
رواية براعم الحب الفصل الثاني والعشرون22 بقلم رشا عبد العزيز
هنالك جراحٌ لا تحتاج إلى دواء، بل تحتاج إلى زمنٍ كي ننساها ونمحو أثرها، وهناك جراحٌ تحتاج أن نغير جلدتنا حتى نتحمل ألمها.
ظل يطالعها بلا حراك، عينيه مثبتة عليها كأنه يحاول أن يستوعب؛ رغم أن شقيقته أخبرته بطلبها، لكنه ظن أن كلمة "أحبك" قد تكون كفيلة في نزع فتيل غضبها، لكن ما يراه الآن أنها زادت من عنادها وإصرارها.
_"أوعى تفتكر أن كلمة بحبك ممكن تنسيني اللي قلته واللي عملته، لا أنت واحد غشاش، أي كلام هتقوله دلوقت مش هصدقه."
_"بس أنا صادق المرة دي يا رحمة."
جملة قالها بترجٍ لعلها تقتنع وتمنحه فرصة، لكنه تفاجأ بأنها دخلت في نوبة ضحك ساخرة مزجت ألمها وخذلانها، تخبره بقهر بعد أن توقفت:
_"صادق؟ حلو صادق! يعني بتعترف أنك كنت بتكدب عليا كل الفترة اللي فاتت، وأنا الهبلة اللي صدقتك وحبيتك؟"
اشتدت نظراتها وتحولت ملامحها إلى تحدٍ وتوعد:
_"لكن لا، هدوس على قلبي يا زياد وأطردك منه، أنت متستهلش أصلاً وقفتي دلوقت قدامك، طلقني أحسن ما أخلعك."
ظل متسمرًا مكانه ينظر إلى الباب الذي أغلقته في وجهه بألم، اقترب يسند كفه عليه حسرة، ينكس رأسه متمتمًا بندم:
_"خسرتها يا زياد، خلاص."
رحل يجر أذيال الخيبة والندم. أما هي فانهارت باكية، قلبها ينزف بحرقة، وما تمنت أن تسمعه ذات يوم أصبح سكاكين مزقت قلبها بوجع وأنهكت روحها بألم.
*************************
كانت تراقب بحماس وخجل "قمر" وهي تري والدتها الفساتين التي اشتروها معًا، كانت رائعة وباهظة الثمن، فقد أعطاها "سيف" الفيزا خاصته وطلب منها أن تشتري لها كل ما يعجبها، لكنها تركت أمر الاختيارات لـ"قمر" بعد أن أبهرها ذوقها الرقيق وكأنها تعرف ما يعجبها.
أخرجت "قمر" ذلك الفستان ذا اللون الوردي تشهره لوالدتها وتنظر نحو "نور" تخبر والدتها بابتسامة مادحة:
_"شوفي يا ماما دا اختيار نور، شوفي جميل أد إيه."
تلمست "شمس" قماش الفستان وعيناها تشمله باستحسان لتنظر لها مبتسمة:
-"الله حلو أوي يا نور، تسلم إيدك."
أخفضت عينيها بخجل:.
_"متشكرة يا ماما."
لكن ما زاد حرجها هو حضور "سيف" الذي ألقى التحية على الجميع حتى ارتكزت عيناه عليها قبل أن تنتقل نحو "قمر" التي هتفت بلهفة:
_"تعالى يا دكتور شوف فساتين نونو الجميلة."
اتسعت ابتسامته واقترب منهم يجلس بجانب والدته ويطالعهم بسرور وهو يرى سعادتها رغم غطاء الخجل الذي كسى ملامحها، كانت كطفلة فرحة بملابس العيد:
-"وريني يا ستي اشتريتوا إيه.".
وكما فعلت "قمر" مع والدتها فعلت معه وهي تريه الفساتين واحدًا تلو الآخر، وهو ينتقد ويبدي رأيه الذي زاد من حرجها وامتعاض "قمر":
-"يا قمر دا ضيق، أكيد كنتِ اخترتِ حاجة أوسع."
لتقول بتذمر تضع الفستان على جسد "نور" التي ظلت متجمدة بتوتر:
-"يا سيف أهو كويس لا ضيق ولا حاجة."
لكنه أصر بعناد:
-"ضيق يا قمر."
لتجذب "قمر" يد "نور" وتقول بتحدٍ:
"تعالي يا نونو قيسي الفستان عشان نوري جوزك أبو دماغ ناشفة إنه مش ضيق."
وقبل أن تهتف بأي اعتراض وجدت نفسها تتبع "قمر" التي سحبتها نحو غرفتها بخطوات مسرعة.
"شمس" التي كانت تطالع المشهد بصمت أربكه، يعلم أن خلف ذلك الصمت ثورة مكتومة تخفيها تحت ستار الرضا، فوجدها تشغل نفسها عنه تطالع هاتفها تقلب صفحاته بسرعة يدرك معها أنها لا ترى ما أمامها، هي ترى أفكارًا تجوب رأسها وأنها تصطنع ذلك الانشغال، لكنه قرر أن يكسر ذلك الصمت ليجعلها تبوح بما يدور في رأسها، ليقول دون أن يلتفت إليها:
_"ساكتة ليه؟"
نفخت أنفاسها بضيق وقالت بهدوء مزيف:.
_"لو اتكلمت هزعلك."
ليعاتبها بحزن:
_"ليه يا ماما؟"
شعر بجسدها الذي تصلب من شدة انفعالها، تصك على أسنانها لتخرج كلماتها بغضب:
_"سيف، متستفزنيش، بص في وشها وأنت تشوف الفرحة عشان اشترت فستان جميل وعشان بتحقق حلمها، وأنا مش هنكر فضلك في دا يا سيدي، متشكر، لكن فكر معايا بعد أربع سنين وأنت بتنزع منها كل دا، قيمة الحلم مقابل سعادة وإن كانت السعادة دي مؤقتة، هتكون ولا حاجة."
حاول مقاطعتها يناقشها:
_"يا ماما..."
أمسكت ذراعه ولانت لهجتها بعض الشيء وقلت برجاء:
_"يا حبيبي أنت مش قادر تستوعب الموقف، البنت لسه صغيرة عايشة في بيئة منغلقة، أنت يا سيف دلوقتي هتخليها تعيش في بيئة مفتوحة وتتأقلم معاها، وبعد كده هترجع تقولها: لا لو سمحت دا مش مكانك، ارجعي مطرح ما جيتي، أنت فاهم التخبط اللي هيحصلها؟"
ثم أضافت بحقيقة مخاوفها أمامه:
_"كل دا مش بيهمني يا سيف، لكن نور لسه بريئة يا حبيبي، قلبها قلب طفلة، تفتكر في الأربع سنين دي وهي مراتك وأنت بالنسبة لها المسؤول عنها وسندها، مش هتميل ليك؟ قلبها مش هيتعلق بيك؟ عاوز في منتهى البساطة تيجي تقولها:
مع السلامة أنا كدة مهمتي انتهت، وتكسر قلبها للمرة التانية؟ كدة يا بني أنت هتقضي عليها."
تعلقت عيناه بعينيها وكلامها يدور في عقله كدوامات هوجاء يضيع بين ثناياها، لا يعلم ما الخطأ وما الصواب، لكنه تفاجأ بها تتوسل:
-"أوعدني يا بني لو ليك نية تكمل معاها فدا يوم المنى، نور بنت طيبة مش هلاقي ليك زوجة أحسن منها، ولو كنت مش هتكمل معها بلاش تعلقها بيك وخلي حدود في علاقتك معها."
قبل أن يجيبها صلح صوت "قمر" بانتصار وهي تجر "نور" خلفها حتى جعلتها تقف أمامهم:
-"شوف يا دكتور عشان تصدق كلامي."
تطلع لها بانبهار وهو يجدها تخلع عنها ملابس الطفولة وتبدو كامرأة بكامل أنوثتها رغم احتفاظها ببساطتها وبراءة عينيها. هنا أدرك صدق حديث والدته، "نور" ليست طفلة سيقنعها بقطعة حلوى كي يوقف بكاءها وينسيها حزنها، "نور" امرأة ناضجة تقودها مشاعرها، لكن مهلاً! لماذا رف قلبه عند رؤيتها؟
تحديقه بها جعلها ترتبك وجعل "قمر" تتسع ابتسامتها وتقول تمازحه وهي تنظر إلى والدتها:
_"إيه رأيك يا ماما مدام سيف لسه بيفكر؟"
_"جميلة أوي يا بنتي ما شاء الله تبارك الرحمن."
أجابتها "نور" على استحياء:
_"متشكرة يا ماما."
لتشاكسه "قمر" من جديد:
_"هااا يا دكتور، مسمعتش رأيك."
ليمثل الانزعاج قائلًا:
"كويس يا قمر، خلاص أنتِ اللي كسبتي."
رمقته بنظرة جانبية قبل أن تشير نحو نفسها بفخر:
_"دا أنا قمر الجوهري يا بني، عيني مقياس."
ليستهزئ بها:
"حوشي غرورك يا بنت الجوهري، أحسن طفح عليا."
ليضحك الجميع على استهزائه حتى "نور" التي كتمت ضحكتها بحرج.
لاحقًا في منزل "فارس"، حضر كي يشاهد مباراة مصركما دعاه "فارس"، والتي كان من المفترض أن تبدأ عند الثانية فجرًا.
وصل هو متأخرًا ليعاتبه "فارس" الذي استقبله بترحاب:
_"مش كنت تيجي تتعشى معانا؟"
اعتذر له كما اعتذر لخالته التي عاتبته ذات العتاب:
_"معلش أصل كنت معزوم عند واحد صاحبي، وأنا أصلاً أكلي خفيف بالليل."
_"شوف أهي فاتتك المكرونة بالبشاميل بتاعة خالتك."
اقترب منها يقبل رأسها بأسف:
_"حبيبتي أكيد تحفة، تسلم إيدك يا أحلى خالتو في الدنيا."
مسحت على ظهره بحنان:
_"حبيب خالتك أنت يا غالي."
حدجها "فارس" بضيق مزيف وقال يمثل الانفعال وهو يجذبها نحوه يضمها وينظر إلى "حسين" يمازحه وسط ضحكات "شمس":
_"إيه دا يا هانم؟ حبيبك مين؟ أنتِ ملكيش حبيب غيري، أهو عنده مراته تحبه زي ما هو عاوز."
قالها مشيرًا نحو "قمر" التي كانت تقف على مقربة تطالع المشهد بقلب يتألم. إشارة والدها نحوها جعلت عيون "حسين" تنتقل لها بتلقائية لتتعلق عيونهم ببعض لحظات في تواصل
بصري، حتى أنهاه هو عندما أشاح بصره عنها يلقي التحية على "سيف" و"شريف"، واتجه نحو الأريكة يطالع التلفاز معهم في انتظار بدء المباراة. تبعه "فارس" وجلس معهم بينما اتجهت "شمس" لتجلس مع "نور" في الجانب المقابل من الصالة.
بينما ظلت "قمر" متجمدة في مكانها وصورة واحدة تتكون في ذهنها يطبق على أنفاسها سؤال واحد، ترى ماذا سيكون موقف والديها منه عند انفصالهم؟ شعرت بحزن، ستتحطم تلك العلاقة بأبشع صورة، سحبت أقدامها تجبر نفسها على الحركة لتجلس برفقة "نور" ووالدتها.
اندمج الرجال في الحديث وكل منهم يعطي تصورًا للمباراة ويخمن نتيجتها، أما في الجهة المقابلة كانت "نور" تجلس على استحياء تشعر بالغربة عنهم، انتبهت "قمر" التي كانت تطالع هاتفها إلى شرودها فشعرت بالإشفاق عليها وهي تستذكر كيف كانت بريئة وبسيطة طيلة فترة تسوقهم، وكيف كانت عيونها تحمل حزنًا مخفيًا. حزنت لأجلها وهي ترى طفلة -وإن كان عمرها عشرون سنة- لكن ما حدث كسرها وكأن حياتها انتهت عند تلك النقطة. هي اليوم لا تلوم "سيف" على قرار مساعدتها فهي تستحقها، بل وتتمنى لو أخذت هذه العلاقة مجرى آخر وجمعهم الحب بدلًا من الشفقة والمساعدة. نهضت من مكانها وجلست بجانب "نور" تنهي شرودها، تشهر الهاتف أمامها وتقول ضاحكة:
_"تعالي يا نونو أوريكِ صور سيف وشريف وهما صغيرين، خلينا نضحك عليهم."
ضحكت "نور" وهي تطالع معها الصور لتشعر "قمر" بالسعادة وهي تراها تندمج معها، لكن في اللحظات التي تمسك فيها "نور" الهاتف تدقق الصور وتتنقل بينها كانت عينا "قمر" تهرب منها وتذهب إليه، تراقب اندماجه مع أشقائها وتبتسم بتلقائية عندما تراه يبتسم.
مضى وقت وبدأت المباراة وتعالت الهتافات والاعتراضات على الفرص الضائعة، ووسط ذلك الصراخ لمح "سيف" "نور" التي بدأت تتثاءب وعيناها يبدو عليها النعاس الشديد، ترك المباراة واتجه نحوها يحاول إعفاءها من الحرج وهو يجدها تقاوم النوم بصعوبة فقط لخجلها من المغادرة وتركهم، ليقول بأمر:
_"نور، أنتِ مش عندك كلية بكرة؟ يله روحي نامي وإلا عاوزة تتأخري في أول يوم؟"
أومأت له بطاعة وهمت بالنهوض.
حديث "سيف" وصراخ "شريف" المزعج أجبر "شمس" على إغلاق ذلك الكتاب الذي كانت تقرؤه، وخلعت عنها نظارتها الطبية تدعك عينيها وتحرك أصابعها المتشنجة من كتابة الملاحظات وتدوين المعلومات لتنهض بتعب، تقول لـ"نور":
_"خديني معاكِ يا نور، أنا كمان محتاجة أنام."
غادرت "شمس" مع "نور" بعد أن استأذنت، وبقيت "قمر" تشعر بضجر لكنها لم تكن تشعر بالنعاس، لتقرر صنع القهوة للجميع، ذهبت إلى المطبخ وعادت بعد قليل تحمل فناجين القهوة توزعها على الجميع لتقرر متابعة المباراة معهم.
جلست بجانب "شريف" الذي كانت أعصابه مشدودة، عيناه تتحرك مع الكرة بترقب، لكن ما هي سوى دقائق وأحرز فريق الخصم هدفًا جعلهم يصرخون بغضب.
التفت إليها ولكم ذراعها مازحًا وقال بانفعال مصطنع:
_"كله منك يا بومة، أنتِ السبب، جبتينا النحس."
دعكت ذراعها متأوهة والتفتت نحو "فارس" بضيق تشكو له:
_"شايف يا بابا بيعمل إيه؟"
رفع "فارس" كتفيه بلا اكتراث وقال لها مشيرًا نحو "حسين" مستنكرًا:
_"وبابا دخله إيه؟ جوزك أهو، اشتكي له أنا خلاص سلمته الأمانة، هو المسؤول دلوقت."
حديثه أصاب الاثنين بالتوتر لتصمت مرغمة، تتغاضى عن مزاح شقيقها المزعج.
لكن لم تمر دقائق أخرى حتى أضاف الخصم هدفًا آخر، لتتعالى الاعتراضات من جديد والصراخ على حارس المرمى كأنه يراهم! ضحكت "قمر" قائلة وهي ترى "شريف" يصرخ على حارس المرمى ويعاتبه بانفعال:
_"يا أهبل، وهو كده هيسمعك؟"
التفت إليها حانقًا لتشهق بصدمة وهي تجده يحملها، لتصرخ:
_"يا مجنون بتعمل إيه؟"
صرخ "فارس" و"سيف" يلومونه:
"ولد، سيبها، أنت واخدها فين؟"
لكنه تجاهلهم ليتفاجأ "حسين" به يجلسها بجانبه ويرفع ذراع "حسين" ليحيط به جسد "قمر" يضمها إليه كأنه يحبسها بأحضانه ويقول له بانفعال:
_"خلي مراتك جنبك، أوعى تسيبها أحسن خنقتني وهطلع غيظي فيها."
ثم تركه عائدًا نحو مكانه وسط دهشة وضحك "فارس" و"سيف" الذين تمتموا:
_"مجنون!"
ابتلع ريقه بارتباك وهو يجدها بين أحضانه ولم يكن حالها أفضل منه وهي تجد نفسها محتجزة بين ذراعه وصدره تسمع دقات قلبه المرتفعة، ابتعدت عنه بسرعة، وسحب هو ذراعه عنها ببطء لتعتدل وترفع يدها تعيد ترتيب خصلات شعرها المتبعثرة، لكنها لم تغادر مكانها، ظلت تجلس بجانبه تاركة مسافة بينهم تدعي اندماجها بالمشاهدة تخفي اضطرابها بقربه. هو أيضًا لم يكن حاله بأفضل منها، وحمد الله أن صوت التلفاز عالٍ ليضيع معه صوت قلبه الذي يخفق بشدة.
وبعد دقائق من التوتر تعالى صراخهم عندما أحرزت مصر هدفها الأول، هتف "شريف" و"سيف" وصفق "فارس" واكتفى هو بابتسامة.
التفت لها "شريف" وقال ساخرًا:
_"شوفتِ يا بومة جبنا جول إزاي من ساعة ما فارقتيني؟"
أخرجت له لسانها تحاول إغاظته وحركت رأسها مستنكرة كلامه، وما إن التفتت إلى الشاشة حتى كاد فريق الخصم أن يسجل هدفًا لولا حارس المرمى الذي أمسك الكرة، ليلتفت "شريف" هذه المرة نحو "حسين" ويقول بغضب:
_"امسكها يا حسين وحياتك، عندها طاقة سلبية."
ابتسم له "حسين" مجاملة، ورمقته هي بغيض، لكن فرصة أخرى ضائعة جعلته أكثر إصرارًا في طلبه:
_"يا ابني ارحمني وامسكها!"
ارتبك ونظرات "شريف" تحاصره وكأنه يطلب تنفيذ أمره بجدية، كادت أن تتفوه معترضة ليصرخ مرة أخرى مع فرصة ضائعة أخرى:
_"يا ابني امسكها!"
رفع يده بتوتر يحيط كتفها ليرتعش جسدها كما ارتعش قلبه بقربها، لكن ما حدث بعد قليل كان غريبًا، فقد أحرزت مصر هدف التعادل ليعلو الهتاف من جديد ويتجدد الأمل، فدخل "شريف" في نوبة ضحك يضرب كفًا بآخر وعاد يوجه حديثه له يحذره:
_"أوعى تسيبها."
ابتسم ابتسامة باهتة واحتقن وجه "قمر" وهي تسمع ضحكات "سيف" و"فارس" اللذان أيدا "شريف"، فقال "فارس" يمازحها:
_"معلش يا حبيبتي بس شكلك فعلاً أنتِ السبب."
ارتسم العبوس على وجهها وهي تمط شفتها بضيق تستهجن حديثه:
_"كده يا بابا؟ ماشي."
تأثر بحزنها رغم أنه يعلم أنه حزن مزيف ليضغط بعفوية على كتفها، رفعت رأسها نحوه ليبتسم ابتسامة بسيطة بالغت تحركت شفتيها معها قبل أن يهمس لها:
_"بيهزروا معاكِ."
أومأت له متفهمة وابتسمت له، لكن ابتسامتها كانت صادقة كأنها تشكره على مؤازرته لها. عادت عيناه تطالع التلفاز يخشى ضعفه أمامها، تنهدت بضيق عندما حادت عينه عنها، عادت تدعي اندماجها مع التلفاز، لكن عينها لم تكن تطالع المباراة بل كانت تعيش مباراة من نوع آخر ما بين عقلها وقلبها؛ أحدهما بدأ ينبض باهتمام لتفاصيله والآخر يذكرها بوضعهم، أحدهما يدعوها للاقتراب والآخر يحذرها، ربما قد فات الأوان.
لكنها وفي خضم ذاك الصراع وجدت عينها ترصد أبسط حركاته، وشعرت بيده التي انسحبت تفلت جسدها تجبرها على الابتعاد لتعتدل من جديد تشعر ببرودة جسدها الذي فقد الدفء بابتعاده. صراخ "شريف" الذي دوى فرحًا بعد أن أحرزت مصر هدف الفوز جعلها تنتبه لتلك الأفكار التي أصبحت تداهمها بقربه.
انتهت المباراة وعم الفرح بالفوز ليلتفت إليها ويقول بأمر:
_"يلّه يا قمر عشان نروح."
همت بالنهوض ليأتيه صوت "فارس" المعترض:
_"على فين؟ أنت هتبات عندنا، الوقت متأخر والفجر قرب يأذن، أوضة قمر موجودة وسريرها كبير يقضيكوا إنتوا الاتنين."
أصابه حديث "فارس" بصدمة ليرفض بسرعة:
_"متشكر يا عمي، الشوارع أكيد دلوقت مليانة ناس سهرانة، متخافش."
رفضه ووجه بحدة من "فارس" الذي أمره بحزم:
_"ولد اسمع الكلام، مزعلنيش منك."
ثم اتسعت ابتسامته يضيف في محاولة لإقناعه:
_"وبعدين أنا عازمكم على فطار ملوكي في الحسين، حلاوة الفوز."
_"حلاوتك يا بوب! أهو دي العزومات وإلا بلاش، مشاوي ولحمة رأس، حسين متضيعش الفرصة، أنا بنصحك."
هكذا هتف "شريف" ليؤيده "سيف":
_"أيوه يا بني، حد يضيع عزومة فارس باشا؟"
حاصرته نظراتهم تدفعه نحو الموافقة حتى وجد نفسه يقول بقلة حيلة:
_"خلاص موافق."
**************************
تمدد على ذلك السرير الذي هجره منذ أن غادرت هي المكان، استدار باتجاه مكانها الخالي ومد يده يتلمسه، برودته التي أصبحت تشبه برودة حياته بدونها، ليتنهد بحسرة قبل أن يسحب وسادتها ويحتضنها، يمرمغ أنفه على قماشها يستنشق عطرها العالق عليها، ليأخذ نفسًا عميقًا يعترف به لنفسه، لقد اشتاق لها، لتأخذه الذكريات إلى ذلك اليوم عندما كان يجلس على السرير يمسك هاتفه بيده ويتنقل بين المواقع ليفاجأ بها تندفع إلى الغرفة وعينها تدور في كل الاتجاهات كأنها تبحث عن شيء، انحنت ترفع غطاء السرير وتنظر تحته ثم نهضت تنظر جانبه ليسألها مستفسرًا بعد أن استشعر حيرتها:
_"بتدوري على إيه؟"
التفتت إليه تنظر له بارتباك وقالت بخجل طغى على كلماتها المتقطعة:
_"بدور على بيبو."
قطب حاجبيه بدهشة وسألها بفضول:
_"بيبو مين؟"
تحمحمت بحرج وهي تجيبه بتردد:
_"بيبو، الدبدوب بتاعي، أصلي ما بعرفش أنام من غير ما أحضنه."
كتم ضحكته حتى لا يزيد من حرجها وأشار لها نحو دولاب ملابسها:
_"شوفته مرمي على الأرض وحطيته في الدولاب."
ذهبت ناحية الخزانة بخطوات خجلة وأخرجته لتعلو شفتيها ابتسامة عريضة قبل أن تستلقي على السرير تدثر نفسها بالغطاء وتحتضنه تغلق عينيها تهرب من عينيه التي تتبعها بتعجب ليضحك عندما سمعها تقول:
_"متضحكش عليا، أنا متعودة ما أنامش من غيره، من صغري."
عاد من ذكرياته ولا زالت ابتسامة الماضي مرسومة على وجهه لتأخذه لذكرى أخرى، عندما توطدت علاقته بها وأصبحت تحتضنه بدل دميتها قبل أن تنام ليسألها مشاكسًا:
_"إيه دا؟ هو أنا بقيت مكان بيبو؟ أحسن بيبو يزعل."
ضحكت على كلامه وزادت من احتضانه تتمسح به بحب وتقول بهيام:
_"مش هيزعل عشان عارف إنك حبيبي، وحضنك عندي بالدنيا كلها."
عاد من ذكرياته هذه المرة يمسح دمعته الهاربة بوجع ويلوم نفسه بحرقة، يزيد من احتضان وسادتها يقبلها ويتمتم بقهر:
_"وحشتيني أوي."
***************************
تبعها بارتباك إلى غرفتها، فتحت له الباب فدخل بخطى متوترة، لكنها استأذنت منه وغادرت تاركة إياه يتجول في غرفتها بشغف، عينيه تتجول في جميع تفاصيلها وصورها الموضوعة على طاولة المذاكرة خاصتها، ثم انتقل إلى مرآتها وتلك الإكسسوارات التي وُضعت على طاولة الزينة، غرفتها تشبهها، أمسك زجاجة العطر وفتحها يستنشق رائحتها التي يعشقها، سارت عيناه على سريرها ليقترب حتى أصبح أمامه، كان واسعًا كما وصفه "فارس"، جلس على حافة السرير وسارت أصابعه على وسادتها ببطء تتلمس نعومتها، يتخيل وجهها عليه، لحظة إدراك صفعته فيها كرامته تنهره على تلك المشاعر التي خرجت منه بلا وعي منذ أن حطت قدماه تلك الغرفة، أخرج هاتفه من جيبه وحاول أن يشغل نفسه عن التفكير بها طيلة فترة انتظارها.
دقائق مرت ووجدها تفتح الباب تحمل وسادة وملابس، اقتربت منه بتوتر وقالت بصوت مرتبك:
_"دي غيارات جبتهالك من سيف عشان تبقى مستريح وأنت نايم."
التفت إليها يرسم الجمود على وجهه لينهض يلتقط منها الملابس يشكرها ببرود:
_"متشكر."
عيناها تبعته حتى أغلق باب الحمام الملحق بالغرفة، سحبت وسادتها التي كانت تتوسط السرير ووضعت وسادة خاصة له لتقرر أن تغفو حتى تعفيه وتعفي نفسها من الحرج.
بعد قليل خرج من الحمام يحمل ملابس ويضعها على الكرسي واقترب من السرير الذي احتل جسدها جزءًا منه، تمدد يواليِها ظهره ويستجدي النوم، لكن وهل يستطيع النوم وهي تشاركه سريره وتقاسمه أنفاسه؟
أما هي فقد هرب النوم من عينيها تنظر إلى ظهره وتلك المسافة التي تفصل بينهم تبتسم وهي تتذكر أحداث هذه الليلة لتتفاجأ به يستدير باتجاهها كما تفاجأ هو باستيقاظها لتسأله بخجل:
_"لو مش مرتاح أنا ممكن أخرج أنام في أي مكان تاني."
احتضن جسده بيده وقال بلامبالاة:
_"ملوش داعي، أنا بس متعود أنام على جنبي اليمين."
_"تحب نبدل؟"
_"لا، كدة تمام.".
ظل أحدهما ينظر إلى الآخر لحظات نسيا فيها الزمن وتناسوا وضعهم حتى أجبر عينيه على إغلاق أجفانه قبل أن يفضحه قلبه المرتجف بين أضلعه.
أما هي فلم تستطع غلق عينيها بل ظلت تحدق به كأنها تراه للمرة الأولى، تسأل نفسها لماذا بدأت تتقبل وجوده ولم تعد تنفر منه؟ أ لأنها تعلم أنها فترة مؤقتة؟ أم لأنها تراها فعلًا للمرة الأولى وأنها لم تكن تراه في الماضي؟
حل الصباح وأيقظه اتصال "فارس" الذي أخبره أنهم ينتظرونه، أغلق الهاتف يدعك عينيه التي لا زالت ترغب بالنوم ليفتح أجفانه المثقلة بصعوبة، اتكأ بمرفقه واعتدل، التفت ليجدها تغفو بجانبه، ابتسم ساخرًا بقهر، كم كان يحلم أن يفتح عينيه كل صباح على وجهها الجميل وها هو اليوم حلمه يتحقق، لكن بينه وبينها مسافة بعيدة. ظل يتأملها برهة من الزمن، لقد اشتاق للنظر لوجهها دون قيود ولم يستطع كبح رغبته في لمس خصلات شعرها، ليمد يده وقبل أن تلمس خصلاتها الناعمة تجمدت في الهواء وصوتها وهي تخبر "ورد" بعدم حبها له دوى في أذنه كجرس إنذار يوقفه عن تهوره، سحب يده بعنف كأنه يعاقبها وأزاح عن جسده الغطاء ينفض معه مشاعر تشعره أنه كان مغفلًا ذات يوم.
*************************
سار في ذلك الممر رغم أنه يعلم أنه ليس طريقه، لكن شيئًا ما كان يجذبه ليسير لعله يلمحها صدفة، بعدها واختفاؤها المفاجئ أثار ريبته، جعل يسأل نفسه هل أخطأ في كلمة؟ كان يسير وعقله يعيد عليه كلامه كشريط كاسيت يسرد ما حفظه، تنهد يؤكد لنفسه بثقة:
_"ما قلتش حاجة غلط يا أصيل."
ليكرر السؤال ذاته:
_"أمال اختفت ليه؟"
تنهد بشوق لم يستطع تجاهله ولام نفسه يعاتبها:
_"مالك يا أصيل، حالك متلخبط كدة ليه؟ ما تتقل شوية!"
رفع رأسه يحاول أن يخرج من دوامة أفكاره ليطالع الطريق أمامها، بدأ اليأس يتسلل إلى قلبه عندما أوشك أن يصل إلى النهاية، حتى لمحها تقف عند زاوية بعيدة مع إحدى زميلاتها، ظل ينتظرها حتى وجدها تبتعد عنها.
اقترب مدعيًا أنه رآها صدفة وقال بلهفة مبتسمًا:
_"إيه دا؟ مليكة! إزيك، إيه الصدفة دي؟"
بادلتُه الابتسامة باضطراب:
_"أهلًا يا دكتور، أهو بداية سنة جديدة وأنت عارف بحب أستعد من البداية."
طالعها باستحسان وقال مادحًا:
_"برافو عليك."
صمت لحظة قبل أن يسألها بتردد:
_"بس مبقتيش تبعتي فيديوهات، أوعى تكوني خسرتِ في امتحانات الكورس؟"
ابتسمت ابتسامة هادئة تخفي خلفها السبب الحقيقي وقالت بتلعثم:
_"لا الحمد لله، الكورس عدى على خير، بس حسين بقى اللي قيّم آخر فيديوهين."
بهتت ملامحه وابتلع باقي حديثه حين شعر بأنها تلمح لشيء، ربما أنها تضع حدودًا لها معه، وازداد توتره عندما اقتحمت عقله فكرة أن "حسين" ربما علم ومنعها من الحديث معه. صمته الذي طال أثار ريبتها لتقرر إنهاء هذا اللقاء عندما نظرت لساعة يدها وقالت كاذبة:
_"عن إذنك يا دكتور، بس أنا عندي محاضرة بعد دقايق وخايفة أتأخر، فرصة سعيدة."
تجاوزته قبل أن تسمع رده، تضع يدها على قلبها كأنها تربط عليه وتهدئ نبضه الذي تسارع عند رؤيته، أغمضت عينيها تغمغم:
_"هو دا الصح يا لوكا."
أما هو فتسمر مكانه ولم يلتفت حتى إليها، يوبخ قلبه المشتاق لها أن يتوقف، ويعزم على وضع حد لتهور ذلك القلب.
************************.
في أحد الكافيهات المطلة على نهر النيل، جلس أمامه يروي له ما حدث اليوم، وكيف أصر "فارس" على دعوتهم لطعام الإفطار، وكم كانت الأجواء جميلة، وكيف استمتع بتلك الوجبة اللذيذة، كان يثرثر وحده و"زياد" يستمع له بصمت حتى توقف وسأله بعد أن لفت نظره شحوب وجهه:
_"زياد، مالك؟ أنت بقالك فترة مختفي، قلت يمكن مشغول في العيادة أو في البيت، ولولا إني أصرّيت عليك إني أشوفك ما كنتش جيت. مالك يا صاحبي؟ وشك مخطوف وعينيك ذبلانة، هو فيه إيه؟"
تنهد بألم وقال بصوت مرهق:
_"تعبان يا حسين."
أصابه القلق ليربت على يده الموضوعة على الطاولة وقال بخوف:
_"اتكلم يا زياد، شغلتني."
سرد له "زياد" بلا وعي كل ما حدث كأنه يريد أن يلقي بثقل همومه، وحافظ على شخصية حبيبته مجهولة، باح له بكل شيء حدث ليجد وجهه قد تجهم، فقد تسلل الشك إلى قلبه فسأله:
_"أنا أعرف البنت دي؟"
أصابه التوتر ونفى بصورة قطعية وعينيه ترسم ثقة مزيفة:
_"لا أكيد، بقولك زملتي يا حسين، وحب من طرف واحد."
ليسأله بضيق:
_"أمال إيه اللي خلاك تتكلم تاني بعد ما قفلت الموضوع؟"
ابتلع غصة مرة وهو يتذكر خيانته له بندم، لكنه حافظ على ثباته يمثل الحنق منه:
_"ما قلتلك شفتها هي وجوزها في المستشفى."
قبض "حسين" على يده بقوة كأن ما يقوله "زياد" جمرة وضعت على نيران قلبه الخامدة فأشعلتها من جديد، ليقول بانفعال:
_"ولما أنتم قلبكم مشغول بتوافقوا على الجواز ليه؟"
كرر "زياد" حديثه بصدمة:
_"أنتم؟ أنت تقصد مين يا حسين؟"
تدارك ما تفوه به ليحاول تصحيح خطئه وهو يخبره بتلعثم:
_"أقصد أنت وافقت ليه عشان تنسى مش كدة؟ اعتبرت رحمة علاج حب فاشل، بس ما فكرتش بقلبها اللي انكسر ولا حطيت اعتبار لمشاعرها اللي دست عليها بالجزمة كأنها حجر من غير مشاعر."
استغرب طريقته الهجومية وحاول أن يبرر له بصدق:
_"لا يا حسين، أنا فعلاً كنت عاوز أنسى، وصدقني أنا حبيت رحمة، حبيت طيبتها وحنيتها، وكنت صادق لما طلبت فرصة تانية."
ابتسم ساخرًا وقال بتهكم:
_"بعد إيه؟ بعد ما دمرتها؟"
_"يا حسين أنت أكتر واحد عارفني، واللي حصل كان غصب عني، حسيت إني بكذب عليها وبظلمها."
_"وإيه الجديد؟ ما أنت فعلاً بتظلمها."
اختنق صوته وقال بحرقة:
_"اكتشفت إنها وحشتني أوي، وحياتي بدونها مالهاش طعم، أنا حبيتها يا حسين صدقني، الأيام اللي فاتت عرفتني مكانتها عندي، يمكن تضحك عليا وتقول حب بين يوم وليلة بس باين إنه مش بين يوم وليلة، أنا الظاهر كنت بحبها وبنكر، عايش في وهم زي ما حكى بابا."
_"وإيه فايدة الكلام دلوقت وهي رافضة؟"
كانت هذه جملة "حسين" الذي يعيش ما تعيشه "رحمة" ويشعر بوجعها.
_"طب أعمل إيه عشان ترجع؟ مستعد أعمل أي حاجة بس ترجع."
_"الزق لها."
كلمة قالها "حسين" مستهزئًا، لكنها رنت في عقله يكررها بتفكير حتى اتسعت ابتسامته وهتف بما جعل "حسين" ينظر له بدهشة:
_"يا حبيبي يا حسين، كنت عارف إنك هتساعدني، فعلاً دا أحسن حل."
مال "حسين" برأسه ينظر له بتعجب وقال ساخرًا:
_"أنت اتجننت يا ابني؟"
قهقه ضاحكًا يخبره بسعادة:
_"شكلي كدة يا صاحبي."
**************'' '*************
كانت جالسة في الصالة تقرأ وردها اليومي عندما انتفضت بفزع، وأغلقت المصحف بوقار قبل أن تضعه بجانبها، وتراجع قلبها في صدرها حين اقتحم الشقة كعاصفة هوجاء، يصرخ في وجهها بغضب جحيمي:
_"إنتِ عملتِ 'لايك' لصاحب الحساب ده؟!"
ارتعش جسدها بالكامل وهي تطالع هيئته التي لا تبشر بأي خير؛ ملامحه المشتعلة وحركاته العنيفة جعلت الأفكار تتشتت في رأسها، راحت تحاول جاهدة استرجاع ما فعلته، وما الخطيئة التي ارتكبتها لتستحق هذا الهجوم!
تعالى صراخه مجددًا وهو يقذف الهاتف نحوها، وعيناه تقدحان شرارًا:
_"ردي يا هانم! إنتِ عملتِ لايك ولا لأ؟!"
التقطت الهاتف بيدين مرتجفتين، وما إن وقعت عيناها على الصفحة حتى اتسعت عيناها بذهول؛ لم تكن سوى صفحة شاعرٍ رقيقٍ أعجبها ما يكتب، بل إنها كانت قد احتفظت بإحدى قصائده وأرسلتها له بالأمس تعبيرًا عن حبها.
رفعت نظرها عن الشاشة، وقالت بصوت متهدج تسبقه دموعها التي لم تستطع حبسها أمام هذا القهر:
_"أيوه.. دا الشاعر اللي بعتلك شعره إمبارح، وقلتلك إنه بيوصف حبي ليك!"
تسمّر في مكانه، وبدأت حدة نظراته تذوي وهو يرى دموعها تنهال، ويسمع تبريرها البريء الذي سحق جبروته في لحظة، لكنه سأل بنبرة خفت حدتها قليلًا، وإن ظل يغلفها الارتباك:
-"طيب.. وعملتِ لايك ليه؟"
تعالت شهقاتها وهي تقول بمرارة:
_"ما كنتش أعرف إن ده هيزعلك.. أنا بس الشعر عجبني، وكنت ناوية أبعتهولك أنت!"
لم تعد تقوى على الوقوف أمامه أكثر، رمت بكلماتها الأخيرة بقلب مكسور، وهرولت هاربة نحو غرفتها، تحتمي بداخلها من قسوته.
وقف في مكانه، مسح على وجهه بضيق شديد يلوم نفسه؛ فقد كانت دموعها كفيلة بإطفاء نيران غضبه، ليحل محلها شعور ثقيل بالندم على ما اقترفه لسانه في لحظة طيش وانفعال.
جلس بثقل يلوم نفسه وهو يسمع صوت بكائها، وبعد دقائق هدأ واتجه نحو الغرفة ليعتصره قلبه بندم وهو يراها تجلس على السرير تكفكف دموعها المنهمرة، اقترب منها بتوجس حتى جلس أمامها، لكنها أشاحت بوجهها المحمرّ من شدة البكاء إلى الناحية الأخرى تسمع نداءه الخافت دون أن تجيب:
_"سندس... حبيبتي."
طأطأ رأسه بخزي وقال باعتذار:
_"أنا أسف يا حبيبتي، أنا انفعلت عليكي، بس اعذريني، أنتِ عارفة إني عصبي."
رمقته بنظرة جانبية مستهجنة دون أن تعقب، ما جعله يتنهد بيأس ومد يده يسحب يدها وانحنى يقبلها ويعاود اعتذاره:
_"سندس، أنا اعتذرت وبعتذر تاني أهو."
لم تستطع التماسك، فتعالى صوت بكائها وكأن اعتذاره أصبح يؤلمها أكثر، وهل تكفيها كلمة اعتذاره لتغفر اتهامه؟
انهيارها الصامت قطع نياط قلبه ليجذبها يحتضنها بقوة رغم اعتراضها، يشدد من ضمها ويحاول تهدئتها:
_"متعيطيش يا حبيبتي أرجوكِ."
دفء أحضانه منحها الأمان لتتحدث تشكو له قسوته وتعاتبه بحرقة:
_"أنا ما كنتش أقصد يا حسن حاجة، أنا متربية وبنت أصول ومش هغلط، أنا مش مستهترة، وإن كنت هغلط ما كنتش هبعتلك الشعر."
مسح على ظهرها وقبل رأسها بأسف:
_"عارف يا روحي، أنتِ أحسن بنت في الدنيا، بس أنا بحبك أوي وبغير عليكي غصب عني، اعذري غيرتي عليكي يا قلبي."
تعالت شهقتها وقالت بصوت مبحوح تلومه:
_"بس أنت بتوجعني كده."
شدد من ضمها من جديد يعتصر جسدها بندم قبل أن يبتعد يقبل جبهتها قبلة طويلة، يحيط وجهها ويمسح الدموع بإبهامه:
_"سامحيني... والله غصب عني... بحبك... دا أنتِ أغلى عندي من روحي."
ظلت تحدق به لحظات لا تعلم بماذا تجيبه وقلبه لا يزال مكسورًا ليسألها بلهفة:
_"هاااا سامحتِني؟"
ترددت لحظات قبل أن تومئ له بالموافقة ليعاود احتضانها من جديد ويقول بسعادة:
_"بحبك."
أما هي فظلت تفكر داخل أحضانه؛ ترى هل أخطأت عندما سامحته؟ أم هو يستحق السماح؟ فهي ترى صدق حبه في عينيه.