
مرت أيام ثقيلة على البيت كأنها دهور. انطوت ياسمينا في غرفتها، ترفض الطعام والشراب، ولم يكن يخفف عنها سوى وجود والدتها وصديق طفولتها خالد، الذي كان يتردد على المنزل باستمرار بحجة زيارة صديقه أحمد، لكن عينه وقلبه لم يكونا يريان سوى ياسمينا منذ الصغر. كان خالد شاباً شهماً، ممتلئاً بالرجولة والمبادئ، ويعمل مهندساً ناجحاً، وكان يكتم حبه احتراماً لخطوبتها.
في ركن الحديقة، كان أحمد، الأخ الأكبر لياسمينا، يجلس وعلامات الغضب والوجوم تسيطر على ملامحه بعد علمه بغدر يوسف وحمدي. وقف أمامه خالد، يضع يده على كتفه محاولاً تهدئته
خالد..اهدى يا أحمد.. الغضب مش هيحل حاجة.. يوسف ده واطي ورخيص، والحمد لله إن حقيقته بانت دلوقتي قبل ما يتجوزها ويظلمها معاه.
احمد..مش قادر يا خالد.. نار قايدة في صدري.. عمي بيحارب أبويا في رزقه ويشغل عيل واطي عشان يكسر أختي؟ أنا مش هسكت، أنا ممكن أروح أطربق الدنيا على دماغهم!
خالد..لأ يا صاحبي.. العقل زينة.. إحنا نرد عليهم بالصح.. أنا بقالي سنين مستني الفرصة دي.. أنا بحب ياسمينا من وإحنا عيال صغيرة، وعمري ما شوفت غيرها ست البنات.. أنا عايز أطلب إيدها منك ومن عمي ياسر رسمي
اتسعت عينا أحمد بذهول تحول سريعاً إلى ابتسامة ارتياح، فقد كان يعلم بأخلاق خالد ونبل أصله
احمد..بتتكلم جد يا خالد؟ إنت صاحب عمري وراجل بجد.. بس تفتكر ياسمينا في حالتها دي هتوافق؟
خالد..أنا مش هضغط عليها.. أنا هقعد معاها وهفهمها إني شاريها ومستعد أستناها العمر كله.. المهم نخرجها من المحنة دي ونقفل الباب في وش يوسف وعمي حمدي
وفي غضون أيام، وبدعم من العائلة لإنقاذ موقف ياسمينا، تقدم خالد رسمياً
ووافقت ياسمينا بعد إلحاح من والدتها لإدراكها أن خالد هو الأمان الحقيقي.
ولم تتوقف الفرحة هنا؛ بل أعلن أحمد خطوبته على ابنة خالته "مريم" التي كانت تبادله مشاعر الإعجاب الصامت منذ فترة طويلة.
تحول البيت إلى خلايا نحل للتجهيز للفرحين، مما أثار جنون حمدي وابنته سارة اللذين رأيا خطتهما في كسر كبرياء ياسر وعائلته تفشل أمام أعينهما.
مرت الأشهر، وتحول الطمع بين يوسف وسارة إلى علاقة مشوهة خالية من أي مشاعر حقيقية.
كان يوسف يضغط على حمدي لتنفيذ وعوده بالشقة الفاخرة والأموال، بينما كانت سارة تطالبه بإثبات حبه بالمال والهدايا.
وفي وسط هذه الأجواء المشحونة، ظهر شخص آخر من الماضي؛ شاب يُدعى "مصطفى"، كان يحب سارة بصدق وتقدم لخطبتها مراراً وتكراراً، لكنها رفضته باحتقار وسخرت من فقره وغدرت بوعودها له لتختار يوسف الطامع.
قرر مصطفى الانتقام لكرامته الجريحة؛ فراح يراقب سارة ويوسف، حتى علم بوجود شقة مفروشة في أطراف المدينة، يلتقيان فيها بعيداً عن أعين العائلة، بحجة ترتيب أمور زواجهما المستقبلي. وفي إحدى الليالي، استغل مصطفى الفرصة، والتقط صوراً لهما، ثم أرسل رسالة نصية مجهولة وهواتف حمدي تحتوي على عنوان الشقة وتفاصيل ما يحدث بداخلها.
كان حمدي يجلس في بيته يراجع بعض الحسابات حينما اهتز هاتفه. فتح الرسالة، وقرأ الكلمات التي نزلت عليه كالصاعقة: "بنتك المصونة اللي حارم نفسك عشانها، في الشقة المفروشة رقم ٤ في عمارة (...) مع خطيبها في وضع ميرضيش ربنا.. روح الحق شرفك يا سيدي".
عمي الضباب عين حمدي، وصعد الدم إلى نافوخه، وتملكه جنون الشرف المهدور. سحب مسد..سه القديم من درج المكتب، وانطلق بسيارته كالمجنون نحو العنوان المكتوب.
اقتحم باب الشقة بقدمه ليجد سارة ويوسف في أوضاع مخلة وغير لائقة بالمرة
حمدي ..يا ولاد الكلب! بتغفلوني وبتضيعوا شرفي في الشقق المفروشة؟ أنا هقتلكوا إنتوا الاتنين وهغسل عاري بدمكوا!
صرخت سارة برعب وهلع، واندفع يوسف بدافع الخوف على حياته، فدفع حمدي بقوة ليسقط الرجل العجوز أرضاً وينطلق المسد..س رصاصة طائشة في الهواء.
استغل يوسف الفوضى وهرول خارجاً من الشقة، تاركاً سارة لمصيرها.
نهض حمدي وعيناه تشعان بالموت، وحاول الإمساك بسارة، لكنها تملصت منه وجرت إلى الشارع وهي تبكي وتصرخ بهستيرية.
لم تنظر سارة خلفها، قطعت الشارع المظلم بسرعة جنونية دون الانتباه للسيارات المسرعة. فجأة، دوت أصوات مكابح سيارة نقل ضخمة، وحاول السائق تفاديها لكن دون جدوى.
صدمتها السيارة بقوة لتطير في الهواء وتسقط على الأرض جسداً بلا حراك، غار..قاً في الد..ماء، تحت أنظار والدها الذي وقف مشلولاً من الصدمة والرعب.