
رواية فلتر زائف الفصل التاسع عشر19 بقلم نرمين قدري
الفصل التاسع عشر
تجمد الجميع في المكان وكأنهم تماثيل بدون روح .وتجمد الزمن.و تجمدت معهم وسام في مكانها. وكان روحها انتزعت منها وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
بينما كانت رنا تنظر إليها من بعيد.ونظرة الانتصار تملأ عينيها.
أما ريهام...فوقفت مصدومة.وجحظت عينيها
و شهقت زينب غير مصدق ما تراه.
وفي وسط التصفيق المتردد...
كانت وسام تشعر أن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
لكن شيئًا واحدًا فقط كان يدور في رأسها.أن هناك شيئًا خطأ.شيئًا أكبر مما يبدو.وأن اللعبة التي لعبتها رنا...
لم تنتهِ بعد.
مر أسبوع على إعلان الخطوبة.
أسبوع كامل.ووسام لم تظهر علي الساحة
ورغم أن الجميع حاول التصرف بشكل طبيعي...
إلا أن شيئًا لم يعد طبيعيًا.
خصوصًا داخل دائرة الأصدقاء المقربين.
كانت زينب تجلس في مكتبها داخل الشركة.وأمامها مجموعة من التقارير. لكن تركيزها كان في مكان آخر تمامًا.
تذكرت مشهد الحفل.و تذكرت وجه وسام.
وتذكرت نظرة الانكسار التي حاولت صاحبتها إخفاءها.
فأغلقت الملف بعصبية.
وقالت في نفسها بغضب
- مستحيل. والله مستحيل ده يحصل يا زين والله ما هتتجوز الحرباية دي وبكره تشوف زوزو هتعمل ايه معاها أن مخلتها تلف حولين نفسها هوريها شغل الساحرات بجد
في الجهة الأخرى...
كان هاني يقف أمام ماكينة القهوة.وعلى غير عادته...
لم يكن يمزح مع أحد.بل كان واضحًا أن مزاجه سيئ للغاية.
اقتربت منه زينب.
ثم قالت:
- شكلك مش طايق نفسك زي صح
تنهد هاني وقال بخيبة أمل :
- مستفز.اقسم بالله ولو يحكموني عليها اديله بونيه في وشه افوقه
ابتسمت زينب شبه ابتسامه وقالتد
+ هو مين ده
نظر إليها.بغضب:
-هو في غيرة زين. اخوكي اللي مش بيحاول يشغل مخه ، وواخد كل حاجه علي كرامته
لم تستغرب الإجابة.فهي كانت تشعر بالشيء نفسه.
جلسا معًا في ركن هادئ.
ثم قالت زينب:
- أنا مش قادرة أستوعب اللي حصل.زين ورنا مش راكبه لاء لايمكن يحصل ابدا
هز هاني رأسه.
- ولا أنا.بجد مش قادر راسي هتفجر يعني بجد مصدق رنا؟ دي حربايه وكلنا عرفنها
ضحك بسخرية.
- زين طول عمره ذكي... بس واضح إن الذكي أحيانًا بيبقى أغبى واحد لما الموضوع يبقى شخصي.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت زينب:
- تعرف إيه اللي مضايقني أكتر؟
- إيه؟
- إنه أذى وسام.قدر يعملها ازي البنت الحب كان بينط من عنيها
انخفضت ملامح هاني قليلًا.
أكملت زينب وقالت
بس بيني وبينك الحكاية محبوكه بالملي اللي عملها معلم لولا أن انا كنت مع البنات خطوه بخطوه كنت صدقت رغم أن وسام استحالة تعمل كده
يا هاني ده انا وريهام لما هي كانت بترفض عميل علشان جاي من طرف زبن
كنا بنتخانق معاها تعرف كانت بتقول ايه
كانت بتقولنا المنافسة لازم تكون بشرف ماينفعش اخد عميل كان عند شركة منافسة
هي عمرها ما طلبت حاجة من حد.ولا حتى دافعت عن نفسها.ومع ذلك كانت هي اللي دفعت التمن.
وفي نفس اللحظة تقريبًا...كانت رنا تدخل الشركة.
بابتسامة واسعة.وكأنها ربحت حربًا طويلة.
اقتربت مباشرة من مكتب زين.ثم دخلت دون استئذان.
رفعت الموظفات رؤوسهن.وتبادلن النظرات.
أما زينب...
فأدارت وجهها للناحية الأخرى.
حتى لا تنفجر من الغضب.
بعد دقائق...
خرجت رنا من مكتب زين.وهي تضحك بصوت مرتفع.
ثم قالت متعمدة أن يسمعها الجميع وكأنها لتتحدث في هاتفها
- أصل زين بيقولي دايمًا إني لازم أقلل شغل شوية وأرتاح.علشان خايف علي تعبي جدا وشايف أن بعمل مجهود جبار
رفعت زينب حاجبًا ساخرًاوتمتمت:
- يا سلام. فعلا عنده حق ومجهودك الواحد يشهدله
اقتربت منها رنا وقالت:
- خير يازوز في حاجة حاسة انك مش مبسوطة
غير أن انا شايفة انك اخيرا فوقتي لنفسك وسبتي الهبل اللي كنتي بتعملي ، وضياع الوقت وجبتي تشتغلي مع اخوكي هو ده الصح مش العبط اللي كنتي بتعملي
ثم نظرت لها و أكملت
- وانا هبقي اقول لزين يشوفلك اي حملة تمسكيها اهو تضيعي وقت بدل شغل العيال اللي كنتي بتعملي هناك
امسكت هاني يد زينت لانه كان متوقع رد فعلها
ابتسمت زينب ببطء... ثم نزعت يدها من يد هاني وقالت وهي تنظر لرنا بثبات:
- خلصتي؟ ولا لسه عندك فقرة استعراض تانية؟
ثم أكملت بنبرة باردة حادة:
- بصي يا رنا... الناس نوعين. نوع بيشتغل فعلًا، ونوع بيقضي عمره يثبت للناس إنه مهم لأنه من جواه عارف إنه ولا حاجة.
اقتربت خطوة، وعيناها لم تفارقها:
- إنتِ من النوع التاني. صوت عالي... كلام كتير... وحضور مزعج. لكن لما نشيل الزينة والتمثيل... مفيش شيء يُذكر.هوا ولا حاجة
ابتسمت بسخرية:
- والأغرب إنك فرحانة أوي بكلمتين قالهملك زين في الشغل... واضح إن الفتات عندك بيتحسب إنجاز.
بس عارفة أكتر حاجة تثير الشفقة؟ إنك فاكرة إن قربك من زين معناه إنك بقيت في مكان وسام
هزت رأسها باستخفاف:
- لا يا رنا... في فرق بين واحدة الناس تبص لها باحترام، وواحدة الناس تبص لها وتفهم فورًا هي وصلت إزاي.
ثم استدارت نصف استدارة وقالت دون أن تنظر إليها:
- وآه... متقلقيش عليّ. أنا عمري ما ضيعت وقتي أحاول أبقى نسخة رخيصة من حد... خصوصًا منك.
تجمد وجه رنا للحظة... لكنها سرعان ما أطلقت ضحكة ساخرة وهي تصفق ببطء.
- واو... خلصتي مونولوج البطولة بتاعك؟ بصراحة توقعت أكتر من كده.
مالت برأسها باستهزاء وقالت:
- المشكلة يا زينب إنك لسه عايشة على أمجاد وهمية. فاكرة إنك مختلفة... مميزة... زي اللي اسمها وسام دي واخده الم في نفسها قوي وإن الكل لازم يفضل شايفها رقم واحد. وهي بصراحة صفر وعلي الشمال كمان
اقتربت منها بنظرة متحدية:
- بس الواقع مؤلم شوية، صح؟ خصوصًا لما تكتشفي إن مكانك اللي كنتِ فاكرة إنه مضمون... بقى سهل جدًا يتاخد منك.وده اللي حصل مع المعتوها صحبتك افتكرت نفسها انها ضمنت زين بس للاسف طلعت مغفله يبقي تستاهل اللي حصلها اصل القانون لا يحمي المغفلين ولا ايه
ثم ابتسمت ابتسامة سامة:
- وبالمناسبة... متتعبيش نفسك في محاولة إقناعي أنا وصلت إزاي. الأهم إن زين نفسه شايفني... وواثق فيا... وده كفاية أوي.
ثم نظرت لها من أعلى لأسفل وقالت بنبرة مستفزة:
- تعرفي المشكلة الحقيقية عندك إيه؟ إنك مش متضايقة مني مش علشان أنا سيئة... إنتِ متضايقة لأنك شايفة إني بقيت حاجة إنتِ مش قادرة توقفيها.
خفضت صوتها وهمست بسم:
- أصل اللي بيخسر مكانه... أول رد فعل ليه بيكون الهجوم. وده بالظبط اللي إنتِ بتعمليه دلوقتي.علشان يا حرام صحبتك بح اتبخرت في الهوا
ظلت زينب صامتة لثانيتين...
ثم ضحكت. بشده .و رفعت عينيها إلى رنا وقالت بهدوء مخيف:
- خلصتِ؟ رغي و استعرض ولا لسة
صمتت رنا. ولم تجيب
ولكن اقتربت زينب منها خطوة واحدة فقط، ثم قالت بنبرة حادة كالسيف:
- إنتِ فاهمة غلط يا رنا. أنا لا متضايقة منك... ولا شايفاكِ منافسة أصلًا. لوسام
نظرت في عينيها مباشرة:
- المنافسة بتكون بين متساويين. وأنا مستحيل أنزل لدرجة أقارن وسام بواحدة طول عمرها بتستمد قيمتها من نظرات راجل ليها.
شهقت بعض الأنفاس في المكان.لكن زينب أكملت دون رحمة:
- إنتِ بتتكلمي عن الثقة؟ الثقة مش إن راجل يديك شوية اهتمام فتفتكري نفسك كسبتِ العالم.
ابتسمت ببرود قاتل:
- الثقة إنك تعرفي قيمتك حتى لو الكل مشافهاش. وده شيء عمرك ما هتفهميه... لأنك من النوع اللي لو محدش بص له خمس دقايق... ينهار.
ثم مالت نحوها وهمست، لكن الجميع سمع:
- إنتِ مش قوية يا رنا... إنتِ مجرد صوت عالي بيغطي على فراغ مرعب جواكي و نجاح وسام عاملك صداع بس وسام عمرها ما هيتقع بالعكس هتكون اقوي من الاول
ثم زقتها في كتفها وقالت:
- فخدي نصيحتي... بطلي تجري وراء مكان مش مكانك. لأن المؤقت دايمًا بيحلم إنه بقى أساسي... لحد ما صاحب المكان الحقيقي يرجع، وساعتها... الكل بيفتكر إنتِ كنتِ إيه فعلًا.ثم استدارت ببطء:
مجرد بديلة... وقتها خلص
خروج زين انهي الحوار نظر لهم وتركهم تخرج
و في المساء...
اجتمعت زينب وريهام وسام داخل منزل وسام.
كالعادة.
لكن هذه المرة كانت الأجواء مختلفة.كان هدوء أكثر من اللازم.دخلت ريهام حاملة أكواب العصير.
وجلست بجوارهما.ثم قالت مبتسمة:
- بصوا بقى... ممنوع الكلام في الشغل النهارده.
تبادلت الفتاتان النظرات.
ثم قالت زينب بحذر:
- وممنوع الكلام عن زين كمان؟
ابتسمت وسام.ابتسامة صغيرة جدًا.صغيرة لدرجة أنها آلمت زينب.
وقالت:
-اكيد خصوصًا زين.مش عاوزة اسمع اي حاجة تخصة
صمتت الفتيات.
ثم غيرن الموضوع فعلًا.لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا.
وسام تحاول أن تبدو بخير.
ولكن فشلت في إخفاء حزنها و نزلت دموعها بدون ارده منها
التفت حولها زينت و ريهام يحتضونها
في مكان آخر...كان زين يجلس وحده في مكتبه.
أمامه عشرات الملفات.
لكن تركيزه لم يكن عليها.
بل على صورة ظهرت بالصدفة على شاشة هاتفه.
صورة جماعية قديمة.كان الجميع فيها يضحك.ومن بينهم وسام.
أغلق الهاتف بسرعة.وكأنه ارتكب خطأ.ثم عاد للعمل.لكن للمرة الأولى...لم يستطع التركيز.
وفي اليوم التالي...
وصلت دعوات الاحتفال الكبير.احتفال نهاية المشروع المشترك.
الحفل الذي سيقام في فيلا زين.والذي سيحضره الجميع.
بمن فيهم...وسام.وريهام
ولم يكن أحد يعلم...ن تلك الليلة ستكون بداية تحول جديد. وتغير إجباري