
أنا عايز أروح معاكم الجامعة.
قالها أدهم ليتسمر أمجد محله بازبهلال غير مستوعب، وكان الرد من أريج والتي رفضت باستنكار شديد:
عايز تروح الجامعة بصفتك إيه يا جدي العزيز؟ وانت لحد دلوقتي لسه متعودتش على شكلك الجديد ولا تعرف حاجة عن العالم الجديد اللي بقيت فيه ده.
قلب مقلتيه بسأم يجيبها بذهن حاضر:
ـ بصفتي سعيد ابن خالك، مش الجسم ده هو جسم سعيد يا حبيبتي؟ يبقى إزاي هدعي شخصية تانية يا أذكى إخواتك؟
صرخت به:
ـ بس أنت متليقش أبدًا تكون سعيد، بعنجهيتك دي وكلامك الغريب.. أنت مختلف تماماً عن تواضع ابن خالي الريفي البسيط.
تدخل أمجد:
ـ أنا متفق مع أريج، هي رغم غباءها الدايم بس المرة دي عندها حق، مينفعش تيجي معانا يا جدي لأنك مش هتعرف تتصرف اصلا في حاجات لاول مرة تعيشها من الأساس .
جار أدهم بهما بتصميم لا يقبل الجدال:
ـ وأنا مش هفضل محبوس في البيت ده يا حبيبي انت وهي، لازم أخرج وأشوف العالم عشان أفهمه وأشوف إيه الجديد فيه.
هتف أمجد وقد فاض به:
وإنت مالك ومال العالم؟ أنت شرطت إنك تشوف مين الأصلح عشان تديله الجوهرة من العيلة الصغيرة، ليه بقى متشبث بالحياة وأنت أصلاً فقدتها؟
دي حياة شخص تاني، ضميرك مش بيأنبك؟ ارحمنا يا أخي وقولنا مكان الجوهرة فين عشان ترجع أنت لعالمك ويرجع سعيد ابن خالي لعالمه.. يا حبيبي يا سعيد!
قال الأخيرة بنبرة باكية يتصنع التأثر أمام شقيقته التي جارته بالتمثيل أيضًا ولكن ادهم الذي يفهمها جيدا لم يتاثر، وكان رده بعدم اكتراث:
خلصت خطابك المؤثر ده يا حبيبي؟ إسمعوا مني أنتوا الاتنين، مفيش حد فيكم هيغير رأيي، أنا هروح الجامعة معاكم.. وده قرار نهائي.
صاح أمجد بدوره:
وأنا قولت إنك مش هتروح يعني مش هتروح!
※-※-※
اللعنة! أنا حاسس إني مش عارف أتنفس في الهدوم الضيقة دي،.. هكمل بيها إزاي؟
هتف بها أدهم بعد أن ترجل من الباص الذي استقله مع أمجد وتوقف بالقرب من الجامعة العريقة، رد الأخير يقارعه بنزق:
دي هدومي يا جدي اللي ماشية مع الموضة اليومين دول، وأنا مغصبتكش تلبسها ولا تخرج بيها.
رمقه أدهم بامتعاض ثم قال وهو يطالع المشهد المهيب من وجهة نظره:
ـ:يا إلهي! هي الدولة بتأكل كل البشر دي إزاي؟ وإزاي كتروا بالشكل المخيف ده؟
رد أمجد يدعي الحكمة وهو يرمقه من طرف أجفانه ويتابع معه السير:
"ما تشغلش بالك يا جدي، اللي خلقهم هو اللي هيرزقهم.. الدولة والناس دول مجرد أسباب مش أكتر."
هز أدهم رأسه يدعي التفهم ثم قال ساخرًا:
"اللي يسمعك دلوقتي يفتكر إنك بقيت ولي من أولياء الله الصالحين، وإنت أبعد ما يكون عن الكلام ده!"
توقف أمجد ليوقفه هو أيضًا، يقول بأعين نارية:
"قصدك إيه؟ أفهم من كده إنك شلتني من حساباتك وخلاص مش هتديني الجوهرة؟"
نفض أدهم ذراعه المتشبث بها أمجد ليقول بنزق:
"أنا لسه ما اختارتش حد، وما طلعتكش من حساباتي.. إحنا اتفقنا إني هختار الأصلح، وأنا لسه ما حددتش إزاي، ولا حطيت القواعد اللي هختار على أساسها.. يالا يا حبيبي يالا، خليني أتفرج على العالم الجديد ده وبعدين ابقى اسألني.. يالا!"
قال الأخيرة وهو يدفعه أمامه.
تحرك أمجد على مضض، ورأسه تدور في عدة أفكار متشتتة، فـ هذا الأدهم، لا يريحه على الإطلاق، وهو لن يظل تحت رحمته كثيرًا، فلابد من إيجاد حل ما للحصول على الجوهرة، حتى لو بدونه.
انتبه على سؤال أدهم:
"طيب إحنا رايحين فين دلوقتي وسط العمارات اللي تخوف دي والزحمة اللي ما بتخلصش؟"
رد أمجد بسأم:
"هتروح كليتك، اللي هي كلية (سعيد).. أنا هوصلك بنفسي لحد المدرج عشان ما تتهش منا.. أصل أريج أختي بتدرس مع سعيد في نفس القسم."
❈—❈
كانت أريج مندمجة في نقل إحدى المحاضرات من زميلتها ميرال التي لكزتها بمرفقها فور أن رأت أدهم الذي توقف على مدخل قاعة المحاضرات مبهوتًا بما يراه، قبل أن يستوعب ويتذكر نصائح أمجد، ليأخذ شهيقًا طويلًا وأخرجه قبل يخطو باحترام في محراب العلم.
لكزتها الفتاة مرة أخرى فهتفت بها حانقة أريج:
- يووه يا ميرال! ما تتهدي بقى وبطلي تشتتيني لغاية ما أخلص نقل الدرس الغبي ده في ورقي!"
أومأت ميرال بذقنها تهمس بمغزى:
"عايزة أنبهك يا غبية.. سعيد ابن خالك لسه داخل، بص علينا ببرود كده ودور وشه وراح قعد جنب واحد صاحبه بعيد عنك.. ده حتى ما كلفش خاطره يرمي السلام!"
لوت ثغرها أريج تقول بغيظ:
"سيبيه في حاله، وسيبيني أنا كمان أكمل اللي بنقله ده
هتفت ميرال بعدم استيعاب:
"إزاي ده حصل ومن إمتى؟ أوعي تقولي إنكم اتخاصمتوا! أنا مش مصدقة إن سعيد ممكن يعملها ويبعد عنك، ده زي اللزقة.. قوليلي يا بنتي، جالك قلب إزاي تبعدي عن ابن خالك اللي بتستغليه وبتآخدي مجهوده عشان تنجحي بالساهل؟ إزاي؟"
"كفااااية!"
هتفت بها أريج بصوت عالٍ لفت الأنظار نحوها حتى أدهم، والذي حدجها بنظرة موبخة لصدور صوتها في مكان عام، ليغمغم بشفتيه كلمات فهمتها هي وحدها (قليلة الأدب).
رمقته هي بنظرة متحدية رغم احتقانها من الداخل.
وتحركت شفتاه بسباب صامت قبل أن يعود لوضعه الأول، فقالت ميرال مستغربة:
"يا ربي! أنا مش مصدقة الوش الجديد بتاع سعيد ده.. ماله بيتعامل معاكي بتكبر كدة ليه؟ ده حتى مابقاش يبتسم برزالة ولا بيسبلّك بعينه زي العادة!"
إلى هذا القدر ولم تقو أريج على التجاهل، فالتفتت إليها تنهرها بهمس:
"يا غبية، كفاية رغي بقى وبطلي تخمينات ومراقبة لتصرفاته.. أنا معنديش طاقة لحرقة الدم دي، اسكتي خالص!"
ردت ميرال مستهجنة:
"جري إيه يا أريج؟ مَالِك بتعامليني بجفاء كدة ليه النهاردة؟ هو أنا غريبة؟ ما إحنا كل يوم بنقعد نتكلم في نفس الموضوع!"
زفرت أريج بتعب وهي تترك ما بيدها، فقد فاض بها من ثرثرة وإلحاح صديقتها، والحق يقال: فهذا الحديث بالفعل ما يدور بينهن يوميًا، عن سعيد والسخرية منه ومن تصرفاته العفوية معها، واستغلالها الدائم له.
دلف دكتور المادة فجأة ليلقي محاضرته، وينتشلها من التفكير.
وإلى أدهم الذي كان جالسًا يراقب بعيناه الضيقة ما يدور من حوله بتقييم دقيق، فهذه الجامعة تشبه بلمحة قليلة جامعته التي درس بها في إحدى جامعات أوروبا قديمًا، ولكنها كانت فارغة تتميز بالهدوء واحترام السيد مدرس المادة عكس ما يرى.
"بس.. بس!"
سمعها عدة مرات من جواره ولم يلتفت ليرى، حتى انتفض مذعورًا على نغزة مؤلمة بشيء مدبب في خصره، فالتفت بأعين مذعورة، ليجد أحد الأشخاص يضحك له بأسنان معوجة، ويقول بصوت خفيض:
"بقالي ساعة بحاول أكلمك، ومالفتش غير لما نغزتك بسن القلم!"
بلهجة خطرة سأله أدهم:
"إنت نغزتني بالقلم في جنبي؟!"
أجاب الشاب بسماجة يُحسد عليها:
"أيوه، عملت معاك زي ما بنعمل في البلد لما بننغز الحمار بطرف العصاية عشان يمشي، فبيسمع الكلام ويمشي يا حمار."
تجمد أدهم يناظر الشاب بأعين جاحظة مذهولة حتى انتفض لينقض عليه متناسيًا المحاضرة ومحراب العلم ليتناوله من تلابيب ملابسه هادرًا به:
"ده أنت اللي حمار يا بغل! إنت إزاي تجرؤ وبكل بجاحة تعمل كدة معايا أنا؟ بتقلل من احترامي وكمان بتقولي يا حمار؟ أنا هطلع روحك في إيدي النهاردة."
"بس يا ولد.. وقف عندك."
جاءت بصوت جهوري عبر الميكروفون لتجبر أدهم على الالتفاف نحو مصدر الصوت والذي كان هو أستاذ المحاضرة، ليجد الرجل يأمره بحدة:
"سيبه يا ولد وبصلي هنا."
رد أدهم بغروره المعتاد:
"أنا مش ولد، اتكلم معايا بأدب قبل ما تؤمرني بحاجة."
صدحت شهقات عالية مذهولة من الفتيات، فهتفت به أريج لتنبهه:
"بس يا سعيد.. احترم نفسك واحترم الأستاذ بتاعك!"
التفت رأس أدهم إليها بحدة، ليجدها تغمز له وتجز على أسنانها علّه ينتبه، فهتف بها بضيق:
"إنتِ بتقولي إيه؟ أنا مش فاهم حاجة!"
صاح به الشاب وهو يحاول نزع كفي أدهم الممسكة بقماش قميصه:
"بتغمزلك يا غبي عشان تفهم وتسبني.. سيبني بقى!"
توحشت ملامح أدهم ليحدج زميله الذي بدا كالأرنب المذعور، بنظرات نارية متوعدة، جعلته ينكمش في جلده، فصاح الأستاذ من خلفهم:
"إنت يا ولد.. دي تاني مرة ومش هكرر كلامي، سيب زميلك واطلع بره المحاضرة!"
ترك أدهم الشاب ليصيح معترضًا:
"بتطردني أنا؟! انت مش عارف انا مين؟
"يخرب بيتك يا سعيد! اسمع الكلام واسمع كلام الدكتور!"
هتفت بها أريج مقاطعة أدهم، حتى لا تأخذه العنجهية كالعادة ويخطئ بذكر اسمه، ولكنها استفزت الدكتور ليهدر بها:
"واطلعي إنتِ كمان معاه! مش عايز حد فيكم في محاضرتي.. بره أنتوا الاتنين!"
على الفور لملمت أشياءها ورفعت حقيبتها فوق كتفها لتسحب بيدها أدهم الذي رفض التحرك ويحاول نزع كف يدها التي أطبقت على ذراعه:
"ابعدي عني وسيبيني في حالي!"
همست كازة على أسنانها تترجاه بامتعاض ولكنه كان يرفض متسمرًا محله حتى صاح الدكتور من محله:
"لو مخرجتوش حالًا أنا هطلب الأمن بتاع الجامعة:
"إيه ده! أنت بتقول إيه؟ طب اعملها كدة لو تقدر
صاح بها أدهم مستنكرًا، ولكن قبضة أريج كانت قوية هذه المرة لسحبه:
"تعالى معايا أرجوك.. بلاش تأذيني يا سعيد."
عند قولها الأخير وإنتباه أدهم لنظرة رجاء حقيقية في عينيها التي التمعت أمامه بدموع تحتجزها بصعوبة، أشفق وتناول دفتره وخرج معها من أجلها، ليظل الشاب الذي أزعجه يتابعه بابتسامة بلهاء لفتت انتباه الدكتور، فصاح به:
"وأنت واقف مستني إيه؟"
أشار الشاب بسبابته بعدم استيعاب، فصرخ الرجل:
"اطلع بره أنت كمان.. بره!"
❄-❄-❄
في خارج المبنى وبعد أن استقرت معه على مقعد خشبي أسفل إحدى الأشجار، انطلقت أريج في نوبة بكاء حارق، بنشيج متقطع:
"دكتور المادة هيفصلني.. شوف، ده قاصد وهيسقطني فيها.. أنا مستقبلي ضاع، مستقبلي ضاااع!"
مصمص أدهم بشفتيه بجلسته الأرستقراطية وهو فارد جسده واضعًا قدمًا فوق الأخرى ليتمتم حانقًا:
"بس يا بنتي بقى وبطلي عياط، صوتك المزعج ده خرم ودني زي كلاكس عربية عطلان."
زاد صوت بكائها لتردف بقهر:
"أنت فضحتني قدام زمايلي، ولسه بتتكبر وبتستقل بيا وأنا منهارة.. حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا أدهم يا فيومي، منك لله!"
توقفت لتعود لبكائها حتى أخفت بكفيها وجهها، فلم تعد بها طاقة للجدال معه، وهو جامد ولا يفهم ما تعانيه.
أشفق عليها فلان قلبه في الحديث إليها:
"يا أريج.. يا بنتي اسمعي بس وبطلي عياط، أنا مكنتش أقصد ومحبش أذيكي أبدًا."
هتفت به بحدة:
"بس أنت أذيتني فعلاً! أذيتني في الشهادة اللي نفسي أتخرج منها!"
توقفت لتكمل منتحبة:
"منك لله أنت وأمجد أخويا، والتجربة اللي هتتشال فوق دماغي أنا في الآخر."
واستطردت بحزن:
"سعيد اللي أنت واخد جسمه دلوقتي وشوهت سمعته بتصرفاتك، كان أحسن سند ليا.. كان بيساعدني بصحته ومجهوده عشان أتخرج، تيجي أنت دلوقتي وتضيع كل حاجة مني.. كل حاجة!"
قطعت كلامها لتدخل في نوبة بكائها مرة أخرى، جعلته يزفر ويُشيح بوجهه عنها، فوقعت عيناه على هذا الولد الذي تسبب في طرده، وكان سبب المشكلة من أولها، فانتفض فجأة متحفزًا يردد:
"أنا هاخدلك حقك منه، وهعرف البغل ده مقامه كويس!"
دا الذي التسبب في كل اللي حصل.
انتبهت أريج لتجذبه على الفور من ذراعه لتنهاه برجاء:
"بس بقى كفاية اللي بتعمله ده.. متبوظش الدنيا أكتر ما هي بايظة!"
اعترض يحاول نزع ذراعه عنه:
"سيبيني يا بنتي، الحيوان ده قلل من أدبه معايا ولازم أدبه.. ده نغزني بالقلم وبيقولي إنه بيعمل معايا زي ما بيعمل مع الحمار بتاعه!"
سألته بعدم استيعاب:
"إيه؟ بتقول إيه؟ انا مش فاهمة قصدك"
هتف بها بنزق:
"هو الموضوع محتاج توضيح يا غبية أنتي؟ الولد ده عاملني كأني حمار وده ميتسكتش عليه!"
تحول بكاء أريج إلى ضحكات بدون توقف، وهي تتمسك بأدهم بقوة، وقد وصلها اخيرا مقصده:
"ده بيهزر معاك يا جدي.. بيهزر معاك يا أدهم يا فيومي، افهم بقى"
تساءل بازدراء:
"وهو يعرفني منين أصلاً عشان يهزر معايا بالبياخة دي؟ هو أنا كنت بغل من فصيلته مثلاً عشان يتجرأ عليا بالشكل ده؟"
هذه المرة تطوعت توضح له:
"لا طبعاً مش من فصيلته، بس هو من بلد سعيد وصاحبه كمان، عشان كده لازم تعذره.. الشاب افتكرك هو، يعني اكيد متعود عليه بالهزار التقيل ده"
هدأ قليلاً يزم شفتيه بضيق ليردف بتساؤل:
"صاحبه؟"
أومأت برأسها إليه تجيب:
"أيوه، عشان كده بطلب منك تهدى شوية وتفكر قبل ما ترد عليه لما يكلمك."
التوى ثغره بامتعاض يقول بقرف:
"وإيه اللي يجبرني أعمل كده؟ حتى لو كان صاحب المدعو سعيد ده."
"أنا هصفي كل معارفه، ومش هخلي حواليه غير ولاد الأصول والمحترمين بس، أما المهزأ ده فوالله لو قرب مني تاني لهديه فوق دماغه!"
صمتت قليلا أريج شاعرة بالذنب قبل ان ترد عليه:
"يعني أنت كده هتخليه يخسر أعز أصحابه، وكمان ضريته بسب غضب دكتور المادة اللي كنا لسه بنحضرها.. مسبتلوش حاجة يا أدهم، مسبتلوش أي حاجة!"
رددت لتعود لبكاءها مرة أخرى، ويعود أدهم يردظ كلماته بسخط أيضاً، إلى أن أتى امجد يخاطب الإثنان:
"في إيه؟ إيه اللي حصل؟ وإيه الكلام اللي سمعته عنكم في المدرج ده؟"
أشاح أدهم بوجهه مترفعاً عن الرد، والذي تكفلت به أريج هاتفة بانهيار:
"اللي حصل إن أختك مستقبلها ضاع، وأنت السبب في كل اللي جرى ده.. مش هسامحك يا أمجد، عمري ما هسامحك."
رفع طرف شفته يعقب على كلماتها ببراءة يتصنعها:
"وأنا مالي.. هو أنا كنت عملت إيه لده كله؟ هو انتي عايزة تلبسيني اي مصيبة وخلاص!
............................
بعد قليل، وبعد أن قصت عليه أريج ما حدث وما فعله أدهم الذي كان جالساً بعدم اكتراث، تحدث امجد يخاطبه بنصح:
"أنا حذرتك يا جدي وأنت مسمعتش الكلام، قلت لك إن روحة المِحاضرات دي مش صح، وأهو أنت من اول عشر دقايق اتسببت في كوارث.. استفدت إيه بقى دلوقتي؟ قولي، استفدت إيه؟"
رد أدهم بعنجهية:
"بطل تقطم فيا يا ولد، أنا مسمحلكش.. كفاية الإهانة اللي شفتها من الأبله دي، ولا دكتور المادة المتخلف ده كمان اللي طردني قدام باقي الطلاب .
"ده أقل واجب يا جدي العزيز، اللي عمله الدكتور معاكم ده قليل أوي بعد ما قللت من احترامه قدام الطلبة."
قلب أدهم عينيه يتأفف بصوت عالٍ، فقالت أريج غاضبة:
"جدك بيغلط ومبيفرقش معاه ولا بيفكر في اللي هيحصلنا من تحت رأسه."
رد أدهم بكبرياء:
"أنا مش قصدي أؤذيكم، بس أنا مش متعود على المعاملة الغبية دي بين الناس.. أنا راجل مقامي عالي، أنا لما دخلت القاعة النهاردة قلبي وجل من هيبة مكان العلم، بس اتفاجئت بالهزار وقلة الأدب دي، وأنا مقبلش كده.. مأحبش كدة أبدًا."
"طيب يبقى ترجع..."
قطع أمجد كلماته فور أن انتبه على من كانت قادمة باتجاههم، فتمتم اسمها بين شفتيه بصوت خفيف وبالكاد يسمع:
"يا ربي.. ميرال الحلوة جاية علينا."
لكزته شقيقته بمرفقها في جنبه، فتأوه بصوت خفيض كتمه فور أن وصلت صديقة أريج إليهم تردف بحماس:
"مساء الخير.. إزيكم يا جماعة؟"
رد ثلاثتهم التحية، لتسألها أريج بلهفة:
"الدكتور عمل إيه يا ميرال بعد ما خرجنا؟"
"قالكم إنه هيفصلنا؟ ولا هيعمل حاجة تضرنا؟"
نفت ميرال برأسها لتقول وأبصارها ارتكزت على أدهم الذي كان يطالعها بعدم اهتمام:
"الدكتور مجابش سيرتكم خالص، بس الطلبة ملهومش سيرة في المدرج ولا براه غير شجاعة سعيد، واللي عمله لما وقف قدام الدكتور.. يا خبر يا سعيد! أنت بقيت بطلنا كلنا."
"إيه؟!"
صدرت من الشقيقين التوأم في فم واحد، لتردف ميرال وهي تتطلع بهيام نحو أدهم الذي يبدو وكأنه لا يفهم شيئاً:
"والله بقول الحقيقة، الكل بيتكلم عنك يا سعيد، والكل معجب باللي عملته.. ده احنا مبهورين اوي اوي بيك !"
نقل أمجد أنظاره بين جده الذي كان يتطلع بعدم استيعاب، وبين ميرال التي تتراقص القلوب الحمراء في عينيها ليتمتم ساخراً:
"يا حبيبي! شكلنا هنشوف ايام عنب.