رواية حبر باهت الفصل الاخير بقلم رشا روميه

رواية حبر باهت الفصل الاخير بقلم رشا روميه
تقدمت "زينب" نحو الداخل ليقابلها "شهاب" برفقة تلك المرأة، تطلعت بهما "زينب" بإزدراء ومازال وجهها محتقن بحمرة شديدة أدركها "شهاب" على الفور، إنها حُمرة بكاء.
رغم تفاجئه بوجود "زينب" إلا أنه أقبل تجاهها بقلب قلق وتلهف يملؤه العشق والحنو:
-"زينب"!!! مالك حبيبتي، بتعيطي ليه كده؟

تعاسة زادها إندهاشًا وإستنكار، كيف يفعل ذلك، أيظهر محبته بعد فعلته؟ أيتلهف عليها أمام عشيقته؟!!!، عادت "زينب" برأسها بإمتعاض ونفور:
-إنت إيه يا أخي؟!! بارد، مفيش دم خالص، يعني بتعمل عملتك ولا كأنك عملت حاجه؟!!!

قطب جبهته بدون فهم قائلًا:
-مش فاهم، قصدك إيه؟ أنا عملت إيه؟

عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تقوس شفتيها بإستغراب:
-عملت إيه؟!!! هو إنت مش حاسس بنفسك!! يا بجاحتك يا أخي، ده إنت حتى هنا في بيتها، بقى ده جزاتي، بعد كل العِشرة إللي بيننا وإللي إتحملته معاك وعشانك تعمل معايا كده، بتخوني يا "شهاب"؟؟!!!

تجهم وجه "شهاب" بقوة ليدرك أمرًا لكن بشكل متاخر للغاية:
-إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ عرفتِ إن أنا هنا إزاي؟؟

بضحكة قصيرة متهكمة أجابته "زينب":
-هو ده إللي يهمك، عرفت إنك هنا إزاي!!! لكن تخونني دي حاجه عادي؟!!!

ضحك "شهاب" ساخرًا وهو ينظر تجاه المرأة من خلفه والتي وقفت تشاهد هذا المشهد العبثي كاملًا دون التفوه بكلمة ثم عاد لينظر تجاهها:
-أخونك إيه يا مجنونه إنتِ، دي "شاهندة" أختي، ليكِ حق متعرفيهاش، ما هي سابت البيت وزعلت معانا قبل ما نتجوز بفترة ومشوفتيهاش قبل كده.

إنقشع الضباب وإتضحت الرؤية فجأة، بكلمات بسيطة عادت الروح لقلبها المنهك، إستطاع مزاحمة الشمس ليشرق بفؤادها بوجوده الآمن، وجودها بقربه يكفيها لتُزهر، زفرت الهواء بشكل متقطع وهي ترسم إبتسامة متأخرة لتعيد النظر تجاه الواقفة بنظرة مختلفة تمامًا، هي تعلم جيدًا أن تلك الأخت الوحيدة له التي دائمًا ما تتحدث عنها "سليمة" كونها تركتهم منذ سنوات طويلة لتتزوج أحد الأثرياء، لكنها كانت تراهم بشكل دوني لفقرهم ولم تشأ أن زوجها يعرفهم ويقلل من شأنها، كانت تحتقرهم وتشعر بالعار منهم.

ورغم ذلك فهي الآن سعيدة لمعرفة أنها أخته وليست عشيقته، حتى وإن كانت تراهم بشكل دوني، إلا أنها يكفيها صِدقه وأنه لم يستبدلها بغيرها، وبعد فترة من التحديق بـ"شاهندة" رحبت بها "زينب" بحفاوة غير طبيعية:
-والله العظيم بجد!!! إنتِ بقى شاهندة، كان نفسي أشوفك وأعرفك من زمان.

بإبتسامة متكلفة أومأت "شاهندة" تجاه "زينب"، لتردف بإقتضب:
-أهلًا.

نظرت "زينب" بمحبة بالغة لهذا الطفل الصغير الذي كان يقف إلى جوارهم يلعب بسلسال المفاتيح، إنحنت بلطف تقبل الطفل قائلة:
-زي القمر ربنا يبارك، إسمك إيه يا حبيبي؟

رفع الصغير عينيه الواسعتين تجاه "زينب" مجيبًا:
-"سليم".

إقتربت "شاهندة" لتسحب"سليم" بقوة إلى جوارها كما لو كانت تخشى عليه من "زينب":
-تعالى هنا.

قوست "زينب" شفتيها بإستغراب من رد فعلها العنيف بدون داعي، لكنها لم تكترث لذلك فقد إنتبهت لأمر آخر لتُحدث به "شهاب":
-ولما هي أختك، ليه كلمتها في السر ومقولتش إنك بتيجي لها هنا، ولا إنت بتضحك عليا؟!!!

تلاعبت بها الظنون لترتاب بالأمر فربما يدعي ذلك ليتهرب من مواجهتها، خاصة لكونه سلبي تمامًا ويخشى المواجهات والصدام مع الجميع، مسالم بشكل يوحي بالضعف، لم يقف يومًا كمصدر قوة، ورغم كل تلك السلبيات إلا أن به ميزة كبيرة فهو لين القلب ولهذا تحبه.   

أجابها "شهاب" بإيضاح:
-لا يا "زينب" إوعي تشُكِ يوم في صدق كلامي، أنا عمري ما كنت كذاب أبدًا، أقولك الحكايه، أصل "شاهندة" رنت عليا من رقم أنا معرفوش وقالت لي إنها عايزه تشوفني بس من غير ما أمي تعرف، إنتِ فاهمه عشان جوزها وكده، هي مش قايله له علينا، بس كانت محتاجه مني أساعدها في إني أخلص لها ورق ضروري في الشهر العقاري، ما إنتِ عارفه "صلاح" صاحبي شغال هناك، فهي كانت عايزاني أوصلها بيه، بس كده هي دي كل الحكايه.

تسامح بحق خجلها منه وعدم إعترافها بوجوده أمام زوجها بمجرد مكالمة هاتفية، ياله من متسامح طيب القلب، حين إحتاجت مساعدته ظهرت لكنها رفضت أن تُعلم والدتها بذلك، كم هي إنسانة أنانية غريبة، ولمن ستشبه سوى لوالدتها، فهي أيضًا تتحلى بتلك الطباع الأنانية المتذمرة.

بقلم رشا روميه 
نظرت لها "زينب" بإمتعاض وقبل أن تعترض على مساعدة "شهاب" لها وتوضح له إستغلالها له، قاطعهم صوت مألوف، صوت يدركونه جميعًا:
-بقى الحكايه كده!!! بتلفي على أخوكِ من ورايا يا "شاهندة"!

هتفت "شاهندة" بدهشة لوجودها هنا:
-ماما!!!!!

لوت "سليمة" فمها بسخرية من طريقة حديث إبنتها:
-ماما!!!! لأ، أمك يا أختي!!!

لملمت "شاهندة" شفتيها بضجر من طريقة أمها الدونية بالحديث:
-فيه إيه يامه؟ لازمتها إيه يعني!! هو حرام الواحد يتكلم زي ولاد الناس!!!

تقدمت "سليمة" لتجلس أولًا قائلة:
عمومًا أنا ليا حساب معاكِ بس مش دلوقتِ، لما نبقى براحتنا.

قالتها وهي تنظر تجاه "زينب" بإحتقار، مما دفع "زينب" للإستئذان:
-براحتكم، أنا راجعه بيتي، جاي معايا ولا قاعد يا "شهاب"؟

تقدم "شهاب" نحو "زينب" قائلًا بلطف:
-جاي معاكِ يا "زينب".

غادرا بيت "شاهندة" متجهين نحو سيارة "شهاب" المصفوفة أمام البيت، وقف كلاهما أمام السيارة ليضرب "شهاب" جبهته متذكرًا:
-يا خبر، ده أنا نسيت المفتاح بتاع العربيه مع "سليم" كان بيلعب بيه.

أشارت "زينب" نحو الداخل قائلة:
-طيب إدخل هاته.

_ثواني، مش هتأخر.

لكن قبل أن يخطو خطوة واحدة دق هاتفه برقم أحد العملاء الذين يتعامل معهم "شهاب"، زفر بقوة ليردف بإمتعاض قبل أن يجيب تلك المكالمة:
-معلش يا "زينب"، ممكن تدخلي تجيبي المفتاح، ده الحاج "رأفت" أكيد عايز يعمل طلبيه وهو بيتكلم كتير أوي، مش هنفضل واقفين كده!!

أومأت "زينب" بالإيجاب:
-ماشي.

عادت "زينب" لبيت "شاهندة" بينما أجاب "شهاب" المتصل منشغلًا بما سيطلبه من بضائع اليوم، دقت "زينب" جرس الباب بخفة شديدة حتى أنها ظنت أنه لم يدق بعد، رفعت سبابتها مرة أخرى لدق الجرس حينما فُتح الباب.

وقفت لوهلة لا تستطيع محو تلك الإبتسامة عن شفتيها وهي تناظر هذا الصغير الذي سلب قلبها منذ أن وقعت عينيها عليه، جثت أرضًا بهدوء حتى تصل لمثل طوله تتأمل ملامحه الطفولية وهي تحيط وجهه بكفيها بمحبة:
_"سليم"، ممكن مفتاح العربيه بتاع خالو "شهاب".

رفع الصغير كتفيه بطفولية وهو يقلب شفتيه للأسفل بمعنى لا أدري قائلًا:
-مش عارف.

حاولت "زينب" مساعدته بلطف:
-هو وقع منك؟

حرك الصغير رأسه بالإيجاب، لتقف "زينب" قائلة بإبتسامتها المحببة:
-طيب وريني كده وقع فين، أنا هدور عليه.

سحبها الصغير من أصابعها نحو الداخل حيث كان يلعب بالمفاتيح للبحث عنها، خطواتها الخفيفة جعلت قدومها غير منتبه له، وهيئت لها الصدفة ما لم يمكنها معرفته مهما حاولت البحث.

ربما تقودك صدفة لم تكن تبالي بها لواقع لم تكن تحسب حسابه، فبعض الصدف بحجم عمر وثقله، فأحيانًا تخبئ الصدف خلفها حياة.

جلست "سليمة" فوق المقعد تلوم إبنتها التي كانت نسخة مصغرة من أمها، لا يفرقهما عن بعض سوى السن والملامح:
-بقى كده يا "شاهندة"، إنتِ عايزه تاكليها لوحدك بعد كل إللي عملتهولك ده؟!! مش أنا إللي قولت لك متقوليش لجوزك إننا فقرا عشان يقع ومحدش يسمي عليه، مش أنا إللي بقولك تعملي معاه إيه عشان يكتب لك كل يوم والتاني حاجه من أملاكه، ولا وقت المصلحة أنا بقيت الوحشة إللي تتحط على جنب؟!!!

زمت "شاهندة" شفتيها بقوة وهي تجيبها بحنق شديد: 
-يا ســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلام!!! ما إنتِ واخده تمن كل ده أول بأول، كل حاجه بيكتبهالي بديكِ نصيبك، وإنتِ تكنزيهم على قلبك من غير ما "شهاب" يعرف!!

رفعت "سليمة" حاجبها بإستنكار لتستكمل بنبرة طامعة:
-حقي يا بت بطني، ولا عايزة تاكلي حقي كمان!! وحتة الأرض إللي عايزه تبيعيها من ورايا دي وكلمتي أخوكِ عشان تبيعيها بالتوكيل إللي عملهولك جوزك، مش أنا إللي قولت لك على فكرة التوكيل دي؟!!! وعايزه تاكلي حقي فيها!!!

هتفت بها "شاهندة" بقوة وهي مطمئنة أن لا أحد يستمع لما تقوله:
-كفايه بقى يا شيخه، طالعه واكله، نازله واكله، كفايه بقى.

وقفت "سليمة" بغضب وقد إحتدت نظراتها لتشهق بإستنكار شديد:
-حــــــقي يا أخـتـــــــــي، لا هو إسم الله عليه جوزك بيكتب لك كل ده ليه؟ مش عشان الواد!!! الواد إللي معرفتيش تجيبيه يا أرض بور، ولولا إني أخدت الواد إبن "زينب" وقولت لهم إنه مات في الحضانه، وعملتيه إبنك، كان هيديكِ كل الفلوس دي، يبقى حقي كل العز إللي إنتِ عايشه فيه ده!!!!!

-جبتي الواد وأخدتي حقه يامه، حرام عليكِ بقى !!!!

لحظات من الصدمة وعدم الإستيعاب من "زينب" التي تيببست بموضعها لا تصدق ما ساقته لها الصدفة اليوم، على الفور دارت رأسها تجاه "سليم" الواقف إلى جوارها، إتسعت عيناها بذهول، أهذا ولدها؟!!! أهو من حرقوا قلبها وأخبروها بموته؟!!! يتاجرون بفلذة كبدها لأجل حفنة من المال، وفضحهم أيضًا حفنة من المال.

صوت "شهاب" القوي هو من أخرس الجميع حين أقبل قائلًا:
-إيه يا "زينب" كل ده بتجيبي المفتاح؟!

رؤيتها بهذا الشحوب وهي متوقفة بهذا الشكل أثار ريبته، بل سبب له قلق وتخوف فيبدو أنها مفزوعة للغاية كما لو كانت قد رأت شبحًا، لم تكن الوحيدة التي هرب الدماء من عروقها، فهاتان المتحاسبتان وقعوا بشرور أعمالهم.

نظرت كلتاهما للأخرى بفزع، عيونهما نطقت ما لم تنطقه ألسنتهما، هل كانت "زينب" تستمع إليهم؟!! هل علمت بحقيقة سرهما المدفون؟!!!

إقترب "شهاب" من "زينب" بقلق:
-فيه إيه يا "زينب"، إنتِ تعبانه ولا إيه؟

نظرت له بأعين زائغة فمازالت لا تستوعب بعد ما سمعته، لم تجبه على الإطلاق بل سقطت عيونها تجاه صغيرها الذي حُرمت منه لسنوات عمره كاملة، هل يكافئها القدر على صبرها بعودته إليها.

جثت أرضًا إلى جوار "سليم" دون النطق بكلمة، أخذت تنظر له بتعمق لفترة طويلة ثم سحبته لأحضانها تغمسه بداخل صدرها بقوة وقد علت شهقات بكائها المرير، فكم إشتاقت له، ليالي طويلة قضتها بدموع لم تجف على فقدانه، كانت تحتسبه بقلب يعتصر دمًا، وهم ينعمون به، يحرمونها منه، ويحرمونه منها بقلب بارد.

قطب "شهاب" جبهته بقوة بدون فهم ليسألها بإستغراب:
-فيه إيه يا "زينب"، ماتتكلمي؟!!!

لم تترك "سليم" من بين ذراعيها لكنها أجابته بنبرة مهتزة من بين شهقاتها:
-"سليم" يبقى إبننا يا "شهاب"، إبننا إللي أمك قالت لنا إنه مات في الحضانه وإحنا مش معاه، أمك خدته وإدته لأختك عشان مبتخلفش، حرموني منه عشان الفلوس، شوفت عملوا فيا وفيك وفي إبننا إيه؟!!!!

رفع "شهاب" بصره بحدة يناظر والدته وأخته اللاتي يظهر عليهما الإضطراب كمن فعلوا جرم شديد، إنه يدرك تمامًا تلك الوجوه الكاذبة، وبيقين تام مما تفوهت به "زينب":
-الكلام ده حصل؟!!!! (سؤال شعر بصدق إجابته من "زينب" من قبل، لكنهما إلتزمتا الصمت، ليعيد سؤاله بصوت جهوري لم يصدر منه من قبل مطلقًا، ليصرخ بهما بغضب شديد)، الكــــــــلام ده حصل؟!!!!!

قلوبهم المتخبطة جعلتهم يبلعون ألسنتهم تمامًا، فماذا سيقولون، تحطمت أعصابهم من شدة الخوف، وهربت الدماء من عروقهم، لقد حان وقت المحاكمة، خوفهم من "شهاب" كان عظيم للغاية، فتلك أول مرة يتخلى عن حلمه وطيبة قلبه، تبدل بتلك اللحظة بوحش كاسر، حتى نظراته كانت كالسهام القاتلة، إبتلعت "شاهندة" ريقها محاولة البحث عن كذبة تدفع بها تلك التهمة عن نفسها لكن الكلمات أبت عن الخروج من بين شفتيها.

لكن يبدو أن للصدف اليوم لها الكلمة الأخيرة، خطوات أنصت لها الجميع لشخص ما دلف للتو لداخل البيت، وقف رجل خمسيني يبدو عليه الرقي والرخاء، لكن ملامحه المتجهمة لرؤية أشخاص غريبة ببيته دون علمه جعلته يشعر بالضيق، هتف بهم جميعًا ليصمت أفواههم عن الحديث:
-إيه إللي بيحصل هنا ده؟!!

تلعثمت "شاهندة" بشدة لتجيبه بإرتباك:
-"مصطفى"؟!!!! 

_مين دول يا "شاهندة"؟!!

أسرع "شهاب" بتوضيح من هم أمام هذا الرجل، فلن يكذب أو يتحمل كذبة أخرى لأخته:
-إحنا أهلها يا بيه، أنا أخوها ودي أمي، ودي مراتي.

تطلع بهم "مصطفى" بتعجب فتلك أول مرة يعلم بأن لها أسرة موجودة على قيد الحياة، فقد أخبرته أن كل عائلتها قد توفاهم الله وأنها تعيش وحيدة، ليسألها بإستغراب:
-أهلك؟!! 

شعرت "شاهندة" بأنهم سوف يكشفون كل الآعيبها لتجيبه بإنكار كل ما يقوله "شهاب""
-لأ طبعًا، مش أهلي.

صك "شهاب" فوق أسنانه بحنق ليردف بغضب:
-بقى كده يا كدابه، طب والله لا أقوله على كل حاجه.

حاولت "شاهندة" التشويش حتى لا يتفوه أحدهم بكلمة، لكن "شهاب" كان أسرع منها ليهتف بكلماته دفعة واحدة:
-إحنا أهلها وهي كدابه، و"سليم" إبني إللي سرقته مني هي وأمي، أمي إللي المفروض تحس بيا وبوجعي، شايفاني أنا ومراتي بنموت كل يوم من الحزن على إبننا إللي فكرنا إنه مات، بس هي إدته لـ"شاهندة" عشان تضحك عليك بيه.

تشبثت "زينب" بـ"سليم" وهي تعيد ما سمعته من حديث بين "سليمة" و"شاهندة" على مسامع هذا الرجل، ليس لإيضاح سبب وجودهم بل لتخبره بأن هذا الطفل ولدها الذي لن تتركه ولن تتخلى عنه.

سحب "مصطفى" ولده "سليم" من بين ذراعي "زينب" بالقوة وهو يرفض ذلك تمامًا مؤكدًا بأنه ولده، برغم سفره أثناء حمل "شاهندة" وولادتها إلا أنه أبى أن يخسر ولده الوحيد الذي كرمه الله به بهذا العمر:
-إنتوا كدابين، "سليم" ده إبني، فاهمين، إبني.

صمت "شهاب" لوهلة وهو يرى الأمل ينطفئ بأعين "زينب" ليردف بعقلانية:
-طيب نعمل تحليل الحمض النووي، ونشوف إبن من فينا، أظن ده ميزعلش حد.

تقبل "مصطفى" ذلك على مضض ليضطر بإجراء هذا التحليل الذي سيوضح الكثير والكثير من الحقائق الغائبة.

باليوم التالي وبعد إجراء هذا التحليل ذهب "شهاب" و"زينب" للمعمل ليتقابلا مع "مصطفى" و"سليم" بداخله، بينما إختفت والدته و"شاهندة" تمامًا عن الصورة، وبعد وقت قليل حانت ظهور النتيجة التي ستتوقف عليهم حياتهم القادمة بين أمل وألم.

لا قلق يساوي لهفة أم لعودة إبنها إلى أحضانها، وقفت "زينب" بتوتر في إنتظار نتيجة هذا التحليل الذي سيدب الحياة بداخل قلبها مرة أخرى، الجميع يجلس بالإنتظار إلا هي تقف بعتبة الباب تتنظر قدوم أخصائي التحاليل ليخبرهم بالنتيجة.

خطواته وهو يقترب تجاههم حاملًا مغلف الأوراق بين يديه وقد سلطت"زينب" عيونها بتوتر على المغلف جعلتهم جميعًا يتأهبون لسماع النتيجة، بدأ الأخصائي بتوضيح النتائج دون أن يعلم أن حياة هؤلاء الأربعة بداخل الغرفة متوقفة على كونها إيجابية أو سلبية، بدأ الرجل بالحديث:
-التحليل بيقول إن "سليم" هو إبن مؤكد لـ"شهاب"، آسف يا "مصطفى" بيه، "سليم" مش إبن حضرتك، تحاليل الحمض النووي مختلفه تمامًا.

ركضت "زينب" بدون إنتظار لتتمسك بولدها الغائب وتحتضنه بقوة وتنهال عليه بالقبلات، فكم من أقدار نظنها شرًا تظهر لنا كل الخير، ألم تكن تظن أن زوجها يخونها، ألم تراقبة لتتأكد من مقابلته لعشيقته، ألم يسوقها القدر للإستماع لإعتراف "سليمة" وإبنتها بفعلتهم التي لم تكن تتخيلها ولا يمكن إكتشافها مهما حاولت.

نظر "مصطفى" بتحسر لفقدانه ولده المزعوم، تطلع نحو "شهاب" الذي جثى بإحدى ركبتيه يضم عائلته الصغيرة يحيطها بمحبة ومن داخله قد قطع عهدًا ألا يترك حقهم مهما كلفه الأمر، فاللين والطيبة لا يمنعان كونهما يتغلفان بالقوة لحمايتهما، القوة ليست قسوة، القوة إحقاق للحق.

بعد دقائق من تلك المشاعر المؤثرة، وقف "شهاب" يدعو "زينب" للمغادرة والعودة لمنزلهم:
-يلا بينا يا "زينب".

وقفت "زينب" وهي تتشبث بكف هذا الصغير كما تتعلق بالحياة ذاتها، لكن قبل رحيلهم إستوقفهم هذا المتحسر قائلًا:
-"شهاب"، عايز أقولك إن "سليم" ده مهما كان بعتبره إبني، ونفسي يعيش في نفس المستوى إللي كان عايش فيه وميتحرمش من حاجه، ممكن تقبل مني مبلغ تحطه بإسم "سليم" في البنك عشان تصرف منه على تعليمه وأي حاجه يحتاجها.

أجابه "شهاب" بعزة نفس رغم قصر يده:
-لا يا "مصطفى" بيه، "سليم" إبني وأنا إللي لازم أتكفل بيه، أنا مش عاوز حسنه من حد.

تفكر "مصطفى" قليلًا، فكم له من عزة نفس وكرامة، وقناعة أيضًا مختلفة تمامًا عن "شاهندة" وطمعها، ليعقب بتفهم:
-طيب براحتك، بس ممكن تقبل وظيفة عندي في الشركة، أظن دي متزعلش بقى، منها تقبض كويس وأنا كمان أقدر أشوف "سليم" من وقت للتاني، ها ، قولت إيه؟

نظر "شهاب" بسعادة نحو شريكة دربه فقد منَّ عليهم الله بعطاياه دفعة واحدة، عاد ولدهم لأحضانهم، ومعه وظيفة ثابتة ومرتب لم يحلمان به لبداية حياة مستقرة جديدة، أومأت له "زينب" بسعادة ترجوه بالموافقة، ليجيب "شهاب" بإمتنان:
-موافق يا "مصطفى" بيه، وأشكرك على فرصتك دي، إنت إنسان محترم وربنا بيحبك إنه ظهر الحقيقة قدام عنيك.

-الحمد لله، بس أنا مش هسيب حقي، أمك وأختك دول أنا هرفع عليهم قضية على خداعهم ليا، ولازم ياخدوا عقابهم.

إنتبهت "زينب" لأمر هام حين أتى "مصطفى" بذكر القضايا، لتهتف بقلق:
-"سليم" كده مش متسجل بإسمنا، ده كده متسجل بإسمك إنت و"شاهندة"؟!!!!

أجابها "مصطفى":
-القضيه إللي هرفعها هتثبت إن "سليم" مش إبني، وساعتها هيتم تسجيله بإسمكم من أول وجديد، أنا مضطر أمشي دلوقتِ وإنت يا "شهاب" أنا مستنيك بكره في الشركه عشان تبدأ شغلك معايا، إنت راجل أمين وأنا محتاج الأمانه في حياتي.

غادر "مصطفى" المعمل ليبقى ثلاثتهم فقط، حاوط "شهاب" كتف"زينب" بذراعه وهو يتطلع بوجهها براحة بينما أسقطت "زينب" عينيها تجاه "سليم" المتعلق بكفها، فقد عادت السعادة لقلوبهم، سنوات من الضياع حاول بها هؤلاء الظالمون إنتزاع فرحتهم بطمس الحقيقة بحبر غطيس، لكن آن أوان الحق بظهوره ومحو ظلمهم وعودة ولدهم لهم، حتى وإن عُرف بهوية مختلفة فإن الحقيقة كان لابد لها من الظهور، فقد سطروا له إسم زائف كُتب بحبر باهت بالأوراق، لكنه سيعود ليبقى بينهم بحقيقته التي لن تنمحي أبدًا، حبر لن تمحوه الأيام، من اليوم وإلى الأبد سيكون "سليم شهاب الدين".
                    تمت بحمد الله
تعليقات



<>