رواية فلتر زائف الفصل الثاني والعشرون22 بقلم نرمين قدري

رواية فلتر زائف بقلم نرمين قدري
رواية فلتر زائف الفصل الثاني والعشرون22 بقلم نرمين قدري 
دخلت وسام ووجدت والدة زين تجلس تشرب فنجان قهوة، فجرَت إليها تحتضنها بحب وقالت لها:
على فكرة، وحشتيني أوي.
وعلى الباب ظهرت رنا، وهي تقترب من زين بسرعة، ثم أمسكت بذراعه مرة أخرى. هذه المرة أقرب من اللازم.
مالت عليه متعمدة حتى لامس كتفها كتفه، وقالت بصوت ناعم مصطنع:
- زين... كنت بدور عليك.
ثم وضعت يدها على صدره وكأن الأمر طبيعي.
وفي الداخل...
رفعت وسام عينيها، ورأت المشهد كاملًا.
اقتربت رنا منه بشكل فج، تلتصق به، وتضحك بطريقة متعمدة.
كانت رسالة واضحة للجميع، تخبرهم بملكيتها لزين.
كانت تعلم جيدًا أن وسام تحبه، وهو يبادلها نفس المشاعر، ولهذا... كانت تضغط على الجرح عمدًا.
أما أم زين... فكان الغضب يمتلك كل معالم وجهها.
ضيقت عينيها وهي تهمس لنفسها:
لا... البنت دي بتلعب لعبة قذرة جدًا، ولازم توقف عند حدها.
لكن الصدمة الحقيقية... لم تكن عند أم زين.
بل عند رنا نفسها. لأن زين... لم ينظر إليها أصلًا.
كان ينظر فقط إلى وسام، التي كانت تستحوذ على كل ذرة في كيانه.
وكأن يد رنا على ذراعه... لا تعني شيئًا.
أما هاني فقال بصوت منخفض:
البت دي معندهاش ذرة كرامة، أنا ما شفتش كده قبل كده.
ابتسمت رنا، لكن أعصابها بدأت تتوتر من نظرات الجميع لها. اقتربت خطوة، وقالت وهي تنظر لوسام متعمدة:
- غريبة قوي... كنت فاكرة إنك هتكوني أسعد بشوفك لينا مع بعض. إنتِ حتى لحد دلوقتي ما قولتيش لينا مبروك.
لم ترد وسام بسرعة، لكنها رفعت نظرها ببطء، ثم قالت:
- اللي بيشوف الأمور بشكل مختلف... مش معناه إن الحقيقة اتغيرت. وعلى العموم يا رنا، أنا فرحانالك من كل قلبي. يارب يديكي اللي تستاهليه، وألف مليون مبروك.
كان زين يراقب الحديث بصمت تام، لكن عينيه لم تفارقا وسام.
وكأن كل كلمة منها تسحب جزءًا من هدوئه.
لاحظت رنا ذلك، فابتسمت فجأة، ثم اقتربت أكثر من وسام، وقالت بصوت منخفض لكنه وصل للبعض:
- على فكرة... في حاجات كتير اتغيرت الفترة الأخيرة، وهتتفاجئي بيها. وخدي بالك، أنا ممكن أكون بعد كده رئيستك المباشرة لو وقعتي معانا عقد شراكة جديد، وأنا في الشغل مش بهزر.
ثم نظرت لزين وقالت:
- صح يا زين؟
هنا...
التفتت كل العيون إليه.
ثم قال زين بهدوء:
- مش وقته الكلام ده دلوقتي يا رنا. خلينا بس في الناس اللي برا، لازم نكون وسطهم دلوقتي.
قالت بدلع مبالغ:
من الواضح إنك مقولتش أي حاجة عن اتفاقنا، حتى تحديد معاد الجواز.
لكن هذه الكلمة... كانت كافية لإشعال كل شيء داخل وسام.
لم تنظر إليهم، لكن يدها ارتعشت للحظة خفيفة.
لا يلاحظها أحد... إلا شخص واحد.
همست ريهام لنفسها:
بالهوي بقى على البت الكيادة دي، يارب مجبهاش من شعرها.
ثم نظرت لزينت، التي أرسلت لها نظرة بأنها تصبر.
أما رنا...
فابتسمت. ابتسامة انتصار صغيرة، لأنها رأت الشرخ، وبدأت تضغط عليه.
ساد صمت بعد جملة زين الأخيرة.
"مش دلوقتي."
جملة قصيرة... لكنها فتحت بابًا لم يكن ينبغي فتحه.
التفتت رنا نحو زين، وقالت بدلعها المتعمد وهي ترفع يدها وتعدل ياقة قميصه بخفة.
ثم قالت بصوت منخفض، لكنه مسموع لمن حولها:
- واضح إنك مضغوط النهارده يا حبيبي بسبب الحفلة والناس، بس عندي فكرة... إيه رأيك نطلع نعلن لكل الناس برا معاد حفلة الجواز علشان يستعدوا؟ هتكون مفاجأة جامدة، وفرصة الكل متجمع.
لم يتحرك زين، أو يعترض، أو يلتفت لها، لكن عينيه أصبحتا أكثر حدة.
في الجهة المقابلة...
كانت وسام تقف مع ريهام وزينب، وتتظاهر بعدم الاهتمام، ولكن قلبها كاد يتوقف.
لكن رنا لم تكتفِ، بل اقتربت أكثر من اللازم، ثم وضعت يدها على ذراع زين مرة أخرى.
وقالت بابتسامة مصطنعة:
- تعال نكمل كلامنا بعيد عن الزحمة شوية. خلينا نتفق هنقول للناس الخبر ده إزاي.
همست زينت بغيظ وهي تجز على أسنانها:
- دي عقلها راح منها خالص.
أما هاني... فكان وجهه متصلبًا.
- هو ساكت ليه؟ بجد أنا مش فاهم. زين مستحمل الهبل ده ليه؟ إيه سحراله؟ ما هو لازم حد بقى يفوقه من الهبل ده. كل حاجة بتزيد عن حدها بتكون بايخة قوي، والبت دي طمعت في كل السماجة اللي في البلد.
لم تتحدث وسام، وتظاهرت بالابتسامة، لكنها كانت تشعر في داخلها... أن هناك شيئًا ينكسر بهدوء.
نظر زين إلى رنا أخيرًا، ثم قال بصوت منخفض:
- ممكن تسيبي إيدي؟ علشان أنا خلاص خلصت كل نقطة صبر جوايا، وبكده تصرفك هيزعلك قوي. وكفاية بقى العرض الرخم ده. علشان خلاص، بصي يا رنا، أنا بعترف أهو، أنا أسرعت لما وافقت أرتبط بيكي. إحنا مش شبه بعض في أي حاجة. سامحيني، مش هقدر أكمل في المسرحية البايخة دي، وإحنا الاتنين عارفين إننا بنمثل على بعض.
ابتسمت رنا بخبث وكأنها لم تسمع الاعتراض، وقالت:
- مش قلتلك يا روحي لازم ترتاح؟ واضح إن ضغط الحفلة مأثر عليك.
رد زين بحدة أكبر:
- رنا انا بعترف أن انا اسرعت في الارتباط 
وهنا فقط...
سحبت يدها ببطء.لكنها لم تبتعد.بل بقيت قريبة جدًا.
تتصنع الابتسامة 
استمرت الحفلة.كأن شيئًا لم يحدث.

كانت وسام لا تزال في الحفل تتحرك بهدوء بين الحضور.تسلم على البعض.تبتسم ابتسامة قصيرة.ثم تختفي بين الزوايا.دون أن يلاحظ أحد.أو هكذا ظن الجميع.
أما زين...فكان يقف في مكانه.
لكن عينيه كانت تبحثان عنها 
دقائق مرت.ولم يجدها.توقف.نظر حوله مرة أخرى.
نفس النتيجة.
لا يجد وسام.
تقدم خطوة.ثم خطوة أخرى.
واقترب من زينب التي كانت تتحدث مع أحد الضيوف.وقال 
- زينب...
التفتت إليه.
+ في إيه؟ يا زين عروسه الموسم اللي معاك عاوزه حاجة 
- وسام فين؟
أجابت بسرعة:
+ مش عارفة.
- إزاي يعني مش عارفة؟
رفعت كتفيها ببرود مقصود:
-+ هي مش طفلة يا زين.
لم يعجبه الرد.فابتعد عنها فورًا. ثم اتجه ناحية ريهام.
كانت تضحك مع هاني عند الطاولة الجانبية.
لكن عندما وصل إليهما...
تغير الجو فجأة. ووفرت ريهام أنفاسها بضيق قال زين بصوت رجولي 

- ريهام هي وسام فين؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة:
- مش عارفة. مش متعوده تاخد اذني قبل ما تتحرك
حدق فيها.
- يعني معقول أن تختم هتمشي من غير ما تقولك 
هزت كتفيها:
- واضح إنها مش حابة تبقى موجودة.هنا دي حاجة برجعلها 
تصلب وجهه.
- يعني إيه مش حابة؟
لكنها لم تجب.
بل عادت تكمل حديثها مع هاني وكأن الموضوع انتهى.
وقف زين مكانه.
لأول مرة منذ بداية الحفل...
يشعر أن هناك شيئًا خارج سيطرته تمامًا.
في زاوية أخرى...كانت رنا تراقب بصمت.تبتسم.
لكن هذه المرة ابتسامة مختلفة.
أهدأ.وأخطر.
نهاية الحفل...
مرّت دون أن تعود وسام.
في الأيام التالية...
لم تعد وسام إلى الشركة.
ولا ظهرت في الاجتماعات.
ولا في أي مكان معروف.
لكن العمل...لم يتوقف.
بل على العكس.
تقارير "الساحرات الثلاثة" كانت تُرسل في مواعيدها.
عروض جديدة تُقدَّم.حملات تُطلق.
ونجاح يتوسع بسرعة أكبر من السابق.
لكن الغريب...
أن كل شيء كان يأتي من "مكان غير معروف".
تعديلات تُرسل من حسابات مشفرة.
ملفات يتم رفعها في أوقات غير متوقعة.
وأفكار تسويقية أقوى من قبل.
وكأن وسام موجودة...
لكن دون أن تكون مرئية.
مر أسبوع.ثم أسبوعين.ثم شهر كامل.
زين بدأ يفقد توازنه تدريجيًا.
في البداية...
ظن أنها مجرد فترة هدوء.
ثم بدأ يسأل بشكل غير مباشر.ثم مباشر.
لكن الإجابة كانت دائمًا واحدة.
- مش عارفة.، مش موجودة.، ما عنديش فكرة.
حتى زينب...بدأت تتجنب الإجابة.وهذا أكثر ما أثاره.
وفي إحدى الليالي...
كان زين في مكتبه.الليل متأخر.والشاشة أمامه مليئة بالملفات.لكن لا شيء يُقرأ.
فتح ملف "الساحرات الثلاثة".
نظر إلى آخر حملة.ثم آخر تحديث.ثم توقيع التنفيذ.
توقفت يده.لأن التوقيع...كان مألوفًا جدًا.أسلوب وسام.
دقتها.اختياراتها.حتى طريقة ترتيب الجمل.أغلق الملف فجأة.ثم أعاده فتحه مرة أخرى.كأنه يحاول إنكار الحقيقة.

لكن الحقيقة كانت واضحة.هي ليست غائبة.
هي فقط...اختارت مكانًا لا يراه فيه أحد.أغلق الحاسوب ببطء.ثم أسند رأسه إلى الخلف.وعيناه ثابتتان على الفراغ

وفي مكان آخر...
بعيد عن كل الأعين...كانت وسام تعمل بهدوء.مع ريهام وزينب.
ثلاث شاشات.ثلاث عقول.مختلفتة مجنونه 
ومشروع واحد يكبر بصمت.
قالت زينب وهي تراجع الأرقام:
- إحنا دخلنا سوق جديد بالكامل من غير ما حد ياخد باله.
ضحكت ريهام وقالت بثقة:
- عادي... ما إحنا الساحرات الثلاثة.
اكتفت وسام ب ابتسامتها الخفيفة.الواثقة.
ثم قالت بهدوء:
- خلي نجحنا هو اللي يرد.مش إحنا. الناجح بيثبت نفسة قدام الجميع 

مع استمرار غياب وسام...
بدأت رنا تتحرك بشكل مختلف تمامًا.لم تعد تكتفي بالوجود داخل الشركة.بل بدأت تخرج إلى العلن.
في البداية...
كانت تظهر بجوار زين في مناسبات عمل بسيطة.
ثم اجتماعات مع عملاء.ثم مؤتمرات صغيرة.
وبهدوء شديد...بدأت الصحافة تلتقط الصور.
"زين وخطيبته في حدث اقتصادي مهم"
"ظهور جديد لرنا بجانب رجل الأعمال الشاب"
"ثنائي الأعمال الجديد في السوق"
كانت رنا تبتسم في كل صورة.
تقترب قليلًا أكثر مما ينبغي.
وتتعمد الظهور في زاوية واحدة مع زين.
حتى لو لم يتحدثا كثيرًا.
أما زين...
فكان صامتًا.لا يعلّق.ولا يرفض بشكل واضح.
وكأن ذهنه في مكان آخر تمامًا.
وفي إحدى الليالي...
اجتمعت وسام وريهام وزينب في مكالمة جماعية .
قالت زينب بجدية:
- الوضع خرج عن السيطرة.و زين تقريبا كده مراقب كل تحركاتي علشان كده قلت نعمل مكالمة بدل ما نتقابل 
إضافت ريهام وقالت بغضب 
- رنا بقت بتلعب على الإعلام. بشكل مباشر وكأنها بتحاول تقولنا انا اهو 
كانت وسام هادئة بشكل مقلق.ثم قالت:
علي فكرة ده مش لعب.،ده تمهيد لسيطرة كاملة.
ساد الصمت.ثم أكملت:
- هي مش بس بتحاول تسيطر على زين...
هي بتحاول تدخل الشركة من بابها الكبير.
زينب عقدت حاجبيها:
- تقصدي إيه؟
ردت وسام بهدوء:
- رنا بدأت تدخل في صفقات خارجية.
وتتواصل مع عملاء باسم الشركة.
من غير ما الرجوع للإدارة أو حتي زين .
ريهام صدمت:
- إنتِ متأكدة؟
وسام رفعت ملفًا على الشاشة.
- عندي تسجيلات. وتحويلات مالية مش مفهومة.
ثم أضافت:
- وفيه حاجة أخطر...
تقدمت زينب:
- إيه؟
قالت وسام:
- في عميل كبير بيتم التلاعب بيه علشان يوقع عقد ضخم.بس الشروط مش لصالح الشركة.
لصالح طرف واحد بس
تعليقات



<>