت والدتها قبل كل شيء، وديلان اخبرت مريم انها وافقت على عرض عائشة.

تفاجأت أمينة.

أمينة: حقًا هل وافقت على الزواج من إبن السيدة عائشة؟.

أومأت لها كريمة برأسها وقالت.

كريمة: نعم؛ لأنها تعرف عائشة جيدًا؛ فهي ترى ملاك كل يوم في المدرسة القرآنية، وتعرف أخلاقها وطريقة تعاملها مع الأطفال.

ثم أضافت:

كريمة: وديلان تثق بي، وتعرف أنني لن أختار لها إلا ما أراه خيرًا.

شعرت أمينة براحة كبيرة.

فقد كانت تخشى أن تكون ابنتها ترفض الزواج بسبب ما مرت به، أو أنها أغلقت قلبها تمامًا بعد تجربة إبن الجارة حنيفة وكذلك كاظم.

لكن معرفتها أن ديلان وافقت جعلتها تشعر بأن ابنتها بدأت تنظر إلى المستقبل من جديد.

قالت أمينة:

أمينة: أسأل الله أن يكتب لها الخير.

ابتسمت كريمة.

كريمة: آمين.

وبعد أن عادت كريمة إلى بيتها، ٱتصلت بعائشة وأخبرتها بالخبر.

فرحت عائشة كثيرًا،

لم تكن فرحتها فقط لأن الأمر اقترب من الاكتمال...

بل لأنها شعرت أن ديلان، تلك الفتاة التي دخلت قلبها، بدأت تحصل أخيرًا على فرصة لحياة أكثر هدوءًا، خصوصا بعد ان قصت لها كريمة بعضا مما عانته ديلان بعد وفاة والدها، إلا موضوع كاظم فلم تأتي على ذكره حفاظا على ديلان ومشاعرها، فهي تعلم جيدا ان هذا الموضوع يألم ديلان كثيرا.

وفي الأيام القادمة...

سيُفتح باب بيت أمينة لاستقبال عائلة عائشة.

ستجلس العائلتان معًا.

وسيُطلب يد ديلان رسميًا.

لتبدأ صفحة جديدة في حياة فتاة ظنت في وقت من الأوقات أن الألم سيكون قدرها الدائم.


مرت الأيام سريعًا، حتى جاء اليوم الذي كانت عائشة تنتظره بفارغ الصبر...

يوم عودة ابنتها هازان من الغربة.

منذ الصباح، كان البيت مختلفًا.

لم تكن عائشة تخفي سعادتها، فقد كانت تجهز كل شيء بنفسها، ترتب الغرف، وتتفقد التفاصيل الصغيرة التي اعتادت أن تفعلها كل أم تشتاق إلى أبنائها.

كانت تضع اللمسات الأخيرة وهي تبتسم.

كم اشتاقت لهذا اليوم...

اشتاقت لأن ترى ابنتها تدخل من الباب، أن تسمع صوتها يملأ البيت من جديد، وأن تحتضن الام طفلتتا الصغيرة التي لم ترها إلا عبر الصور والمكالمات منذ أكثر من سنتين.

وحين توقفت السيارة أمام المنزل، شعرت عائشة بأن قلبها سبق خطواتها.

فتحت الباب بسرعة.

وما إن رأت هازان تنزل حتى ركضت نحوها واحتضنتها بقوة.

عائشة: ابنتي...

قالتها بصوت مرتجف من شدة الفرح.

بادلتها هازان العناق والدموع تملأ عينيها.

هازان: أمي... اشتقت إليك كثيرًا.

ثم اقترب زوجها كاران وسلم عليها باحترام، وبعده حملت الصغيرة بين ذراعيها.

كانت هازان تنظر إلى طفلتها وكأنها تحاول تعويض كل الأيام التي مرت بعيدًا عنها.

هازان: ما أجملك يا صغيرتي...

قالتها وهي تقبلها بحنان.

ضحكت عائشة.

عائشة: لقد كانت تنتظر أن تراك كثيرًا.

ابتسمت هازان.

هازان: وأنا أيضا، فقد إشتقت لها كثيرا .

امتلأ البيت في ذلك اليوم بالأحاديث والضحكات.

كان عزت سعيدًا بعودة ابنته، وكان مراد يجلس بينهم بهدوء، يشاركهم الحديث، لكنه كان ينتظر لحظة أخرى...

اللحظة التي ستصبح فيها خطوة الزواج رسمية.

كانت هازان تلاحظ أن هناك شيئًا يشغل والدتها.

فبعد أن هدأ الجميع في المساء، جلست مع عائشة وحدهما.

قالت:

هازان: أمي... أشعر أن هناك أمرًا تريدين الحديث عنه.

ابتسمت عائشة.

عائشة: دائمًا كنتِ تفهمينني قبل أن أتكلم.

ثم أخذت يد ابنتها وقالت:

عائشة: لقد قرر اخاك مراد الزواج، وأريد أن أخطب له فتاة.

اتسعت ابتسامة هازان.

هازان: حقًا يا أمي؟ ومن هذه الفتاة التي خطفت قلب مراد؟.

أومأت عائشة.

عائشة: نعم؛ فتاة تعرفت أنا عليها من خلال المدرسة القرآنية، وليس هو فلو تركته فلن يتزوج إلا بعد عشرين سنة ،فانت تعلمين اخاك، فهو ليس من اولائك الشباب الذين يقيمون علاقات مع فتيات ومحيط اصدقائه يعد على الأصابع، فمراد شخص عملي وليس عاطفي مثل باران الذي اخاف ان يحظر لي فتاة من الغربة ، ضحكت الاثنتين ثم اكنلت عائشة كلامها.

عائشة: كم إشتقت له يا هزان، اتمنى ان تمر هذه السنة بسرعة، ويأتي فيكفيني بعادك انت عني، والغربة اخذتها نصيبها مني وبت استوحش هذا البيت، واتمنى ان تكون ديلان من نصيب مراد.

هازان : ومن ديلان هذه يا امي هل هي من معارفنا.

عائشة: ديلان يا إبنتي هي مدرسة إبنتك ملك بالمدرسة القرآنية.

ثم بدأت تحدثها عن ديلان.

عن أخلاقها،

عن صبرها،

عن حبها للأطفال،

وعن جمالها الفاتن الذي وعبها الله إياه،

وعن الظروف الصعبة التي مرت بها.

استمعت هازان باهتمام.

ثم قالت:

هازان: من كلامك عنها يا أمي أشعر أنك تحبينها كثيرًا.

ابتسمت عائشة.

عائشة: فعلا يا إبنتي فعي فتاة تحب، وكل من رآها او تعامل معها يجدها تدخل قلبه دون إستأذان، وانا احببتها كأنها ابنتي.

ثم أضافت:

عائشة: وهذا ما جعلني أفكر بها لمراد.

قالت هازان:

هازان  وهل مراد موافق؟

أجابت عائشة:

عائشة: بالطبع نعم. رأى شخصيتها وتحدث معها، وأعجب بأخلاقها.

ابتسمت هازان.

هازان: إذن لا أرى سببًا للتأخير، فمراد شارف على الثلاثين واظنه الوقت المناسب لذلك.

في اليوم التالي، اتصلت عائشة بكريمة لتتفقا على الموعد.

كان الاتفاق أن تذهب عائلة عائشة إلى بيت أمينة.

زيارة رسمية بسيطة، لكنها تحمل معنى كبيرًا.

وعندما علمت ديلان بالموعد، شعرت بمزيج غريب من المشاعر.

فرح...

وخوف،

كانت تقترب من خطوة جديدة في حياتها.

خطوة ستبعدها عن الماضي، لكنها أيضًا ستفتح لها بابًا لم تعرف ما وراءه.

جلست مع مريم في الجامعة قبل الموعد بيوم.

قالت مريم مبتسمة:

مريم: هل أنت خائفة؟.

ابتسمت ديلان بخجل.

ديلان: قليلًا.

مريم: هذا طبيعي.

ثم أضافت:

مريم لكن تذكري أنك لم تختاري لأنك ضعيفة، أنت اخترت لأنك تريدين أن تبدئي من جديد، ولانك تستحقين خياة أفضل.

نظرت ديلان إليها.

ثم ابتسمت.

ديلان: أتمنى فقط أن يكون اختياري صحيحًا.

قالت مريم:

مريم: اطمئني... أحيانًا يرسل الله لنا أشخاصًا لا نبحث عنهم، لكنهم يكونون الجواب الذي كنا ننتظره.

وفي منزل عائشة...

كان مراد يستعد لذلك اليوم بهدوء.

لم يكن من الرجال الذين يظهرون مشاعرهم بسهولة، لكنه في داخله كان يشعر بمسؤولية كبيرة.

فهو لم يكن يريد فقط الزواج...

بل كان يريد أن يبني مع ديلان بيتًا تشعر فيه بالأمان، بيتا تسوده المحبة والود والرحمة.

وكانت عائشة تنظر إلى ابنها وتبتسم.

فهي لم تكن ترى فقط عروسًا لابنها...

بل كانت ترى فتاة عانت كثيرًا، وحان الوقت لتجد من يمسك بيدها بدل أن يدفعها نحو المزيد من الألم.

وهكذا...

بعد سنوات من الطرق المتعبة في حياة ديلان، بدأت خطوات طريق جديد تُرسم بهدوء.

طريق لم تكن تعرف نهايته...

لكنها دخلته وقلبها أكثر اطمئنانًا.


كان المساء قد حلّ في زيورخ بهدوئه المعتاد...

جلس باران في غرفته بعد يوم طويل من الدراسة والعمل على مشاريعه، وأسند ظهره إلى الكرسي وهو ينظر إلى بعض الرسومات التي أنهى العمل عليها.

كانت الغربة قد علمته الكثير،

علمته الصبر، والاعتماد على النفس، وأن الأحلام الكبيرة تحتاج إلى تعب أكبر، لكن رغم كل ما حققه، ورغم كل خطوة اقترب بها من مستقبله، كان هناك جزء منه ما زال معلقًا في وطنه، لا يدري كيف تسللت صورتها إلى خاطره في تلك اللحظة، دون سابق إنذار، وكأنها نسمة عابرة أيقظت في قلبه شوقًا كان يظنه قد خمد. ارتسم طيفها أمام عينيه بكل تفاصيله، فاجتاحه حنين عذب أثقل صدره. تمنى لو أنها كانت أمامه الآن، يملأ عينيه من ملامحها التي افتقدها طويلًا، ويستمع إلى صوتها الذي لم يفارق ذاكرته يومًا. كان يشعر أن في قلبه كلماتٍ كثيرة تراكمت بصمت، كلمات لم تجد طريقها إليها، وأمنية واحدة كانت تتردد في أعماقه بإلحاح... أن يراها، ولو لمرة واحدة، ليبوح لها بكل ما عجز عنه الزمن والغياب.

إجتاحه الحنين للوطن للبيت واهله وايضا، وكان هناك جزء ينقصه بقي هناك.

هناك...

حيث ترك قلبه حكاية لم تكتمل.

أخرج هاتفه واتصل بوالدته عائشة كعادته، حيث لم يكن يمر يوم دون أن يطمئن عليها، ما إن أجابت حتى ارتسمت ابتسامة على وجهه.

باران: السلام عليكم يا أمي.

جاءه صوتها الدافئ.

عائشة: وعليكم السلام يا بني، كيف حالك؟ هل أنت بخير؟.

ابتسم.

باران: أنا بخير، لا تقلقي؛ كنت أريد فقط أن أطمئن عليكم.

تحدثا قليلًا عن أحواله ودراسته، ثم قالت عائشة فجأة:

عائشة: بالمناسبة، هازان هنا؛ لقد جاءت لتمضي بعض الايام معنا وتعود لألمانيا، فقد إشتاقت كثيرا لإبنتنا ولنا، ومذلك كاران زوجها ليطمئن على والديه واخوه علي.

تغيرت ملامحه فرحًا.

باران: حقًا؟ الحمد لله على سلامتها، وكيف هي احوالها واحوال زوجها؟.

ثم أضاف:

باران: اشتقت إليها وإلى الصغيرة ملك كثيرا.

ضحكت عائشة.

عائشة: وهي أيضًا اشتاقت لكم كثيرًا.

ثم سكتت قليلًا، وقالت:

عائشة: باران بني هناك خبر آخر.

انتبه باران لكلام أمه.

باران: خير إن شاء الله؟.

ابتسمت والدته.

عائشة: مراد أخوك قرر أخيرا أن يتزوج.

فتح باران عينيه بدهشة، ثم ابتسم.

باران: مراد!؟ أخيرًا؟.

ضحكت عائشة.

عائشة: نعم، لقد وجد فتاة أعجبته.

قال باران مازحًا:

باران: كنت أظن أن مراد لن يقتنع بالزواج أبدًا، لكن من هذه الفتاة التي غيرت رأيه وجعلته يقرر أخيرا ان يتزوج.

ضحكت والدته.

عائشة: هو فقط كان ينتظر الشخص المناسب.

ثم أضافت:

عائشة: الفتاة تعمل في المدرسة القرآنية التي تدرس فيها ملك.

ابتسم باران براحة.

فأول شيء خطر في باله هو دنيز، لقد كان يخشى دائمًا أن يوافق مراد يومًا على الزواج بها فقط بحكم القرب والعائلة.

لكن كلام والدته جعله يطمئن.

قال:

باران: الحمد لله... المهم أنها فتاة جيدة.

أجابته عائشة:

عائشة: هي كذلك يا بني؛ فتاة صاحبة أخلاق، هادئة، ومحبوبة من الجميع.

قال باران:

باران: إذن هذا اختيارك  انت يا أمي، وأظنه كان جيدًا يا أمي.

ضحكت.

عائشة: ليس اختياري وحدي، مراد أيضا هو من اختارها.

لم يسأل باران عن اسمها.

لم يخطر بباله أن يسأل.

فلم يكن يعلم أن تلك الفتاة التي يتحدث عنها ستكون نفسها صاحبة الوجه الذي ملأ كراسه ورسوماته، وشغلت عقله وقلبه، الفتاة التي يحلم بها كل يوم ولايعلم عنها شيئا سوى ملامحها،

الفتاة التي بحث عنها قلبه قبل أن يعرف اسمها.

وجاء يوم الخطبة...

منذ الصباح الباكر، كان بيت أمينة يعيش أجواء مختلفة.

كانت كريمة وإبنتتا تتحركان في كل مكان بحماس، تساعدان  والدة ديلان في ترتيب التفاصيل الأخيرة.

أما ديلان، فكانت بين الفرح والخوف.

لم تكن خائفة من مراد...

بل من فكرة أن تفتح صفحة جديدة بعد كل ما مرت به، كانت تنظر إلى نفسها في المرآة، لم تكن تريد أن تكون امرأة أخرى،

أرادت فقط أن تكون ديلان،

بهدوئها، وبساطتها، وبقلبها الذي تعب كثيرًا.

ساعدتها مريم في تجهيزها، وهي تبتسم.

قالت:

مريم: اليوم بداية جديدة يا ديلان.

ابتسمت ديلان بخجل.

ديلان: أسأل الله أن تكون بداية خير.

وصلت عائلة عائشة في الموعد المتفق عليه.

كان عزت برفقة مراد وكاران زوج هازان، وكانت عائشة وهازان تحملان فرحة واضحة في وجهيهما.

استقبلتهم أمينة وكريمة وحتى عبدالله زوج كريمة إستقبل الرجال بحفاوة، لأن ديلان ليس لها أحد من عائلتعا يتولى تلك المهمة.

جلس الرجال في المجلس.

جلس عزت ومراد مع عبد الله زوج كريمة، الذي كان ينظر إلى ديلان كما لو كانت ابنته فعلًا.

قال عبد الله:

عبد الله ديلان ليست مجرد صديقة ابنتي... هي ابنتنا نحن أيضًا.

ابتسم عزت باحترام.

عبدالله: وهذا ما جعلنا نطمئن أكثر.

فالجميع كان يريد لها الخير.

أما النساء، فاجتمعن في الغرفة التي أعدتها مريم وديلان لهذه المناسبة ليلة من قبل.

كانت الأجواء مليئة بالدفء؛

الحديث، والابتسامات، والدعوات الجميلة.

كانت عائشة تنظر إلى ديلان بحنان.

وكأنها ترى ابنة جديدة تدخل حياتها.

وقبل إتمام مراسيم الخطبة، طلب عبد الله من مراد أن يجلس مع ديلان قليلًا، فهذا حقه في الرؤية الشرعية.

قال:

عبد الله: من حقكما أن يتعرف كل منكما إلى الآخر قبل اتخاذ القرار، وكذلك لتتفقا إذا ما كان لأحد منكما شروطا يود ان يطلع الآخر عليها.

وافق عزت.

فجلس هو وعبد الله في الشرفة، بينما ترك مراد في الغرفة التي دخلت إليها ديلان.

جلس الاثنان بهدوء.

كان هناك بعض الخجل الطبيعي.

ابتسم مراد وقال:

مراد: أظن أن البداية الصحيحة أن أعرفك بنفسي.

ثم قال:

مراد أنا مراد يلدريم... عمري تسعة وعشرون عامًا، وأعمل مدير حسابات في إحدى الشركات.

استمعت إليه ديلان بهدوء.

تابع هو الكلام:

مراد: بعد الزواج سيكون لنا بيتنا الخاص، والدي جهز الشقق الموجودة فوق منزلنا، وسأختار إحداها وسأهيئها كما نريد نحن.

ابتسم ثم أضاف .

مراد: أريد أن يكون لنا مكاننا الخاص، بعيدًا عن أي تدخل، وهذا أيضًا ما يريده والداي، ان تكون لنا حياتنا الخاصة بعيدة عن أي تدخل.

شعرت ديلان بالراحة.

فهو لم يتحدث عن أنها ستنتقل إلى بيت عائلته وتعيش وفق نظامهم...

بل عن حياة مشتركة لهما، وتكون لهما خصوصيتهما.

ثم قال:

مراد: علمت أنك تدرسين.

أومأت.

ديلان: نعم، أقترب من إنهاء دراستي، وانا ايضا أريد ان أعرفك عن نفسي، أنا إسمي ديلان ديمير.

سألها:

مراد: هل تريدين إكمالها؟

أجابت دون تردد:

ديلان: نعم.

ابتسم.

مراد: ليس لديا مانع أن تكملي دراستك، ولن أكون سببًا في توقف حلمك.

نظرت إليه بدهشة بسيطة.

فهذا الكلام كان مختلفًا تمامًا عن كل ما اعتادت سماعه من قبل من تقدم لخطبتها من قبل، بل كانوا يودون ان تبقى على عملها وفقط..

ثم قال:

مراد: وماذا عن عملك في المدرسة القرآنية؟.

أجابته:

ديلان: أحبه كثيرًا، ووجودي وسط الأطفال يجعلني سعيدة.

قال:

مراد: إذن لا مانع لديا أيضا استمري به.

شعرت ديلان بشيء من الطمأنينة.

ثم سألها:

مراد: وكم عمرك؟.

قالت:

ديلان: مع نهاية هذا العام الدراسي سأكمل الثانية والعشرين.

ابتسم.

مراد: إذن لدي اقتراح.

نظرت إليه باستغراب.

قال:

مراد: إذن إذا قلبت طلبي، ما رأيك أن يكون يوم زفافنا هو يوم عيد ميلادك؟.

ابتسمت للمرة الأولى.

تابع:

مراد: ستكون فرحتان في يوم واحد... نجاحك و نيل شهادتك، ويوم ميلادك، و أيضا بداية حياتنا معًا.

شعرت ديلان أن هذا الرجل ينظر إليها كإنسانة لها أحلام، لا كعبء يحتاج إلى من يحمله.

أما مراد...

فقد كان هو الآخر يشعر بإعجاب صادق، لم يكن إعجابًا بالمظهر فقط، فلا ينكر انه اعجبه منظرها، فجمالها الطبعي البريئ ملفت للنظر، ومن لم يعحب بشكلها فله خلل في النظر وتقدير الجمال الطبيعي الذي انعم الله به عليها،

بل وكذلك بطريقة حديثها، بهدوئها، وبالوقار الذي يحيط بها.

كانت ترتدي لباسًا محتشمًا بسيطًا، لكنه زادها جمالًا ووقارا،

ولفت انتباهه ذلك الهدوء في عينيها الرماديتين...

عينان تحملان قصة طويلة، لكنهما لا تزالان تحملان طيبة ونقاء.

ولم يستطع أن يخفي إعجابه بشخصيتها، بعد انتهاء الحديث، خرجا وهما أكثر ارتياحًا.

واتفق الجميع على إتمام الخطبة رسميًا في موعد قريب، حيث تُلبس الخواتم وتعلن العائلتان ارتباطهما رسميا.

وفي نهاية اللقاء، اقتربت عائشة من أمينة وقالت:

عائشة: أريد أن أخبرك شيئًا.

نظرت إليها أمينة.

قالت عائشة:

عائشة: لا أريد منك أن تثقلي نفسك بالديون من أجل تجهيز ديلان.

تفاجأت أمينة.

تابعت عائشة:

عائشة: ديلان ستدخل بيتي كما هي، فمراد اخبرني انه يريدها كما هي، ليس إنتقاص منكم او لقدركم، بل لانه لاتهمه المظاهر كما تهمه المرأة التي ستشاركه حياته وتكون اما لأولاده، أنا أيضا لا أبحث عن الذهب ولا عن الأشياء الكثيرة، والتجهيزات الباهضة المكلفة، فإحعلي جهزهت مما إستطعت عليها، فحهازها الحقيقي في نظري هو حيائها وعفتها وتربيتها الصالحة.

ثم ابتسمت:

عائشة  مراد لديه شقته الجاهزة، وما يهمني أن تدخل ابنتي إلى بيت يحبها ويحترمها، ويعرف قيمتها ويقدرها.

تأثرت أمينة.

فقالت عائشة:

عائشة: نعم... قلت ابنتي، لأنني أريد أن تكون ديلان ابنة لي بجانب هازان، كما أنني أشعر اننا قريبة لقلبي مثلما تمون البنت قريبة من قلب أمها.

اغرورقت عينا ديلان بالدموع عندما سمعت ذلك.

فبعد كل ما خسرته...

وجدت امرأة تقول لها إنها تريدها كما هي، بدون بذخ ولاترف ولا مظاهر خداعة، بل تريد زوجة لإبنها تقاسمه مشاغل الحياة، تكون سنده وسكنه الذي يأوي إليه من متاعب الحياة.

وهكذا انتهى ذلك اليوم.

يوم لم يكن مجرد خطبة...

بل كان إعلانًا عن بداية حياة جديدة لديلان.

في الوقت الذي كان فيه باران بعيدًا، يبتسم لأنه يظن أن أخاه وجد فتاة مناسبة له...

دون أن يعلم أن القدر كان ينسج خيطًا آخر،وأن الفتاة التي ستصبح زوجة مراد...

هي نفسها الفتاة التي ظل يبحث عنها قلبه منذ أكثر من سنة.

✍️.....ما إن غادرت عائشة منزلهم، بعد أن زفّت إليهما خبر خطبة مراد لفتاة أخرى، حتى خيّم على المكان صمت ثقيل، وكأن الفرح الذي دخل مع كلماتها لم يكن إلا خنجرًا استقر في قلب دنيز وأمها.

تبدلت ملامحهما في لحظة، وانطفأت الابتسامات التي طالما رسمتاها على وجهيهما كلما تخيلتا أن ذلك اليوم سيأتي، يوم تُزف فيه دنيز إلى ابن عمها الذي طالما رأت نفسها زوجةً له، وشريكةً لحياته.

كانت صفية تحاول أن تبدو متماسكة، إلا أن الصدمة باغتتها هي الأخرى؛ أما دنيز، فلم تستطع أن تبقى دقيقةً واحدة تستمع إلى بقية الحديث، فقد شعرت وكأن الكلمات تتحول إلى سهام تغرس في صدرها مع كل تفصيل تذكره عائشة عن تلك الفتاة.

استأذنت بصوت خافت، ثم أسرعت إلى غرفتها قبل أن تفضحها دموعها.

أغلقت الباب خلفها، واستندت إليه للحظات، كأنها تحاول أن تمنع العالم كله من اقتحام ضعفها، ثم لم تعد قادرة على المقاومة، ارتمت فوق سريرها، ودفنت وجهها في الوسادة، وأطلقت العنان لبكاءٍ مرير، بكاء سنواتٍ من الأحلام التي تهدمت في لحظة واحدة.

كانت تشعر أن شيئًا في داخلها قد انكسر... شيئًا لن يعود كما كان.

كيف استطاع مراد أن يختار غيرها؟، وكيف تجاوز كل تلك السنوات التي نشآ فيها معًا، وكأنها لم تكن تعني له شيئًا؟،

ولماذا... لماذا تلك الفتاة تحديدًا؟.

بعد دقائق، طرقت صفية الباب برفق، ثم دخلت دون أن تنتظر جوابًا.

رأت ابنتها غارقة في دموعها، فاهتز قلبها ألمًا، تقدمت بخطوات هادئة، وجلست إلى جوارها على طرف السرير، ثم راحت تمسد شعرها بحنان الأم التي تؤلمها دموع ابنتها أكثر مما يؤلمها جرحها هي.

قالت بصوت دافئ:

صفية: لا تفعلي بنفسك هذا يا ابنتي... لا يستحق مراد دمعةً واحدة من عينيك؛ صدقيني، هو من خسر؛ وليس أنت؛ وأقسم لك أن ألف رجلٍ يتمنى فتاةً مثلك، خلقًا وجمالًا وعقلًا.

رفعت دنيز رأسها، وكانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء، وقالت بصوت متقطع:

دنيز: لكنني لا أريد ألف رجل يا أمي... أنا أريده هو... أحببته منذ كنت صغيرة، ولم أتخيل يومًا أن يكون لامرأة غيري.

ثم شهقت وهي تكمل:

دنيز: كيف يتركني أنا، ابنة عمه التي يعرفها منذ طفولته، ويختار فتاةً غريبة لا يعرف عنها شيئًا؟.

ساد الصمت لحظة، قبل أن يتغير بريق عينيها، ويحل محله شيء من الغضب والمرارة.

قالت وهي تعض شفتيها:

دنيز: لكن العتب ليس عليه وحده... العتب كله على تلك الشمطاء زوجة عمي.

قطبت صفية حاجبيها، فسألتها:

صفية: ماذا تعنين؟.

أجابت دنيز بنبرة يغلب عليها الحقد المكتوم:

دنيز: هي من زينت تلك الفتاة في عينيه، أنت تعلمين أن مراد لا يلتفت إلى النساء أصلًا، ولا يهتم بهن، لكنها لم تترك مناسبة إلا وأثنت عليها، تمدح أخلاقها، وتصف جمالها، وتتحدث عن تربيتها وكأنها لا ترى في الدنيا فتاةً سواها، ألم تلاحظي كيف كانت تتحدث عنها اليوم؟.

تنهدت صفية، ثم واصلت التربيت على رأس ابنتها قائلة:

صفية: لا تكوني ضعيفة يا دنيز... ولا تعلني هزيمتك منذ الجولة الأولى، إن أظهرت ضعفك الآن، خسرتِ كل شيء.

نظرت إليها دنيز في صمت، فابتسمت صفية ابتسامة خفيفة، وقالت بثقة أرادت أن تبعثها في قلبها:

صفية: اسمعيني جيدًا... مراد سيكون لك في النهاية.

اتسعت عينا دنيز بدهشة.

دنيز: كيف يا أمي وهو سيتزوج غيري؟ وبعد ايام ستكون خطبته رسميا ثم زواجه.

قالت صفية وهي تسترجع ما أخبرتها به عائشة:

صفية: ألم تسمعي؟ الفتاة أصغر منه بسنوات، ووالدها متوفى، وتعيش مع أمها وزوج أمها، وتعمل أيضًا، أتظنين أن حياتها ستكون سهلة مع رجل مثل مراد؟

أخذت كلماتها تتسلل إلى قلب دنيز شيئًا فشيئًا.

تابعت صفية:

صفية: أنت أكثر فتاة تعرف طباعه، تعرفين غيرته الشديدة، وعصبيته، أما هي... فما تزال صغيرة، قليلة الخبرة بالحياة، لن تعرف كيف تتعامل معه، ولن تتحمل طباعه طويلًا، وستبدأ الخلافات بينهما منذ الأشهر الأولى.

مسحت دنيز دموعها، وقد بدأ بصيص أملٍ كاذب يتسلل إلى قلبها بعد كلام والدتها، التي اكملت  بصوت امتزج فيه الرجاء بالشماتة:

صفية: أحقًا تظنين ذلك يا أبنتي؟، فرق العمر بينهما كبير... ومراد يغار من أقل شيء، وهي تعمل، وستحتك بالرجال كل يوم... لا أظنه سيحتمل ذلك.

دنيز: لكن لاتنسي ان مراد طيب النية وسريرته نظيفة اخاف ان تلعب تلك الفتاة الصغيرة على هذا الحبل ويتعلق بها، فهو لايعلم مكر ودهاء النساء، وإذا اتقنت دورها فستخدعه بكل سهولة، هذا إذا لم يكن قد احبها هو ايضا مثل بقية عائلته، التي اصبحت لاسيرة لهم إلا عنها وكيف يتفنون بمدحها حتى هازان التي لم تراها إلا مرتين سحرت بها.

ابتسمت صفية ابتسامة ماكرة، وقالت:

صفية: لا يهمك كل هذا سيتبخر مع الوقت، حين يختبر كل شيء بالمعاشرة، هذا إذا لم يختلفا على تفاصيل صغيرة قبل الزفاف وهذا ما أقصده، مراد لن يرضى أن يرى زوجته تتحدث مع رجل أو تعمل بين الشباب، وستبدأ المشاكل لا محالة، ثم لا تنسي أنه لم يخترها بإرادته، بل رضخ لرغبة أمه وفقط، كما قلتي انت هي من زينتعا في نظره، والزواج الذي يُبنى على الإكراه لا يدوم.

ساد الصمت، لكن هذه المرة لم يكن صمتًا مثقلًا بالبكاء، بل صمتًا امتلأ بالأوهام.

ارتسمت على شفتي دنيز ابتسامة باهتة، وهي تتشبث بتلك الكلمات كما يتشبث الغريق بقشة.

راحت تنسج في خيالها مستقبلًا تتهاوى فيه تلك الخطبة، وينتهي ذلك الزواج قبل أن يشتد عوده، ويعود مراد لها نادمًا، باحثًا عنها هي.

ولم تكن تدري أن الإنسان حين يبني أحلامه على سقوط الآخرين، فإن القدر كثيرًا ما يفاجئه بما لم يكن في الحسبان.


حلَّ اليوم الذي انتظرته العائلتان منذ أيام...

اليوم الذي سيُعلن فيه ارتباط مراد وديلان رسميًا، وتُلبس فيه خاتما الخطبة، لتصبح العلاقة بينهما معلنة ورسمية أمام الجميع، ولا يبقى بعد ذلك سوى أشهر قليلة تفصل بينهما وبين عقد القران والزفاف، بعد انتهاء ديلان من امتحاناتها وتخرجها كما اتفق الجميع.

ومنذ ساعات الصباح الأولى، دبَّت الحركة في منزل عائشة، كما في منزل أمينة.

كانت القلوب تخفق بفرح، والوجوه تشع ابتسامة، والنساء يتنقلن بين الغرف وهن يضعن اللمسات الأخيرة على كل شيء.

أما في بيت أمينة...

فكانت مريم تقف أمام ديلان تساعدها في ارتداء فستانها.

كان فستانًا ورديًا طويلًا، واسعًا، يجمع بين البساطة والرقي، تنسدل أطرافه بهدوء حتى كاحليها، بينما غطى خمار من اللون نفسه شعرها بالكامل، فأضفى على ملامحها وقارًا زادها جمالًا.

وقفت ديلان أمام المرآة.د،

تأملت انعكاس صورتها،

لم تضع شيئًا من مساحيق التجميل.

كانت ترى أن جمال المرأة الحقيقي يكمن في حيائها ووقارها، ولم تشأ أن تغير شيئًا من ملامحها التي خلقها الله.

ابتسمت مريم وهي تنظر إليها بإعجاب.

مريم: والله يا ديلان... لو وضعوا أجمل زينة في الدنيا لما زادتك جمالًا أكثر مما أنت عليه الآن.

ابتسمت ديلان بخجل، وأخفضت بصرها.

ديلان: لا تبالغي يا مريم.

اقتربت منها كريمة، ومسحت بحنان على وجنتها.

كريمة: بل هي لا تبالغ... اليوم أدركت لماذا اختارك الله لكل هذا الخير.

اغرورقت عينا ديلان بالدموع،

فما زالت حتى هذه اللحظة تشعر وكأنها تعيش حلمًا.

وفي الجهة الأخرى...

كان مراد يقف أمام المرآة يعدل ربطة عنقه.

ارتدى بدلة رسمية بلون أزرق داكن، زادته وقارًا وهيبة.

دخل عزت الغرفة، فتأمله مبتسمًا.

عزت ما شاء الله... أصبحت اليوم عريسًا يا بني.

ابتسم مراد بخجل.

مراد: لا يزال أمامي أشهر يا أبي.

ربت عزت على كتفه.

عزت: لكنها أول خطوة في الطريق.

دخلت عائشة وهي تنظر إلى ابنها بعينين امتلأتا فخرًا.

مراد: أسأل الله أن يرزقك السعادة، وأن يجعلها زوجة صالحة تقر بها عينك.

انحنى مراد وقبل يدها.

مراد: آمين يا أمي.

لم يطل الوقت حتى اجتمعت العائلتان في القاعة الصغيرة التي اختارتها كريمة لتكون مناسبة لهذا اللقاء العائلي الهادئ.

لم يكن الحفل صاخبًا.

بل كان دافئًا...

يشبه أصحابه.

كانت الضحكات تتناثر بين الأحاديث، بينما كانت ملك الصغيرة تدور بين الجميع بفستانها الأبيض الصغير، تضحك وتصفق، وهي تردد بصوت طفولي:

ملك: اليوم معلمتي ديلان ستصبح خطيبة خالي مراد.

فضحك الجميع.

أما ديلان، فقد احمر وجهها خجلًا، فانحنت وقبلت رأس الصغيرة التي كانت تنظر إليها ببراءة.

ثم جاءت اللحظة المنتظرة.

تقدمت عائشة تحمل علبة صغيرة مخملية، وقد غلب التأثر على ملامحها.

وقفت أمام ديلان.

ابتسمت لها، ثم أمسكت بيدها برفق.

كانت يد ديلان ترتجف قليلًا.

همست عائشة بصوت لم تسمعه إلا هي:

عائشة: لا تخافي يا ابنتي... من اليوم أنت واحدة منا،

لم تتمالك ديلان نفسها،

ارتجفت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع.

كم كانت تحتاج إلى أن تسمع كلمة...

"يا ابنتي."

فتحت عائشة العلبة، وأخرجت خاتمًا رقيقًا، قدمته لمراد الذي ألبسه في إصبع ديلان وسط دعوات الحاضرين، ثم مدت عائشة لديلان بخاتم مراد حتى تلبسه له، إرتعشت ديلان في تلك اللحظة، ومر طيف باران بخيالها تلك اللحظة، سرعان ما طردت تلك الهواجس من مخيلتها وهتفت تحدث نفسها.

" لايجوز يا ديلان ستصبحين على إسم رجل وانت تفكرين بآخر، هذا ذنب في حقه وحق نفسك، يجب ان تنسي ذلك الشاب، فهذا الذي يقف امامك هو الذي إختاره الله لك لتكملي خياتك معه، ومن حقه ان تكوني ملكه ختى تفكيرك يجب ان يكون له هو فقط"

بعدها، تقدم مراد وألبسته ديلان خاتم الخطبة، بينما علت أصوات التهاني والتبريكات.

لم يكن مراد ينظر إلى الخاتم...

بل كان ينظر إلى ديلان.

كان يلاحظ حياءها، وانكسار عينيها كلما رفعت رأسها ثم أعادته إلى الأرض.

وقال في نفسه:

"اللهم اجعلني أهلًا لهذه الأمانة."

وبعد انتهاء مراسم تبادل الخواتم، اقترحت أخته هازان:

هازان: هيا... لنلتقط بعض الصور للعروسين.

ساد صمت قصير، ثم رفعت ديلان رأسها وقالت بأدب شديد:

ديلان: أعتذر منكم... لكنني لا أرغب في التقاط الصور.

نظر بعض الحاضرين إليها باستغراب، من بينهم دنيز وامها اللتان كانتا ترمقان ديلان بنظارات نارية من شدة غضبهما منا يحدث امام انظارهما.

فأكملت بهدوء، وقد غلبها حياؤها:

ديلان: ما زلنا مخطوبين فقط... ولم يصبح بيننا عقد شرعي بعد، ولا أرتاح لأن تبقى صور تجمعني بخطيبي قبل أن يصبح زوجي.

ساد المكان لحظة من الصمت.

ثم ابتسمت كريمة وقالت بثقة:

كريمة: وأنا أؤيدها.

التفت الجميع إليها.

قالت:

كريمة: هذا حقها، ويجب أن يُحترم، الخطبة هي وعد بالزواج، لكنها ليست عقد قران.

ابتسمت عائشة فورًا، وتقدمت نحو ديلان، ثم احتضنتها قائلة:

عائشة: بارك الله في حيائك يا ابنتي.

ثم التفتت إلى الجميع وقالت:

عائشة: لن نجبر عروسنا على شيء لا ترتاح له.

أما مراد...

فاكتفى بابتسامة هادئة.

ثم قال:

مراد: وأنا أحترم قرارها.

نظر إليها بعينين يغلب عليهما التقدير، بل شعر أن احترامه لها ازداد أكثر، فقد رأى في موقفها فتاة تتمسك بمبادئها، حتى وإن خالفت ما اعتاده الناس.

لكن...

لم يكن الجميع يشاركهم تلك الفرحة.

في زاوية القاعة، كانت دنيز تقف بجوار والدتها، كانت تراقب المشهد بصمت، كل ابتسامة تراها على وجه مراد كانت تغرس شوكة جديدة في قلبها، لم تستطع أن تتقبل أن الرجل الذي حلمت به سنوات اختار امرأة أخرى، امرأة جاءت من خارج عالمها.

شدت على حقيبة يدها بقوة، حتى ابيضت أطراف أصابعها.

همست والدتها:

صفية: اصبري يا ابنتي... هذا نصيب، فلا تفضحي نفسك الآن.

لكن دنيز لم تكن تسمع شيئًا،

كانت عيناها معلقتين بديلان.

وحين رفضت الأخيرة التقاط الصور، لم تستطع أن تمنع نفسها من التذمر.

قالت بصوت خافت، لكنه حمل كثيرًا من السخرية:

دنيز: يا لها من فتاة غريبة... كأنها الوحيدة التي تعرف الأصول.

رمقتها والدتها بنظرة تحذير، لكنها لم تكترث، بل بقيت تحدق في ديلان بنظرات امتزج فيها الغضب بالحسد والمرارة.

كانت تشعر أن تلك الفتاة سرقت منها حلمًا رسمته طويلًا في خيالها، حلما طالما عاشته وتمنته من كل قلبها ان يتحقق.

ومنذ تلك اللحظة...

لم تعد ديلان في نظر دنيز مجرد خطيبة مراد...

بل أصبحت منافسة استوطنت قلبًا كانت تظن أنه سيكون لها يومًا، وكانت تلك النظرات المليئة بالكراهية...

بداية نارٍ صغيرة، لم يكن أحد يدرك أنها قد تتحول يومًا إلى لهيب يهدد استقرار الجميع.


مضت الأيام هادئة، يحمل كل يوم منها خطوة جديدة نحو الموعد المنتظر...

موعد الزفاف.

كانت الأشهر تمر سريعًا، حتى بدا وكأن الزمن قد قرر أن يعوض العائلتين عن سنوات الانتظار والهموم.

وفي كل بيت، كانت هناك استعدادات من نوع مختلف.

ففي بيت عائشة، انشغل مراد بتجهيز شقته، تلك الشقة التي أرادها أن تكون بداية حياة جديدة، لا مجرد جدران تؤوي زوجين.

أما في بيت أمينة، فقد كانت ديلان تعيش أيامًا مزدحمة، تتقاسم وقتها بين محاضرات الجامعة، وعملها في المدرسة القرآنية، ومساعدة والدتها في المنزل، ورعاية أحمد وعمر، وإستعدادتها للزواج وبدأ حياة مختلفة عنها.

كانت تستيقظ قبل شروق الشمس، وتعود آخر النهار مرهقة، لكن التعب لم يكن يسرق منها ابتسامتها الهادئة.

وكان مراد يراقب ذلك من بعيد، فيزداد احترامه لها يومًا بعد يوم.

وفي إحدى الأمسيات، كان مراد يقف داخل الشقة التي شارفت على الاكتمال.

تجول بنظره بين الغرف، ثم التقط هاتفه واتصل بديلان.

ما إن أجابت حتى قال مبتسمًا:

مراد: السلام عليكم.

ديلان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

ساد صمت قصير، قبل أن يقول:

مراد: كنت في الشقة الآن.

ابتسمت.

ديلان  وكيف أصبحت؟.

قال وهو يدور بعينيه في المكان:

مراد: بقيت بعض التفاصيل فقط... لكن هناك أمرًا يحيرني.

سألته برفق:

ديلان: وما هو؟.

ابتسم.

مراد: أنت.

ضحكت بخجل.

ديلان: أنا؟.

قال بهدوء:

مراد: نعم... كلما أردت اختيار شيء، أتوقف وأقول في نفسي: ربما لا يعجب ديلان.

ثم تابع:

 أخبريني... كيف تريدين أن يكون لون غرفة الجلوس؟ وما نوع الأثاث الذي تحبينه؟ وهل تفضلين الطراز العصري أم الكلاسيكي؟ ونا اللون الذي تفضلينه لغرفة النوم؟ ونوعية الحمام؟.

ساد الصمت للحظات.

ثم قالت ديلان بهدوئها المعتاد:

ديلان: لا يهمني كل ذلك يا مراد.

تفاجأ.

مراد: كيف لا يهمك؟.

ابتسمت ابتسامة خافتة.

ديلان: لأن البيت لا يصبح جميلًا بسبب لون جدرانه، ولا بسبب ثمن أثاثه.

ثم أضافت بصوت هادئ، لكنه خرج من أعماق قلبها:

ديلان: الذي يهمني حقًا هو أن يكون بين من يسكنانه مودة ورحمة واحترام.

شعر مراد أن كلماتها لامست قلبه.

قالت:

ديلان: يمكن لأفخم بيت في الدنيا أن يتحول إلى سجن إذا غابت عنه الرحمة.

ثم سكتت لحظة وأكملت:

ديلان: ويمكن لأبسط بيت أن يكون جنة إذا امتلأ بالسكينة وحسن المعاملة.

ظل مراد صامتًا، كان ينصت إليها بإعجاب حقيقي.

ثم قال مبتسمًا:

مراد: يبدو أنني لن أستطيع مجادلتك.

ضحكت ديلان.

ديلان: لأنني لا أتحدث عن الأثاث...

بل عن الحياة.

أغلق مراد الهاتف بعد حديث طويل معها، لكنه بقي ينظر إلى الشقة مبتسمًا.

وفي المساء، جلس مع والدته.

قال لها:

مراد: يا أمي... اسألي ديلان مرة أخرى، ربما تستحي أن تطلب مني شيء تريده، فأنت تعلمين ذلك أمثر مني كم هي خجولة.

ابتسمت عائشة.

عائشة: حسنا يا بني سأفعل.

وفي اليوم التالي، التقت عائشة بديلان في المدرسة القرآنية.

وبعد أن انتهت من الحديث مع بعض المعلمات، اقتربت منها وقالت بلطف:

عائشة: يا ابنتي...

ابتسمت ديلان.

ديلان: نعم يا خالتي؟.

قالت عائشة:

عائشة: مراد لا يكف عن سؤالي.

تعجبت.

ديلان: عن ماذا؟.

ضحكت عائشة.

عائشة: عن الشقة وعن أشياء تخصك.

ثم أضافت:

عائشة: يقول إنك لا تطلبين منه شيئًا.

ابتسمت ديلان بخجل.

ديلان: لأنني فعلًا لا أريد شيئًا.

قالت عائشة:

عائشة: لكن يا ابنتي، هذا بيتك أيضًا، ومن حقك أن تختاري ما يعجبك، وأيضا مراد سيصبح زوجك ومسؤولا عنك، فلا بأس ان تطلبي منه شيئا يحظره لك او يفعله من اجلك.

هزت ديلان رأسها برفق.

ديلان: والله يا خالتي، لا يهمني إن كان الأثاث حديثًا أو قديمًا، ولا لون الستائر، ولا شكل الطاولة، ولا أي شيء آخر من الماديات او التفاصيل الجانبية.

ثم قالت بابتسامة هادئة:

ديلان: الذي سيجعلني سعيدة هو أن أدخل بيتًا أشعر فيه بالحب وبالاحترام.

تأثرت عائشة كثيرًا.

قالت:

عائشة: لكن كل فتاة تحلم بتفاصيل بيتها.

تنهدت ديلان.

وأجابت بصوت خافت:

ديلان: ربما...

ثم نظرت بعيدًا.

ديلان: لكنني تعلمت من حياتي أن الأثاث او أي شيء من الماديات لا يحمي المرأة من القسوة.

شعرت عائشة بوخزة في قلبها.

كانت تعلم أن ديلان لا تزال تحمل آثار ما عاشته مع كاظم.

فأمسكت يدها وقالت:

عائشة: بإذن الله لن تري من مراد إلا الخير.

ابتسمت ديلان امتنانًا، لكنها لم تقل شيئًا.

وفي تلك الليلة...

جلست وحدها قرب نافذة غرفتها، كانت السماء صافية، والقمر يسكب ضوءه الفضي على المدينة، أسندت رأسها إلى الزجاج، وأغمضت عينيها، كانت تعلم أنها اختارت طريقها عن قناعة، وأن مراد رجل يستحق كل احترام، وكانت تشعر براحة كلما تحدثت معه.

لكن...

في أعماق قلبها، كان هناك ركن صغير لم يصل إليه أحد، ركن احتفظ بذكرى شاب مجهول...

شاب لم تعرف اسمه بعد، ولم تعرف أين ذهب، ولا لماذا اختفى.

همست لنفسها بحزن:

"لو أن القدر كان أرحم..."

وسرعان ما قطعت الفكرة، واستغفرت ربها.

لم تكن تريد أن تظلم مراد، ولا أن تقارن بين رجل حاضر يحيطها باحترامه، ورجل غائب لا تعلم عنه شيئًا.

ومع ذلك...

اعترفت لنفسها، ولو للمرة الأخيرة، بأنها كانت تتمنى، في مكانٍ خفي من قلبها، لو أن ذلك البيت الذي يُجهَّز اليوم، وتلك التفاصيل التي يسألها عنها مراد، كانت تجمعها يومًا بمن تعلّق به قلبها قبل سنوات.

ثم أغلقت عينيها وهمست بيقين:

"اللهم إن كنت قد اخترت لي هذا الطريق، فارزقني الرضا الكامل، وانزع من قلبي كل تعلقٍ بما لم تكتبه لي."

وسكن قلبها قليلًا...

بين الرضا بما قسمه الله، وذكرى لا تزال تلوّح لها من بعيد، حتى وهي تستعد لبدء حياة جديدة.

يتبع 

        الفصل الثالث والعشرون من هنا

تعليقات



<>