رواية قلبي يسطا الفصل الاول 1 والثاني 2 بقلم هاجر عبد الحليم

رواية قلبي يسطا الفصل الاول 1 والثاني 2 بقلم هاجر عبد الحليم 

نوفيلا قلبي يسطا

الفصل الاول والثاني 

*الفصل الأول: شحم وحرير*

_الحرفيين. الثامنة صباحًا. الشمس سوط، والهواء مزيج من جاز محترق وعرق رجال._

"يا أسطا يوسف... الزبون هيعلقنا على باب الورشة! العربية بايتة من إمبارح!"  

كان نصف يوسف العلوي غائبًا في جوف سيارة نصف نقل تحتضر. النصف السفلي فقط يعلن عن وجوده: بنطال جينز لونه الأصلي مات تحت طبقات الشحم، 

ظهره العريض كان خريطة من الخدوش القديمة والجديدة، كل ندبة تحكي عن معركة مع حديد لا يلين. عضلات ساعديه معقودة، والعروق فيها حبالٌ زرقاء تنبض تحت الجلد كلما أحكم قبضته على المفتاح الإنجليزي.

"قول للحاج إن الكربراتير مات وخليه يطلعله شهادة وفاه

سحب رأسه للخارج، ونفث نفسًا محبوسًا. مسح جبينه بظاهر كفه المتسخ، فترك خطًا أسود على حاجبه. ثم بصق على الأرض بجانب حذائه، وكأنه يبصق على الدنيا كلها.  

تسعة وعشرون عامًا عمره، لكن الملامح سرقت منه عقدًا كاملاً.

مات الأب وهو في السابعة عشرة، وترك له إرثًا من حديد: ورشة، وأمًا مكسورة، وثلاث أخواتٍ ينتظرن اللقمة.  

خلع حلم المدرسة، وارتدى الأفرول. ومن يومها، صار "الأسطا يوسف".  

لسانه سوط، لكن يده ميزان.

"يا عبده  بسرعة هاتلي الشاي ريقي نشف بقا صحرا! !"  

اندفع عبده، صبيٌ في السادسة عشر، يحمل كوبًا زجاجيًا يغلي. ملعقةٌ منتصبة في قلبه من فرط السكر.  

يوسف التقطه دون أن ينظر، ارتشف رشفةً أحرقت شفته ولم تهتز له شعرة. أشعل سيجارة.  

هذا هو طقس الملوك في مملكته: أول سيجارة بعد الإفطار.

وفجأة...  

صمت.  

صمتٌ مطبق، غريب، كأن أحدًا ضغط زر كتم الصوت على العالم.  

الصنايعية تجمدوا. . الكاسيت الذي كان ينبح بالمهرجانات ابتلع لسانه.  

دخل الزجاج على مملكة الشحم.  

وقفت عند العتبة.  

فارعة الطول، بقوامٍ يصرخ أنه لم يذق يومًا شقاء. بنطال كحلي مكويّ بحد السيف،. فوقه جاكيت جينز، وعلى كتفها حقيبة لابتوب جلدية. في يدها خوذة صفراء تمسكها بأصابع لم تعرف الخشونة قط.  

شعرها كستنائي، معقود في ذيل حصان مشدود. بشرتها بلون الحليب، وحاجباها مرسومان بدقة. عطرها... يا الله. عاصفةٌ من الياسمين أطاحت برائحة الجاز في لحظة.    

قطعةٌ من حرير سقطت سهوًا في برميل زيت.

"السلام عليكم. ورشة الأسطا يوسف ؟انا مش مصدقة اني دخلت الحارة سليمة فضلت ادور عليها واسال كتير بس كويس وصلت بسلامة فينه بقا صاحب الورشة؟"  

صوتها كان موسيقى في سوق النحاسين. رقيق، لكن تحته طبقةٌ جليدية من تعالي أولاد الذوات.

عبده شرق بالشاي.  

صنايعي في الركن أطلق صفيرًا

يالهوي ع الجمال برميل لبن وقشطة يدخل ع الزيت والله م ينفع؟

أما يوسف؟  

رفع عينيه ببطء. مسحها من حذائها الأبيض الذي يساوي أجرة شهر، صعودًا على البنطال الذي لم يرَ ترابًا، وصولًا إلى الوجه الذي لم تلفحه شمس.  

لم يرمش.  

ثم... بصق.  

بصقةٌ مدروسة، استقرت على الأرض بين قدميه وبينها. خطٌ فاصل.

"وعليكم. خير حضرتك جاية ليه؟"  

قالها وهو جالس، . لم يكلف نفسه عناء القيام.  

هنا أرضه. وقانونه. وهي الدخيلة.

ابتلعت ريقها، لكن قناع البرود لم يسقط.  

"أنا المهندسة دُرة هاشم. الشركة  ودتني عندك اتدرب تدريب ميداني لمدة شهرين واسم حضرتك على رأس القايمة الخاصة بالورش المتعاقدة معانا"  

مدت له ورقةً رسمية. أناملها طويلة، وأظافرها مطلية بطلاءٍ شفاف. يدٌ لم تصافح الخشونة يومًا.

يوسف لم يلمس الورقة. أشار بذقنه إلى كرسي خشبي مكسور، بقايا زيت وبوية متيبسة على سطحه.  

"حطيها هناك. واه بالمناسبة إيدك الحساسة دي لازم تتغسل بعد م تخرجي من الورشة."  

انفجر الصبيان في ضحكٍ مكتوم.  

وجه دُرة تحول إلى لوحة ألوان. أحمر القهر، وأبيض الغضب.

"أنا ماجتش أهزر هنا وياريت تلزم حدك وبلاش تلميحات سخيفة. ده شغل.  وشركتي هتديك تمن تدريبي يعني في مصلحة مش هتعملها لله."  

يوسف أطفأ سيجارته ببطءٍ مستفز في بقايا الشاي.

اقترب خطوة. خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية. 

صوته انخفض، فصار أخطر. صار فحيحًا.  

"انا مش عايز فلوس 

"ولو عليكي عايزة تتعلمي  

مد سبابته وإبهامه، وأمسك بطرف جاكيتها. لم يلمسها، لمس القماش فقط، كأنه يمسك خرقة متسخة.  

"تقلعي الحرير ده. وتلبسي الأفرول وترمي الضوافر العيرة  دي في أول صفيحة زبالة. وتمسكي مفتاح 13. وتغسلي إيدك بجاز، مش بصابونة دوف. يابسكوتة لو سمعتي الكلام"  

ترك الجاكيت يسقط من بين أصابعه.  

"ساعتها... يمكن أبص في ورقتك. غير كده، الباب ده يفوّت قطر مش جمل."  

الورشة كانت مقبرة. الأنفاس محبوسة. الكل ينتظر انهيار الأميرة وبكاءها.  

دُرة سحبت نفسًا عميقًا، ملأت به صدرها حتى آخره.  

أبوها حذرها: "الورشة مرمطة و  ذل دا شغل الرجالة مش الحريم ابعدي عن الطريق دا واعقلي

أمها صرخت: "مايصحش يابنتي انا مش موافقة بصراحة وابوكي لو عرف مش هيعديها ع خير".  

خطيبها السابق سخر: "إنتِ مهندسة، مش صبي ميكانيكي".  


"فين الأفرول يسطا؟"  

سؤالٌ واحد، هادئ، قاتل في هدوئه.  

حاجب يوسف ارتفع.  

"بردو مصممة عنيدة انتي ؟"  

"ملكش دعوة بيا  لو سمحت ورد ع سؤالي انت دلوقت بتتعامل معايا ف شغل ولو قصرت مشيني دا حقك مقدرش اعترض وحقي كمان اخد فرصتي كاملة  

يوسف ضحك. ضحكةٌ قصيرة، خالية من أي بهجة.  

"بتتحديني يا باشمهندسة؟"  

"ماشي .... يا عبده! هات لها أفرول الواد بلية. أصغر مقاس عندك. واللي عليه بوهية زرقا، عشان يليق على عينيها "  

بعد لحظة، كان الأفرول في يدها.  

أزرق، ممزق عند الركبة، . على الكم بقعة شحم سوداء متيبسة.

أمسكته بطرفي أصابعها. القرف كان سيد الموقف في عينيها.  

"اي القرف دا ييع بجد الحمام فين بقا؟"  

أشار يوسف برأسه إلى بابٍ من الصاج الصدئ.  

"المية قاطعة من إمبارح. والترباس مكسور. خدي بالك لا حد يدخل عليكِ بالغلط."  

غمزةٌ وقحة من صنايعي، وضحكةٌ مكتومة.   

دخلت.  

ثلاث دقائق بالتمام.  

خرجت.  

الأفرول كان فضفاضًا عليها، فشمرت الأكمام حتى المرفق، ورفعت البنطال، وعقدت حبلًا حول خصرها النحيل. شعرها ما زال معقودًا، لكن خصلةً متمردة أفلتت على وجنتها. وعلى طرف أنفها... نقطة زيت سوداء.  

صارت واحدة منهم.   بالفعل.  

"عبده. إديها المفتاح بسرعة خليها تبدا."  

صوته خرج جافًا، خشنًا.  

التقطت المفتاح. كان ثقيلاً، باردًا، غريبًا على راحة يدها الناعمة.  

"قولي المطلوب مني اي بسرعة وانا اعمله؟  

"هقولك بلاش تستعجلي ع رزقك.." أشار إلى كومةٍ من إطارات الكاوتش المهترئة.  

"هتفكي العجل ده. كل فردة فيها 17 مسمار. تفكي وتربطي. معاكي للساعة خمسة. الغلطة الواحدة بخصم ربع يوميتك وصلت ولا اعيد؟"  

"وصلت يا أسطا. انا بفهم بسرعة مش حمارة والله"  

قالتها وهي تسدد نظرتها في عينيه مباشرة.  

أدار ظهره وعاد إلى سيارته.  

لكن كل دقيقتين، كانت عينه تخونه.  

يراقبها.  

يدها الناعمة احمرت، ثم جُرحت. أظافرها التي كانت تحفةً فنية تكسرت واحدةً تلو الأخرى. العرق تصبب على جبينها، فالتصق الأفرول بظهرها، وبرزت تفاصيل جسدها  

لكنها لم تئن. لم تطلب ماء. لم تجلس ثانيةً واحدة.

دقت الخامسة.  

الورشة تفرغ.  

دُرة كانت عند الحوض الصدئ، تحاول عبثًا أن تزيل السواد من تحت أظافرها بصابونةٍ حجرية. الماء ينزل خيطًا رفيعًا.

رفعت وجهها للمرآة المشروخة.  

لا تعرف هذه المرأة.  

وجهها أحمر من الشمس والمجهود. شعرها ثائر. سوادٌ من الشحم تحت عينيها كأنه كحل.  

لكنها كانت... تبتسم.  

ابتسامةٌ حقيقية، واسعة، لم تعرفها منذ سنوات. ابتسامة الإنجاز. ابتسامة من تصنع شيئًا بيديها.

خرجت.  

وجدت جاكيتها الجينز معلقًا بعناية على مسمارٍ بعيدٍ عن الزيت.  

وبجواره كيسٌ أسود صغير.  

فتحته بفضول.  

صابونة ديتول جديدة. علبة مناديل مبللة. وزجاجة ماء باردة، عليها قطراتٌ من الندى.  

لا ورقة. لا رسالة.  

ولا أحد يجرؤ في هذه الورشة أن يفعلها سواه.

التفتت تبحث عنه.  

كان هناك.  

عند الباب الصاج الضخم، يدير ظهره لها. يدفع الباب الثقيل ليغلقه.  

عضلات ظهره كانت لوحةً منحوتةً تحت الفانلة الحمالات المبللة. خطوطٌ من العرق، وندوبٌ قديمة، وندبةٌ جديدةٌ تنزف قليلاً.  

وحيد.  

كما كان دائمًا.  

يحمل الورشة والهم على كتفيه.

"ميرسي اوي ليك حقيقي كنت محتاجة منك دا يايوسف انت ذوق جدا 

همست بها. لم تكن واثقة إن كان سيسمعها وسط ضجيج صاج الباب.  

لم يرد.  

لم يلتفت.  

لكن يده... يده توقفت على الباب لثانية.  

ثانيةٌ واحدة،

ثم أكمل إغلاق الباب، وأسدل الستار على اليوم الأول.

*الفصل الثاني: المسمار*

_اليوم التالي. الورشة ذاتها. لكن الهواء مثقلٌ بترقّبٍ كئيب._

دخلت دُرة الثامنة تمامًا.  

سروالُ جينز قديم، وحذاءٌ رياضي. شعرها معقودٌ بإحكام. وفي يدها كوبٌ حراري.  

لم تحمل الجاكيت.  

بل أفرولًا كحليًّا جديدًا، مطويًّا بعناية في كيس. خاصتها.

الصنايعية صفّروا:  

"يا صلاة النبي! الباشمهندسة بقت أسطى ولا إيه؟"

يوسف كان غائصًا تحت سيارة BMW، لا يظهر منه سوى ساقيه.  

سمع وقع خطواتها، فتجمدت عضلة في فكه. لم يلتفت.  

البارحة لم يذق النوم.  

"انت ذوق اوي يايوسف" كانت تطعنه كلما أغمض عينيه.  

، همس لنفسه. "يومين وتهرب  مش هتكمل للاخر نفسها قصير ومش هستحمل مرمطة الشغل عمرها كله"  

"صباح الفل يسطا اكمل فك وربط زي م علمتني امبارح؟"  

صوتها واضح، موجهٌ لظهره المختفي تحت السيارة.

ساد الصمت.  

ثم اندفعت ساقه من تحت السيارة، وضربت الأرض.  

"اتاخرتي خمس دقايق"  

خرج. وجهه ملطخ بالشحم، وفي قبضته شمعة احتراقٍ متفحمة.   

قذف الشمعة في برميل القمامة، وأشار بذقنه نحو مرسيدس عتيقة في الركن.  

"العربية دي بتاعة معالي المستشار. جابت جوان وش سلندر. هتفكي الوش معايا. ولو مسمار اتقطم... تمنه عليكِ."  

ابتلع الصنايعية ريقهم.  

وش سلندر؟ هذه جراحة قلب مفتوح. تحتاج أسطى له عشر سنوات.  

يريد كسرها. يريدها أن ترحل.

نظرت دُرة إلى المرسيدس، ثم إليه.  

فهمت.  

ماشي رغم اني فاهمة حركاتك كويس بس خليني معاك للأخر."  

قالتها، ودفنت خوفها في صدرها.

_الحادية عشرة. الشمس سيف، والورشة جحيم._

ذراعاها غارقتان في الشحم. وجهها يقطر عرقًا. خصلةٌ متمردة التصقت بجبينها.  

ويوسف فوق رأسها. ظله يجلدها.

"حلي المسمار ده. لأ... مش كده! هتفوتي السِّن!"  

صوته سوط.  

"بمفتاح العزم يا هانم، مش بإيدك! فاكراه برطمان مربى؟"  

"وسعي... وسعي بقولك! ولا أجي أشيلها انا؟"

كل كلمة طعنة.  

كل توجيه إهانة مغلفة.  

وهي صامتة. تعض شفتها حتى أدمتها.  

في الجامعة حفظت النظرية.  

هنا... هنا الجحيم العملي. ويده هي المرجع.

"بس... سيبي."  

دفع يدها فجأة ليمسك المسمار بنفسه.  

تلامست أصابعهما.  

لحظةٌ واحدة.  

يده خشنة، متشققة، جمرةٌ ملتهبة.  

يدها ناعمة، غارقة في السواد.  

ومستها الكهرباء.  

انتفض، وسحب كفه كأنها لدغته. وهي تجمدت مكانها.

"إيه؟ اتشليتي م تتحركي ياهانم؟"  

صرخ ليستر ارتباكه. صدره يعلو ويهبط.  

"خلصي! المستشار لو جه ولقاها كده هيقفلنا الورشة!"

ابتلعت ريقها، وعادت.  

قبضت على المفتاح، وهجمت على آخر مسمار.  

مسمارٌ مصدٍ، متشبثٌ بالحديد كأنه جزء منه.  

بذلت كل قوتها.  

"يوسف... المسمار قافش، لو قرصت عليه هيـ..."

"قولتلك حلي بقا بلاش شغل عيال!"  

قاطعها دون أن ينظر. كان يمسح عرقه بظاهر ذراعه، فبرزت عضلة ساعده كالحجر.

ضغطت.  

تك.  

صوت الكسر شق سكون الورشة.  

الصمت.  

صمتٌ جنائزي.  

المسمار انشطر. نصفه في قلب المحرك، ونصفه يرتجف في كفها.

وجه دُرة صار رمادًا.  

استدار يوسف ببطء. عيناه كانتا قطعتين من الليل.  

نظر إلى الشظية في يدها، ثم إلى الجرح في المحرك.  

ثم إليها.

"عملتي إيه؟"  

همس. والهمس كان أرعب من صراخه.

الصنايعية تراجعوا. عبده اختفى خلف الكوريك.  

لسانها انعقد.  

"أنا... حذرتك... كان قافش وقولتلك هيتكسر أنا..."

"إنتِ إيه؟!"  

قبض على ذراعها. أصابعه الفولاذية تركت بصمتها على الأفرول. جسده كله يهدر. كان قريبًا حد الاختناق. أنفاسه لاهبة على وجهها.  

"إنتِ عارفة عشان نطلع ده لازم نخرط في البلوك؟ عارفة الموتور ده بكام؟ عارفة المستشار هيعمل فينا إيه؟!"

كان يرتجف. غضبًا، ورعبًا.  

هذه سمعته. لقمة عيشه. عرق عشر سنين.

"بخمسين ألف يا باشمهندسة! هتجيبيهم منين؟  

أفلت ذراعها بقرف.  

"اطلعي بره. بدل م تخربي علينا انتي وش نحس"  

أشار بإصبعٍ مرتجف نحو الباب. صدره العريض يتحرك كالموج.  

"بره ورشتي. تدريبك خلص. روحي شوفيلك مكتب مكيف دا اللي يليق بيكي"  

عيناها اغرورقتا. دموع قهر، لا ضعف.  

"أنا حذرتك! قولتلك قافش! إنت اللي ماسمعتش!"  

صرخت فيه. لأول مرة. صوتها شق هدوءه.  

"فاكر نفسك مين عشان تدوس على الخلق؟ أنا غلطت وهدفع تمنها! بس إنت كمان غلطان!"

اقتربت منه، ودموعها تشق طريقها في الشحم على وجنتيها. لم تهب طوله، ولا اتساع منكبيه، ولا النار في عينيه.  

"فاكرني هعيط وأجري؟ لا يا أسطا. مش هسيب مليم من تمن الموتور إلا لما أدفعه. من عرقي! سامع؟ مش من فلوس أبويا!"  

نزعت أفرولها، وقذفته عند قدميه.  

"وتدريبي... هكمله غصب عنك. الشركة بعتاني، مش سيادتك!"  

استدارت. لم تركض.  

مشت وظهرها مشدود كالرمح، دموعها تنهمر، وكرامتها تنزف.

الورشة صمتٌ مطبق.  

لا أحد يتنفس.  

يوسف واقف كالصنم، يحدق في الأفرول الملقى.  

كان دافئًا. وعبقها فيه. خليطٌ مجنون من عطرها والجاز.  

همس عبده من خلفه:  

"يا أسطا... البت دي ماعيطتش. دي هزقتك. وأول مرة أشوف واحدة تمشي من هنا راسها في السما تعرف إنها شبهك نسختك بالظبط مش بتجلي ولا بتخاف من حد."  

لم يرد يوسف.  

انحنى ببطء، والتقط الشظية المكسورة.  

قلبها في كفه الخشنة.  

كانت محقة. المسمار ميت. وهو تعجلها. تكبره هو من كسره. 

رفس برميل القمامة، فـ انبعج.  

"قفلوا الورشة. كله يروّح ا."  

صوته خرج مكسورًا.

_التاسعة ليلًا. شقة دُرة في المهندسين._  

تجلس في غرفتها، شاشة اللابتوب تضيء وجهها.  

تبحث: "استخراج مسمار مكسور من وش السلندر بدون خراطة".  

كفاها ملفوفتان بالشاش الطبي.  

دخل والدها.  

"مالك يا دُرة؟ حد ضايقك؟ 

رفعت رأسها بهدوء.  

"لا يا بابا. أنا اللي كسرت مسمار في موتور مرسيدس."  

"بخمسين ألف جنيه."  

"بسيطة. أكلم الشركة نلم الموضوع، وننقلك مكان تاني. إيه اللي جابرك على الورش والقرف؟"  

أغلقت دُرة اللابتوب.  

"لأ."  

وقفت أمامه.  

"أنا اللي كسرته، وأنا اللي هصلحه. وهكمل تدريبي في نفس الورشة. "  

"إنتِ اتجننتي؟ بعد ما مسح بكرامتك الأرض؟"  

" عشان خايف على لقمة عيشه يا بابا. ولو  انا مكانه كنت عملت أكتر."  

ابتسامةٌ متعبة شقت شفتيها.  

 لسانه متبري منه، بس إيده أنضف من ناس كتير. ومش هخلي حد نضيف يتأذي بسببي."  

_نفس اللحظة. سطح بيت يوسف في بولاق._  

يجلس وحيدًا في العتمة.  

أمامه كوب شاي بارد، وعلبة سجائر فارغة.  

وفي حجره... أفرولها.  

الذي رمته.  

غسله.  

ونشره.  

وينتظر أن يجف.  

أصابعه الخشنة تمر على القماش الكحلي، على التطريز الذهبي "م. دُرة".  

"خمسين ألف يا يوسف يا حمار."  

حدث نفسه بصوتٍ أجش. فكه المربع متصلب.  

"هتجيبهم منين؟ ولو جابتهم هي... كسرت عينك العمر كله. هتفضل شايف نفسك طول عمرك مديون لواحدة لابسة حرير."  

رفع الأفرول إلى أنفه دون وعي.  

وهنا أدرك أنه وقع ف حبها

الفصل الثالث من هنا 

                    لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>