رواية أحباب رمضان الفصل الرابع4 بقلم صفاء حسني

رواية أحباب رمضان الفصل الرابع4 بقلم صفاء حسني
فجأة ظهرت سيدة ترتدي عباية سوداء، وعلى رأسها طرحة سوداء. اقتربت من البنات بخطوات سريعة، ثم صرخت فيهن بغضب:
"إيه يا حلوة إنتِ وهي؟ بتتشطروا على مين كده؟!
من إمتى أخلاق شارعنا إننا نتشطر على الضيوف؟
وسعّي يا بت… وإنتِ يا رباب! مش هتبطلي تخلقي مشاكل؟"
اقتربت سيلا بسرعة من ابنتها واحتضنتها بقوة.
"حبيبتي يا ديمة… عملوا فيكِ إيه؟!
آسفة يا بنتي."
وقفت ليان وهي تنظر إلى البنات بعتاب شديد، وقالت:
"مكنش العشم فيكم كده… ده أنا وصيتكم تعتبروا ديمة أختكم."
خفضت البنات رؤوسهن بخجل، وقالت إحداهن بتردد:
"إحنا خفنا تكون بتصورنا… إنتِ مش شايفة الكاميرا؟"
نظرت السيدة إليهن باستياء وقالت بحدة:
"وفيها إيه لو بتصور؟!
على حسب علمي كل واحدة فيكم عندها قناة على التيك توك!
ولا بترسموا الفضيلة علينا؟
بلاش المحن دي… والغيرة العمى دي!
كل واحدة على شغلها."
ثم التفتت إلى سيلا وقالت باعتذار صادق:
"أنا محقوقالك يا أختي سيلا… حقك عليّا."
كانت سيلا ما زالت تحتضن ابنتها بقوة. بدت عليها الصدمة من الهجوم المفاجئ، ولم تستطع أن تنطق بكلمة.
في تلك الأثناء، وصل الخبر إلى الرجال والشباب في الحارة.
وسرعان ما تجمعوا جميعًا لمعرفة ما حدث.
وقف عبد الرحمن وسطهم، وكان الحزن واضحًا على وجهه. شعر بالأسى مما حدث، فأمسك بالميكروفون وطلب من الجميع أن يستمعوا إليه.
ساد الصمت في المكان.
ثم بدأ يتكلم بصوت قوي:
"دلوقتي في ضيفة عزيزة جدًا عليّا… أول مرة تنزل مصر.
جاية مع أهلها، اللي هما بالنسبة لأهلي إخوات.
والضيفة دي اتأهانت في حارتنا!"
توقف لحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر حدة:
"وهي مش بس ضيفة… دي كمان جارتي.
ومن مين الإهانة؟ من بنات الحارة!"
نظر إلى الجميع حوله ثم قال:
"يبقى إيه لازمة اللمة دي؟
وإيه لازمة إننا نرسم التقوى والمحبة، ونتجمع في ليلة مباركة زي دي…
وفي وسطنا نفوس حقودة وغيرة؟!"
اشتد صوته أكثر:
"النفوس دي هتقابل رمضان بكرة إزاي؟
هتنوي الصيام إزاي… وإنتِ ضربتي واحدة مسكينة؟!"
ثم رفع يده وقال بحزم:
"وأقسم بالله… لو حق ديمة ما جاش دلوقتي، وكل بنت جات اعتذرت لها وباست رأسها…
مفيش سحور لأي بنت معانا.
لا النهارده… ولا أي يوم من التلاتين يوم بتوع الشهر الكريم!"
هزّ الرجال رؤوسهم بالموافقة، وقال أحدهم بصوت عالٍ:
"عندك حق يا ابني."
ثم أمسك بيد ابنته ودفعها للأمام قائلًا:
"اعتذري لأختك يا عفاف… إحنا داخلين على رمضان."
اقتربت عفاف من ديمة وهي تخفض رأسها خجلًا، وقالت بصوت منخفض:
"آسفة يا أختي… إحنا اتجمعنا من غير ما نفهم إيه اللي حصل.
وما كناش نعرف إنك الضيفة."
ثم أشارت إلى فتاة خلفها وقالت:
"رباب قالت إنك صحفية… وغريبة عن الحارة.
وإنك جاية تصوري بنات الحارة وتنزلي كلام وحش عنهم… وتفبركي قصص."
فجأة بدأت البنات يتكلمون معًا:
"آه والله العظيم هي قالت كده!"
"إحنا صدقناها!"
"ما كناش نعرف الحقيقة!"
ثم اقتربت منهن إحداهن وسألت بلطف:
"بنعتذر منك يا أختي… اسمك إيه؟
وكنتِ عايشة فين؟"
بدأت البنات يتجمعن حول ديمة، وكل واحدة تحاول الاعتذار لها بطريقتها.
ومع مرور الدقائق… بدأت ديمة تنسى ما حدث.
واندمجت معهن في الحديث والضحك.
خصوصًا بعد أن شعرت بثقة غريبة داخلها…
الثقة التي منحها لها عبد الرحمن عندما وقف ودافع عنها أمام الجميع.
رفعت عينيها نحوه للحظة.
فوجدته يقف بعيدًا قليلًا… يراقبها بصمت.
وعلى وجهه… ابتسامة هادئة.

اقترب عبد الرحمن من ديمة وهو يبتسم، ثم أشار بيده إلى صفوف الموائد الممتدة في الشارع وقال لها بلطف:
"بصي… كل ترابيزة دي أسرة من الحارة.
تعالي أعرفك عليهم واحدة واحدة… ومتزعليش من أخواتك.
إنتِ عارفة… مصارين البطن بتتخانق."
ضحكت ديمة لأول مرة منذ بداية الليلة.
كانت ما تزال مبهورة بما فعله عبد الرحمن قبل قليل؛ كيف واجه الجميع بثقة، وانتصر لها في لحظة، وجعل البنات يعتذرن لها أمام الجميع.
لم يحدث معها ذلك من قبل…
لم تعتد أن يعتذر لها أحد.
لكن الأغرب…
أنه في ثوانٍ فقط تحولت البنات من خصوم إلى صديقات.
كانت البنات يضحكن معها، ويعطينها صواريخ صغيرة لتفرقعها، وفوانيس مضيئة يحملنها في أيديهن.
بدأت ديمة تشعر بشيء لم تجربه من قبل…
روح رمضان.
روح الأسرة…
حتى لو تشاجروا قليلًا، فإنهم يتصالحون سريعًا.
لكن في زاوية بعيدة…
كانت أم رباب تراقب كل شيء بعيون مشتعلة بالغيرة.
لقد فعلت ما فعلته عمدًا…
كانت تريد أن تخيف ديمة وتجعلها تعود إلى شقتها، حتى تبعد عيون عبد الرحمن عنها.
فهي تحب عبد الرحمن منذ سنوات، وكانت تحلم أن يلتفت إليها يومًا.
لكن ما حدث انقلب ضدها…
فبعد اعتراف البنات بالحقيقة، أصبحت رباب هي المنبوذة بينهن.
اشتعل الغل في صدر أمها أكثر.
في تلك اللحظة، بدأ صوت المسحراتي يتردد في الشارع:
"اصحى يا نايم… وحد الدايم…
رمضان كريم…"
ضحك الأطفال، وبدأ الجميع يجلسون استعدادًا للسحور.
امتلأ الشارع بالأنوار والضحكات.
أشار عبد الرحمن إلى أول مائدة وقال:
"تعالي… نبدأ من هنا."
اقتربا من المائدة الأولى.
ابتسم عبد الرحمن وقال:
"دي عيلة عم فتحي… صاحب محل الموبايلات.
راجل جدع بجد."
رفع عم فتحي يده بتحية وقال وهو يبتسم لديمة:
"نورتِ يا بنتي البلد… ويارب يكون الديكور عجبكم."
نظرت ديمة حولها بانبهار وقالت بحماس:
"الديكور يجنن!
تسلم إيدك يا عم فتحي.
أنا نفسي أعمل فيلم عن شغلك… إزاي حتة الخشب تبقى فجأة حاجة جميلة كده."
ضحك عم فتحي وقال:
"بكرة نورين يا بنتي…
ويمكن تكوني فتحة خير علينا وييجي ناس ترزقنا. وش الخير."
ابتسمت ديمة بسعادة، ثم سلمت على زوجته وبناته.
بعد ذلك انتقلت مع عبد الرحمن إلى المائدة الثانية.
ابتسمت سيدة طيبة وقالت وهي تمسك يد ديمة:
"أنا هعرفك بنفسي… أنا أم محمود يا بنتي.
ابني إيده تتلف في حرير… هو اللي بيّض الحيطان ودهنها.
وإحنا آسفين على اللي عملته البنات فيك."
هزّت ديمة رأسها بابتسامة هادئة وقالت:
"حصل خير… كانوا فاهمين غلط.
وخايفين… وعندهم حق."
ثم أكملت وهي تبتسم:
"ربنا يحفظه ليكي.
أنا صورتُه وهو بيبيض ويدهن، ونزلت الفيديو لايف… وناس كتير سألت هو فين.
خليه يدخل يكتب رقم تليفونه."
اتسعت عينا أم محمود من الفرح وقالت:
"بجد يا بنتي؟!
مش عارفة أشكرك إزاي."
انتقلت ديمة بعدها إلى المائدة الثالثة… ثم الرابعة… ثم الخامسة.
وفي كل مائدة…
حكاية مختلفة.
واحد ترزي يخيط الملابس…
وآخر كهربائي يصلح كل شيء في الحارة…
وثالث يبيع البويات…
وآخر يصنع الانتريهات بيده.
شيئًا فشيئًا، بدأت ديمة تكتشف شيئًا مذهلًا.
رغم أنهم يعيشون في حارة واحدة صغيرة…
لكنهم صنعوا لأنفسهم كيانًا كاملًا.
كأنها دولة صغيرة…
فيها كل المهن وكل التخصصات.
بل وفوجئت بشيء أكثر.
عندما أخبرها أحدهم أن بنت الترزي دكتورة.
فتحت عيادة صغيرة في الحارة، تشاركها مع أطباء من أبناء المكان… بمساعدة أهلهم.
شعرت ديمة بسعادة غريبة.
هؤلاء الناس…
يد واحدة.
في الفرح…
وفي الحزن.
وأخيرًا وصلت إلى آخر مائدة.
مائدة عبد الرحمن وأسرته.
جلست وهي تنظر إليه بفضول ثم قالت مازحة:
"طب إنت بقى… شغلتك إيه غير إنك شيخ وصوتك حلو؟"
ضحك عبد الرحمن وقال:
"أنا محامي…
ورثتها عن والدي، المحامي الكبير مدحت."
ثم أشار إلى المرأة الجالسة بجواره وقال:
"ودي أمي… الست الجميلة ليان."
ثم ابتسم وأضاف:
"وقصتها… حكاية."
ابتسمت ليان وهي تنظر إلى مدحت بحب وقالت:
"قصتي بدأت لما الراجل الجميل ده جه زيارة لأمريكا.
كان وقتها بيدرس الدكتوراه في القانون… وأنا كنت في نفس الجامعة."
تنهدت وهي تضحك:
"لفت نظري أخلاقه وخجله…
مش زي أي شاب مصري يصدق يشوف بنت أمريكية ويقرب منها."
نظرت إلى مدحت وقالت بمزاح:
"بالعكس… كان يمشي بعيد عن أي بنت."
ضحك مدحت وقال:
"استحملت سنتين… لحد ما وقعتيني في حبك."
ضحكت ليان وقالت:
"آه… ساعتها كنا داخلين على رمضان.
وكنت أصلاً ما أعرفش يعني إيه رمضان."
ثم أكملت:
"سمعته مرة بيتكلم مع صاحبه، وبيتفقوا يفطروا مع بعض.
اقتربت منه وسألته: يعني إيه رمضان؟"
نظرت إليه بحب وقالت:
"ابتسم… والابتسامة دي خلتني أحبه أكتر."
ثم أضافت:
"بدأ يشرح لي إن المسلمين بيصوموا شهر كامل اسمه رمضان…
عشان يحسوا بالفقير والمحتاج."
وتابعت بانبهار:
"وقال لي إن في مصر بيعملوا حاجة اسمها مائدة الرحمن…
في كل جامع أو شارع."
ثم ضحكت وهي تتذكر:
"ناس تطبخ… وناس توزع أكل… وناس تساعد."
هزّت رأسها وقالت:
"فضل يحكي… وأنا منبهرة بالكلام عن التعاون والتكافل."
ثم نظرت إلى مدحت قائلة:
"وقتها قلت له… لو نزلت مصر يومًا… لازم تاخدني معاك أشوف رمضان هناك."
وسكتت لحظة…
ثم ابتسمت.
"ومكنتش أعرف إن اليوم ده هيجي…
وإني هعيش هنا… وسط الناس اللي بقوا عيلتي."
نظرت ديمة حولها…
إلى الأضواء…
إلى الضحكات…
إلى المائدة الطويلة.
ثم همست لنفسها:
"يمكن… أنا كمان ألاقي عيلة هنا."
ورفعت عينيها دون قصد…
فوجدت عبد الرحمن ينظر إليها.
وكأنه سمع ما قالته. 🌙

ابتسمت ديمة وهي تنظر إلى ليان ومدحت بإعجاب واضح، ثم سألت بفضول:
"طب وإمتى حبيتوا بعض؟
وإمتى قررتوا تنزلوا مصر؟"
ابتسم مدحت وهو يتذكر تلك الأيام وقال:
"هي اللي طلبت مني أحكي لها عن الإسلام.
كل يوم كنا نتقابل… ونتكلم."
تنهد قليلًا ثم أكمل:
"وفي يوم قالت لي:
ممكن أجي أفطر معاكم؟"
ضحكت سيلا وقالت وهي تشير إليه:
"وأنا يومها اللي جبتها معاك."
اتسعت عينا ديمة بدهشة وقالت:
"لحظة!
هو مدحت يقرب لك يا ماما؟!"
ابتسمت سيلا وقالت ببساطة:
"طبعًا يا ديمة…
مدحت ابن خالي."
ثم أضافت:
"وكان عندنا في أمريكا وقتها عشان يعمل الدراسات العليا في القانون."
نظرت ديمة إلى ليان مرة أخرى…
لكن هذه المرة لم تكن نظرتها عادية.
فجأة تذكرت حديثًا قديمًا بينها وبين نيل.
تجمدت ملامحها قليلًا.
وفكرت في نفسها:
"مش معقول…
ليان هي أخت نيل؟
هو اللي طلب مني أدور عليها…"
شعرت بقلبها ينبض أسرع.
"لا… لازم أتأكد."
رفعت رأسها ببطء وهي تنظر إلى ليان من جديد…
وكأنها تراها لأول مرة.
لكن قبل أن تسأل…
قطع صوت المسحراتي لحظة الصمت وهو يمر في الشارع مرة أخرى:
"اصحى يا نايم… وحد الدايم…
رمضان كريم!"
ضحك الأطفال وبدأت أصوات الملاعق والأطباق تعلو على الموائد.
لكن ديمة لم تكن تسمع شيئًا.
كانت تنظر فقط إلى ليان.
ثم قالت فجأة بصوت هادئ، لكن فيه توتر واضح:
"ليان…
هو كان عندك أخ… اسمه نيل؟"
تجمدت الملاعق في الأيدي.
ونظرت ليان إليها فجأة.
تغيرت ملامح وجهها بالكامل…
وكأن اسمًا من الماضي عاد للحياة فجأة.
همست ببطء:
"إنتِ… عرفتي الاسم ده منين؟"
نظر مدحت إلى ديمة بدهشة…
ونظرت سيلا إليها بقلق.
أما عبد الرحمن…
فشعر أن شيئًا كبيرًا على وشك الانكشاف.
لكن ديمة لم تجب فورًا.
فقط نظرت إلى ليان…
ثم قالت ببطء:
"عشان…
في حد طلب مني ألاقِيك."
ساد صمت ثقيل حول المائدة.
وسأل مدحت بقلق:
"مين؟"
رفعت ديمة عينيها وقالت الكلمة التي قلبت الليلة كلها:
"أخوكي."
تجمدت ليان في مكانها.
وقالت بصوت مرتعش:
"أخويا… مات من سنين."
لكن ديمة هزت رأسها ببطء وقالت:
"لا…
هو عايش."
وسقط الصمت على المائدة…
بينما أضواء رمضان ما زالت تلمع فوق رؤوسهم.
لكن الليلة…
لم تعد ليلة عادية. 🌙
لو حبيتي، أقدر أكمل المشهد القادم لأنه ممكن يتحول لواحد من أقوى مفاجآت الرواية مثل:
سر اختفاء نيل الحقيقي.
لماذا طلب من ديمة البحث عن أخته.
وما علاقة عبد الرحمن بالقصة القديمة.

.
اقتربت أم محمود منهم وهي تبتسم وقالت بحماس:
"إنتِ عارفة يا بنتي… كل سنة بنحب نسمع من الست ليان قصة حبها هي والأستاذ المحامي الكبير مدحت.
بنقعد نتجمع كده ونسمع منها كانت عايشة إزاي في بلدها… ودلوقتي عايشة إزاي هنا."
ابتسمت ديمة ونظرت إلى ليان بفضول ثم سألتها:
"طيب أنا كمان عايزة أعرف…
إنتِ مش ندمتي إنك سيبتي بلد بتقدّر العلم والعلماء والبشر؟
أكيد كان ليك كيان هناك… وأهل ومال.
وسبتي كل ده عشان تعيشي في بلد فقيرة والناس فيها دايمًا تقول: يا رب؟"
ابتسمت ليان بهدوء، ثم قالت وهي تنظر حولها:
"عشان الكلمة دي بالذات… حبيت البلد دي."
ثم أكملت:
"كلمة يا رب…
توكل على الله…
ربنا كريم…
رزقنا على الله."
تنهدت قليلًا ثم قالت:
"كل يوم بسمعها لما المحلات بتفتح الصبح…
ومع صوت القرآن…
وأذان الفجر."
نظرت إلى ديمة وأضافت:
"حب الناس لبعضهم."
ثم قالت بصدق:
"أنا مش بنكر إن بلدي متقدمة وناجحة في كل المجالات…
لكن مفيهاش قلب."
سكتت لحظة ثم قالت:
"إنتِ عارفة… عندنا ممكن أم تسيب أولادها وتمشي مع حبيبها.
وده عادي جدًا هناك."
ثم أشارت إلى أم محمود وقالت:
"بصي مثلًا لأم محمود…
ست أرملة شايلة أولادها بكفاح."
ابتسمت أم محمود بخجل.
وأكملت ليان:
"كل يوم الصبح تجيب خضار وتبيعه…
عشان يدخل لها عشرة جنيه أو عشرين جنيه تأكل بيهم أولادها."
ثم قالت بإعجاب:
"وعمرها ما مدت إيدها لحد…
ولا قالت: ليه يا رب عملت فيا كده."
لم تقتنع ديمة بالمقارنة، فقالت بهدوء:
"بس أكيد زي ما فيه كده هنا… فيه هناك أم تقف جنب أولادها."
ضحكت ليان وقالت:
"لا طبعًا فيه… لكن مش زي هنا."
ثم أكملت:
"أنا عندي أصدقاء كتير هناك…
ما يعرفوش أصلًا مين أمهم."
نظرت إلى ديمة وقالت:
"أمهم كانت صغيرة… دخلت في علاقة… ولما خلفت باعت طفلها."
تنهدت ثم أضافت:
"وده مش قليل عندنا."
ثم قالت:
"وفي أسر… أول ما الولد أو البنت تكمل 18 سنة يقولوا له:
أكلك وشربك من حسابك."
ابتسمت قليلًا وقالت:
"لكن هنا…
البنت تفضل في حضن أهلها لحد ما ربنا يكرمها."
قالت ديمة بجدية:
"أنا معرفش عادات هنا قوي…
بس أنا عشت في أمريكا بعادات أهلي."
ثم أكملت:
"وسمعت زيك قصص كتير…
وفي صديقات كتير كانوا دايمًا يحرضوني أتمرد وأعيش بحرية."
ابتسمت ليان وقالت:
"وأنا في سنك كنت فاكرة إن ده حرية."
ثم نظرت إلى مدحت وقالت:
"ولما اخترت الحب… بالحرية اللي هما علموها لي…
كانت النتيجة صعبة."
سكت الجميع قليلًا.
ثم قالت بهدوء:
"أخويا حبسني…
ودخلني مستشفى نفسي."
اتسعت عينا ديمة بصدمة.
وأكملت ليان:
"كل ده عشان قلت إني بحب شاب مصري… ومسلم."
ثم قالت بحزن:
"في ثانية… كل حقوقي تبخرت.
والناس اللي كنت أعرفهم… كلهم هاجموني."
تنهدت وقالت:
"ولما اتأكد أخويا إن مدحت رجع مصر… خرجني من المصحة."
ثم ابتسمت بحنين:
"كان فاكر كده إني هنساه."
هزّت رأسها وقالت:
"لكن هيهات."
ابتسم مدحت وهو ينظر إليها.
وأكملت:
"هربت… ونزلت مصر.
ودورت على حبيبي."
كانت ديمة مصدومة مما تسمع.
ثم سألتها بدهشة:
"كل ده حصل معاكي…
ورغم كده تمسكتي بحبك؟"
ثم قالت بتفكير:
"إحنا دايمًا بنسمع إن الحب مجرد نشوة… أو مغامرة.
ولما العقل ينضج نكتشف إنه مفيش حب."
ابتسمت ليان وقالت:
"هو ده اللي اتزرع في عقولنا هناك."
ثم أكملت:
"إن مفيش حب…
وإن ممكن نعطف على حيوان… لكن ندوس على إنسان."
تنهدت قليلًا وقالت:
"مش هقول إن ده بيحصل في العموم…
لكن ممكن حالتي تكون من الحالات النادرة."
ثم ابتسمت وهي تنظر إلى مدحت:
"امرأة غربية اتجوزت… وبدأت حياة جديدة ما عاشتهاش قبل كده."
ثم قالت بصدق:
"طبعًا مرّيت بلحظات فتور…
وتعبت أحيانًا."
ثم أشارت إلى مدحت وقالت:
"لكن مدحت كان دايمًا جنبي… وسندي."
سكتت لحظة…
ثم قالت بصوت أهدأ:
"يمكن كمان لأن حياتي من الأول ما كانتش سهلة."
نظرت بعيدًا وكأنها ترى الماضي.
"عشت مع أخويا بعد ما أمي سابتنا وإحنا أطفال."
ثم أضافت:
"وقبلها أصلاً… أبويا ما اتجوزهاش."
قالت بصوت متألم:
"دخل معاها في علاقة… وخلفنا… وبعدين زهق من الحياة معاها وسابها."
تنهدت:
"وأمي ما قدرتش تتحمل."
ثم قالت بحزن:
"كل شوية كانت تجيب راجل يعيش معانا شهرين…
وبعدها تحصل مشاكل… ويمشي."
هزّت رأسها وقالت:
"فضل الوضع كده لحد ما كبرنا."
ثم أكملت:
"وفي الآخر… سابتنا خالص."
ثم قالت:
"أخويا حاول يهتم بينا…
وكان شايل مسئولية كبيرة."
ثم أضافت:
"لكن هو كمان عاش حياته… ودخل في علاقات كتير."
ثم قالت:
"ورفض يعمل أسرة… لأنه شايف نفسه مش قدها."
ابتسمت بهدوء:
"أنا بس اللي كنت بحلم بالأسرة."
ثم نظرت حولها إلى الحارة وقالت:
"وعشان كده… لما شفت الأسرة مع مدحت… وأهله… وجيرانه…
عرفت إن ده المكان اللي بدور عليه."
في تلك اللحظة قاطعهم عبد الرحمن وهو ينظر إلى السماء:
"يلا يا جماعة… لازم نتسحر.
الفجر قرب يأذن."
جلس الجميع حول الموائد.
كبير وصغير… رجال ونساء… وأطفال.
كل الحي مجتمع معًا.
البيوت مجرد جدران تفصلهم عن العالم الخارجي…
لكنهم هنا…
يجلسون ويضحكون ويأكلون في أمان.
نظرت ديمة حولها باندهاش.
ثم فكرت في نفسها:
"إزاي كانوا بيقولوا مفيش أمان في مصر؟"
"أنا شايفة الناس كلها متجمعة…
ومحدش خايف من حد."
ثم نظرت إلى السماء المضيئة بفوانيس رمضان…
وشعرت بشيء جديد يدخل قلبها.
شيء يشبه…
الطمأنينة. 🌙
انتبه عبد الرحمن منها وهى سرحان وكأنها تبحث عن أحد فسألها 
بدور على ايه او تبحث عن ماذا
فاقت ديمة وقالت 
فين البنت الا كانت عاوزة تاخد منى الكاميرا هى مش هتصوم زين 
ابتسمت ام محمود
تقصد رباب فوق متلقح فى شقتها عشان تحرم 
رفضت ديمة وطلبت منهم يخلوها تيجى 
ازى هى تتعاقب وبكرة رمضان نادو عليها تاكل معانا وهى بتحب أهل حيارتها وخايفة عليهم وده حقها 
نظرت ام محمود الى ام رباب قالت
نادى على بنتك يا ام رباب الضيفة سامحتها خليه تلحق تسحر عشان نصلي كلنا الفجر وبعود يارمضان 
هزت راسها ام رباب وطلعت جيبتها ونزلت وهى جوها نار وقبل ما تجلس ادخل مدحت وقال
تعتذري من ديمة يا رباب قبل ما تقعدى.انتى مهونتيش عليه تسحرى لوحدك رغم انك عملت كل ده عشان تخليه لوحدها 
هزت رباب راسها بالموافقة واقتربت منها وهى مش ضيقا ديمة وقبلته من راسها 
سامحيني يا اختى مقصدش مكنتش اعرف انك ضفيت سي عبد الرحمن ف اسفة 
ابتسمت ديمة وقالت
مفيش اسف يلا تعالي كلى وبعود يارمضان
صح يا ام محمود
الكل ضحك على طريقتها وهى بتقولها 
والجميع اكمل الاكل فى حالة من البهجة والسرور 
وبعد السحور الكل تعاون وحمل الاطباق ونزل 
بالكوبايت البلح والتمر الهندي والكل شرب وبدوا بدعاء نية الصيام    
هو اللهمَّ إنّي نويت أن أصوم رمضان كاملًا لوجهك الكريم إيمانًا واحتسابًا، اللهمَّ تقبّله مني واجعل ذنبي مغفورًا وصومي مقبولًا”، لك
وبدت توشيح النقشبندي الذي خطفت العقول والقلوب رمضان 
أهلا مرحبا رمضان
الذكر فيك يطيب والقرآن
بالنور جئت وبالسرور ولم يزل لك في نفوس الصالحين مكان
يتلون آيات الكتاب وما لهم إلا بآيات الكتاب آمان
فظلامهم حتى نهايته تقى وصباحهم من بدره إيمان
والسالكون سبيله أهل له والناس فوق بساطه إخوان
يمشي الغني إلى الفقير بقلب ذا حب له وبقلب ذا إحسان
إن يسكت الشيطان في نفسيهما صوت الضمير تكلم الإنسان
وبعد كده تجمعوا الشباب والبنات والأطفال وقاموا بغسيل الاطباق فى حالة من الفرحة والبهجة وفققيع الصابون السائل تطير من ايدهم 
وبعد ذلك تم رجوع التربيزت فى القهوة والكراسي 
وبدأ فرش حصير بطول الشارع ل استقبال صلاة الفجر
وبعد الانتهاء الكل ذهب يتوضأ ليجهز ل صلاته 
دخلت رباب هى وامها وهى مش مقتنعة .
مش نزل لى البت دي من الزور يا امى .

ضربت فاطمة ابنتها رباب على كتفها بخفة وقالت:
"مالك يا بت بيها؟
ليه متغاظة كده؟
دي يومين وتقعدهم وتمشي."
ثم جلست بجوارها وأضافت:
"أنا سمعت أصلًا إنها ما كانتش عايزة تيجي.
أهلها هما اللي جبروها."
تنهدت قليلًا ثم قالت:
"وعشان كده الخواجية ليان قعدت تحكي قصتها اللي وجعت دماغنا بيها.
كل سنة تحكيها… عشان تقنعها تقعد مع أهلها."
نظرت إليها رباب باهتمام وقالت:
"طب إزاي سمحتوا لـ ليان دي تسرق منكم الراجل الجميل مدحت؟
إزاي بنت من أمريكا تيجي وتاخده من بنات الحارة؟"
ضحكت فاطمة وقالت:
"وقتها يا أختي ما كانش الأمل كبير زي دلوقتي."
ثم بدأت تحكي وهي تتذكر الماضي:
"مدحت كان عايش أصلاً في بلد أرياف.
وبعدين اتنقلوا هنا عند أهل سيلا… أم ديمة."
وأكملت:
"سيلا أصلها مصرية…
بس هي وأبوها وأمها سافروا زمان عشان الشغل والفلوس."
تنهدت وقالت:
"مدحت كمل دراسته هنا مع جدته…
وبعدين سافر برّه شوية."
ثم ابتسمت وهي تتذكر:
"ورجع بعد تلات سنين…
والله يا بنتي لما شوفته ما صدقت!"
ضحكت وقالت:
"قلت في نفسي: ده هو الفلاح اللي كان عايش هنا؟!"
ثم أكملت بفخر:
"بس كان طول عمره خجول…
وبيستحي."
وأضافت:
"فتح مكتب المحاماة بتاعه في شقة جده…
ومع الوقت بقى سيد علي."
ثم قالت بحماس:
"وفي يوم… صحينا على خبر غريب!"
اقتربت رباب أكثر وهي تستمع.
فقالت فاطمة:
"لقينا ليان جاية فجأة…
وترمي نفسها في حضنه قدام الحارة كلها."
شهقت رباب:
"يا نهار أبيض!"
ضحكت فاطمة وأكملت:
"وتقول له:
أنا بحبك… وعايزة أتجوزك."
ثم قالت وهي ترفع حاجبيها:
"وكمان قالت إنها أسلمت!"
اتسعت عينا رباب وقالت بدهشة:
"يا خبر!
وإزاي أهل الحارة قبلوا بده؟"
ضحكت فاطمة وقالت:
"يا بنتي…
واحدة جاية تعلن إسلامها، وعايزة تتجوز واحد من أولاد الحارة."
ثم رفعت كتفيها:
"هيقولوا لها إيه؟
يقفلوا الباب في وش واحدة عايزة تبقى مسلمة؟"
وأضافت:
"طبعًا الكل رحّب بيها."
ثم قالت:
"واتعمل كتب الكتاب…
وبعدها اختفوا فترة."
تنهدت وقالت:
"سمعنا بعدها إن مدحت سافر بيها البلد."
ثم أضافت:
"وقتها أخوها لما عرف إنها في مصر…
قلب الدنيا عليها."
نظرت إليها رباب بخبث وقالت:
"أوعى يا فطوم تكوني فوتي الفرصة!"
ثم ضحكت:
"أنا لو مكانك كنت حربت الدنيا."
ضحكت فاطمة وقالت:
"لا طبعًا ما فوتهاش."
ثم أضافت:
"قلت لواحد من الناس يدورلي هما عايشين فين."
وتابعت:
"وعرفت إنهم أخدوها وسافروا."
شهقت رباب:
"خدوا عبد الرحمن هناك؟!"
هزّت فاطمة رأسها وقالت:
"والله مش فاكرة…
كان عبد الرحمن ولا كان عندهم طفل تاني."
ثم أكملت:
"المهم… بعد فترة قدرت تهرب من المصحة اللي كانت محبوسة فيها."
وأضافت:
"وقدمت بلاغ ضد أخوها…
وقالت للسفارة إنها متجوزة."
ثم ابتسمت:
"ورجعت لـ مدحت."
وتابعت بفخر:
"ومن يومها قرروا يعيشوا وسطنا هنا."
ثم أشارت إلى الشارع:
"غيرت اسمها…
ولبست زيّنا."
ضحكت:
"واللي يشوفها يقول طول عمرها مصرية."
ثم قالت بإعجاب:
"والصراحة… مدحت ما نسيش اللي عملته عشانه."
وأضافت:
"وخلاها ست الستات."
ثم قالت وهي تشير للخارج:
"وابنهم عبد الرحمن…
الله أكبر عليه."
ثم أكملت:
"نسخة من أبوه."
بلعت رباب ريقها وقالت بصوت منخفض:
"نفسي يكون من نصيبي."
ثم أضافت بقلق:
"بس خايفة العِرق الأمريكي يظهر…
ويقع في حب الضيفة."
ضحكت فاطمة وقالت:
"لا ما تخافيش."
ثم قالت بثقة:
"دي بنت سيلا… نسخة منها."
وأضافت:
"بتحب الفلوس والشغل."
ثم قالت:
"سمعت إنها مراسلة كبيرة في قناة اسمها…
PPC MC."
هزت رأسها:
"مش عارفة اسمها إيه بالظبط."
وأضافت:
"هي جاية تعمل فيلم وثائقي عن رمضان هنا."
رفعت رباب يديها وقالت:
"يارب يكون كلامك صح."
ثم أكملت:
"أنا نفسي ألفت نظره."
ثم ضحكت وقالت بخبث:
"لدرجة إني النهارده استغليت إنه كان سرحان في الموبايل…
ورميت نفسي عليه عشان ينتبه لي."
ضحكت فاطمة وقالت:
"يا خبر عليك يا بت!"
ثم أضافت:
"طلعتِ مش سهلة يا بنت بطني."
في الخارج…
كان الجميع قد انتهوا من تجهيز الشارع للصلاة.
اصطفّ كبار السن في الصف الأول،
وخلفهم الرجال،
ثم الشباب،
ثم الأطفال.
وخلف صفوف الرجال…
وقفت كبيرات السن من النساء،
ثم النساء،
ثم الفتيات والأطفال من البنات.
ساد هدوء جميل في الشارع.
وقف الإمام أمامهم…
وقال كلمتين قصيرتين عن فضل الصيام.
ثم بدأ يتلو آيات من سورة البقرة بصوت خاشع.
وكان الفجر…

يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى للنّاس وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّه بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّه عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[
ثم صدق وقال أمين 
والكل بصوت واحد امين 

تعليقات



<>