
ولج أدهم بصحبة نيازي إلى داخل القاعة المتسعة إلى حد ما، بعد أن مروا بداخل مبنى ضخم عرف أدهم أنه صرح ثقافي في المدينة، خطا الاثنين يخترقان الممر الطويل والفاصل بين صفين من الحضور، عدة كراسي يجلس عليها عدد من الأفراد، ونيازي يلقي التحية على من يعرفه منهم.
وصلا إلى مجموعة شباب تتقدمهم فتاة رائعة الجمال هتف باسمها نيازي فور رؤيتها:
• "لينا! عاملة إيه يا حبيبتي؟
"قالها وهو يصافح الفتاة بحرارة وهي تبادله التحية بابتسامة ولا أروع، ليتمتم أدهم داخله بذهول:
• "يا نهار أبيض! هي دي لينا اللي كان بيكلمها في التليفون؟"قالها يتابع وقد تركزت أبصاره عليها وعلى البحر الفيروزي بعينيها، قبل أن يجفل على قول نيازي:
• "أحب أعرفك يا لينا، ده سعيد ابن خالي."أهدته ابتسامة لم تنقص روعتها وهي تمد كفها لتصافحه:
• "أهلاً يا سعيد، نورتنا بجد."
• "أهلاً بيكي يا قمر."قالها أدهم وأنامله تتناول كف الفتاة بأناقة نشأ عليها في المعاملة الراقية للنساء في زمنه الماضي، حتى أنه نسي عرف الحاضر وقام بتقبيل ظهر كفها برقة أذهلت لينا لتشهق متفاجئة من فعلته مع عدد الأصدقاء من خلفها، بمرفقه لكزه نيازي على خصره يحدجه بنظرة خطرة قائلاً:
• "إيه اللي بتعمله ده يا غبي؟ أنت فاكر نفسك عايش في أفلام الأبيض وأسود بتاعة زمان؟"رد أدهم بلباقة يدعي الحرج:
• "معلش يا نيازي ماتاخدنيش.. وسامحيني أنتِ يا فندم، بس بجد حسيت إني في زمن الأبيض وأسود من كتر رقي المكان وجمال الناس اللي هنا."
وانا شايف الجمال الخلاب دا للآنسة، وكأنها من أميرات الأسرة المالكة.
علت الشهقات مرة أخرى لهؤلاء الأفراد من خلف لينا والتي تجمدت وارتسم على وجهها ابتسامة:"جبت الواد ده منين يا نيازي؟ ده بيتغزل وبيوصف بخيال واسع أوي، لدرجة إنه غلبنا إحنا الشعراء يا راجل!"
قالها أحد الرجال ليرد نيازي كاظماً غيظه:
"أيوة.. ما هو متزوق للشعر وبيحب الخيال زي ما أنتم شايفين كده."
جلس نيازي يجز على أسنانه من الغيظ، حتى همس لأدهم ساخراً:"أميرات الأسرة المالكة قال! جاي تعملي فيها الراقي الوسيم، ده إنت تربية طين وغيطان ياد، وعايش مع البط البلدي اللي بيعوم في الترعة!"
عقد أدهم حاجبيه متسائلاً:"قصدك ايه يعني بالطين والبط البلدي ده؟ وليه رابط الدنيا ببعضها كده أصلاً؟
"برقت عينا نيازي الواسعتان بغيظ، فهذا الفتى يشتته بدرجة غير مفهومة، همّ أن يذكره بحكايات سمعها من والدته عن أفعاله الحمقاء في البلدة، ولكن منعه صوت مقدم الأمسية الذي ذكر عن مميزات صديقه الشاعر الذي سيلقي قصيدته الفريدة الآن، وصمت بإذعان.
أما أدهم فقد صمت هو أيضاً، يريد التعرف على الشعر الحديث علّ هذا الشاب يكن فيه الرجاء بعيداً عن العته الذي يفعله حفيده نيازي، ويدعي زوراً أنه شاعر:
"للدموع أسرار.. وللحب آثار.. وفراقك ده نار.. وشوفتك بتفكرني.. بأكبر صرصار!""
صرصار!"رددها أدهم بذهول ينظف بظفر سبابته داخل أذنه، فيبدو أنه قد سمع خطأ، فمن المستحيل أن يكون الشاعر قد ذكر شيئاً مثل هذا، تنهد يعيد الإصغاء بتركيز ليسمع:
"إزاي محبكش ودي كل صفااااتك.. حنين زي البقرة.. وقوي زي الثور.. وصابور زي الحمار.. ووفي زي الكلب!"
عند الأخيرة هب أدهم يضرب على ذراع المقعد مجفلا نيازي بقوله:"يلعن أبو ده جنان! هو المعتوه ده مالقاش تشبيهات غير صفات الحيوانات عشان يتغزل في حبيبته؟"رد نيازي ببساطة
"ومالها صفات الحيوانات؟ وإنت مالك أصلاً عشان تنتقد؟"
هدر صوت من الأمام منزعجًا منهما، ليخفض نيازي صوته وهو يردف بتحذير:"بطل رغي بقى وما تزعجش الناس اللي بتسمع باقي القصيدة.
ردد أدهم بعدم استيعاب:"باقي القصيدة! قصيدة إيه دي؟ ده جنون رسمي، أنا مش هسمح لودني تتلوث بالهبل ده."
هتف شاب من جواره بغيظ:"طيب ما تسمعش انت يا سيدي وسيبنا إحنا نستمتع بإبداع الشاعر!"
"إبداع الشاعر؟!"رددها بغيظ قبل أن يعود لنيازي الذي يحدجه بأعين نارية فنهض أدهم بعدم احتمال يردف:"أنا هستناك بره القاعة لحد ما المجنون ده يخلص، بلا شعر بلا هبل
اومأ بذقنه نيازي بعدم اكتراث ليحرك أقدامه أدهم للمغادرة، توقف فجأة حينما سمع بعض الكلمات ما ظن منها أنه تحسن في الشعر:
.أنت الأمل والود..أنت عبير الورد...أنت الفرح والسعد...انبسط يا قرد...:"
قرد! أنا قولت من الأول إن ده هري.. هرااااء!"ظل يردد بها وهو يعدو بخطوات مسرعة حتى خرج من القاعة، ليجد نفسه داخل المبنى الفارغ من الأشخاص. تنهد بارتياح يفرد ظهره ليضع كفيه داخل جيبي بنطاله بتفكير فيما يود فعله.
......................
على مائدة السفرة اجتمعت الأسرة على وجبة العشاء، فقال عزام يسأل عن الأفراد الناقصين:
"ابن خالك راح فين يا ولد؟"رد أمجد بعدم انتباه وهو يتناول الطعام بشهية مفتوحة كالعادة:"ابن خالي مين؟"
صاح به عزام:"ابن خالك سعيد يا معتوه! واهدى شوية وأنت بتمضغ عشان الأكل ما يقفش في زورك وتموت شهيد العشا.
"شحب وجه أمجد ليتمهل في المضغ برعب أثار ضحكات الجميع من خلفه، وبشكل أثار غيظه ليردد ساخرًا على قهقهة شقيقته أريج بجواره وسخريتها منه:
"ها ها.. عجبتك القفشة يا ظريفة؟"
هزت برأسها تناظره بمنكافة، حتى توقفت على قول والدتها:"سعيد خرج النهاردة مع نيازي عشان يحضروا أمسية شعرية."هتف عزام بعدم تصديق:"مين يا غالية؟ سعيد.... ونيازي رضي ياخده معاه إزاي بعد اللي حصل ما بينهم، بعد ما لسوعه بحزام البنطلون
رد أمجد:
• "اتصالحوا يا بابا.. سعيد اعتذر له على اللي حصل، ونيازي يقبل يبوس راسه وسامحه."
تدخلت أحلام قائلة بحب:
• "ربنا يسعده نيازي ده، طيب قوي رغم جنانه.. والواضح إن سعيد عرف قيمته، عشان كده هو اللي طلب يرافقه زي ما عرفت من نيازي. أنا فرحت قوي لما شفتهم مع بعض رغم إنه كان زعلان منه زمان.. نفسي علاقتهم تبقى صداقة بجد، يمكن يساعده يتخطى مرضه.. يارب قربه منه واشفيه يا رب.
"تجمد أمجد مستمعا لكلمات والدته يلوك اللقمة داخل فمه بشرود وقد دارت رأسه؛ عما يخشى ألا يناله وينتظر بفارغ الصبر عليه، انتبهت أريج لتسأله ساخرة:
• "حبيبي يا أمجد، وقفت أكل ليه؟ أوعى تقول إننا حسدناك!"
حدجها بنظرة خطرة حانقة صامتاً حتى أنه لم يرد على سخرية والده بعدها:
• "باين عليه عرف قيمة أمجد وتفاهته كويس، فراح يدور على بديل عشان يرجع لحياته القديمة ويحاول يعالج نفسه."
عند الأخيرة برقت عيني أمجد بجزع، فـ عفوية والديه رغم عدم معرفته بشيء، قد ساهمت في تنبيهه ليظل يقظاً على الدوام للقادم. نهض فجأة عن مقعده يُنهي طعامه ليدلف سريعاً نحو غرفته، لحقت به أريج بعد قليل، لتجده منكفئاً على هاتفه فقالت ساخرة:
• "أمجد حبيبي الحساس، اللي ساب الأكل عشان كلمتين.. طمني عليك، عامل إيه دلوقتي؟"قالت الأخيرة وهي تجلس بجواره على السرير، فـ صاح بها أمجد بنزق:
• "بقولك إيه يا أريج، كفاية رغي.. أنا مش في مود يسمح لهزارك السخيف ده خالص."
قالت بدلال مستفز وهي تداعب بأناملها على أجزاء من وجهه كالوجنتين والذقن، مما اضطره لزجرها بعنف:
• "ابعدي عني يا أريج.. ابعدي أحسن ما أطلع غضبي كله عليكي!"لهجته الخطرة بملامح وجهه الشرسة مع نظرته المخيفة كل ذلك جعلها تتراجع بجزع للخلف، وتمتمت بعتب:
• "خلاص.. متقفش كده وتتعصب عليا، أنا هقوم وأسيبك خالص."نهضت من جوارها وهمت أن تتحرك ليفاجأها بهتافه:
• "اقعدي مكانك وماتطلعيش شياطيني عليكي يا غبية!"استفزها كالعادة لتهدر بها غاضبة:
• "متقولش غبية يا أمجد! إنت اللي غبي وأحمق كمان!"كز على أسنانه يرمقها بنظرة خاطفة حانقة يأمرها:
بطلي هبل بقى احنا مش عيال عشان تتقمصي ولا تلوي وشك، خليني مركز في اللي انا فيه، قبل ما تحصل مصيبة، اقعدي يا بنت."
اضطرت أن تذعن وتعود للجلوس بجواره، حتى أنهى أمجد مهمته بالهاتف ليرفع رأسه أخيرًا، بمرح يحدث نفسه:"تمام.. تمام أوي."
سألته أريج باستغراب :
"إيه هو اللي تمام يا فيلسوف عصرك وأوانك؟"التف إليها يضع قدمًا فوق الأخرى يقول بزهو:"التمام يا عزيزتي إني كالعادة ماسك خيوط اللعبة في إيدي.. جدك العزيز فاكر إنه هيخرج بره سيطرتي ويحاصرنا إحنا الاتنين بخروجه مع نيازي، وما يعرفش إني مراقبه من مكاني هنا وعارف كل خطوة بيخطيها."
نظرت إليه بتوجس تسأله:
ـ مراقبه إزاي وأنت قاعد مكلك هنا؟ عملت إيه يا أمجد؟"
ضحك يجيبها بانتشاء:"مش صعبة يا حبيبتي، أخوكي خبرة.. ولا إنتي متعرفيش إن فيه تطبيقات دلوقتي بتسهل الكلام ده كله؟"ارتفع حاجبيها بإعجاب وقد فهمت الى ما يرنو اليه ، لتعقب بفراسه:"أيوة بقى! أخويا الشيطان رجع لنشاطه تاني.. قولي عملتها إزاي؟"
........................
عودة الى أدهم، والذي استغل وجوده وحده بهذا الصرح الثقافي الذي تملكه الدولة، لكي يدور بالصالة المفتوحة للوحات المعلقة بها، وتجول عيناه على كل قطعة فنية ليقف مبهوتًا أمامها ويتأملها بتمهل بطيء، يجعله يفهم المغزى من الرسومات، وماذا يقصد الرسام خلف رسمها.
"هي اللوحة عاجباك للدرجة دي؟"انتبه على الصوت الأنثوي، فالتف ليرى الفتاة الرائعة، التي يحبها نيازي ويتصل بها كثيرًا، فرد على قولها:"ممكن متكونش عاجباني، بس أنا مصمم أفهمها الأول وأقيمها.. أطلع الثغرات اللي فيها، وأدور على الإبداع اللي يخليني أحس بجمالها."
عقبت لينا بانبهار أصابها:"يا خبر! وكمان بتفهم في الرسم؟ أنا مش مصدقة!"
أجابها بابتسامة جانبية ساخرة:"أنا بحب الجمال يا عزيزتي.. الجمال اللي حوالينا في كل حاجة، وبالذات لو كانت ست جميلة زيك، بتفرح القلب وتنشر السعادة بمجرد ما الواحد يشوفها
الفصل الحادي عشر
ضيقت لينا حاجبيها باستغراب تعقب على كلماته:
ـ مش حاسس إنك مبالغ شوية في مدحك ده؟ نفى برأسه يقول بتأكيد: لأ طبعاً، أنا كدة لسه مديتكيش حقك، إنتي تستاهلي أكتر من كدة.
تبسمت لينا باضطراب، تعقب على قوله: الجمال مالي الدنيا حوالينا، ومظنش إنه عندي لوحدي يعني، بالعكس أنا بشوف ستات كتير أحلى مني بكتير.. يمكن إنت شايفني كدة بس أنا بشوف عيوبي كويس
. توسعت ابتسامة على وجه أدهم ليطالعها بصمت دام عدة لحظات، ويديه التي اشتبكتا خلف ظهره يتمعن النظر بها قائلا:
كلامك ده هو اللي أثبتلي إن نظريتي صح، جمالك الحقيقي يا عزيزتي مش مجرد شكل وخلاص، وده اللي أنا لمسته فعلاً. بالفعل. فـ جمال روحك عزيزتي هو ما زاد على الظاهر، حتى جعل نورك يُشع من حولك، لتتمكني من زرع الابتهاج في قلوب المساكين من أمثالي.
ضحكت لينا بعدم استيعاب لمنطقه الغريب في الغزل قائلة:
- وبعدين معاك بقى يا بني؟ بتكرر كلامك تاني! إنت فعلاً مشكلة.
ـ وإنتي تجنني.
قالها متعمدًا ليرى خجلًا يرتسم على محياها رغم ادعائها العكس كما تفعل بنات هذا الزمن ممن اختلط بهن في هذه المدة البسيطة، ولكنه يشعر وكأنه رآها قبل ذلك، لذا فقط شجع نفسه لسؤالها: كان نفسي أسألك سؤال يا لينا.. بس أتمنى متفتكرنيش رخم. قطبت تناظره باستفهام مما شجعه يسألها على الفور وقد حركه الفضول:
ـ من غير ما تفتكريها سخرية ولا حاجة، هو أنا ممكن أعرف لو كان فيه في عيلتكم حد من.. الناس ال..... قصدي يعني حد من البشوات والبكوات وكدة؟
ضيقت عينيها تسأله بريبة مع ابتسامة مستترة: أوعى تكون بتتريق عليا يا سعيد؟ قاطعها على الفور: لا والله أبداً، عمري ما أتريق عليكي.. بلاش سوء ظن يا لينا، ده مجرد سؤال بريء.
ردت رافعة حاجبًا شريرًا:
ـ ماشي، مش هسيء الظن وهجاوبك على سؤالك. توقفت فجأة تخرج تنهيدة في البداية قبل أن تردف: في الحقيقة إحنا عيلة مصرية مكافحة أباً عن جد، بس عيلتي ليها حكاية غريبة مع الطبقة دي.
ـ ايه ده؟ يعني بجد؟
قالها بتساؤل وهي أجابته: أيوه بجد، بس للأمانة هي حكاية مش لطيفة أوي يعني عشان أكون صريحة معاك. سمع منها ليحثها برجاء:
ـ طب ما تحكي يا ستي
ضحكت هذه المرة بصوت واضح، عالٍ قليلًا ولكنه ناعم، ناسب شخصيتها الساحرة ، لتعقب بدهشة:
- "أمرك غريب يا جدع! من أول مقابلة كدة عايزني أحكي وأقولك أسرار عيلتي؟"
شعر ادهم بالحرج يعطيها الحق في القول، فتمتم متحمحمًا: - "معلش اعذريني، شكلي استعجلت فعلاً.. بس أنا كل قصدي إننا نكون صحاب، أو أكون واحد من الشلة."
تكتفت بذراعيها تسأله بتسلية: - "طيب، أنا كمان عايزة أتعرف عليك.. قولي الأول عندك كام سنة؟" هذا السؤال يضايقه حقًا ولكنه مضطر للإجابة:
- "أنا في تانية جامعة." شهقت لتبرق عينيها وتلألأ أمواج الفيروز، لتقول بمرح وهي تضرب كفًا بالآخر: - "أصغر مني! إنت أصغر مني بأربع سنين؟ يا خبر.. مكنتش أتخيل أبداً إن الفرق بينا كبير كدة!"
غمغم أدهم داخله وهو يرسم على وجهه ابتسامة ليس لها معنى: - "ده أنا أكبر منك بعقود يا حبيبتي." تمتمت هي مستطردة: - "عقلك أكبر من سنك بكتير، وشخصيتك مثقفة وعندك لباقة في الكلام.. بجد إنت شخص مبهر."
عقب أدهم مستغلًا تغزلها به: - "يعني كدة خلاص، قبلتي نكون صحاب؟"
ضيقت عينيها بابتسامة: - "ولئيم كمان! بتعرف تستغل الفرص كويس." - "
معاكي إنتِ بالذات لازم الواحد يخلق الفرصة، مش بس يستغل اللي موجود.
ـ ايه اللي بيحصل هنا؟ "
صدحت العبارة خشنة حادة بالقرب منهما، فالتفت أدهم ولينا نحو المصدر ليجدا نيازي، يقف متخصرًا أمامهما بتحفز مردفا:
- "خرجتي ليه يا لينا من القاعة؟ ومستنيتيش لما أخلص قصيدتي على المنصة؟ هي معجبتكيش؟ ولا فضلتِ الوقوف مع الجلف ده اللي بيكره الشعر والشعراء؟"
ناظره أدهم ببرود ناقض ما يهدر بداخله من عواصف ثائرة وكرامة ترفض الاحتقار والسبة التي نعته بها، فجاء الرد من لينا الغاضبة: -
"أنا مسمحلكش يا نيازي تهين ابن خالك، حتى لو كان بيكره الشعراء زي ما بتقول! وبعدين أنا مش هسكت على طريقتك دي ولا إنك تشاورلي كدة!"
هم نيازي لتبرير اندفاعه: - "يا لينا أنا اضايقت بس عشان ملقتكيش وسط الحضور، ومسمعتش منك التشجيع بتاع كل مرة..."
صاحت به بحزم: برضو ما يحقلكش حتى لو كان غرضك العتب، كان واجب تنفي الفاظك
بهت وجه نيازي وبدا عليه الندم، فتابعت لينا لنلن أدهم المبهور وهي تردف بلهجة حاسمة:
"أنا خرجت من القاعة عشان جالي تليفون من والدتي، ولقيت أدهم بالصدفة والوقت سرقني في الكلام معاه لدرجة إني نسيت خالص إنك واقف على المنصة."
برقت عينا نيازي الواسعتان باندهاش وعدم تصديق لهجوم لينا ولهجتها الحادة في توجيه الكلمات إليه وعدم اكتراثها بمشاعره لأول مرة. ولتزيد من ذهوله، التفتت إلى أدهم وقالت:
"هات رقم تليفونك يا سعيد."
"إيه؟" تفوه بها أدهم بعدم استيعاب وهو يخرج لها هاتفه بتلقائية، فتناولته من يده سريعًا لتسجل رقمها، ثم ضغطت على زر الاتصال حتى صدح هاتفها، لتقول بعملية متجاهلة نيازي:
"كده بقى معاك رقمي وسجلت رقمك يا سعيد، عشان نبقى نكلم بعض.. أشوفك على خير." قالتها وذهبت من أمامهما على الفور.
لتندفع الدماء برأس نيازي، فخرج عن طوره الهادئ ليطبق بكفتيه على تلابيب قميص أدهم يهدر بانفعال:
"الله يلعنك يا حقير! عملت فيها إيه ولا قولت لها إيه عني عشان تقلب عليا للدرجة دي؟" صاح أدهم ينزع كفي الآخر المتشبثة به بعنف قائلًا:
"مش أنا اللي عملت، ده إنت بحماقتك معاها! هو الكلام اللي قولتُه ده ينفع يتقال لبنت محترمة وراقية زي لينا؟ إنت أحمق، فـ مترميش اللوم على غيرك." خرجت الكلمة الأخيرة مع دفعة قوية من أدهم جعلت الآخر يفقد توازنه حتى سقط واقعًا على الأرض بعيدًا عنه.
تأوه نيازي متألمًا، فاقترب أدهم جاثيًا على ركبة واحدة ليطمئن عليه:
"إنت كويس؟ فيك حاجة؟ طمني." ازداد احتقان نيازي ليصيح بوجه مظلم يدفع كف أدهم الممدودة إليه:
"مش عايز مساعدتك، ابعد عني! شكل مفيش فايدة فيك، ده أنا سامحتك قبل كده على اللي عملته، تقوم دلوقتي توقع بيني وبين صاحبتي وكمان تمد إيدك عليا؟"
شعر أدهم بالأسف رغم غضبه من جلافة نيازي وكلماته المستفزة فقال في محاولة لمواساته:
"أنا فعلاً بعتذر لك يا نيازي، رغم إني زعلان من طريقتك معايا."
نفض نيازي كفيه ينهض عن الأرض بكرامة مجروحة وهو يقول برفض:
"خلي اعتذارك لنفسك، أنا مش هقبل اعتذارك ولا هكون مغفل زي المرة الأولى.. في داهية انت وللي يعرفك!"
. قال الأخيرة ليتحرك مغادرًا نحو باب الخروج في المبنى، لحق به أدهم مرددًا: استنى يا نيازي وما تبقاش متسرع، انا قدمت اعتذاري ليك يا راجل.
التف نحو صارخا : قلت لك ابعد عن طريقي، وارجع مطرح ما جيت أو ارجع البيت لوحدك، نيازي الطيب مش هياخد معاه أندال تاني بعد النهاردة.
قالها وأسرع بخطواته ليتركه يتسمر محله يغمغم بغيظ: والنعمة انت غبي فعلاً! البنت عندها كل الحق إنها ترد على غلطتك في حقها، بس أنا.......
توقف متداركا وضعه ليردف بحديث نفسه:
ـ اللعنة! أنا حتى ما عرفش طريق الرجوع للبيت، ولا معايا فلوس أركب أي مواصلة توديني بيت عزام.
زفر يتمتم بالسباب، فـ بفعلة حمقاء مندفعة من هذا الغبي فقد ضاعت عليه فرصة الإختيار، وقد كاد يظنه الاصلح بالفعل لولا جنوح عقله. ولكن ما العمل الآن؟ وكيف يستطيع التصرف بدهاء كعادته، وهو لا يعرف حتى طريقة للتواصل مع البشر الكثيرة حوله في هذا العالم. ليجد من يساعده، غير الملعونين التوأم، أريج وادهم، لكن حتى هؤلاء كيف يصل إليهما الآن.
........................
--- في وقت لاحق وقد اقتربت الساعة على الحادية عشر ليلًا، اقتحمت احلام الغرفة على أمجد الذي غرق في النوم لتوقظه: إنت يا واد.. واد يا أمجد! انتفض المذكور من نومته مجفلًا: في إيه؟ عاوزة إيه يا أمي؟ صاحت به سائلة: بصحيك عشان تشوف ابن خالك راح فين؟ وليه اتأخر للوقت ده من الليل؟
رد أمجد رافعًا طرف شفته باستنكار: وهو السؤال والجواب معايا أنا ليه من الأساس؟ مش اسم النبي حارسه نيازي ده هو اللي أخد سعيد ابن أخوكي معاه الحفلة بتاعة الشعر بتاعته؟
قالت أحلام بلوعة وهي تفرك كفيها وتتحرك بقلق امامه في المساحة الضيقة بالغرفة: ما أنا سألت أخوك اللي رجع من أكتر من ساعة، وقال لي إنه اتخانق معاه وسابه يرجع لوحده، ومن ساعتها وأنا مستنياه والوقت اتأخر.. أنا قلقانة أوي على ابن خالك، وخايفة يكون جرى له حاجة وهو تعبان ومصاب.
هتف امجد وهو ينهض بجذعه عن الفراش حانقًا: وليه ما كلفش نفسه المحروس ده إنه يدور أو يطمن على ابن أخوكي؟ هو ما فيش عنده أي إحساس بالمسؤولية أو تأنيب ضمير إنه يسيب شخص مصاب وزي ده في ضلمة الليل لوحده؟
رددت أحلام بلوعة وقد تسرب الخوف لقلبها: "يا ترى إيه اللي حصل له يا بني ومنعه يرجع لحد دلوقتي؟" غمغم أمجد داخله:
ـ ودا هيرجع ازاي دلوقتي وهو ميعرفش الطريق اصلا، ولا حتى معاه فلوس يركب بيها اي مواصلة ولا حتى يعرف يتعامل مع سواقين، الله يخرب بيتك يا نيازي
خرجت الأخيرة بصوتٍ عالٍ جعل أحلام تقول: "أنا حاولت معاه عشان أعرف فيه إيه، بس كان متعصب أوي ورفض يتكلم، ولا يجيب سيرة سعيد، ده شتمه بلفظ وحش وقال مش عايز يدور عليه ولا يسأل عنه، ودعى عليه يروح في داهية!"
"اللعنة عليه وعلى غباءه!"
قالها أمجد بحدة ليضرب بكف على الأخرى بعنف قائلاً: "وأنتِ ملقتيش قدامك غيري عشان أدور عليه في وقت متأخر زي ده من الليل؟
قالت أحلام: "وليه التعب والتدوير ده كله يا بني؟ ما تتصل بيه وقوله يرجع، عشان قلب عمته ميفضلش قلقان عليه." أومأ لها أمجد برأسه ثم قال بحدة: "ممكن كوباية قهوة بسرعة يا أمي على ما أتصل بالأحمق ده؟"
تحركت أحلام على مضض وهي تردد حتى خرجت من الغرفة: "ماشي يا بني، هعمل الشاي بسرعة وأرجع أطمن منك، يمكن يكون رجع وريحنا كلنا." انتظر أمجد حتى خرجت وتناول الهاتف سريعاً يتصل به، ولكنه كالعادة لم يرد، ليستمر أمجد في الاتصال بلا فائدة مغمغماً بالسباب، حتى قرر الاستعانة بتتبع الهاتف ليبحث عنه، وحينما عرف المكان بدل ملابسه سريعاً ثم خرج على مضض ليستعيد جده "أدهم" متلبساً جسد ابن خاله،
رغم استغرابه لبعد المسافة عن الصالون الثقافي للمدينة والتي كان بها الأمسية الشعرية. وإلى "أدهم" الذي كان متوقفاً أمام إحدى الأشجار العتيقة وهي الشيء الوحيد الذي عرفه في المنطقة القديمة في المدينة، بعد أن سار على أقدامه لا يعلم طريقة للوصول ولا يعرف وجهته، في ظل هذا الازدحام البشري الكثيف من حوله وأعداد المباني الهائلة بعشوائية أفقدت المدينة قيمتها وجعلتها شيئاً آخر باهتاً؛ ليس له طعم ولا لون. فكيف سيحفظ الطرق وهو لا يزال لا يستوعب التغيرات الهائلة؟ يشعر بالامتنان لهذه الشجرة الوحيدة التي ظلت على وضعها رغم انقلاب الحياة برمتها هنا، اقترب يتأمل فيها الجذع العجوز وقد ذكّره بأيامٍ سعيدة
مضت حينما تمتم بذهول: "يا خبر.. يا ربي!" تفوه بها غير مصدق، وقد رأى حفر للعديد من الأحرف بالإنجليزية ورسوم القلوب، ليتمتم مستهجنًا بشاعة المشهد: "يا ساتر! إيه كل الحفر والرسومات والأحرف الغبية دي؟ ملهاش أي معنى غير إنها بتشوه المنظر وخلاص."
بتشتم ليه بس يا أدهم يا فيومي؟" التفت رأس أدهم بحدة نحو مصدر الصوت والذي كان حفيده أمجد بعد أن وصل في المكان المحدد في الهاتف أمامه. "بشتم القبح ده، والرغبة العجيبة اللي عند الناس إنهم يبوظوا كل حاجة حلوة.. حتى الشجر الغلبان اللي لا حول له ولا قوة مخلصش منهم." توقف فجأة ليسأله باستدراك: "وبعدين أنت لقتني بالسرعة دي إزاي؟ رغم إني بعيد عن الصالون الثقافي بمسافة كبيرة!"
أجابه أمجد ببساطة: "دورت عليك ولقيتك.. فيها إيه دي؟" سأله أدهم باستغراب، وطالع الارتباك الطفيف على وجه أمجد، والذي برع في إخفائه سريعًا ليجيبه: "يا جدي إحنا في عصر السرعة، مفيش حاجة صعبة دلوقتي.. المهم قولي، أنت ليه وقفت قدام الشجرة دي بالذات؟"
تهربه المقصود وإجابته المشتتة أنبأت أدهم بتلاعب أمجد، ولكنه لم يظهر، بل وضع كفيه داخل جيبي بنطاله ليقول بنبرة عادية رغم حالة الشجن التي تصدح داخله: "وقفت جنبها لأن الشجرة دي هي الحاجة الوحيدة اللي عرفتها هنا.. ده غير ذكريات كتير شيلها وأنا قاعد تحتها.."
".. أنت وحبيبتك طبعاً!" قالها أمجد غامزًا بعينيه ليهدر به أدهم: "إيه قلة الأدب دي يا ولد؟ أنت إزاي تتجرأ وتقول كدة؟"
رد أمجد مستمرًا في استفزازه: "يا جدي مفيش داعي للإنكار، الشجرة دي معروفة من زمان إنها شجرة العشاق، وحتى في وقتنا ده، أي اتنين بيحبوا بعض بيقعدوا تحتها، وينحتوا أول حروف من أساميهم بالإنجليزي ومعاها قلب، عشان تبقى ذكرى لقصة حبهم."
صاح أدهم بازدراء: "يا فتاح يا عليم! هو التشويه بقى ذكرى؟ وتخليد لمين أصلاً؟ أنا بجد حزين على اللي بشوفه بعيني كل يوم و..."
قطع أدهم فجأة وقد تذكر شيئًا عن العشق والعشاق قديمًا مع تذكره لوجه غاب عن رأسه سنوات طويلة، ليتذكره اليوم تحديدًا مع رؤية وجه من النساء تحدث معها اليوم ولم يلاحظ هذا الشبه وهذه الملامح المتقاربة بشكل كبير مع من كانت عشق عمره في أحد الأيام!
"إيه يا جدي؟ مش يلا بينا بقى عشان نمشي من هنا؟" أومأ له أدهم ثم تحرك ولحقه حتى وجده يدير دراجة بخارية، هتف به أدهم متخوفًا مما قد يحدث لو اعتلى هذا الشيء الغريب:
"إيه ده يا ولد؟ أنا مش هركب البتاع الأهبل ده!" ضحك أمجد يرد وهو يدير المحرك بقدمه: "ما تقولش كده يا أدهم يا فيومي.. أنت خايف تموت؟ خايف تموت وأنت أصلاً مش موجود!"
قالها امجد بسخرية لم تعجب جده، لينبهه بحزم: "فتح مخك يا غبي لا احسن حد يسمعنا! وبعدين أنا مش خايف على نفسي، أنا خايف على جسم المدعو سعيد ده، وعشانك أنت كمان.. لإن الجثة دي لو جرا لها حاجة، روحي هتروح فين؟"
وازاي هتبعث من تاني عشان تدلك ولا تدل على الأصلح زي ما اتفقنا للحصول على الجوهرة.
توقف أمجد عما يفعله ليتجه سائلاً أدهم بجدية: "وهي فين؟"
"هي إيه؟"
"الجوهرة؟"
تبسم ادهم بجانبية ماكرة يجيب عن الأخيرة: "وهو أنت فاكرني خلاص اخترتك وطلعت أنت "الأصلح"؟" تبسم أمجد هو الآخر يعقب بفراسه: "أنا مش قصدي الجوهرة نفسها، أنا قصدي المكان.. عاوز بس أطمن إنها لسه موجودة وما باظتش من عوامل الزمن، ومن اللي حصل طول السنين اللي فاتت دي."
هذه المرة كانت الضحكة من نصيب أدهم، ليضيف بمرح: "أو يمكن مفيش جوهرة أصلاً وكل مجهودك ده يضيع يا مسكين؟"
شحب وجه امجد لمجرد التخيل، فتبسم الاخر يربت على ظهره قائلاً: "اطمن يا أمجد، أنا شوفت الجوهرة الغالية دي بنفسي وعرفت إنها لسه زي ما هي بحلاوتها.. فما تسألنيش تاني هي فين، عشان حركات اللؤم بتاعتك دي مش هتمشي عليا!"