كانت الأوضة ضيقة إلى حد الاختناق.
رائحة العرق والتراب والسجائر القديمة متشبثة بالجدران، وشباك صغير بسلك مصدّي يسمح بخيط شاحب من نور الفجر.
دكة خشب في المنتصف، ولمبة صفراء ترتجف كأنها على وشك الانطفاء.
جلست عليها ريشة.
تلفّ نفسها بعباية سوداء واسعة انتزعتها من بيتها قبل أن يهبطوا بها إلى القسم.
شعرها مرفوع كيفما اتفق، كعقدة رخوة، ووجهها مغسول من الكحل والحمرة، لكن حتى في هذا الانطفاء القسري... كانت تحتفظ بذلك البريق المستفز.
يداها ممدودتان أمامها.
والكلبش الحديد يطوق معصميها.
كلما حركته صدر عنه رنين بارد.
وكانت تعرف رائحته.
رائحة بارود... وصابون رجالي غالٍ.
كلبشه هو.
انفتح الباب الحديدي بحدة.
ودخل الرائد زين المنصوري.
خلع الجاكيت العسكري، واكتفى بالقميص، وأكمامه مشمرة حتى كوعيه.
عروق ساعديه بارزة، وملامحه متيبسة من السهر والغيظ.
في يده ملف، وفي جيبه مفتاح الكلبش.
أغلق الباب خلفه.
وبقيا وحدهما...
مرة أخرى.
رفعت ريشة وجهها إليه.
لا دموع.
لا رجفة.
فقط ذلك التحدي العنيد الذي يخرج من عينيها كالسهم.
"بردو عملت اللي في دماغك... وجيبتني هنا."
ألقى زين الملف فوق المكتب الخشبي.
"إنتِ هنا لهدف تخلصيه وتمشي."
ثم اقترب حتى وقف أمامها مباشرة.
"إيه أقوالك في الورق اللي لقيناه عندك؟ ورق تهريب آثار باسم رزق الحاوي."
رفعت يديها المكلبشتين قليلًا أمام وجهه، فاهتز الحديد ورنّ.
"ما تشيل الكلبش دا من إيدي بس الأول. جلدي احمرّ منه. مش هعرف أتكلم ولا آخد راحتي كدا."
ثم مالت برأسها وأضافت بنفس نبرتها المستفزة:
"الأصول بتقول لما يكون في ست بتطلب منك طلب تقول حاضر."
جزّ زين على أسنانه.
"الأصول مع اللي يحترم القانون، مش مع بنت الحاوي اللي لسانها متبري منها وعايز يتحرق ويتهد، سبحان اللي مصبرني عليكي."
ساد الصمت لثانية.
ثم التفتت ريشة ناحية الشباك.
كان الضوء ينساب ببطء، معلنًا انسحاب الليل.
همست:
"الفجر مشي..."
ثم نظرت إليه.
"والشروق ع وشك."
كانت عيناها صافية على غير عادتها، بلا لعب ولا سخرية.
وقالت بهدوء أربكه:
"عايزة أتوضى وأصلي يا زين."
اسمُه مرة أخرى.
مجردًا من الرتبة.
فتجمد مكانه.
"أصلي؟"
قالها وكأنه لم يسمع جيدًا.
هزّت يديها المكلبشتين.
"أيوة، وفيها إيه؟ منا مسلمة. شايفني ملحدة يعني؟ أنا عارفة إن فيه ربنا فوق وبحبه ع فكرة وبصليله عادي... يلا فكني، ولا هتتحمل ذنبي قدام ربنا؟"
رمقها زين بنظرة طويلة ثم قال ساخرًا:
"يابت اطلعي من دول... الدمعة هتفر يا ست رابعة العدوية."
ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة.
ثم رفعت يديها نحوه:
"فك يا صقر... ريشة لازم تتوضى."
تنهد زين بحدة، وأخرج المفتاح الصغير من جيبه.
انحنى وفك القيد.
تحرر الحديد من معصميها، وظهرت تحتهما علامتان حمراوان واضحتان.
تمتم بضيق:
"يارب نخلص."
فركت ريشة معصميها قليلًا، ثم قالت:
"فين الحمام معلش؟"
أشار إلى باب صغير في آخر الأوضة.
"هناك... بس الباب ما بيتقفلش."
مشت.
وعندما مرت من جواره، لامست أطراف عباءتها بنطاله لمسة عابرة... لكنها كانت كفيلة بإرباك تركيزه.
دخلت الحمام وتركت الباب مواربًا كما أخبرها.
وانساب صوت الماء البارد.
في الخارج، وقف زين مسندًا ظهره إلى الحائط، يشعل سيجارة دون أن يسحب منها نفسًا واحدًا.
كان يسمع خرير الماء...
ويتخيلها تغسل وجهها، ويديها، وتمسح على شعرها.
ويتذكر ملمس معصمها في كفه منذ لحظات.
ضاق صدره.
ألقى السيجارة أرضًا وداسها.
همس بين أسنانه:
"الله يخربيتك يا ريشة."
بعد دقائق، انفتح الباب.
خرجت بهدوء.
أخرجت سجادة صلاة صغيرة مطوية من فوق الرف، وفردتها على الأرض في اتجاه القبلة.
ثم وقفت.
وكبّرت.
تسمر زين في مكانه.
بنت الحاوي.
الرقاصة.
المتهمة.
تقف الآن بين يدي الله.
العباءة السوداء أخفت كل تفاصيلها، فلم يظهر منها إلا وجه هادئ وكفان مرفوعان بالدعاء.
ركعت.
سجدت.
وانحنت جبهتها إلى الأرض في خشوع صادق.
اختل شيء ما في داخله.
كل الصور التي رسمها عنها منذ رآها فوق نار المولد بدأت تتشقق.
لم يعد يفهمها.
كيف لامرأة ترقص أمام الرجال أن تقف بهذه الطمأنينة أمام ربها؟
كيف يجتمع التمرد كله... مع هذا السكون؟
ظل يحدق فيها، كأنها لغز يتعمد تعذيبه.
أنهت صلاتها.
التفتت بوجهها يمينًا ويسارًا، ثم مررت كفيها على وجهها.
وقالت بهدوء:
"خلصت. الحمد لله."
ثم رفعت عينيها إليه ومدت يديها.
"يلا نكمل التحقيق... ولو عايز تكلبش، اتفضل. إيدي أهي."
مدت معصميها باستسلام غريب.
نظر زين إلى اليدين الممدودتين.
ناعمتان.
خاليتان من الحديد.
وعليهما أثر العلامة الحمراء التي تركها القيد.
ثم رفع بصره إلى وجهها.
كان ساكنًا... نقيًا على نحو أزعجه.
اقترب ببطء.
أخذ الكلبش من فوق المكتب.
ومسك إحدى يديها.
لكن بدلًا من أن يغلق الحديد فورًا، توقفت أصابعه لحظة على موضع الاحمرار، يمرر إبهامه عليه في حركة سريعة خافتة.
كأنه يعتذر دون أن يسمح لنفسه بالاعتراف.
ثم أغلق القيد من جديد...
هذه المرة برفق.
قال بصوت أجش:
"التحقيق يتأجل."
اتسعت عيناها.
"يتأجل؟"
ابتعد عنها خطوة وقال:
"إفراج مؤقت... لحد ما أمسك أعصابي."
ثم فتح الباب وصاح في العسكري بالخارج:
"شيل اسمها من المحضر... وخرّجها."
نظر العسكري إليه بدهشة، لكنه أطاع.
أمسك زين ذراعها وقادها إلى خارج الغرفة.
لم تكن قبضته قاسية هذه المرة.
وعند باب القسم تركها.
خرجت إلى الشارع وهي ما زالت تنظر إليه بحيرة.
أما هو فظل واقفًا مكانه، يراقب ظهرها حتى اختفى.
ثم أخرج المفتاح الصغير من جيبه.
المفتاح الذي حرر به معصميها.
ولا تزال رائحة بخورها عالقة فيه.
قال للعسكري الواقف بجواره دون أن يرفع عينيه:
"اكتب في المحضر... إنها هربت."
ثم أغلق كفه على المفتاح وأردف بصوت منخفض:
"أنا اللي هجيبها... لوحدي."
