
رواية براعم الحب الفصل الحادي والعشرون21 بقلم رشا عبد العزيز
"الثقة" ربما تكون عامود العلاقات مهما اختلفت مسمياتها، وعندما تنكسر تفقد تلك العلاقة مكانتها، بل ربما نخسر نحن شيئاً بداخلنا لا يعوض، ولو مضت حياتنا سنعيش ونحن نتلفت، نخاف أن نمد يدنا لشخص آخر فيخذلنا.
نعيش على ماضٍ يذكرنا دوماً بمن كسر ثقتنا.
رصت تلك الأطباق على المائدة بتنسيق جميل وابتعدت تطالعها من زاوية أبعد، فابتسمت برضا على صنيعها.
تنهدت تتذكر تلك السنين التي تعاقبت بحلوها ومرها، تتذكر بداية دخولها لهذه العائلة وكيف عانت ما عانته.
لكنها اليوم تقف تحتفل بوجودها معهم تحمد الله، ربما كانت هي الأوفر حظاً بين شقيقاتها؛ فقد عاشت في كنف أم وأب بعد أن حرمها الموت منهم. فـ "صفاء" التي تغيرت معاملتها معها منذ ولادة توأمها ومنذ أن أوكلت لها مهمة تربية "حسين" الذي منح "صفاء" حياة جديدة وأعاد لها مشاعر الأمومة بطعم آخر، ولا تنكر حسن تربيتها له.
ثم لمعت الدموع بعينيها لترفع يدها تزيح تلك الدمعة الهاربة، تتذكر عمها ومواقفه معها وكيف أنه كان عوضاً رائعاً عن غياب والدها، تتذكر بامتنان كلمته التي يكررها على مسامعها دائماً:
_ أنا مكان والدك.
هي اليوم لم تقف مع أولادها للاحتفال، ربما اليوم هي تقف للعرفان، ترد ولو جزءاً قليلاً من دفء تلك العائلة التي أحاطتها بحب ومنحتها الشعور بالأمان.
_ "هدى" ... "هدى" ... سرحانة فين؟
مناداة "علي" قطعت حبل ذكرياتها لتمسح آثار تلك الدموع وتلتف إليه باسمةً:
_ أيوه يا حبيبي.
أشهر أمامها باقة الزهور البيضاء التي رافقتها بعض زهور حمراء:
_ الورد للورد يا "هد هد".
التقطتها منه تستنشق عبيرها وتزفره باسترخاء:
_ تسلم إيدك يا حبيبي.
أشار لها نحو الباقة ثم نحو الزهور المنفردة يسألها بدهشة:
_ أنا عاوز أفهم، طب الباقة البيضا وفهمنا عشان ماما، بس الورد الأحمر لازمته إيه؟
ضحكت على ملامحه المتذمرة وقالت وهي تتحرك بضع خطوات نحو منتصف الطاولة تسحب تلك المزهرية، تضعها بصورة منسقة وتجيب سؤاله:
_ الورد الأحمر عشان أحطه في الفازة يا "أبو حسن".
مط شفتيه بتهكم واقترب منها يراقب اندماجها في تنسيق تلك الزهور ليبتسم عندما أصبح خلفها وانحنى نحو الأمام يهمس لها:
_ لسه شكلك يجنن وأنتِ بتنظمي الورد،
تصدقي محدش بيعملهم زيك ولا بحلاوتك.
احمرت خجلاً تبادلها ابتسامة، تلتفت نحوه تطالعه بحب لم ينضب:
_ لسه فاكر يا "علي"؟
غمز لها يشاكسها:
_ وهو أنا أقدر أنسى يا قلب "علي"؟
رمشت بعينيها كأنها عادت للماضي وتنهدت باشتياق:
_ يااا، كانت أيام حلوة.
لكن عينيها اتسعتا بذهول وهي تسمع امتعاضه يقول باستنكار:
_ حلوة إيه؟ دا أنا طلعت عيني عشان تحسي بيا، عملت محل الورد مشوار رايح جاي عشان تشوفيني بس.
ضحكت على حركاته وحنقه لتمازحه قائلة:
_ مش بتقل عليك يا حبيبي.
ضيق عينيه يحدجها بنظرة مستهجنة:
_ تتقلي عليا! دا أنا اتبهدلت.
ثم اتسعت عيناه كأنه تذكر شيئاً ليخبرها بضيق مصطنع:
_ وإلا "شمس" واللي عملته بيا.
ليذكر حديثها ويقلدها بطريقة مضحكة مستهزئاً:
_ "علي" أنت عاوز إيه من أختي؟
ثم تحول حديثه لانفعال مصطنع وهو يجيب ذكرياته بصوت منخفض:
_ هكون عاوز إيه؟ بحبها وبموت فيها يا ستي.
كانت تضع يدها على فمها تكتم ضحكاتها حتى نظر إليها يمثل الانزعاج يرفع أحد حاجبيه بسخط:
_ بتضحكي.. اضحكي يا حبيبتي اضحكي...
ثم حرك يده بصورة هزلية قائلاً بتهكم:
_ عجبتك الذكريات يا "هدى"؟
_ أوي أوي يا روحي.
لتقترب منه تمسك ياقة سترته وتقول بدلال:
_ ذكريات زي السكر ما تتنكرش يا "علي".
نظر لها وتنهد بهيام:
_ أحلى حاجة فيها أنتِ يا أطيب قلب.
كاد أن يقترب منها أكثر يكمل غزله بها ليقطع وصلة غرامه صوت "مليكة":
_ ماما، تيتا وجدو وصلوا.
ليقطب حاجبيه بتذمر ويعض على أسنانه بغيظ يخرج كلماتها من بينها:
_ شايفة ولادك، هادمين اللذات.
ضحكت تدير جسده باتجاه الباب وتدفعه نحوه معترضة:
_ يله يا حبيبي مش وقت تذمر، لازم نحضر وقت المفاجأة.
دخل "الجد حسن" يستند بإحدى يديه على عكازه و"صفاء" تحيط يده الثانية، ليتفاجأ بأحفاده يقفون ويصفقون له، "حسين" بدأ بتصفير و"مليكة" تهتف بصوت عالٍ حتى "حسن" شاركها الهتاف بسرور، و"علي" وزوجته يقفون ويصفقون تعلو وجوههم ابتسامة عريضة، دارت عيناهما تتنقل بين الجميع بسرور.
حتى اقترب "علي" و"هدى" منهم لينحني يقبل يده ثم رأسه، وكذلك فعل مع "صفاء"، واقتربت "هدى" تحتضنهم بحب وهما يرددان:
_ كل سنة وأنتم طيبين.
ليتهافت عليهم أحفادهم يتسابقون على تهنئتهم، حتى "سندس" و"قمر" كانتا معهم يلقون عليهم التهنئة بخجل.
ضم "الجد حسن" أحفاده بامتنان وشكرتهم "صفاء" على تلك السعادة الغامرة بمفاجئتهم:
_ متشكرين يا ولاد، ربنا يرضى عنكم.
أمسك "حسين" ذراعها يجذبها نحو الطاولة:
_ تعالي شوفي باقي المفاجأة.
جذبت هي يد "الجد حسن" ليسير معها وكان "حسن" بجانبه حتى وصلوا إلى الطاولة ليدهشهم قالب الحلوى والترتيبات.
أشعلت "مليكة" الشموع وبدأت هي وإخوتها يغنون لهم حتى انتهوا، فطالبوهم بإطفاء الشموع، أطفأ الاثنان الشموع ليتعالى التصفيق من جديد.
لكن الجد فاجأهم وأشار لهم أن يصمتوا، والتفت إلى "صفاء" التي كانت تناظره بحب امتزج مع الخجل من عيون أحفادها التي تراقبهم، ليمسك يدها وتتشابك عيونهم في لحظة توثيق لحب عبر محطات وعاش سنين حتى شاخ أصحابه لكنه كان متوقداً بمشاعرهم المتجددة:
_ كل سنة وأنتِ رفيقة درب وحب عمر وسند سنيني يا أحلى "صافي" في الدنيا.
انتقلت عيون الأحفاد المتسعة بانتباه من الجد إلى الجدة ينتظرون إجابتها بشغف:
_ كل سنة وأنت حبيبي وأبويا وصاحبي وكل دنيتي، ربنا يحفظك ليا يا "أبو علي".
ليميل "حسن" ببطء يقبل وجنتها فيعود أحفاده للهتاف:
_ أيووو يا جدو يا جامد!
قالها "حسن" ليكمل "حسين":
_ سيدي يا سيدي على الحب!
_ عيني على الرومانسية يا تيته.
هتفت بها "مليكة" لينظر الاثنان نحوهم بخجل، حتى وبخهم "علي" وهو يقترب من والديه:
_ بس يا ولد أنت وهو وهي.
حملت "هدى" باقة الزهور وتبعت زوجها ليقدماها معاً لهما، أعطت "هدى" الزهور لـ "صفاء" التي فرحت بها وقالت وهي توزع نظراتها بين الاثنين:
_ متشكرة إنكم كنتم أعظم أم وأب في الدنيا.
احتضنها الاثنان وقال "حسن" لها:
_ أنتِ كمان كنتِ أحلى بنت ليا يا بنتي.
_ إحنا اللي بنشكرك وأنت مليت علينا دنيتنا بأحلى أحفاد في الدنيا.
هكذا علقت "صفاء" وهي تمسح دموع الفرح التي ترقرقت في مقلتيها.
ليحتضنها "علي" و"حسين" أيضاً يقبل وجنتها بحب.
كانت "قمر" تراقب هذه اللحظات بحسرة، تتمنى لو كانت استطاعت أن تعيش حباً كهذا، نظرت نحو "حسن" الذي يضم "سندس" ويشاركها الحديث بحب ظاهر، ونظرت حولها لتجد نفسها تقف وحيدة، تلك هي الصورة التي يجب أن تفهمها، "حسن" أصبح له حياة سعيد بها، وربما ما سمعته منه اليوم جعلها تعيد ترتيب أفكارها، فيبدو أنه يخفي الكثير خلف شخصيته الرزينة.
ذهبت عيناها نحو "حسين" الذي وقف بجانب "صفاء" ووالديه يحتضنها بحنان، تبصر مدى حبها له وتعلقها به، حتى أنها تتقبل منه مزاحه ومشاكسته لها، حتى "الجدحسن" ينظر له كأنه ابنه، شيء ما داخلها شعر براحة وهي تراه يبتسم ويضحك من صميم قلبه، ضحكته التي غادرت وجهه منذ زواجهم لتشعر دوماً بالأسى لأجله.
تعلم يقيناً أنه يحبها وهي كسرته حتى وإن كانت هي قد كسرت معه، لكن هو لا ذنب له بذلك.
_ يله أوقفوا جنب بعض، كل واحد جنب مراته لو سمحتوا وأنا "السنجل" البائس سوف ألتقط لكم صورة.
هكذا أشارت لهم "مليكة" ليتجمعوا كي يلتقطوا صورة تذكارية، لتنظر نحو "حسين" الذي تسمر مكانه:
_ يله يا "حسين".
لحظة وخزت قلبه بألم، وعن أي زوجة تتحدث شقيقته؟ كاد أن يعتذر لكنه تردد في ذلك وهو يجدها تنادي على "قمر":
_ يله يا "قمر" ما تيجي جنب جوزك يله يا بنتي.
ارتبكت تنظر له بتوتر لكنها اقتربت تقف في الطرف بالقرب منهم، رفعت "مليكة" هاتفها تحاول أن تضبط أبعادها:
_ "قمر" مش باينة في الصورة، "حسين" ضم "قمرة" كدة ناحيتك عشان تبان.
قبض على يده وفتحها بتوتر متجاهل حديثها، لكن شقيقته التي سلطت عينيها عليه بإصرار جعلته يمتثل لطلبها، مد يده يحيط ذراعها ويضمها إليه ليخفق قلبه بشدة من قربها، أغمض عينيه ورائحتها التي تخللت أنفاسه تغزو صدره فتضرب قلبه الملتاع بسهام عشقها يخبره أنه لا يزال أسيرها.
أما هي فلمسة يده على ذراعها وقربها منه أربكها، وضربت رعشة بسيطة جسدها تدغدغ قلبها بمشاعر ترجمتها أنها خجلاً منه.
*****************************
دخل شقته ليجد "ورد" تخرج من غرفته بوجه حزين تحمل كوب عصير، اقترب منها يسألها بقلق:
_ ماما إزايها دلوقت؟
تضاعف حزنها وهي تخبره بصوت متألم:
_ صحيت من مدة بس رافضة تاكل أي حاجة، اتحايلت عليها تشرب العصير مرضيتش.
أومأ لها برأسه وأخذ منها قدح العصير:
_ هاتي هحاول أنا معاها.
دخل الغرفة ليجدها تجلس على سريرها شاردة في عالم آخر، تمسح دموعها بأناملها فتسيل أخرى عوضاً عنها، كأن دموعها تأبى التوقف، بكاؤها الصامت آلمه، ليقترب يضع العصير بجانب السرير وينادي عليها:
_ "ندى" ... "ندى".
التفتت نحوه تناديه بلهفة:
_ "طارق"، عملت إيه؟ كلمته؟
جلس أمامها يربت على يدها بهدوء:
_ اهدي يا "ندى"، هحكيلك كل حاجة. أمسك يدها يضمها بين كفي يده يحاول أن يمنحها القوة، يحرك يدها يمنحها دفئاً قليلاً ويروي لها ما أخبره به ولده حتى انتهى ليجد دموعها تتساقط بقهر:
_ يا حبيبتي يا بنتي، متحملة كل دا وساكتة؟ كنت متأكدة إن هو السبب، يا خسارة تربيتي فيه.
أحاط وجهها بكلتا يديه يمسح دموعها بإبهامه ويلومها بشدة:
_ إحنا اتفقنا إنك تهدي، مش كدة خلينا نعرف نتصرف.
تعالت شهقاتها وقد ظنت أنه يعاتبها حتى وإن لم يفصح بذلك، لكن نظراته تكلمت لتقول مبررة:
_ والله يا "طارق" ما غصبتو، هو اللي قال موافق، وحياتك عندي ما أجبرتوش ولا ضغطت عليه حتى تقدر تسأله.
عاد يمسح دموعها المنهمرة وتنهد بحزن يهز رأسه يؤيد حديثها:
_ عارف يا "ندى"، كلنا غلطنا، إحنا غلطنا لما اخترنا، وهو غلط لما ما اتكلمش ووافق على جواز من غير فترة خطوبة، يمكن دا اللي بلوم نفسي عليه، لو كنا أديناهم فترة يتعرفوا على بعض ما كانش حصل اللي حصل.
_ وإحنا كنا هنعرف منين يا "طارق"؟ دا وافق من غير تردد.
انحدرت يده نحو كتفيها ثم عضديها يحدق بها ويقول بتفاؤل:
_ بس لسه فيه أمل يا "ندى".
_ إزاي؟ مش فاهمة فهمني.
_ "زياد" بيحبها أنا متأكد، وتأكدت النهاردة أكتر.
لوت شفتها بسخط وقالت متهكمة:
_ وإيه الفائدة يا "طارق"؟ أهو ضيعها من إيده.
أمسك يدها كأنه يحاول إقناعها:
_ بس مطلقهاش، يعني يقدر يرجعها.
هزت رأسها بقلة حيلة وقالت بصوت مختنق:
_ وفكرك هي هتوافق ترجعله بسهولة كدة؟ وإلا "سماح" هترضى بنتها ترجع؟ ما أنت عارفها دماغها ناشفة، و"زياد" باللي عمله رجع الماضي وفكرها باللي عمله جوزها فيها.
لوح بيده بعدم اكتراث وقال بضيق:
_ "سماح" مش مهمة، الأهم "رحمة" تقتنع.
_ "رحمة" بتحب أمها أوي، يعني "سماح" ليها تأثير عليها منقدرش ننكر دا.
حدق بها بامتعاض وقال يلومها:
_ "ندى" بلاش تقفلي علينا الأبواب كلها، ابنك عنده فرصة أدام هي بتحبه بس ادعي ربنا إنه يفهم إنه بيحب مراته، كدة هو اللي هيحارب عشان يرجعها.
تنهدت بيأس تدعو له بصدق:
_ ربنا يهديه ويصلح حاله، قلبي مجروح منه أوي، متخيلتش "زياد" الطيب يعمل كدة، دول كانوا سمن على عسل، طلع كل دا بيمثل.
مسح على ذراعها بعد أن عادت الدموع تتجمع في عينها:
_ خلاص يا "ندى"، اللي حصل حصل، وصدقيني هو بيحبها بس محتاج يقعد مع نفسه عشان يفهم.
هزت رأسها بتمني ليمد يده يمسح دموعها قبل أن يلتقط كأس العصير ويقربه منها لتشيح وجهها برفض:
_ مش قادرة أشرب حاجة.
مسح على وجنتها بحنان وقال يشاكسها مازحاً:
_ عشان خاطري... يله يا حبيبتي أنتِ ما أكلتيش حاجة من الصبح وعندك أدوية، يعني "زياد" باشا يعمل المشاكل وأنا حبيبتي تتعب وقلبي يتوجع عليها؟
ابتسمت تطالعه بعين دامعة ليتوسلها:
_ يله يا روحي اشربي.
قرب من فمها الكأس وسقاها العصير لترتشف منه وحاولت أن تبتعد لكنه أجبرها على شربها كاملة ليضع الكأس جانباً، فتنظر له بامتنان:
_ ربنا يحفظك ليا ولا يحرمنيش من حنيتك عليا.
مسح على وجنتها برقة وقال بحب:
_ وهو أنا عندي كم "ندى" في الدنيا؟ دي هي واحدة حبيبتي ونور عيني.
*******************************
كانت عيناه تراقب فرحتها ونظرات الانبهار التي تطالع أركان الجامعة بشغف فطرتها البريئة التي جعلتها تجهل الكثير من الأمور وإن كانت بسيطة. كان يقرأ بعض الأوراق في ملفها باندماج يطالع ما ينقصها عندما سبقها عن غير قصد، كانت تتلفت يميناً ويساراً تجذبها بعض الأمور وانشغلت في قراءة أسماء الكليات لتعود تنظر إلى الطريق أمامها فلم تجده، لتحتلها مشاعر من الخوف والرهبة وتجمع الدموع في عينها فزعة من فكرة ضياعها في هذا المكان، لتسرع خطاها تتعثر تارة وتعتدل أخرى، وعينها تتنقل بهلع بين الوجوه التي تسير أمامها.
أما هو فكان يخفض رأسه مندمجاً في قراءة تلك الأوراق حتى توقف والتفت إلى الخلف ليسألها عن شيء ليتفاجئ بعدم وجودها ليهرول راكضاً يبحث عنها بخوف ويقول بقلق:
_ رحتِ فين يا "نور"؟ هو دا وقته تضيعيني في المكان دا؟
ازدحام المكان بالطلبة زاد من توتره، عينه بدأت تمسح المكان برعب من فقدانها حتى توقف ليزفر أنفاسه بارتياح عندما وجدها تقف محتضنة حقيبتها وجسدها يرتعش مستندة إلى أحد الأعمدة العملاقة، اقترب منها حتى وصل إليها وقف أمامها يلهث أنفاسه، وبمجرد أن رأته حتى شهقت بلهفة وتشبثت به بخوف تخبره بعين باكية وصوت يهتز بفزع:
_ كنت فين؟ خفت أحسن أكون تهت.
نظر إليها بإشفاق يشعر بيدها المرتجفة تمسك بعضده بقوة، رفع يده يمسح دموعها بحنان ويقول بلطف يحاول تهدئتها:
_ اهدي يا "نور"، أنا لقيتك أهو متخافيش.
مسحت دموعها بيديها وحاولت أن تكتم شهقاتها وتسيطر على خوفها لتجده يمد لها كف يده ويقول مبتسماً:
_ امسكي إيدي كدة أطمن إنك ما تتوهيش تاني.
نظرت إلى يده الممدودة نحوها بتوتر ورفعت رأسها نحوه ببطء، ترددت بخجل لكنه تجاوز ترددها عندما أمسك يدها يجذبها خلفه يطالع الطريق أمامه كي يعفيها من الحرج، كانت تسير خلفه على استحياء، تركت له يدها مجبرة.
حتى وصلوا إلى صرح كبير، رفعت رأسها ليخفق قلبها بسرور عندما قرأت اللافتة المكتوبة ولمعت عيناها بالدموع وهي تجد نفسها تقف أمام حلمها:
"كلية التربية"، التفت لها بابتسامة عريضة:
_ يله عشان تحققي حلمك.
أومأت له وسارت خلفه تطيعه كطفلة تطيع والدها، حتى انتهى من تسجيلها ليجد الفرحة تغمرها لأنها تأكدت أنه وفى بوعده ووضعها على أعتاب حلم ظنته مستحيلاً، وصلا إلى السيارة جلست بجانبه وقبل أن يدير مفتاحه للمغادرة التفتت نحوه تخبره بامتنان:
_ متشكرة أوي.
أسعدته سعادتها وابتسم لها يشاكسها:
_ لا أنا مش عاوز شكراً كدة، أنا عاوزك تتفوقي وتكوني مجتهدة، ويا ريت لو تطلعي من أوائل دفعتك.
لتخبره بحماس امتزج بثقة وأمل:
_ إن شاء الله، هذاكر وأنجح وأكون من الأوائل كمان وأجيب تقديرات كويسة.
ضحك وقال مستنكراً:
_ يعني انسحبتِ بسرعة من الأوائل؟ يا ستي خلاص تقديرات تشرف ماشي، أنا موافق.
_ إن شاء الله.
تنهد وقال قبل أن ينطلق بسيارته:
_ خلينا نتغدى الأول وبعدين أروحك البيت وأنا أروح المستشفى.
اختفت ابتسامتها تدريجياً وقالت بتوتر:
_ نتغدى فين؟
قطب حاجبيه يوزع نظره بينها وبين الطريق بحذر:
_ نتغدى في مطعم، أنا عازمك يا ستي.
ارتبكت تطالع الطريق أمامها، تدلل يديها المتشابكتين بحرج وتقول بقلق:
_ أصل ما بلغتِش خالتي "شمس".
ليقول بضيق دون أن يلتفت إليها:
_ ملكيش دعوة بـ "خالتك شمس"، أنا هبلغها.
وصلا إلى ذلك المطعم الفخم ودخلت تسير جواره بتوتر تتلفت يميناً ويساراً تطالع ذلك العالم الغريب الذي دخلته، فحتى "حسام" عندما كان يأخذها إلى مطاعم لم تكن بهذا الرقي، انتبه لارتباكها ليهمس لها:
_ مالك يا "نور"؟
لتخبره بعفوية تهمس وعيناها تدور في المكان بانبهار:
_ شكل المطعم غالي.
ابتسم يشير لها نحو إحدى الطاولات:
_ ولا يهمك دي هدية قبولك في الكلية.
جلست على استحياء عيناها تراقب زبائن المطعم الذين يرتدون ملابس راقية لتتحرك يدها بتلقائية على ملابسها البسيطة، فتشعر بالحرج وأنه أدنى من أن تجلس في مكان كهذا لتخبره بحسرة وبنبرة بريئة:
_ مش كنا روحنا مطعم تاني أرخص من دا؟ شكل زباينهم عليوي وأنا خلجاتي يعني.
حدجها بنظرة مستهجنة أربكتها وجعلتها تخفض عينها نحو يدها المتشابكة بخوف لتسمع يأمرها بحدة:
_ ارفعي رأسك يا "نور"، مش عاوزك توطي رأسك أبداً، الناس هنا مش أحسن منك، أنتِ هتأكلي بفلوسك.
لتخبره ببراءة:
_ أنا معيش فلوس كتير.
ضحك ملء قلبه حتى أدمعت عيناه وسط دهشتها، ليتوقف يمسح دموعه ويقول لها يمازحها:
_ أنا معايا فلوس متخافيش، مش هنغسل الأطباق.
انفرج ثغرها بابتسامة حرجة وتقول بتلعثم وبلهجتها العفوية:
_ كتر خيرك، ما كانش له لزوم تكلف نفسك.
حدق بها لحظات أصابتها بتوتر وازداد توترها حتى احمرت وجنتاها بخجل وهو ينحني نحوها يهمس لها:
_ أنتِ مراتي وأنا عازم مراتي، وما فيش تكلفة بين الراجل ومراته.
ابتلعت ريقها بحرج وصمتت بعد كلمته التي بعثرت حالها، لتلملم شتاتها وتبني سوراً منيعاً حول قلبها من أن ينجرف خلف حديثه، فلم يكن سوى حديثاً هزلياً وهو ليس سوى شخص يساعدها.
****************************
حملت طبق "التشيز كيك" وكوب العصير واتجهت نحو تلك الغرفة المغلقة التي لم تدخلها منذ زواجهم، فهو يغلقها بالمفتاح عندما يخرج منها، ساقها الفضول إلى هناك واتخذت من طلب "سيف" منها مرافقة "نور" لشراء ملابس خاصة لكليتها سبباً لدخولها، طرقت الباب باضطراب عدة مرات حتى فتحه ووقف أمامها بجمود، لتقول بارتباك وهي ترفع ما تحمله:
_ جبتلك "تشيز كيك" عشان تجربه.
نظر لما تحمل ثم نقل نظره لها وقال ببرود قبل أن يستدير متجهاً نحو الداخل:
_ ما بحبش الحاجات دي.
_ طب جرب دا طعمه حلو أوي.
قالتها برجاء ليتراجع عن غلق الباب خلفه، لتتبعه عيناها تدور في المكان تمسح تفاصيله وتتفاجأ بتلك المجسمات المنتشرة، مكتب صغير خلفه مكتبة صغيرة ومنظمة خاصة بالرسم لتسأله بتعجب:
_ أنت بتعمل مجسمات؟
_ أيوه.
وضعت ما تحمل على المكتب واتجهت بلهفة نحو تلك المجسمات تتلمسها وتراقب تفاصيلها بدقة، لقد حملت لمسة احترافية جعلتها تهتف بلا وعي:
_ وااااو تحفة، برافوووو عليك!
أخفى ابتسامته ورسم البرود من جديد:
_ دي هواية وعادة في نفس الوقت، أنا بشتغل المجسم بنفسي مع إني بعمل نفس المجسم رقمي على "اللاب توب"، بس مش عارف بستمتع بالحكاية دي.
كانت عيناها لا زالتا متسعتين بانبهار تتنقل بين مجسم وآخر حتى استوقفتها عاصٍ حاملة لكاميرا رقمية، لتلتفت نحوه تسأله مستفسرة:
_ أنت بتصور المجسم وإلا طريقة صنعه؟ أنت بتعمل إيه بالكاميرا؟
_ أنا بصور مراحل صنع المجسم وكمان بصور فيديوهات تعليمية وساعات دعاية للمكتب عشان القناة.
كررت كلمته الأخيرة بدهشة:
_ القناة؟
هز رأسه مؤكداً:
_ أيوه أنا عندي قناة على "يوتيوب" و"إنستجرام" و"بيج" تسويقي على "الفيس بوك".
رفعت حاجبها بتعجب وهي تقترب منه:
_ أنت بتتكلم بجد؟ أنت عندك قناة؟
أومأ لها وأضاف:
_ وكمان عندي عدد "فلورز" مش بطال.
ثم أشار لها بسبابته واتجه نحو مكتبه:
_ استني.
فتح جهاز "اللاب توب" خاصته وبدأ يبحث عن قناته أدارة يريها عدد المشتركين واسم القناة وبعض الفيديوهات.
انحنت نحو الأمام تشاهد ما يريها لتتجمد فجأة، تحرك رأسها بلا استيعاب، فعقلها قد تشتت عندما وجدت صورتهما معاً لا تزال خلفية لجهازه، اعتصرها قلبها بألم لتجلد نفسها من جديد وهي تسأل نفسها عن مدى حبه لها، فعلى الرغم ما فعلته به لا يزال محتفظ بتلك الصورة، لكن وماذا ينفعها وهي تجد نفوره منها؟ حتى كلماته المقتضبة تشعرها بضيق من نفسها على ما فعلته به.
استمر يتنقل بين المواقع يوضح لها لتقول بتلعثم:
_ هبقى أنضم إن شاء الله.
حاولت الهروب بعد أن شعرت بالاختناق وهي تقارن خذلانها له بحبه الكبير لها:
_ عن إذنك، أسيبك تشوف شغلك.
قالتها قبل أن تنسحب حتى وصلت إلى الباب لتتذكر سبب وجودها هنا:
_ أه.. "سيف" كان عاوزني آخد "نور" تعمل "شوبينج" قبل الكلية ما تبدأ، ممكن؟
هز لها رأسه بالموافقة قبل أن يوقفها:
_ استني ثواني.
ثم فتح أحد الأدراج وأخرج بطاقة بنكية مد يده لها بالبطاقة:
_ اتفضلي.
اقتربت تلتقطها منه وتسأله:
_ إيه دي؟
_ دي "فيزا كارد" عشانك، أنا فتحتلك رصيد باسمك في البنك وهيتحولك رصيد كل شهر.
لتقول باعتراض:
_ بس أنا عندي "الفيزا" بتاعتي ومش محتاجة فلوس.
حدجها بنظرات حادة تنهي اعتراضها وقال بحسم:
_ طول الفترة اللي هنقضيها مع بعض أنتِ مسؤولة مني.
ها هو يجلدها من جديد وسخاؤه يجعلها تشعر بضآلتها أمامه لتومئ له وتنصرف من أمامه وقلبها ينبض بقهر كلما قارنت ما صنعته به بما يصنعه لها، وما إن أغلقت الباب حتى تنهد بحسرة يطالع ما جلبته له، انحنى يلتقط كوب العصير ويرتشف منه وأخذ قطعة صغيرة من "التشيز كيك" يدسها بفمه يمضغها بتوجس ويتمتم باستحسان:
_ والله مش بطال.
************************
جلست تمسح دموعها التي تحبسها أمام صغيرتها، شعرت بنيران القهر تنهش قلبها بلا رحمة، تعض على أصبعها بندم، فهي من سعت في إقناعها ظناً منها أنه عريس لا يُرفض.
وها هي تحصد نتاج تسرعها لتعود وتواسي حالها، وما كان ينقص "زياد" لترفضه؟ وهل كانت لتعلم الغيب وأنه كان يحب غيرها ولم يكن زواجه منها سوى ضماد لجرحه؟ تنهدت بحرقة تمسح دموعها المتساقطة بحسرة وتهون على نفسها:
_ هو أنتِ كنتِ هتشمي على ظهر إيدك يعني يا "سماح"؟
وأضافت تحدث نفسها بحيرة تحاول استيعاب ما حدث:
_ مهو كان بيعاملها كويس وشايلها من الأرض شيل، دا أنا قولت إنه بيعشقها مش بس بيحبها.
ثم ندبت حظ ابنتها بوجع:
_ عين وصابتك يا بنتي، عيني عليكِ يا ضنايا.
هزت رأسها بيأس تتذكر الماضي بأسى:
_ ويعني هو "محمد" مش كان بيحبك يا "سماح"؟ مش كان بيتغزل فيكِ وفرشلك الأرض رملة، "وهنبني بيتنا سوا ونملأه عيال، أنا عاوز ولاد كتير منك يا سماح".
عادت تمسح دموعها المنهمرة بحزن وتردد بكسرة:
_ وأهو حب غيرك ومسح حتى وجودك من حياته وطلع كل كلامه كذب في كذب، باين الرجالة كلها كدة.
طرقات على الباب جعلتها تنتفض بتذمر زاده إصرار الطارق، لتمسح دموعها بأكمام ثوبها وتنهض بامتعاض نحوه.
فتحت الباب لتستشيط غضباً وهي تجدها تقف أمامها لتربع يدها وتقول بانفعال:
_ خير؟ عاوزة إيه يا أختي؟ يا بجاحتك! وليكِ عين تيجي بعد اللي عمله المحروس ابنك؟
ابتلعت "ندى" كلماتها بتفهم فهي لا تلومها وطأطأت رأسها بخزي قبل أن ترفعه تطالعها بحرج:
_ عندك حق في كل كلمة قولتيها، مش هلومك يا "سماح" مهما قولتي، وأنا مش جاية أدافع عن ابني، ابني غلطان.
لوت شفتها بسخط وقالت مستهزئة:
_ طب كويس إنك تعرفي إنه غلطان، خليه يطلقها ومش عاوزين نشوف وشه، وحسبنا الله ونعمة الوكيل في اللي عمله في بنتي.
دعت بصدق وترفع يدها نحو السماء، لتشهق "ندى" بحزن وتقول برجاء:
_ طلاق إيه؟ لا سمح الله ما تقوليش كدة، ربنا يهدي سرهم ويصلح الحال.
لتصرخ بها بانفعال:
_ حال إيه يا أم الدكتور؟ بعد اللي قاله ليها وكسره للبنت؟ عاوزة البنت ترجع بعد اللي حصل؟
ثم صدرت منها ضحكة بقهر تسخر منها:
_ ليكون أنتِ جاية تقنعيها ترجع؟ "عال" والله، يعني مستكثرة حتى يجي ويعتذر؟
لتصيح بانفعال تتوعده بالألم:
_ طب دا أنا هخليه يحلم يشوفها.
رفعت "ندى" يدها تجمع أصابعها تحاول أن تشرح لها بعد أن رأت نوبة الغضب التي اجتاحتها:
_ اهدي يا "سماح"، أنتِ فاهمة غلط، أنا جاية أشوف "رحمة" ومش عاوزة حاجة أكتر.
_ بنتي نايمة.
لتشير نحو الخارج:
_ يله برة من غير مطرود.
جذب "ورد" التي استفزها حديث "سماح" وثورتها يد أمها تسحبها نحو الخارج رغم رفضها:
_ يله يا ماما خلينا نمشي.
هزت رأسها رافضة تقاوم يد "ورد" التي تجذبها وتقول بعين باكية تنظر لـ "سماح" التي أشاحت بصرها عنها بتحدٍ:
_ مش ماشية إلا أما أشوف "رحمة".
كانت "رحمة" غافية ليفزعها صوت الصياح المتعالي في الخارج، نهضت بثقل تتجه للخارج، فتحت الباب تسمع لطرد والدتها لـ "ندى"، لتركض نحوها بخطى جاهدت أن تكون سريعة فلم يسعفها وهن جسدها من الحركة السريعة، لتهتف:
_ ماما "ندى".
التفتت "ندى" وجدتها تقترب منها لتهرول نحوها "ندى" تحتضنها، وتدخل الاثنتان في نوبة بكاء شاركتهم فيها "ورد"، أخرجتها "ندى" من أحضانها تمسح دموعها وتخبرها بشوق:
_ وحشتيني أوي أوي يا بنتي.
نظرت لها وعيناها تشكو لها جرحها، ولسان حالها يقول: "أرأيتِ ما حل بي؟"، لكنها قالت بصوت مختنق:
_ أنتِ كمان وحشتيني يا ماما.
احتضنتها "ورد" بمحبة تعاتبها بلطف:
_ وأنا يا "رحومة" ما وحشتكيش؟
_ وأنتِ كمان يا "ورد" وحشتيني.
عادت "ندى" تضمها إليها وتهمس لها:
_ ممكن أتكلم معاكِ على انفراد؟
احتقن وجه "سماح" بعد أن استفزها طلب "ندى" وقالت بانفعال:
_ قصدك إيه على انفراد؟ عاوزة تستفردي بالبنت؟
وقبل أن تهم "ندى" بالإجابة محاولة التبرير، سبقتها "رحمة" وهي تجذب يد "ندى" غير عابئة بصراخ والدتها، لكنها اكتفت بأن تخبرها قبل أن تدخل:
_ ماما... ماما "ندى" مالهاش دخل.
دخلت "ندى" و"ورد" خلفهم "رحمة" التي أغلقت الباب خلفها، تاركة "سماح" تجلس في الصالة تستشيط غضباً من فعلتها:
_ اتفضلوا.
سحبت "ندى" يدها وأجلستها بجانبها:
_ تعالي يا حبيبتي.
تنهدت تستجمع كلماتها وترتبها بدقة محاولة تهدئتها، لتمنح ولدها وقتاً كي يتدارك نفسه كما أخبرها "طارق"، وربما يستفيق ويصلح ما أفسده.
خيم الصمت لحظات كسرته "ندى" عندما قالت ويدها على ذراع "رحمة":
_ أنا مش جاية أدافع عن ابني يا "رحمة"، ابني غلط وحقك تاخدي موقف منه، بالعكس أنا معاكِ في كل اللي أنتِ عاوزاه.
انسابت دموعها تحرق قلبها قبل وجنتها وقالت بصوت مبحوح:
_ يطلقني.
بهتت ملامح "ندى" وكاد قلبها أن يتوقف من شدة الصدمة، كانت تظن أن الطلاق رأي "سماح" فقط، لكن يبدو أنه رأيها أيضاً لتلومها:
_ ليه يا بنتي تخربي بيتك عشان ماضي؟ خلاص البنت اتجوزت وأنتِ تقدري تخليه يحبك.
تحولت ملامحها من الحزن إلى التحدي وقالت بثقة كأنها حسمت قرارها:
_ آسفة يا ماما، أنا مش مستعدة أحارب تاني، ابنك كسرني مرتين، والبنت اللي حضرتك بتتكلمي عليها مالهاش وجود، طلع كله وهم وتمثيل.
ابتلعت "ندى" ريقها بتوتر لكنها استمرت تحاول إقناعها:
_ ليه يا حبيبتي بتقولي كدة؟ "زياد" بيحبك بس هو لسه موهوم بالماضي.
ابتسمت بانكسار ساخرة من حديثها:
_ "زياد" يحبني؟ أنتِ بتضحكي عليا وإلا على نفسك يا ماما؟ "زياد" عمره ما حبني ولا حاول يحبني، "زياد" قافل قلبه على حبه القديم، كل اللي كان بيعمله كان بيرضي ضميره بأنه يمثل إنه بيحبني.
_ يا بنتي أرجوكِ، اديله فرصة، أنتِ محتاجة وقت ترتاحي فيه، خدي وقتك وفكري، بلاش تستعجلي يا "رحمة"، أرجوكِ.
اهتز جسدها بانفعال بعد أن طلبت منها إعطاءه فرصة، لتقرر إنهاء هذا اللقاء فهي قد حسمت أمرها وقرارها نهائي لا يحتمل النقاش، نهضت تقول بحدة:
_ آسفة يا ماما، أنا مش مستعدة أديله فرصة، لا دلوقت ولا بعدين، أنا اديته فرصة وهو خذلني، كل اللي أقدر أعمله عشان خاطرك أنتِ و"بابا طارق" إني مش هطلب خلع، وهستنى يطلقني من نفسه احتراماً ليكم أنتِ وبس.
نظرت لها "ندى" بقلة حيلة لا تستطيع أن تلومها، لتنهض وتقول بيأس وربما يكفيها أنها وعدتها أن تكون خطوة الانفصال الأولى منه لا منها:
_ كتر خيرك يا بنتي.
نظرت لـ "ورد" التي كانت تنصت لحديثهم بحزن وإشفاق، أومأت لها "ورد" نهضت خلفها، لتربت "ندى" على كتفها بحنان وتبتسم ابتسامة باهتة:
_ خلي بالك من نفسك.
تركتها وغادرت، لتندفع بعدهم "سماح" توبخها وتسألها عن ما أرادوه منها، لم تكن تسمع صراخ والدتها، كان تسمع صراخ قلبها المحطم وكرامتها التي تخبرها أنها فعلت الصواب.
****************************
دخل إلى شقته التي تسبح بالظلام، خمسة عشر يوماً مروا منذ أن رحلت وبلغ الشوق لها منه مبلغه، يتذكر كيف كانت تستقبله بابتسامتها الصافية وقبلتها الرقيقة على وجنته، رائحة الطعام الزكية تملأ المكان.
تلتقط منه كيس المقرمشات التي تعشقها وتخبره بنوع الحلويات التي أعدته له، ملابسه التي يجدها معدة، كلماتها الجميلة التي تنسيه تعبه، تلك التفاصيل التي كان يعتبرها عادية اليوم يدرك أنها كانت سر سعادته، خفق قلبه يلومه بلوعة، لقد أضاع قلباً عشقه.
خطى نحو الداخل وجلس على الأريكة بإرهاق، كل ركن في منزله يذكره بها، يبدو أن والده كان محقاً، لقد أحبها دون أن يعلم، مسح دمعة هاربة من عينيه يسقي نفسه تلك الحقيقة المرة، لقد أضاع محبوبته للمرة الثانية، لكن هذه المرة أضاعها بيده وغبائه، لكن حزنه عليها كان مضاعفاً، يبدو أنه أحبها بصدق، أصبحت أيامه بلا طعم بدونها، كأنها سلبته ألوان الحياة برحيلها حتى أصبح يعيش حياة رمادية قاسية.
طرقات الباب شقت سكون المكان لينهض متجهاً نحوه، فتح الباب ليجد "ورد" تحمل له طعاماً:
_ "زياد" حبيبي وحشتني، كنت فين كدة يا "زياد" تقلقنا عليك؟ لولا الممرضة بلغت "بابا" إنك بتبات في العيادة.
كنا اتجننا، ليه كده يا حبيبي؟ دانا ما صدقت لما العاملة" قالت إنها شافتك طالع السلم، جبتلك أكل وجيت، عامل إيه يا حبيبي؟
هز رأسه يخبرها بضعف:
_ الحمد لله.
دخل فدخلت خلفه تضع الطعام على الطاولة الوسطية أمامه وتقربها منه ليقول بوهن:
_ مليش نفس يا "ورد".
ربتت "ورد" على كتفه تحايله:
_ عشان خاطري يا "زيزو"، كل دا أكل "ورد" حبيبتك.
تعلقت عيناها بعينيه ليسألها بألم:
_ ماما عاملة إيه؟
جلست "ورد" بتوتر تخبره بحزن:
_ بقت أحسن النهاردة، أصلها كانت تعبانة من كم يوم من ساعة ما زرنا "رحـ..."
ابتلعت باقي كلماتها بعد أن أدركت تسرعها ليسألها بلهفة:
_ أنتم زرتوا "رحمة"؟ إزايها؟ عاملة إيه؟ وقالت إيه؟
تنهدت بأسى وأخبرته بصدق كل ما حدث حتى انتهت تبرر لها:
_ بصراحة هي عندها حق في كل اللي قالته يا "زياد"، أنا مش بلوم عليها.
ثم أضافت تعاتبه:
_ عملت كدة ليه؟ حرام! أنتم كنتم زي السمن على العسل، ليه هدمت كل دا؟
_ عشان غبي.
قالها يجهش بالبكاء لتنظر له "ورد" بإشفاق وهو ينهار أمامها:
_ ضيعتها مني يا "ورد"، ضيعت الإنسانة اللي كانت بتحبني، وعشان إيه؟ عشان إنسانة عمرها ما بصت ليا.
لتسأله بتوجس بما استنتجه عقلها وهي تربط الخيوط معاً:
_ "زياد"، هي البنت اللي أنت بتحبها "قمر" بنت خالتو "شمس"؟ أصلها قالت إنها زارتك في نفس اليوم اللي اتخانقت فيه أنت و"رحمة".
ظل صامتاً ولم يجبها لكن عينيه باحت لها بما يؤكد صدق ظنونها، لتخبره بما زاد ألمه وحسرته:
_ "قمر" عمرها ما كانت هتبصلك عشان هي أصلاً بتحب حد تاني.
_ "حسين"، مش كدة؟
ابتلعت ريقها بتوتر وكذبت تجاري كلامه:
_ أيوه، "قمر" بتحب "حسين" من زمان.
انهمرت دموعه بندم تضربه قلبه بقسوة وتؤنبه على ضياعها، نظرت له شقيقته بإشفاق:
_ حاول تصلح غلطتك يا "زياد"، أنت عندك فرصة، ما تستناش "رحمة" تديلك فرصة، اخلق أنت الفرصة لنفسك، بلاش تضيع "رحمة" من إيدك دي بتحبك أوي.
لينطق اعترافه أمام شقيقته التي ابتسمت بارتياح لأجله:
_ وأنا كمان اكتشفت إني بحبها.
لم يستطع النوم ومع نسمات الصباح الأولى وجد قدمه تسوقه نحو منزلها، انتظر حتى مضى بعض الوقت ليجد نفسه امام الباب طرقه
فتحت الباب، فاحترق قلبه وهو يرى وجهها الشاحب، وتلك الهالات السوداء التي ارتسمت حول عينيها، ويدها التي غُرِزت فيها "كانولا"؛ يبدو أنها لا تزال مريضة كما أخبرته شقيقته.
أما هي، فقد تسمرت مكانها لحظاتٍ عند رؤيته، لكن سرعان ما تذكرت ذلك الألم، لتسارع إلى إغلاق الباب قبل أن تنطق بكلمة. إلا أن يده سبقتها تمنعها من إغلاقه، وعيناه تتوسلان إليها وهو يقول برجاء:
_ "رحمة"، أرجوكِ اسمعيني، أنا آسف، وعارف إن كلمة آسف قليلة، بس سيبيني أفهمك.
كانت تنظر إليه بجمود، ولم تُحرك كلماته حتى ملامح وجهها، وكأنها لم تسمع شيئاً. عاودت دفع الباب ضاغطة على يده، فعاود هو مقاومتها هاتفاً برجاء:
_ أرجوكِ يا "رحمة" اسمعيني، هما كلمتين وهمشي، صدقيني.
تراخت قوة دفعها سامحةً لجزء من جسدها بالظهور، ما منحه شيئاً من الأمل، فابتسم محيطاً إياها بنظرة شاملة وقال:
_ وحشتيني.
رمقته بنظرة ازدراء، وربعت يديها بعدم اهتمام. ابتلع ريقه باضطراب؛ فهو يعلم أن طريقه لنيل رضاها طويل، لكنه عزم على المضي قدماً لإقناعها:
_ "رحمة"، أنا غبي، عارف إنك مش هتصدقيني، بس وحياتك عندي الفترة اللي بعدتِ فيها عني خلتني أعرف مكانتك عندي، خلتني أحس قد إيه أنا بحبك.
ارتجف قلبها رغم تصلب ملامحها، لكن هذه الكلمة التي تمنت أن تسمعها يوماً، أصبح مذاقها اليوم كالعلقم؛ طعنت قلبها بجرح جديد زاده قهراً. صمتُها جعله يدرك أنها تشك في حديثه، نكس رأسه بخزي قبل أن يرفع عينيه ويثبتهما عليها، قائلاً بتوتر:
_ عارف إنك مش هتصدقيني، بس والله هي دي الحقيقة، أنا بحبك يا "رحمة". كنت عايش في وهم حب تاني، ودافن حباً تحت ذكريات الماضي، لكن دلوقت أنا متأكد إني بحبك ومحبتش غيرك، أرجوكِ اديني فرصة.
طالعته بنظرة ساخرة؛ هل يظن أن بضع كلمات سترمم قلبها المحطم بعد أن سحقه دون رحمة، وألقى بظلال الماضي على روحها لتخنقها وترديها صريعة الخذلان؟ هي ليست "رحمة" التي كانت تغفر بطيبة قلب؛ هي اليوم تقف بقلب مهشم، نفضت طيبتها ونسيت كيف يكون الغفران.
تلاشت ابتسامته، وانطفأ الأمل في عينيه المحدقتين بها، عندما سمعتها تقول بصوت حازم
_كلمة واحدة عاوزه اسمعها منك...طلقني
يتبع