
رواية فلتر زائف الفصل العشرون20 بقلم نرمين قدري
قبل الحفل بساعات...
كانت فيلا زين تعيش حالة من الحركة المستمرة.
عمال يدخلون ويخرجون.الكل يعمل على قدما وساق
موظفو التنظيم يراجعون التفاصيل الأخيرة.
وأصوات الموسيقى التجريبية تتردد بين الحين والآخر.
أما زين...
فكان يقف في الحديقة الخلفية يتابع كل شيء بصمت.
يداه في جيبي بنطاله.
وعيناه تتحركان بين الاستعدادات.وكأنه يبحث عن خطأ ما.أو ربما...عن شيء آخر لا يريد الاعتراف به.
في تلك اللحظة...ظهر هاني.و اقترب منه.
ثم قال:
+ شكلها الحفلة السنادي هتبقى جامده جدااا
- إن شاء الله.
+ الناس كلها جاية صح .يعني عزمت الكل
- أيوه.
رفع هاني حاجبه وقال :
+ في ايه ياعم ردودك قصيرة.باردة.
زفر هاتي بضيق.ثم قال فجأة:
+ ووسام؟ جاية
تصلبت ملامح زين للحظة.لكنه أجاب بهدوء مصطنع:
- المفروض جاية.
هز هاني رأسه.ثم تمتم:
+طيب كويس.
التفت إليه زين ثم قال
- في حاجة؟ مش فاهم
نظر هاني إليه للحظات.ثم قال:
+ لاء خالص متاخدش في بالك مجرد فضول
لكن الحقيقة...أن عنده ألف حاجة.
و في داخل الفيلا...
كانت زينب تشرف على بعض التفاصيل مع المنظمين.
وفجأة سمعت صوتًا تعرفه جيدًا.صوتًا أصبح كفيلًا بإفساد مزاجها.
قالت رنا بسماجة:
= هاي انا جيت .
ثم دخلت إلى القاعة الرئيسية. بدون دعوة أو استأذن ترتدي فستانًا باهظ الثمن. تنظر في كل إتجاه وتتحدث وكأنها صاحبة المكان.
- لا لا...ايه ده النظام مش حلو خالص ثم التفتت للعاملين وقالت
- الورد ده يتشال. من هنا مكانه مش حلو
والإضاءة هنا تتغير. والطاولات تتحرك شوية.
نظر المنظم إليها بحيرة.
فقالت بثقة:
- ما تبصليش كده اتحرك ... أنا خطيبة صاحب البيت.واعتبرني صاحبت المكان كل اللي اقول عليه يتنفذ بسرعة من غير اعتراض فاهم
كانت زينب تراقب المشهد من بعيد.ثم اقتربت.
ابتسمت ابتسامة باردة لا تحمل أي ود.
أشارت للمصمم بالانصراف وقالت:
- شكراً يا رنا، لو احتجنا مساعدة أكيد هنقولك... لكن حاليًا كل حاجة ماشية تحت إشراف أهل البيت والمنظمين، فمفيش داعي تقلقي نفسك.
وقبل أن ترد...
وصلت والدة زين، وقد سمعت آخر الحديث.
نظرت إلى رنا نظرة ثابتة، ثم قالت بنبرة راقية لكن حادة:
- زينب عندها حق. يا آنسة رنا احنا مش بنحب نتعب ضيوفنا
في فرق كبير بين الضيف... وصاحب البيت.والفرق ده عادةً الناس الراقية بتفهمه من غير ما حد يشرحه.
ساد صمت ثقيل.شحب وجه رنا قليلًا. ولكن والدة زين لم تنتهِ بعد.
اقتربت خطوة، ثم قالت بابتسامة مهذبة تحمل برودًا لاذعًا وحده واضحة :
+ وإحنا في بيتنا بنرحب بأي ضيف... طول ما هو فاهم حدود وجوده وما يحاولش يفرض نفسه على المكان.
ثم أشارت بيدها نحو القاعة الخارجية.
+ اتفضلي اقعدي مع باقي الضيوف يا رنا. أكيد الوقوف هنا وسط الترتيبات مش مريح ليكِ... خصوصًا إنك مش من أصحاب التنظيم.
كانت الجملة الأخيرة كصفعة.
"مش من أصحاب التنظيم"...بل بمعنى أوضح: مش من أصحاب المكان أصلًا.
حاولت رنا التماسك وقالت بتوتر
- أنا كنت بس... حابه
قاطعتها والدة زين برقة قاتلة:
+ عارفة، كنتِ "بس بتساعدي".شكراً... لكن المساعدة تُطلب، مش تُفرض وطول ماحدش كلب منك مساعده مكانك بيكون مع الضيوف برا
تجاهلتها رنا. كلام الام وحاولت جاهدة اخفاء أحرتجها
وقالت :
+ اوك طيب زين فين هو. لو نايم اطلع اصحي عادي
نظرت لها الام نظرت تحذيرية ،، أما زينب...فكانت تحتاج كل ذرة صبر تملكها حتى لا تفتعل مشكلة.
بعد دقائق...دخلت ريهام.وما إن رأت التوتر حتى قالت:
- يا نهار أبيض...بدأنا بدري النهارده.
ضحكت زينب رغماً عنها.
ثم ريهام جرت علي ولده زين قالت وهي تحتضنها:
+ ست الكل بحالها واقفة في استقبلنا
قالت الام بحب واضح
- بس يا بكاشه هو اللي ده جايه من بدري علشان تفطري معانا و تشوفي هنعمل ايه ا
ثم نظرت حولها وقالت :
- امال فين وسام اوعي تقولي أنها مش جاية اقسم بالله أزعل
ضحكت ريهام وقالت و هي تحتضنها بحب
+ لاء متقلقيش جاية بس عندها شغل هتخلصوا الاول ما انتم عارفين وسام الشغل عندها من المقدسات بس متقدرش تزعل القمر ومتجيش ده حضرتك اللي كلمتيها بنفسك علشان تحضر
ثم أكملت وقالت :
+ بس انا جعانه ما اكلتش ايه علشان اتأخرت هتضحكوا عليا
+يلا يا حبيبتي، ادخلي المطبخ.
البيت بيتك... مش محتاجة تصريح علشان تتحركي فيه.
ثم أضافت دون أن تنظر لرنا:
- التصاريح بنطلبها بس من للغرباء
ثم التفتت نحو زينب وقالت بخفة:
- خدي أختك على المطبخ واكليها قبل ما تاكلنا إحنا.
ثم تلتفت نحو رنا التي كانت مازلت واقفة تستمع للحديث وقالت:
+ خير يا رنا في حاجة شيفاكي لسة واقفة
أما رنا. فاكتفت بالنظر إليهما من أعلى لأسفل.
ثم رحلت.
اقتربت ريهام من زينب.وهمست:
- والله لو فضلت تتصرف كده أنا اللي هطردها.
ردت زينب:
- خدي رقم في الطابور.أنا قبلك.بس قبل ما اطرتها هعجها الاول
وفي الجهة الأخرى...
كان زين قد دخل القاعة.
ورأى رنا تتجول بين المدعوين قبل وصولهم.
وتصدر التعليمات للجميع.فقطب حاجبيه قليلًا.
لكنه لم يقل شيئًا.
لأن عقله كان مشغولًا بسؤال آخر.سؤال لم يعترف به حتى لنفسه.
هل ستحضر وسام فعلًا؟ أم ستعتذر في آخر لحظة؟
هو يعلم أن ولدته حدثتها بنفسها ودعتها الحفلة وهي وعدتها بالحضور و انت ريهام بمفردها
ومع اقتراب موعد الحفل...
بدأ الضيوف يصلون واحدًا تلو الآخر.وامتلأت الفيلا بالأحاديث والضحكات.
بينما كانت العيون تتجه نحو الباب الرئيسي كل بضع دقائق.
في انتظار شخص ما.شخص لم يصل بعد.
لكن حضوره...كان يشغل المكان كله.
مع اقتراب بداية الحفل...بدأت الأنوار تتغير داخل فيلات زين.وأصوات الموسيقى ارتفعت تدريجيًا.
والجميع أصبح في أماكنه تقريبًا.
نزل زين من اعلي وكان يرتدي بدلة داكنة أنيقة.
خطواته ثابتة.ونظراته هادئة بشكل غريب.
لكن ما لفت الانتباه لم يكن هو وحده.بل اليد التي كانت متعلقة بذراعه.
دخلت رنا بابتسامة واسعة.
وكأنها لا ترى في المكان سواها.وكأنها ملكت العالم
تقترب منه أكثر مما يجب.
كانت تسير مثل طاووس يستعرض ريشه الملون في زهوٍ صارخ، تتلذذ بكل نظرة تُلقى عليها، وتفسر أي صمت حولها على أنه انبهار.
وتتحدث بصوت منخفض لكنها محسوب ليُسمع.
+ايه رايك فيا اجنن صح شوفت الكل مبهور بيا ازري عجبتك
أجاب زين بهدوء:
- أيوه.
لكن عينيه كانت تمسح القاعة.
ببطء.كأنه يبحث عن شيء لم يدخل بعد.
أما رنا...
فلم يفوتها ذلك.فابتسمت بخفة.وقربت نفسها أكثر من ذراعه.وقالت:
ايه رايك يا حبيبي تاخدني ونبعد عن عيون الناس شوية محتاجة بصراحه استفرد بيك لوحدي
ثم ضحكت ضحكة قصير
في الزاوية الأخرى...
كانت زينب تراقب المشهد بصمت.وعيناها تضيقان بغيظ واضح.
اقتربت منها ريهام وهمست:
- أنا لو مكانه كنت كسرت إيدها.
ردت زينب من بين أسنانها:
- وأنا مستنية اللحظة المناسبة.
هاني كان واقفًا بالقرب من الطاولة الرئيسية.
ذراعه متقاطعتان.وعيناه لا تبتعدان عن زين.
ثم قال بهدوء بارد:
- هو فعلاً مقتنع باللي بيعمله؟
لم يرد أحد.
لأن الإجابة كانت واضحة.
في وسط القاعة...بدأ زين يسلم على الضيوف.
ورنا بجانبه لا تتركه لحظة.
تضحك وكانها تعلن للجميع أنه اصله ملكها .
كانت تعلق على كل شيء.وتتصرف وكأنها صاحبة المكان.
بل أكثر من ذلك...
كأنها تحاول تثبيت فكرة معينة في عقول الجميع.
أنها جزء أساسي من حياته.ومن شركته.ومن قراراته.
لكن زين...كان شاردًا بشكل واضح.كل دقيقة...عينه تتحرك ناحية الباب.ثم تعود مرة أخرى.وكأن شيئًا ناقصًا في الصورة.
رنا لاحظت ذلك مجددًا.فابتسمت ابتسامة مختلفة.
ابتسامة أكثر خبثًا.ثم اقتربت منه وهمست:
- بتدور على حد؟ يا حبيبي
التفت إليها زين.
- لا.
لكن صوته لم يكن مقنعًا.
ضحكت بخفة.وقالت
انا كمان قلت كده استحاله تكون بدور علي حد وانا جانبك
في تلك اللحظة...
قالت زينب تمتمت وهي تنظر ارنا بغيظ
- أنا مش مرتاحة مش عارفه ليه .
ردت ريهام:
- إحساسك صح انت كمان حاسة أن مضايقة .
أما هاني...
فكان ينظر إلى الباب.بصمت.وكأنه ينتظر عاصفة.
وفي الجهة الأخرى...فكان متوقع وصول ويتم بين الحين والآخر
كانت رنا تبتسم.ولكن داخلها...كانت تترقب.وصل وسام
لأنها تعرف أن اللحظة القادمة...هي اللحظة التي ستبدأ فيها اللعبة الحقيقية.
ساد صمت خفيف داخل القاعة دون سبب واضح.
كأن الهواء نفسه تغيّر.
وكأن الجميع شعر أن لحظة ما على وشك الانفجار.
ثم...
انفتح الباب الرئيسي ببطء.ودخلت وسام.بخطوات هادئة بشكل لافت.ثابتة.واثقه من خطوتها