رواية براعم الحب الفصل التاسع عشر19 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل التاسع عشر19 بقلم رشا عبد العزيز
هناك صمت يؤلمنا، وهناك صمت يتعبنا، وهناك صمت يقتلنا، وهناك صمت يمنح قلوبنا وعقولنا هدنة، ولنا أن نختار أي صمت سيشعرنا براحة كي نطرق بابه.

رفع فنجان قهوته الساخنة يرتشف منها القليل، وأبخرتها تضرب أنفه تمنحه شيئًا من السكون. أسبوعان مرا منذ أن عادا من رحلة شهر العسل المزيفة، تعمد خلالها تجنب اللقاء بها؛ كأنه يعود قلبه على بعدها، ورغم لقاءاتهم القليلة لكن كلمات معدودة تشاركاها. تنهد بتعب، فقد أصبح يطحن نفسه في العمل كي يشغل عقله عن التفكير بها.

يحاول أن يخرس قلبه الذي يشتاقها، أصبحت له كالحلوى المسمومة؛ يتحسر عند رؤيتها ويموت إن قبلها.

ينبض قلبهما تحت سقف واحد، تشاركه الهواء ذاته، لكنه حرم قربها على نفسه، لن يهين نفسه مرة أخرى.

لقد تعلم الدرس القاسي وحفظ سطوره بوجع.
طرقات على الباب أعقبه دخول "سالي" بوجهها المبتسم كالعادة تقول بحماس:

ـ عاوزه أوريك حاجة.
وضع فنجان قهوته جانبًا والتفت نحوها مضموم الحاجبين يسألها بفضول:

ـ توريني إيه؟
مدت له يدها بورقة وقالت مبتهجة:

ـ شركة "MSLS" بعتت فاكس ولنك بكود خاص، شوف كدة الكود، أكد وصل على الإيميل الخاص.

أدار شاشة حاسوبه نحوه وفتحه يبحث عن الإيميل، اقتربت منه وانحنت قليلًا تتابع الشاشة بترقب ليعتصرها قلبها وهي تجد صورته برفقة زوجته تحتل الخلفية، غصة قلبها بلوعة محبوسة وجمرة الفقد تكوي قلبها.
حاولت أن تسيطر على مشاعرها تجاهه، وحمدت الله عندما وجدته يفتح ذلك الرابط فتظهر أمامها صور لتصاميمه التي بدأ تنفيذها على أرض الواقع، لتهتف بفرحة تلقائية تستر خلفها ألم قلبها:

ـ الله حلو أوي يا "حسين"، البداية برافو عليك، أكيد هتبقى تحفة.
كان يتنقل بين الصور بسعادة كبيرة، يطالع ثمار جهده بانتصار ليؤكد حديثها بشغف:

ـ فعلًا هتبقى تحفة.
ـ أنت شاطر يا "حسين"، ما شاء الله عليك.
ـ متشكر يا "سالي".
استمر هو يمرر الصور بدقة متناهية وهي تتأمله بقلب محترق حتى التفت إليها فجأة لترتبك بحرج.

فطن له هو ليقول برسمية:

ـ أنا هبعتلهم شكر وأطلب أننا نفضل على تواصل... متشكر يا "سالي".
تحمحمت بتوتر قبل أن تستأذن تنوي الخروج لتتوقف فجأة وتستدير نحوه تسأله:

ـ "حسين"، هو أنت فيك حاجة؟ زعلان من حاجة؟ شكلك متضايق.
هز رأسه نافيًا وقال بجمود:
ـ لأ.
ثم أضاف بشيء من السخرية:
ـ بالعكس، دا أنا راجع من شهر العسل!
أتبع حديثه بابتسامة عريضة وختم حديثه كأنه يغلق عليها جميع الأبواب:

ـ وأنتِ عارفة الجوازة دي كانت حلم بالنسبة لي.
بادلته الابتسامة باضطراب وانسحبت مغادرة بعد أن دعت له:
ـ ربنا يسعدك.
ظل ينظر لأثرها بحزن ويتمتم بتمني:
ـ ياريت كان لينا سلطة على قلوبنا يا "سالي"، كنت اخترتك.
ثم ابتسم وقال بتهكم موجع:

ـ على الأقل أنتِ متأكدة من حبك ليا.

أغمض عينيه وأرجع رأسه إلى الوراء يتذكر كيف كانت معجبة به منذ أن كانوا زملاء في الجامعة، وكم توددت له وأظهرت له إعجابها، لكنه كان دومًا يصدها ويضع حدودًا لعلاقتهم، فقلبه كان ملكًا لغيرها.

****************************
​عاد من عيادته يبحث عنها فنادى عليها:

ـ "رحمة".... "رحومة".... أين أنتِ؟

لكنها لم تجبه ليتسلل القلق إلى قلبه، وضع الأكياس التي كان يحملها جانبًا وأسرع يبحث عنها، لم يجدها في المطبخ فتجه إلى غرفة النوم ليسمع أنينًا أفزعه، اقترب منها بخوف ليجد جسدها يرتجف، وجهها تغطيه حبات العرق، تهمهم بكلمات غير مفهومة، مد يده يتلمس جبهتها لتلسعه حرارة جسدها.
خرج مهرولًا نحو الصيدلية الصغيرة التي في منزلهم، أخرج بعض العقاقير واتجه إلى المطبخ يحضر لها كأسًا من الماء.
اقترب منها وانحنى يرفع رأسها وينادي عليها وهو يدس حبة الدواء في فمها:

ـ "رحمة" اشربي الدواء.... "رحمة" يله أرجوكِ، حرارتك عالية.
فتحت عينها بوهن لكنها كانت كالمغيبة، دفع حبة الدواء داخل فمها بإصبعه وسقاها الماء ليريح رأسها على الوسادة من جديد بعد أن تأكد من بلعها للدواء.

ظل طوال الليل يضع لها الكمادات، يحاول خفض حرارتها حتى انخفضت ليتنهد بارتياح.
فتحت عينيها بتعب تشعر بألم في جميع أنحاء جسدها، كانت ملابسها شبه رطبة، حاولت النهوض مستندة على كف يدها ووقفت مترنحة، اتجهت نحو الخارج لتسمع حركة في المطبخ، اقتربت تقف عند أعتابه تسند جسدها على حافة الباب لتبتسم ابتسامة متعبة وقلبها يخفق بسعادة وهي تجد "زياد" يقف أمام الحوض يغسل الأطباق المتسخة، وهناك قدر يغلي على النار يصدر منه رائحة لذيذة، لتنادي عليه بصوت مبحوح من شدة المرض:

ـ "زياد".. حبيبي بتعمل إيه؟

استدار يطالعها بقلق واقترب منها بسرعة يتلمس جبهتها ليتنهد ويقول مبتسمًا:

ـ الحمد لله الحرارة مش عالية، أنتِ كويسة؟
أومأت له تجيبه بوهن:
ـ الحمد لله أحسن.
ليزفر أنفاسه يلومها:
ـ قمتِ ليه من السرير؟
لم يمهلها وقتًا لإجابة، أحاط جسدها يسندها حتى وصل بها إلى الغرفة ومددها على السرير لتقول معترضة:

ـ أنا بقيت أحسن يا حبيبي.

لينظر لها ويقول بحزم قبل أن يدثرها بالغطاء:

ـ لازم ترتاحي، أنا عملتلك شوربة هجيبلك تشربي شوية عشان تاخدي الدواء.

رحل وعاد بعد قليل يحمل حامل طعام يضع عليه كأسًا من العصير وصحنًا من الشوربة.
وضعها جانبًا واتجه إليها يساعدها على الجلوس ويعدل الوسادة خلفها، ثم جلس أمامها يطعمها وسط استمتاعها باهتمامه، تطالعه بحب وهو يغرف الطعام ويدسه في فمها برفق حتى انتهى ليقدم لها كأس العصير لتقول بانزعاج:

ـ مش هقدر أشربه.

لكنه أصر عليها وأمسك القدح يسقيها العصير بنفسه، ثم ناولها حبة الدواء لتقول له بامتنان:
ـ تعبتك معايا يا حبيبي.
ـ تعبك راحة يا "أميرة".
ليستطرد يمازحها:

ـ دا أنا ترعبت عليكِ امبارح، نسيت أصلًا إني دكتور، وقفت ساعة قدام درج الأدوية أحاول أفتكر اسم الدواء.

ليتفاجأ بها تسحب يده وتنحني تقبلها وتقول شاكرة:

ـ متشكرة أوي.

جذب يدها التي تمسك يده وانحنى يقبلها هو الآخر ويعاتبها بضيق:

ـ ما تقوليش كدة تاني، أنتِ تؤمري.

اغرورقت عينيها بالدموع وهي تقول بصدق:
ـ أنا بحبك أوي يا "زياد".

ابتسم لها واختنقت تلك الكلمة بين ثنايا صدره تأبى الخروج، ولم يستطع أن يبادلها اعترافها؛ يخشى أن يوهمها باعتراف مزيف وهو غير متأكد من مشاعره، لكن نظرة عينيها الراجية اضطرته أن يحاول تغيير مجرى الحديث للفكاهة ويقول ساخرًا:

ـ يله عشان تنامي وترتاحي، مش هترشيني بكلمة "بحبك" وتفضلي صاحية وأنتِ تعبانة!

رغم أنها حافظت على ابتسامتها لكن شيئًا ما نغز قلبها، كانت تتمنى أن يبادلها الاعتراف، رغم أن أفعاله تشعرها باهتمامه، لكنها كانت تتمنى أن تسمع، لتقول بتلعثم:

ـ كنت عاوزة آخد شاور.

شعر بالكسرة التي تخللت صوتها ولمعة الخيبة التي كست عينها ليشعر بذنب وقال بابتسامة عريضة:
ـ بس كدة؟ من عيوني.
ليباغتها بنهوضه وحملها بين ذراعيه لتشهق بفزع وتسأله مندهشة:
ـ بتعمل إيه يا "زياد"؟
مثل الانزعاج وهو يقطب حاجبيه:
ـ هوديكِ الحمام، مش قلتِ عاوزة آخد شاور؟ هتغيري رأيك ولا إيه؟
لتهتف باعتراض:
ـ أنا أقدر أمشي لحد الحمام.
ضمها بعناد وسار بخطوات بإصرار ينهرها:
ـ اششش.... مش عاوز أسمع اعتراض.
طالعته بعشق وقلبها يخفق بقوة بين يديه، وصل إلى الحمام وأنزلها بلطف يسألها بعبث:
ـ تحبي أساعدك؟
احمرت خجلًا قبل أن تدخل بسرعة تغلق الباب تجيبه من خلفه:
ـ لا شكرًا مش عاوزة مساعدة.
انفجر ضاحكًا وصاح متوعدًا:
ـ كدة يا "رحمة" بتغشي؟ ماشي!
اختفت ضحكته ينظر إلى الباب المغلق، يتنهد، ويضرب صدره بيأس ويلوم قلبه:
ـ وبعدين معاك؟ مش كفاية؟ انسى!

******************"**" ******
​عاد حاملًا علبة وباقة زهور صغيرة، دخل شقته وأثلج قلبه صوت القرآن الذي يصدح في المكان يمنحه الطمأنينة.

رائحة البخور والعطور التي تعبئ المكان تكسبه نقاء وهدوءًا ليبتسم بارتياح، وتعمد أن لا يصدر صوتًا ويسير بخطوات متسللة نحو الداخل، استغل انشغالها في المطبخ ليفتح تلك العلبة يخرج منها قالب الحلوى ويضعه على الطاولة وبجانبه باقة الزهور.
ثم اتجه بخفة نحو المطبخ ليجدها تقف مندمجة تعد الطعام، لتشعر به يقبل وجنتها فتجفل ملتفتة بخوف تضع يدها على صدرها تلتقط أنفاسها برعب وتقول له لائمة:
ـ خضتني يا "حسن".
ضحك يضمها ويقول معتذرًا:

ـ آسف يا روحي مش قصدي.

ظلت تلتقط أنفاسها المتسارعة حتى وجدته يبتعد عنها يطالعها بقلق ويعاود اعتذاره:

ـ حقك عليا، والله مش قصدي أخضك.

أومأت له وابتسمت فرحة بقلقه:
ـ ولا يهمك يا حبيبي.
ـ عامل لك مفاجأة.
قالها فأدهشها حديثه وسألته بتعجب:
ـ مفاجأة إيه؟
أدارها ووضع كفيه على عينيها يغطيها ودفع جسدها يرغمها على السير أمامه مغمضة العينين لتسأله بريبة:
ـ "حسين"، واخدني على فين؟
ـ تعالي يا حبيبتي ما تخافيش.
أوقفها أمام المائدة وفتح عينيها ليهتف مرددًا بسعادة:
ـ كل سنة وأنتِ طيبة يا روحي.
تسمرت مكانها تطالع قالب الحلوى وعينيها تلمع بالدموع، غطت فمها بكف يدها بدهشة قبل أن توزع نظراتها بينه وبين قالب الحلوى بسرور، لقد تذكر يوم ميلادها وهي التي لم تحتفل به يومًا لعدم اهتمام عائلتها بهذه المناسبات.
خفق قلبها بحبه مبتهجًا وهو يسقي قلبها بمشاعر تتذوقها بعشق، التفتت نحوه وارتمت بين أحضانه تضم جسده بقوة وتقول شاكرة بصوت باكٍ تخلت فيه عن خجلها تعترف له بصدق:
ـ متشكرة أوي يا حبيبي، بحبك يا "حسن"، بحبك يا أغلى حاجة في حياتي.
بادلها العناق وكلماتها ترضي كبرياءه فيبادلها الاعتراف بسعادة يتأوه بهيام:
ـ ياااا يا "سندس"، أخيرًا اعترفتِ! وأنا كمان بموت فيكِ يا قلب حبيبك.

وكأن اعترافه كان مفتاح انهيارها لتستسلم لدموعها الحبيسة وتسمح لها بالانسياب قسرًا، فتعلو شهقاتها التي أقلقته ليخرجها من أحضانه يلومها وهو يمسح دموعها:

ـ طب بتعيطي ليه؟ دا أنا بقولك بحبك، المفروض تفرحي.

ـ دي دموع الفرح يا حبيبي.

هز رأسه رافضًا وقال يستنكر بكاءها:

ـ مش عاوز أشوف دموع حتى لو دموع فرح.
وكأن كلامه أمر بالنسبة لها، توقفت دموعها ومحى هو بأنامله أثرها وابتسم قائلًا:

ـ يله عشان نقطع التورتة.

لكن عوضًا عن ذهابها للمطبخ وجدها تسرع نحو هاتفها وتحضره تلتقط صورًا للكعكة وصورًا لهما، كأنها تريد تخليد تلك الذكرى، وقررت أن تمازحه، سحبت يده تضعها أمام الكعكة ووضعت يدها بجانبها وقالت ضاحكة:
ـ هخلي الصورة دي "ستوري".
لتشحب ملامحها برعب عندما تبدل حاله وتحولت ابتسامته إلى صرخات ينهرها بغضب:
ـ أنتِ اتجننتِ؟ "ستوري" إيه وجنان إيه؟
انكمشت على حالها برعب وامتلئت عينيها بالدموع، لكن هذه المرة لم تكن دموع فرح، كانت دموع حزن، أدرك هو معها غلطته وإخافته لها ليزفر أنفاسه بقوة ويطالع خوفها منه ليجذبها بسرعة يحتضنها بقوة بعد أن أفسد فرحتها ويقول بهدوء:

ـ آسف يا حبيبتي، عليت صوتي عليكِ، معلش يا قلبي سامحيني، بس أنا بكره حكاية الـ"ستوري" والحاجات دي، ما أحبش حد يطلع على خصوصياتنا ولا يشوف أحداث حياتنا، حياتنا ملكنا أنا وأنتِ وبس.

ثم أضاف يبرر بطريقة أخرى:

ـ سامحيني، بس أنا بتعصب بسرعة وما بعرفش بقول إيه لما أتعصب، بفقد أعصابي، اتحمليني أرجوكِ.
ثم طرق بابًا آخر علها ترضى وتتفهم:
ـ أنا بخاف نتحسد يا قلبي، أنتِ بخاف عليكِ.
أخرجها من أحضانه يقبل جبهتها باعتذار ويسألها بلهفة:
ـ سامحتِني يا روحي؟
ابتسمت بصعوبة تحاول أن تتفهم غضبه وتتخطى تحوله المفاجئ.
ليمسح على شعرها بحنان يحاول أن ينسيها فعلته:
ـ يله خلينا نقطع التورتة.
هرول نحو المطبخ كي يحضر سكينًا، وظلت هي تنظر لأثره متعجبة من تصرفه.
*****************'' '' ********'*' **
​بين رائحة الريحان والزهور كان يرتشف الشاي ينظر إلى السماء الصافية باسترخاء ويتذكر ما حدث منذ شهرين أو ربما ثلاثة أشهر، لم يعد يتذكر ذلك التاريخ بدقة بقدر ما يتذكر ما حدث في ذلك اليوم عندما كان يسير متذمرًا تحت أشعة الشمس، يمسح حبات العرق عن جبهته بمنديله الورقي الذي اهترأ ليسقط ذلك الظرف فجأة منه، طالعه بمحتوياته التي تناثرت بسخط، ثم جلس القرفصاء يحاول لملمة محتوياته ويغمغم بضيق:

ـ يووه، هو أنا ناقص؟ مش كفاية البحث المتأخر!
لملم أغراضه ونفخ التراب من عليها قبل أن ينفضها ويعاود حملها، ليصل إلى مسامعه صوت شجار ناشب بالقرب منه، يبدو أنه بين فتاة وأحد الشباب يعاكسها.
كاد أن يتجاهل ما يحدث، لكن ساقه الفضول إلى الاقتراب بعد أن استفزه حديث الشاب الذي بدأ ينكر ويدعي أنها من كانت تنظر إليه.
اقترب من جمهرة الطلاب حولهم، وكلما اقتربت اتضحت صورة الفتاة ليسرع خطواته نحوها يبعد الشباب عن طريقه ليستطيع النفوذ من بينهم حتى وصل أمامها ينادي عليها:
ـ "مليكة".
توقفت عن الصراخ بوجه الشاب وتوبيخه والتفتت إلى ذلك الذي وقف ينظر بوجه متجهم:
ـ "دكتور أصيل"؟
اندفع نحو الشاب ووقف حائلًا بينه وبينها يصرخ غاضبًا:
ـ أنت إيه؟ معدوم الدم؟ واقف تبجح وتتخانق مع بنت بعد ما عاكستها؟
لتهتف من خلفه تحاول الدفاع عن نفسها:
ـ والله يا دكتور هو اللي وقف قدامي وبدأ يرمي كلام سافل.
رفع يده مشيرًا لها أن تصمت، ويقترب من الشاب الذي حافظ على ثباته المزعوم رغم توتره من نظرات "أصيل"، ليقول محاولًا تبرئة نفسه:
ـ دي كدابة، أنا ما عملتلهاش حاجة، هي بتبتلي عليّ!
لتصرخ مستنكرة:
ـ أنا بتبلى عليك؟ طب اسأل البنات، أهم كانوا شاهدين.
لتتعالى أصوات صديقاتها يؤيدون حديثها، لكنه التفت نحوهن نصف التفاتة وحدجهن بنظرة حانقة أخافتهن، كأنه يؤكد عليها أن تصمت قبل أن يقترب من الشاب الذي عاد بخطوة إلى الوراء عندما رأى اقتراب "أصيل" بنظراته الغاضبة المصوبة نحوه، ليجفل بخوف عندما أمسك ياقة قميصه وجذبه منها يهزه بعنف أرعبه:
ـ عيب لما راجل يكدب يله، دا أولًا، وثانيًا قبل ما تبص لبنت وتلسن عليها فكر في أختك وأمك عشان كما تدين تدان يا دكر، لو شفتك مرة ثانية قريب منها أو بتغلس عليها مش هرحمك!

ثم دفعه ليسقط على الأرض ويحدق به برهبة فهو يفوقه جسمانيًا، لينهض بسرعة وسط نظرات "أصيل" الحارقة ويبتعد بسرعة دون أن يلتفت.

أخذ يلتقط أنفاسه المتسارعة وعينيه تدور حول الشباب الذين تجمهروا يطالعون فقط ولم يتقدم أحدهم لمساعدتها.
وهز رأسه بأسف يحدث نفسه: هل انعدمت النخوة فينا؟ لينفض الجميع بسرعة بعد أن انتهى المشهد.
هبط يلملم أغراضه التي تناثرت على الأرض بعد أن سقطت منه عند اندلاع شجاره مع الشاب، لتحاول أن تساعده لكنه نظر إليها بحدة وقال بحزم ينهرها:

ـ ما توطيش.
نفض أغراضه من جديد ونهض، لتطالعه بامتنان وتقول شاكرة:
ـ متشكرة أوي يا دكتور.
علق نظارته الشمسية في فتحة قميصه الأبيض يجيبها بابتسامة هادئة:
ـ دا واجبي يا آنسة "مليكة".

ثم أضاف بشيء من اللوم:

ـ بس مرة تانية بلاش تحطي نفسك في موقف زي دا، حاولي تتجنبي الصدام مع النماذج دي لأنهم سفهاء.
وقبل أن تحاول الدفاع عن نفسها استرسل بلطف:
ـ عارف إنه عاكسك وأنتِ دافعتِ عن نفسك وأنا مش بلومك في الحتة دي، بس أديكي شفتِ هو بجح إزاي، المرة الجاية تجاوزي من غير ما تصدمي معاه، وإذا زودها كلمي أمن الجامعة هيتصرفوا معاه، فيه شباب بتحب تستفز البنات عشان يجروا كلام معاهم وبيستمتعوا بفرض الرجولة.

ثم ضغط على أسنانه بغيظ وقال:
ـ أشباه رجال مع الأسف.. لا عندهم غيرة ولا نخوة.
لاحظ حرجها من نصيحته ليحاول التخفيف عنها:
ـ بس أنتِ ما شاء الله عليكِ جدعة.

ثم أكمل يمازحها وهو يرى لمعة الدموع في عينيها ونظرتها الخجلة تخفض وتطأطأ رأسها بحرج، فخشي أن يكون قد قسى عليها بحديثه:

ـ أنتِ طالعة لخالتي "شمس"، أمي كانت دايمًا بتجول "شمس" جدعة.

كانت ردها ابتسامة خجلة لكنها باهتة، ربما مدحه لم يمحو تأثير حديثه ليقول بتلعثم مشيرًا إلى الطريق أمامه:

ـ ممكن أوصلك لغاية البوابة؟

احتضنت كتبها بقوة كأنها تحاول التماسك وهزت رأسها رافضة وهي تتجاوزه:
ـ متشكرة مفيش داعي.
شعر بذنب، ربما كان قاسيًا في نصحه، هي لم تخطئ، هي دافعت عن نفسها لكن ضد شخص مستهتر وفي زمان خاطئ.
لكنه لم يقصد، هو كان يخاف عليها أن تقع في مشكلة ذاتها مرة أخرى ولن تجد من يساعدها وربما يتفاقم الوضع، هي لا تزال صغيرة ومندفعة.
تبعها بإصرار حتى سار بجوارها وقال بحزم:
ـ اسمحي لي أكمل معاكِ، أنا خايف الولد يرجع تاني.
لتهتف بحنق متهكمة دون أن تلتفت إليه:
ـ هبقى أبلغ أمن الجامعة ويتصرفوا معاه.
ابتسم يتفاجئ من شراستها وهي ترد له نصيحته التي يبدو أنها أغاضتها، لكنه شاكسها:
ـ وأمن الجامعة ليه؟ أنا موجود.
لتقول باقتضاب:
ـ متشكرة.
خطواتها ازدادت سرعة كأنها تخرج غضبها بتلك الخطوات وتحاول الابتعاد عنه، ليقول متذمرًا يلهث أنفاسه:
ـ طب خفي شوية، مستعجلة ليه؟

ـ تقدر تمشي براحتك، أنت مش مجبر تمشي معايا.

تنهد بيأس لتخطر في باله فكرة يستطيع بها التخلص من سوء الفهم الذي حصل بينهم لينادي عليها بأنفاس متسارعة:

ـ طب استني بس، عاوز أطلب منك خدمة.
تباطأت خطواتها حتى توقفت، ليقف يلتقط أنفاسه أمامها وهي تشد من احتضان كتبها وتقول بضيق:

ـ اتفضل، أنا سامعاك.
ـ حضرتك مش بتدرسي في مجال ذكاء اصطناعي؟
ـ أيوه.
ـ طب أنا محتاج فيديوهات معموله ذكاء اصطناعي عشان أقدمها مع البحث بتاعي، ممكن؟
صمتت برهة كأنها تفكر وعيناها مصوبة نحو كتبها ليحاول حثها على الموافقة:
ـ أنا بصراحة كنت بدور على حد يساعدني، بس مادام أنتِ اختصاص يبقى ياريت تساعديني.
ظلت صامتة ليتوتر ويقول معتذرًا عندما استشعر رفضها:
ـ خلاص مادام ما تجدريش أشوف حد يساعدني.
تركها وسار خطوتين نحو الأمام، واتسعت ابتسامته عندما سمعها تقول:
ـ موافقة.

​عاد من ذكرياته يأخذ نفسًا عميقًا امتزج هواؤه برائحة الزهور والريحان ثم زفره بقوة، يتذكر كيف ساعدته وصنعت له ما يحتاج بإتقان، وكانت فيديوهاتها رائعة تخطت فيها مستوى الاحتراف.

وكيف تكررت لقاءاتهم في داخل الحرم الجامعي ليخفق قلبه بقوة وهو يتذكر عينيها الجميلة، ابتسامتها التي بدأت تجذبه رغما عنه، واستمع لنبض قلبه الذي يخبره أنها بدأت تحتل مكانًا فيه ويعترف لنفسه أنه أصبح يميل لها ولا يستطيع إنكار مشاعره نحوها.

ارتشف مزيدًا من الشاي وهو يشعر أنه يتجاوز حدوده بتلك المشاعر، فـ"مليكة" لا تزال صغيرة، وهي شقيقة زوج أخته وابن خالته، صاحبه ليؤنب نفسه: يجب أن يحافظ على حدوده معها.

وفي تلك الأثناء أعلن هاتفه عن وصول رسالة، فتح الهاتف لتعلو وجهه ابتسامة عريضة عندما علم أن الرسالة منها:

ـ شوف كدة آخر فيديو واديني رأيك.
طالع الفيديو المرسل له ليبتهج وجهه، يعلم أنها قد اشتركت في دورة صيفية لتقوية مهاراتها وأصبحت تطلعه على تلك الفيديوهات التي تعتبر بمثابة اختبارات بالنسبة لها، كتب لها مادحًا:

ـ بررررافو يا "مليكة"، تحفة، تسلم إيدك.
ـ متشكرة يا دكتور، عارف بقيت مش بطمن إلا لما أبعتلك الفيديو وتديني رأيك.
ـ يعني أنا الحكم الأول..
ـ يعني أنا بتحسن؟ قول الحقيقة.
ـ أنا بقول الحقيقة مش بجامل يا "مليكة"، الفيديو فعلًا تحفة وأنتِ بتتحسني بشكل رهيب، برافو عليكِ.
ـ متشكرة أوي، تصبح على خير.
ـ تصبحين على خير.

أغلق الهاتف يشعر بقلبه الذي يخفق بين أضلعه ليعود وينهر نفسه: هي لا تزال صغيرة، لن يخون أصحابه ويتعدى حدوده.

************************
​دخل شقته ليتفاجأ بتلك الجلبة التي ملأت المكان، كانت "أحلام" تقف أمام طاولة الطعام ترص بعض الأطباق، ثم تفاجأ بـ"ورد" تخرج من المطبخ تحمل أطباقًا أخرى، اقترب منهم بدهشة:
ـ مساء الخير.
التفتا إليه وأجابتاه:
ـ مساء النور.
اقترب من طاولة الطعام يطالع تلك الأصناف الموضوعة عليها ليقول متلذذ بعين متسعة:
ـ الله! إيه الجمال دا؟ إيه كل دا؟
نظر إليهم يحاول أن يسمع تبريرًا، لتخبره "ورد":
ـ لما عرفت ماما إن "رحمة" تعبانة قررت إننا نطلع نوضب الشقة ونشوف طلباتها ونعملكم أكل ونعزم نفسنا عليه معاكم.
قطب حاجبه يعيد حديثها وهو يلتقط قطعة خيار ويدسها في فمه:
ـ نعزم نفسنا عليه؟
ضحكت "أحلام" و"ورد" على مظهره وهو يلتقط الطعام من هنا وهناك يسألهم بفمه الممتلئ:
ـ أمال ماما فين؟
ـ في الأوضة مع "رحمة".
اتجه نحو غرفته وفتح الباب دون استئذان مندفعًا نحو الداخل يهتف مرحبًا:
ـ أم "زياد" عندنا؟ يا دي الهنا، يا دي النور!
لتجيبه "ندى" التي كانت تجلس بالقرب من "رحمة":
ـ أهلًا يا قلب أم "زياد" أنت.
اقترب يقبل رأسها وانحنى أكثر يقبل يدها بحب:
ـ إزيك يا ست الكل؟ وحشاني.
ـ حبيبي، أنت كمان واحشني.
اقترب "زياد" من "رحمة" ومد يده يتلمس جبهتها ليقول بارتياح:
ـ الحمد لله حرارتك طبيعية.
ثم تلمس وجنتها يسألها:
ـ إزيك دلوقت؟ أحسن؟
ـ الحمد لله يا حبيبي.
التفت نحو والدته يشكو لها:
ـ لو تعرفي خضتني إزاي.. لما لقيتها بتهلوس!
ربتت "ندى" على يدها تحمد الله:
ـ حبيبتي الحمد لله، ألف سلامة عليها.
لتقول "رحمة" بامتنان:
ـ تسلمي حبيبتي يا ماما.
ثم جلس بالقرب منها يوجه نظره نحو والدته ويقول مازحًا:
ـ تعرفي كانت بتهلوس بتقول إيه؟
لتضيق "ندى" عينيها قبل أن تضع يدها على وجهها متهكمة:
ـ بتقول إيه يا سيدي؟
ـ "زياد".... "زياد" حبيبي!
احمر وجهها بخجل لتتحرك "ندى" رأسها بقلة حيلة تضحك على الفكاهة، لتنهض لتقترب أكثر من "رحمة" وتضمها تدعو لهم بقلب صادق:
ـ ربنا يسعدكم يا ولاد ويرزقكم بالذرية الصالحة إن شاء الله.
لتقول "رحمة" بسرعة بتمني:
ـ آمين يا ماما....
ثم أضافت بشوق جارف للأمومة:
ـ ياريت يا ماما.. نفسي يكون عندي ابن وأبقى أم.
ـ إن شاء الله نفرح قريب، قلبي حاسس إن ربنا هيكرمكم قريب إن شاء الله.

كان يراقب المشهد ويشعر بالحزن وهو يرى شوقها لتصبح أم، بينما هو يتمنى أن لا يرزقان بطفل الآن حتى يتخلص من لعنة ذلك الحب الذي ينهش قلبه، ليهمس بسخرية:

ـ عيل إيه دلوقت؟ إحنا لسه صغيرين.. خلينا نستمتع بالحياة.

عبس وجهها وعاتبته "ندى" تنهر:

ـ ما تقولش كده يا حبيبي، الولاد رزق.
ابتعدت عن "رحمة" لتحيط وجهها بيديها وتخبرها بحب مبتسمة:

ـ دي "رحومة" هتكون أحلى أم في الدنيا.
بادلتها الابتسامة وقالت شاكرة:

ـ حبيبتي يا ماما.. وأنتِ هتكوني أحلى "تيتة".
مسحت على رأسها بحنان وقالت قبل أن تغادر:

ـ عن إذنكم يا ولاد، أروح أشوف البنات عملوا إيه قبل ما بابا يوصل.

غادرت "ندى" وعين "رحمة" تتبعها، فالتفتت نحو "زياد" تحدق به لحظات وتبتسم قائلة:

ـ عارف أحلى حاجة فيك إيه يا "زياد"؟ عيلتك، أنا محظوظة إن أهل جوزي بالجمال دا، ربنا يديم المحبة.

مثل الانزعاج يقترب منها أكثر حتى أصبح أمامها فانحنى يضرب جبهته بجبهتها، وابتعد يعاتبها:

ـ بقى كده يعني؟ "زياد" ما فيهوش حاجة حلوة؟
انفلتت ضحكتها على حنقه المزيف لتمد يدها تقرص وجنته:

ـ أنت دا.. أنت تجنن، كفاية عيونك الحلوين.

غمز لها بعبث وقال بنبرة ماكرة:

ـ دا أنتِ بتعاكسيني!
رفعت كتفها بلامبالاة وقالت بثقة:

ـ وماله؟ جوزي وأنا حرة أعاكسك براحتي.
ثم أضافت بتحدٍ تشاكسه:

ـ عندك اعتراض يا دكتور؟

ضحك يحدق بها وقال يخطف نظرًا نحو باب غرفته كأنه يشير إلى عائلته التي تقبع خلفه، وأخفض صوته يخبرها مازحًا:

ـ هو أنا أقدر أعترض؟ دول مناصرينك كلهم هنا!
رفعت سبابتها تهزها بتحذير تبادله مزاحه:
ـ شفت؟ خلي بالك يا "زيزو".
ليهز رأسه مستنكرًا ويضرب وجنتها بلطف يتوعدها:
ـ كدة يا "رحمة"؟ ماشي، يخلى لي الجو وأعرف إزاي أنتقم منك.

وقبل أن تجيبه سمعت صوت "طارق" في الخارج لتنتفض بفرح:

ـ بابا "طارق"!

ـ هي "أميرتي" فين؟.... يا "أميرة".. أين أنتِ؟ اظهر وبان عليكِ الأمان!

هكذا كان هتاف "طارق" الذي كان ينادي عليها.
لتغادر السرير بسرعة تلبي نداءه بسعادة، كان "زياد" يراقب خطواتها المسرعة نحو الباب ولهفتها للقاء والدها، يزفر أنفاسه بارتياح، ربما كانت صادقة فعائلته تعوضها عن ما كسر هو يومًا فيها، وبتلقائية مسح على قلبه يلومه:
متى أنت كمان تلين وتنسى وتحب بجد مش مجرد تمثيل؟

************************
​عاد إلى المنزل ودخل في صمت كما اعتاد، اتجه نحو غرفته لكنه تفاجأ بها تجلس على الأريكة تمسك بطنها متألمة وتحني جسدها ساندة رأسها على مقبض الأريكة، حاول أن يتجاهلها وتجاوزها بضع خطوات لكن قلبه تمرد عليه وأجبره على العودة خوفًا عليها، اقترب منها ليخفق قلبه برعب، مسح على رأسها لتنتفض وترفع رأسها، سألها بقلق:

ـ مالك يا "قمر"؟ أنتِ تعبانة؟ أوديكِ المستشفى؟.

اعتدلت تهز رأسها برفض ويدها لا تزال تمسك أسفل بطنها:

ـ لأ ملوش داعي.

طالع وجهها الشاحب ليجدها تغمض عينيها بوجع وتعض على شفتيها تحاول مقاومة ألمها.
ليقول مستهجنًا حديثها:

ـ ملوش داعي إزاي؟ شكلك تعبانة!

أسبلت أهدابها بخجل وقالت بتلعثم تحاول أن توضح له طبيعة ما يحصل لها:

ـ أنا متعودة على الحكاية دي كل شهر.

قالتها ونهضت بوهن، وقبل أن تتجاوزه تمتمت شاكرة:

ـ ما تاخدش في بالك.... متشكرة.

​التفت ينظر إلى باب الغرفة الذي أغلق خلفها ليفهم أنه زائرها الشهري.

​تمددت على الفراش تمسك بطنها وتضغط عليها عل تلك التقلصات تهدأ، وبعد وقت قليل سمعت طرقات على الباب واستأذنها ليدخل، فأدهشها عندما رأته حاملًا كيس ماء دافئ (القربة) وكوبًا من مشروب القرفة، خطى نحوها وأشار بعينيه نحو الكوب قبل أن يناوله لها.
لتعتدل تنظر له باضطراب تلتقط منه الكوب بتوتر، فقال بحرج:

ـ سمعت إن المشروب دا كويس في الحالات دي.

ثم وضع كيس الماء الدافئ بجانبها وقال
 وعينيه تهرب من عينيها المحدقة به:

ـ مش عارف بس يمكن المية الدافية تساعدك كمان.

عاد خطوتين إلى الوراء والتقت عيناه بعينيها ثواني، رأت فيها مدى قلقه عليها رغم ادعائه الجمود، لتقابله بنظرات شكر وامتنان، فلفظ لسانها بصدق:

ـ متشكرة.
أومأ لها بارتباك واستدار مغادرًا قبل أن يضعف، أحاطت الكوب بكفيها ترتشف منه القليل بصعوبة، واستمرت ترتشف منه رغم عدم تقبلها طعمه الحاد.

تنهدت بأسى تحاور نفسها، بل تعنفها، فيبدو أن "ورد" محقة، هو طيب القلب ليس كما كانت تظنه تافهًا، فرغم كل ما فعلت به لا زال يقلق عليها.

وضعت الكوب جانبًا قبل أن تسحب كيس الماء تضعه على موضع ألمها وتتمدد من جديد.

********************************
​عقد قرانه عليها في أجواء بسيطة، حفل زفاف بسيط وسط أهلها وفي مدينتها فقط لكي يعلم أقاربها وجيرانها.

حضره بعض منهم، كما حضر أقاربه وأبناء خالاته الذين وقفوا معه في هذا اليوم.
عيناه كانت تتنقل بين شخصين فقط كأنه لا يوجد سواهما، تلك الصامتة التي تجلس بجانبه كجسد بلا روح، ووالدته التي كانت تحدجه بنظرات كالسهام تعلم طريقها، رسائلها واضحة، وعدم رضاها عن تلك المسرحية لم يخف عليه.
ما بين عتاب ولوم طوقته نظراتها التي وترته، وما بين هذه وهذه التقت عيناه بعين "أصيل" الذي نظر له بحيرة، لا يعلم هل ما يفعله صديقه صواب أم لا، ليتنهد بيأس، فهرب بعينيه منه يخفضها نحو يده المتشابكة يستعد لحياته القادمة.

لكن ربما ما هون عليه هو سعادة "فرحة" و"جابر" وهم يحتضنونه بسرور كأنه أنقذهم من هم كبير، وليس هذا فقط، ربما حبهم الصادق له ضاعف سعادتهم.

حتى عند لحظة الوداع كانوا يردفون صغيرتهم بكلمات الثقة والاطمئنان وأنها مع رجل يعتمد عليه، وكأنهم يضاعفون حمله وشعوره بالمسؤولية تجاهها.

عادت معه إلى القاهرة، لكنها عادت وهي زوجته، كان يبدو عليها الخوف فوجهها شاحب، نظراتها ضائعة، يدها ترتعش بقلق عميق وظاهر في الوقت نفسه.

خطت خطواتها الأولى داخل ذلك المنزل الكبير، وقبل أن تخرج من شفتيه أي كلمة وجد "شمس" تحيط كتفها وتبتسم لها تحاول طمأنتها:

ـ نورتِ بيتك يا "نور"، تعالي يا حبيبتي، أنتِ أكيد تعبانة، خلينا نروح للجناح بتاعك.

تبعت "شمس" بطاعة وسارت معها وسط نظرات "سيف" التي تتبعها بدهشة:

ـ إيه؟ مالك متسمر كدة ليه؟ أمك بتنفذ الاتفاق بس.

صوت "فارس" الذي أبصر تعجبه ليحاول غلق أبواب الدهشة عليه، التفت له بسرعة مقطب الحاجبين يسأله ببلاهة:

ـ يعني إيه؟ مش فاهم!
سار بخطوات بطيئة حتى تجاوزه بخطوتين يوصل له رسالة حازمة:

ـ أنت اخترت الجواز يكون على ورق خلاص، يبقى تسكن هي الجناح بتاعك وأنت ترجع أوضتك عشان يا دكتور "ما اجتمع اثنان إلا الشيطان ثالثهما"، خليك قد كلمتك!
ليهتف بضيق مستهجن حديثه:

ـ بس أنا ما كنتش هقربلها حتى لو عشت معها.
لوى شفته ساخرًا وابتسم يخبره بتهكم كأنه يحسم النقاش:

ـ كدة أضمن يا دكتور.

تركه وسط أفكاره المشتتة: هل يعاقبونه؟ أم هم ينفذون بنود الاتفاق؟ أم يضعوه أمام اختياراته؟ أم هذا هو الصواب؟

أما "شمس" التي أدخلتها الجناح وحاولت طمأنتها تأخذها في جولة فيه وتريها تفاصيله الجميلة التي أبهرتها، وأشعرتها براحة منحتها نوعًا من السكينة، ابتسمت "شمس" بهدوء وهي ترى ملامح "نور" المشدودة تسترخي شيئًا فشيئًا، وشفتها المرتعشة تزينها بابتسامة استحسان:

ـ ها يا "نور"؟ عجبك يا بنتي؟

لتهز رأسها برضى وتقول بلهفة:

ـ أوي أوي يا خالة.

ضمتها "شمس" تمسح على ظهرها بحنان وابتعدت تخبرها بأمر:

ـ لا، أنا من النهاردة ماما، وأي حاجة تحتاجيها أنا موجودة، وأي حاجة ناقصاكي اطلبيها ما تتكسفيش مني.
أومأت تخبرها بخجل:
ـ حاضر.
ربتت على كتفها برقة قبل أن تغادر مستأذنة:
ـ أسيبك ترتاحي يا حبيبتي.
غادرت "شمس" المكان لتدور عيناها في المكان بحماس وهي تتذكر وعده لها بإكمال دراستها الجامعية.
***************************
​ألم أسنانها الذي تغاضت عنه تفاقم عليها ليضرب رأسها صداع قوي، تحاملت عليه وحاولت تجاهله، فهي لا تحب الذهاب إلى أطباء الأسنان وأجهزتهم التي تشكل الرعب بالنسبة لها.
حاولت وضع بعض القرنفل على موضع الألم عله يهدأ وتناولت قرص مسكن كي تخفف من صداعها، حتى سمعت طرقات على باب شقتها، اتجهت نحو الباب لتفتحه فتجد "هدى" تقف أمامها فرحبت بها بذهن مشوش:

ـ أهلًا يا خالتو.

تلاشت بسمة "هدى" التي كانت تزين وجهها وحل محلها علامات القلق بعد أن رأت شحوب وجهها لتسألها بخوف:

ـ مالك يا "قمر"؟ شكلك تعبانة!
لتشكو لها وهي تضع كفها على وجنتها:
ـ سناني وجعاني أوي.
لتمسح على عضدها تلومها بلطف:
ـ طب ليه ما رحتيش لدكتور يا بنتي؟
لتعقد حاجبها بتذمر وتخبرها بانزعاج:
ـ ما بحبش دكاترة السنان وبخاف منهم.
ابتسمت "هدى" ساخرة من امتعاضها وعاتبتها بححدة:
ـ وهو دا وقت تحبيهم وما تحبهمش؟ أنتِ هتناسبيهم يا "قمر"؟ يله غيري هدومك خلينا نروح لدكتور.
تبرمت بعبوس تتأفف كطفلة صغيرة:
ـ بخاف يا خالتي.
لتدفعها "هدى" نحو غرفتها بإصرار وقالت بحزم ضاغطة بخفة على ذراعها:
ـ يله بلاش دلع، مش أحسن ما تتحملي الوجع؟
ثم أضافت تحاول إقناعها:
ـ خلينا نروح لـ"زياد"، أهو ابن خالتك وهيراعيِكِ ويتحملك.
توقفت كأنها تذكرته لتلتفت نحو "هدى" وتهز رأسها موافقة، ثم تركتها تدخل لتغير ملابسها.
وعندما انتهت وهمت بالخروج تراجعت تنظر إلى الهاتف وتتذكر حقها عليه كزوج، حتى وإن كان زواجهم ليس حقيقياً.

بحثت عن اسمه وضغطت زر الاتصال، كان هو منهمكًا يعمل بدقة على أحد رسوماته وكاد أن يتجاهل الاتصال الذي استمر حتى انقطع لولا تكراره، لينهض يقطع اندماجه مع خطوطه واتجه نحو المكتب تفاجأ لرؤية اسمها والتقطه بسرعة يجيبه:

ـ ألو؟ أيوه يا "قمر".
ـ ألو "حسين"، أنا حاسة بوجع في سناني مش قادرة أستحمله......

وقبل أن يسمع باقي جملتها قاطعها بسرعة وبصوت مضطرب:

ـ تحبي آجي أوديكِ لدكتور؟

ـ لأ يا "حسين" ملوش داعي، خالتو اقترحت إنها تاخدني عند "زياد".
تبسم وقلبه يخفق بسعادة لأنه فهم أنها تستأذن للذهاب، ثم تنهد بارتياح واطمأن عند سماع اسم ابن خالته رغم استمرار قلقه عليها:

ـ فيه فلوس في درج السرير، خدي اللي تحتاجيه، ولو احتاجتِ حاجة كلميني.
ـ حاضر.
ـ مع السلامة.
​اقتربت من السرير وفتحت ذلك الدرج، أخذت بعض النقود، وقبل أن تغلقه لمحت خاتم زفافه (الدبلة).
مدت يدها تلتقطه ورفعته تنظر إليه وطغى عليها شعور الذنب وهي تشعر بقلقه عليها واهتمامه بها رغم غضبه منها.
كما طغى بريق الفضة التي لمعت كما لمعت الدموع بعينيها مع تضاعف ذلك الشعور وهي ترى اسمها الذي حفر على ذلك الخاتم
تعليقات



<>