رواية فلتر زائف الفصل السابع عشر17 والثامن عشر18 بقلم نرمين قدري

رواية فلتر زائف بقلم نرمين قدري
رواية فلتر زائف الفصل السابع عشر17 والثامن عشر18 بقلم نرمين قدري
وفي صباح اليوم التالي 
كانت رنا تجلس في مكتبها والغضب يشتعل داخلها.
لقد فشلت خطتها.بل والأسوأ...
أن الجميع عرف انها واخده الفكره من وسام 
و الأكثر إيلامًا أن وسام لم تفضحها.او تخبر احد 
بل تركتها تسقط وحدها. وهذا ما جعل الهزيمة أقسى.
أغلقت رنا شاشة الحاسوب بعنف.
وهمست:
- طالما الشغل مش نافع... يبقى نجرب حاجة تانية.
بعد أيام قليلة...
بدأت الهمسات تنتشر داخل الشركة.حول علاقة زين ب وسام 
- يقال غريبة إن المدير بيثق فيها بالشكل ده.ويشاركها في الحملات الكبيرة 
- أصل واضح إنها قريبة منه.واخرون يقولون ان تم تواجدها في فيلاته مساء أمس 
- وآخرون يمكن علشان كده بتاخد فرص أكتر من غيرها. وآخرون يقولون إن اخت زين هي الوسطا عنده 
كلمات خبيثة.لا تحمل اتهامًا مباشرًا.لكنها تترك أثرها.
وكانت رنا حريصة ألا تنطق بشيء بنفسها.
بل تجعل الآخرين يرددون ما تريد.
وفي أحد الأيام...
دخلت وسام إلى غرفة الاستراحة.
فصمت الحديث فجأة.
نظرت حولها.
ثم أكملت طريقها وكأن شيئًا لم يحدث.
لكنها لم تكن غبية.
كانت تعرف جيدًا متى يتغير الجو بسبب وجود شخص.
ومتى تكون هي المقصودة.
بعد الظهر...
وصلتها رسالة من إحدى الموظفات المقربات منها.
+ خلي بالك... في كلام مش كويس بيتقال عنك."
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
ثم أغلقت الهاتف.بهدوء شديد.
هدوء أخاف من يعرفها جيدًا.
في صباح اليوم التالي...
كانت الشركة كلها مجتمعة في قاعة الاجتماعات.
قبل بدء العرض الشهري.
وفجأة...وقفت وسام.والتفتت نحو الجميع.
وقالت بهدوء:
- قبل ما نبدأ الاجتماع... عندي موضوع صغير محتاجة أوضحه.
ساد الصمت.
ورفعت رنا رأسها باستغراب.
أما زين فراقب الموقف بصمت.
أكملت وسام:
- من كام يوم سمعت كلام بيتردد عني في الشركة.
كلام بيقول إن نجاحي مرتبط بعلاقاتي مش بشغلي.
وإن الفرص اللي باخدها مش نتيجة مجهود.
بل نتيجة مجاملات. وكلام تاني عيب اقوله 
بدأ التوتر ينتشر في القاعة.
بينما كانت رنا تتابع بصمت.
ثم قالت وسام:
- الحقيقة أنا مش زعلانة.
لأن أي حد اشتغل معايا عارف أنا بعمل إيه.
لكن اللي يضايقني فعلًا...إن في ناس مش عندها الشجاعة تقول كلامها في وشي.
هنا تغير وجه رنا.
وشعرت أن الحديث يتجه نحوها.
وأكملت وسام:
- عشان كده...لو أي شخص عنده اعتراض على شغلي...
أو شايف إني وصلت لمكاني بطريقة غير محترمة...
أنا موجودة.يتفضل يقول الكلام دلوقتي.مباشرة.و قدامي ميكونش جبان و يقول في ظهري بس انا اهو واقفة ومستنه.
ساد الصمت.
مرت ثوانٍ طويلة.ولم يتكلم أحد.
ابتسمت وسام ابتسامة هادئة.
ثم قالت:
- تمام. حلو كده طلما محدش اتكلم كده اعتبر الموضوع انتهى.
لكن رنا لم تتحمل.
فقالت فجأة:
- ويمكن الناس مش بتتكلم لأنهم مش عايزين مشاكل.
التفتت جميع الأنظار إليها.
أما وسام...
فرفعت عينيها إليها مباشرة.
لأول مرة دون أي مجاملة.ودون أي هدوء زائد.
وقالت:
- يبقى قولي إنتِ.انا قدامك اهو 
تجمدت رنا.وبلعت ريقها بصوت مسموع وقالت 
- نعم؟
- إنتِ عندك كلام؟ قولي.دلوقتي.قدام الكل.
ارتبكت رنا.
لكن عنادها دفعها للاستمرار.وقالت : 
- أنا بس شايفة إن في ناس بتاخد اهتمام أكتر من غيرها. وده بيضيع فرص علي ناس اجتهدت وعملت شغل 
ابتسمت وسام.ابتسامة باردة لم يعتدها أحد منها.
- جميل.وبتاخده ليه؟ الاهتمام ده احب اعرف 
صمتت رنا.
فأكملت وسام بعصبية مفرطة :
- بسبب نجاح شغلي ؟ولا بسبب الشغل؟ولا بسبب إيه بالضبط؟ محتاجة افهم 
لم تجد رنا إجابة.
فقالت وسام بثبات:
- لو عندك دليل... هاتيه.لو عندك موقف... احكيه.
لو عندك حقيقة... قوليها.لكن لو معندكيش غير كلام...
يبقى متحاوليش تغلفيه على إنه رأي محترم.
لأن الإشاعة تفضل إشاعة مهما غيرنا اسمها. و خليني زي ما انا محترمة و لا عليكي رد محترم علشان لو الحكاية زادت عن حدها طرقتي وأسلوبي في كلام مش هيعجبوكي و ده اخر أنظار ليكي يا رنا علشان المرة الجاية لو اسمي جه في أي جمله مفيده رد فعلي هيزعلك بجد مش هتكلم ولا هنبهك لكن فعلي هيفحائك وقدام الكل علشان متقوليش محذرتكيش 
ساد الصمت تمامًا.
أما رنا...
فشعرت لأول مرة أنها ليست أمام الفتاة الهادئة التي اعتادت استفزازها.
كانت أمام شخص يعرف كيف يدافع عن نفسه.وبعتف غير متوقع 
بعد انتهاء الاجتماع...
خرج الجميع.بينما بقيت رنا مكانها.تحاول استيعاب ما حدث.لقد كانت تتوقع أن تنهار وسام أو حتي تبكي.
أو تشتكي. لزين 
لكنها لم تفعل.بل واجهتها أمام الجميع.وسحبت منها الأرض بالكامل.
وفي المساء...
اجتمعت الفتيات في الفيلا.
وما إن جلست وسام حتى قالت زينب بحماس:
- والله العظيم إنتِ بطلة! ايه يا بنتي العظمة دي اسطوره اقسم بالله أسطورة تدرس 
ضحكت ريهام:
- أنا كنت مستنية منك رد من زمان.بس ربك الحق انا توقعت انك هتجببها من شعرها قدام كل القاعدين مش عارفه جبتي الثبات الانفعالي والهدوء ده منين 
ابتسمت وسام بهدوء.
وقالت:
- أنا مش ضعيفة.وكنت فعلا هعمل كده أنا بس مبحبش أضيع وقتي في المعارك الصغيرة.دي 
سألتها زينب:
- طب وليه رديتي المرة دي؟
نظرت وسام أمامها للحظة.
ثم قالت:
- لأن السكوت أحيانًا بيخلي الناس تفتكر إنهم كسبوا.
وفي فرق كبير بين إنك تتجاهل...وإنك تسمح لحد يتمادى.
وفي مكان آخر...
كانت رنا تجلس وحدها.
تستعيد ما حدث.
لأول مرة...
شعرت بشيء لم تشعر به من قبل.الخوف.لأنها اكتشفت حقيقة مهمة جدًا.وسام ليست فتاة ضعيفة.وليست سهلة الكسر.بل أخطر مما كانت تتخيل.لأنها تعرف متى تصمت...وتعرف أيضًا متى تضرب.
مرت أسابيع.
ورغم كل ما فعلته رنا...
كانت وسام ترفض أن تجعلها محور حياتها.
وفي إحدى الأمسيات...
اجتمعت وسام وريهام وزينب داخل منزل وسام.
كانت الطاولة مليئة بالأوراق وأجهزة الحاسوب والرسومات التسويقية.
قالت ريهام وهي تلقي قلمًا على الطاولة:
- بصراحة أنا زهقت من شغل المشاريع الصغيرة.
أضافت زينب بحماس:
- وأنا كمان. إحنا عندنا إمكانيات أكبر من كده بكتير.
نظرت إليهما وسام للحظات.
ثم قالت فجأة:
- طب ليه منعملش شركتنا إحنا؟
ثم قفزت زينب من مكانها.
- وضحي كده الفكرة 
ضحكت وسام:
علي فكرة أنا بتكلم بجد إحنا الثلاثة بنشتغل كويس مع بعض.و شركة فرصة بقا ليها عملاء و شغلها مسمع 
وكل واحدة عندها نقطة قوة مختلفة.ليه منكبرش ونشتغل لحسابنا؟ كل اللي اللي علينا هنغير بس اسم شركة 
بدأت العيون تلمع بالحماس.
وسرعان ما تحولت الجلسة إلى عاصفة من الأفكار.
بعد ساعة كاملة...
صرخت ريهام:
-فكره اكتر من ممتاز الأساس موجود والعملاء موجودين فاضل أهم حاجة.اسم الشركة.
قالت زينب:
- نخليها "فرصة بلس".
اعترضت ريهام فورًا:
- لا عاوزين ناكل السوق باسم يعلم مع كل اللي بسمعة 
قالت وسام وهي تضحك:
- فعلًا وحش. ومش جذاب عاوزين حاجة ملفته 
قالت زينت 
طيب ايه رايكم في اسم ابداع للتصميم 
هزت وسام رأسها برفض وقالت
اكاديمي قوي و مهندم كده انا عاوزة اسم مطرقع زي شغلي كده 
ثم ساد الصمت للحظة.
قبل أن تقول وسام مازحة:
- طب إيه رأيكم في "الساحرات الثلاثة"؟
انفجرت زينب ضاحكة.
- والله عجبني.بجد مش متوقع اصلا و يجذب الإنتباه 
رفعت ريهام يدها:
- وأنا موافقة. فعلا ملفت 
قالت وسام:
- استنوا يا جماعة أنا بهزر.
لكن الاثنتين كانتا قد اتخذتا القرار بالفعل.
ومنذ تلك الليلة...
بدأت رحلة مختلفة.
كانت الاجتماعات أحيانًا في منزل وسام.
وأحيانًا في فيلا زينب.
وأحيانًا في أي مكان يجدن فيه مساحة للعمل.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
الفوضى. ف الثلاث بنات كانوا عشوائيات عاشقون للفوضى وهذا كان سر تميزهم
في إحدى الليالي...
كانت الفتيات يعملن منذ ساعات طويلة.
وفجأة دخلت والدة وسام حاملة صينية ضخمة من الساندويتشات.
وقالت بحنان:
- بما إنكم ناسيين الأكل خالص.
لم تكمل الجملة.
إذ هاجمت الفتيات الصينية وكأنهن لم يأكلن منذ أسبوع.
صرخت الأم:
- يا بنات استنوا!
اختفى نصف الطعام خلال ثوانٍ.فضحكت وهي تهز رأسها.
- واضح إن الشغل بيجوع فعلًا.
أما والد وسام...
فكان يتابع كل شيء بفخر.
وفي كل مرة يراهن يعملن لساعات طويلة كان يقول:
- أنا متأكد إنكم هتعملوا حاجة كبيرة.
وكانت تلك الكلمات البسيطة تمنحهن دفعة جديدة من الحماس.
لكن الأزمة الحقيقية كانت شيئًا آخر.
القهوة.
قالت زينب في إحدى الليالي:
- مش دوري أنا. خالص انهاردة في عمايل القهوة
ردت ريهام:
- لا دورك. علي فكرة بس انتي هروبه 
قالت وسام:
- مستحيل. آخر مرة أنا اللي عملتها.
وبعد عشر دقائق كاملة من الجدال...
انتهى الأمر بخروج الثلاثة معًا لتحضيرها.
ليكتشفن أن الجدال أخذ وقتًا أطول من إعداد القهوة نفسها.
ومع مرور الوقت...
بدأ اسم "الساحرات الثلاثة" ينتشر.
ثم يكبر.ثم يلفت الأنظار.ثم يتحول إلى ظاهرة.
الحملة الأولى حققت نجاحًا مذهلًا.والثانية حققت أرقامًا أكبر. أما الثالثة...فجعلت الجميع يتحدث عنهن.
وأصبحت الشركة حديث الوسط الإعلامي.
وبدأت العروض تتدفق من كل مكان.
وفي إحدى المناسبات الخاصة بإطلاق حملة جديدة...
كان الجميع يحتفل بالنجاح.وكان زين حاضرًا.
يتابع ما يحدث من بعيد.
بينما كانت وسام تشرح بعض الأفكار للحضور.
وفجأة...
التقت عيناها بعينيه.لثوانٍ فقط.لكن الزمن بدا أبطأ.
ارتبكت وسام قليلًا. فأبعدت نظرها سريعًا.
أما زين...
فاكتفى بابتسامة صغيرة لم ينتبه لها أحد.
إلا شخصًا واحدًا.
ريهام. ظلت تراقب أختها جيدًا.ثم اقتربت منها وهمست:
- يا سلام.يا سلام يا ست چوليت 
ارتبكت وسام.وقالت 
خير يا ريهام في ايه مالك 
- لا ولا حاجة.ياختي مافيش بس واضح إن في حد بقى بيشرح الحملات التسويقية بطريقة رومانسية جدًا.
احمر وجه وسام فورًا.وقالت
- ريهام تعرفي تخرسي ولا اخرسك بطرقتي اللي حفظها كويس 
انفجرت زينب ضاحكة.
أما ريهام فأكملت:
- خلاص خلاص.اتخرصت هو انا كنت قلت ايه يعني يا ساتر عليكي
مش هقول إنك كل ما اسم زين يتقال بتبصي ناحية الباب.ولا هقول إنك فجأة بقيتي تهتمي بشكل شعرك أكتر.ولا هقول...
قاطعتها وسام وهي تضربها باكوع يدها في بطنها 
- اسكتي بقا الناس بتبص علينا اخرسي لما اروح والله ما هسيبك 
وانفجرت الفتيات ضاحكات.
بينما وقفت ريهام وهي ترفع يديها مستسلمة.
لكنها همست لزينب:
- أختي وقعت.ومحدش سمي عليها 
ابتسمت زينب بمكر.
- وقعت جامد كمان.واخده بالي و مش هي لوحدها علي فكرة زين هو كمان 
وفي الطرف الآخر من القاعة...
كان زين ينظر نحو وسام دون أن يدري أن هناك ثلاث فتيات بدأن يكتشفن سرًا لم يعترف به أحد بعد.
الفصل الثامن عشر 
كان النجاح يطرق الأبواب بقوة.
و اسم "الساحرات الثلاثة" أصبح يتردد في كل مكان.
والأهم من النجاح نفسه...أن أيام العمل الطويلة جمعت القلوب أكثر مما جمعت المشاريع.
في إحدى الأمسيات...
كانت وسام تقف في شرفة الفيلا بعد انتهاء احتفال صغير بنجاح أحدث الحملات.
الهواء كان هادئ.
بينما كانت تحاول للمرة الأولى منذ شهور أن تأخذ استراحة حقيقية.فكان ضغط الشغل كثير عليهن 
سمعت خطوات خلفها.ولم تحتج للالتفات.فهي تعرف صاحبها.
وقف زين بجوارها للحظات دون أن يتكلم.ثم قال مبتسمًا:
- أول مرة أشوفك سايبة اللابتوب أكتر من عشر دقايق أيه اللي حصل خير.
ضحكت وسام بخفة و قالت : 
- مناسبة تاريخية فعلًا. بس انا بجد تعبت ومحتاجة افصل ،
بس كان لازم اضغط علي نفسي علشان أحفر اسمي وسط عمالقة التسويق اللي انا وسطهم والحمد لله قدرت اطلع اول السلم 
نظر إليها للحظة.و همس بحنان جعل قلبها يخفق بشده 
- علي فكرة أنا فخور بيكي.قوي بجد لمعت عيونك فكل مرة بتنجحي فيها بكون عاوز اقولك أن اهو وشايف نجاحك وتعبك شابف مجهودك واجتهادك 
رفعت عينيها نحوه.وتوقفت الكلمات داخلها.لأنها شعرت أنه لا يتحدث عن المشروع فقط.بل عن رحلتها كلها.
عن تعبها.وعن كل معركة خاضتها بصمت.

في الداخل...كانت ريهام تراقب المشهد من خلف الزجاج.
فضربت زينب في ذراعها.و قالت لها 
- بصي بسرعة تعالي .
التفتت زينب.
ثم اتسعت ابتسامتها.
- أخيرًا. جبل الجليد اتحرك 

-تفتكري حد فيهم هيعترف.بحبه للتاني 
قالت زينب وهي تعبث بخصلات شعرها:
- بصراحة... مش عارفة. الاتنين عنيدين بشكل يجنّن. بدل ما يقولوا كلمة حلوة، كل واحد فيهم بيرمي تلميحات ويمشي. متوقّعش اعتراف قريب.
ضحكت ريهام وهي تراقب المشهد من بعيد: وقالت 
- بس نظراتهم بتقول كلام أكتر من أي اعترافهم لبعض واظن أن كلنا ملاحظين ده .
في الخارج...
استمر الحديث بين زين ووسام.
تنقلا من العمل إلى الأحلام المؤجلة، ومن الذكريات القديمة إلى أشياء لم يتحدثا عنها من قبل.
وكانت الدقائق تمر دون أن يشعر أي منهما بالوقت.
أما وسام...
فكانت تشعر بأن قلبها يخون كل محاولاتها للتماسك.
كلما ابتسم زين، ازداد اضطرابها.
وكلما نظر إليها بتلك النظرة الهادئة، شعرت بأن نبضات قلبها تتسارع أكثر.
حتى خُيّل إليها أن خفقاته أصبحت مسموعة.
وأخذت تكرر داخلها:
اهدا بقااا كفايا انت حاسة أن قلبي هيقف من كتر الدق 
لكن قلبها لم يكن ينوي الاستماع.
أما زين...
فكان يشعر بشيء مختلف.
شيء دافئ لم يعرفه منذ سنوات طويلة.
راحة غريبة.
كأن وجودها بجواره يخفف عنه أعباءً لم يتحدث عنها لأحد.
نظر إليها للحظة أطول من المعتاد ثم قال بهدوء:
- تعرفي يا وسام... في ناس بنقابلهم بالصدفة، لكن بيبقوا قادرين يغيّروا أيام كاملة من غير ما يحسوا.
ارتبكت وسام من كلماته.
وحاولت إخفاء توترها بابتسامة صغيرة.
- وده مدح ولا مجرد ملاحظة؟
ابتسم زين وهو ينظر إليها مباشرة:
- اعتبريه حقيقة.
للحظة...
ساد الصمت بينهما.صمت قصير...
لكنه كان ممتلئًا بالمشاعر أكثر من أي حديث.
وفي حركة عفوية، تحركت يداهما فوق الطاولة في الوقت نفسه.
وتلامست أصابعهما للحظة خاطفة.
لحظة صغيرة...
لكنها كانت كافية لإشعال فوضى كاملة داخل قلبيهما.
شعرت وسام بحرارة تسري في وجنتيها.
واحمر وجهها بشدة.
أما زين فبقي ينظر إليها مبتسمًا دون أن يبعد عينيه.
ازدادت نبضات قلبها حتى ظنت أنها ستفضحها.
فنهضت بسرعة وهي تشير نحو المنزل:
- أظن... ريهام وزينب مستنينا.
ثم استدارت قبل أن يلاحظ ارتباكها أكثر.
لكنها سمعته يقول خلفها بصوت هادئ جعل قلبها يقفز مرة أخرى:
- وسام...
التفتت إليه.
فابتسم وقال:
- سعيد جدًا بالليلة دي.
ولم تعرف لماذا...
لكن تلك الجملة البسيطة أشعلت داخلها من المشاعر ما لم تستطع إخفاءه.
فابتسمت بخجل وهمست:
- وأنا كمان.
ومع مرور الأيام...
أصبح التقارب أوضح.
رسالة صباحية للاطمئنان.اتصال سريع بعد يوم عمل مرهق.و اجتماعات تتحول إلى أحاديث طويلة.
ونظرات أصبحت تفضحهما أكثر من الكلمات.
حتى بدأت العائلة والأصدقاء يلاحظون. ذلك وكل ذلك لم يعترف أحد للاخر بما يحمله من مشاعر اتجاه ولكن العاشق تفضحة عيونه 
وفي إحدى الليالي...
كانت الشركة تحتفل بتوقيع عقد ضخم.
وكان الجميع حاضرًا.موظفون.و عملاء. شخصيات إعلامية.وأصدقاء مقربون.
بينهم ريهام وزينب. ووسام.وزين.وهانى الذي كان مهتم بالبوفبة والأكل كالعاده 
مد زين يده نحو وسام وأمسك يدها برفق أمام الجميع.
ثم قال بهدوء:
- بعد إذنكم... محتاج أكلمها في موضوع مهم.
واختفى بها بعيدًا عن الأنظار.
نظر هاني إليهما وهو يلتهم إحدى السندوتشات وقال:
- أوعدنا يا رب.
قاطعتْه ريهام فورًا:
- قول يا رب الجبل ده أخيرًا يتحرك ويصارحها... وكفاية أكل بقى!
ثم أشارت إلى الطبق أمامه:
- وبعدين هو إيه؟! كل دي سندوتشات هياكلها ، بقولك ايه هات واحد انا جعت 
رفع هاني حاجبه معترضًا:
- يعني سايبة البوفيه الطويل العريض وجاية عاملة عقلك بعقل السندوتشات اللي معايا؟! وكمان عينك على واحد منهم؟! معندكوش أكل في بيتكم؟
انفجرت زينب ضاحكة بينما هزت ريهام رأسها بيأس.

وعند زين ابتعد بها عن صخب الحفل وأصوات الموسيقى والضحكات.ولأول مرة منذ أشهر...
وجدا نفسيهما وحدهما تمامًا.ساد الصمت بينهما.
ذلك الصمت الذي لا يكون فارغًا أبدًا...
بل ممتلئًا بكل الكلمات التي خافا من قولها.
كانت وسام تشعر أن قلبها فقد انتظامه تمامًا.

حتى خافت أن يسمع زين صوت خفقانه.
أما زين...
فكان ينظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى.
أو ربما...
للمرة الأولى يسمح لنفسه أن ينظر إليها كما يريد.
ابتسمت وسام بخجل وهي تحاول الهروب من نظراته.
- مالك بتبصلي كده؟
ضحك بخفوت.و قال هامسا :
+ بذمتك هو في جمال كده 
ثم وقف ورفع وجهها له وقال بهمس يكادو مسموع 
+ ب ح ب ك 
احمر وجه وسام وارتبكت 
لم تستطع الرد.
فاكتفت بهزة صغيرة من رأسها.
اقترب خطوة.
ثم قال بصوت دافئ:
+ كل مرة بقول لنفسي إني اتعودت عليكِ... أكتشف إني لسه بتوه فيكي من أول وجديد.
ارتجف قلبها.وشعرت بحرارة تسري في وجنتيها.
فأخفضت عينيها سريعًا.
لكن زين لم يبعد نظره.وكأنه كان يحفظ تفاصيل تلك اللحظة.تفاصيلها هي.
همست بخجل:
- زين... متبصليش كده.الناس حولينا و انا بتكسف بجد 
ابتسم وقال وهو يقترب منها ويحاول مسك يدها: 
- أعمل إيه؟ أنا بقالي شهور بحاول مبصش.بس مقدرتش بصراحة 
رفعت عينيها إليه.فتلاقت النظرات.
وللحظة...
اختفى كل شيء حولهما.الحفل.،الناس،.الأصوات، .الوقت نفسه.
ولم يبقَ سوى قلبين يعرفان الحقيقة ويحاولان الهروب منها.
شعرت وسام أن أنفاسها أصبحت أثقل.
وأن كل كلمة كانت تريد قولها تذوب قبل أن تصل إلى شفتيها.
أما زين...
فلم يعد قادرًا على الاحتمال أكثر.
وقال بصوت خرج محمّلًا بكل ما أخفاه طويلًا:
- تعبت من إني أتصرف وكأنك مجرد حد عادي في حياتي. انا بجد يا وسام عمري ما تعلقت بحد كده قبل كده عمر قلبي ما دق لحد انتي جيتي بشقاوتي وعنادك و عشوائيتك غيرتي كل القواعد شقلبتي حاله كله انا بجد يا وسام بحبك بحبك بحبك قوي 
اتسعت عيناها.وتسارعت نبضاتها أكثر.
فأكمل وهو يبتسم لها بعشق واضح:
- تعرفين انك شقلبتي حالي ببساطة أنتِي أول حد أفكر فيه الصبح..أو ما بصحي من النوم 
وآخر حد بيفضل في بالي قبل ما أنام. وده شعور جديد عليا ما كنتش اتخيل في يوم أن ده يحصلي انا كنت رافض الحب اصلا ما كنتش مؤمن بحاجة اسمها حب 
وجيتي انتي وبمنتهى السهولة كسرتي كل القواعد 
تعرفي يا وسام إنتي وأجمل صدفة حصلتلي من سنين.

شعرت وسام أن العالم كله يدور حولها. وأن قلبها يذوب من فرط السعادة.
فهمست بصوت مرتجف:
- زين...بس كفاية بجد قلبي مش مستحمل انا حاسة أن بحلم عمري ما تخيلت أن ححب حد قوي كده 
ابتسم وهو ينظر مباشرة إلى عينيها.
ثم قال أخيرًا:
- بحبك يا وسام.بحبك أكتر مما كنت متخيل.
وأكتر مما قدرت أخبي.
و اكتر من أي كلام ممكن أوصف بيه اللي جوايا....
ابتسمت وسام وسط خجلها وسعادتها.
وكانت نظرتها إليه كافية ليعرف أن قلبها كان يحبه منذ زمن طويل. 
ضحك زين علي شده خجلها وقال ؛
+ اللي يشوفك وانتي قلبتي فروله ما بشوفكيش وانتي عاوزه تجيبي رنا من شعرها
لكن في زاوية أخرى...كانت رنا تراقب كل شيء.
وعيناها تمتلئان بالحقد.لقد رأت ما يحدث.
ورأت كيف أصبحت وسام أقوى.وأكثر نجاحًا.
وأقرب إلى زين. وان زين يميل لها 
وأدركت شيئًا مهمًا.أنها لن تستطيع هزيمة وسام بالمواجهة المباشرة.
لذلك اختارت طريقًا آخر.طريقًا أكثر خبثًا.
على مدار أسابيع...
بدأت تنفذ خطتها بهدوء.تزرع أنصاف الحقائق.
وتحرف بعض الكلمات.وتستغل المواقف.
وتوهم الجميع بأنها تغيرت.
بل وأصبحت تساعد زين في بعض الملفات المهمة.
حتى كسبت ثقته المهنية تدريجيًا.
دون أن يلاحظ ما يحدث خلف الستار.ثم جاءت الضربة الأخيرة.
كانت رنا تعمل بصبر شديد. لم ترتكب خطأً واحدًا. ولم تترك أثرًا خلفها.
بل كانت تبني فخها قطعةً قطعة.
بدأت أولًا بالحصول على نسخ من بعض المراسلات الداخلية الخاصة بالشركة.
ثم حرصت على تسريب معلومات غير مكتملة في أماكن محددة.
معلومات صحيحة...لكنها ناقصة.
والحقيقة الناقصة أخطر أحيانًا من الكذب الكامل.
بعد ذلك...
بدأ بعض العملاء المهمين الذين كانوا يتعاملون مع شركة زين يتواصلون مع شركة "الساحرات الثلاث".
وكانت وسام ترفض استقبالهم أو التفاوض معهم.

لكن الغريب...
أن هؤلاء العملاء كانوا يتلقون بعد أيام عروض أسعار ومقترحات تفصيلية مطابقة تقريبًا للمشروعات التي يناقشونها مع شركة زين.
وكأن أحدًا ينقل المعلومات من الداخل.
ثم ظهرت رسائل بريد إلكتروني. رسائل مرسلة من حساب وسام.
تحتوي على تفاصيل دقيقة تخص أحد أكبر المشروعات الجديدة.
وتم إرسالها إلى شركة منافسة خارجية.
الرسائل بدت حقيقية تمامًا.التوقيت كان صحيح.
والتوقيع الإلكتروني صحيح.
وحتى عنوان الجهاز المستخدم كان مطابقًا لجهازها.
ولم يكن أحد يعلم أن رنا استعانت بخبير تقني لتجهيز كل شيء مسبقًا.
لكن ذلك لم يكن كافيًا. لذلك جاءت الضربة الأقوى.
خلال اجتماع مجلس الإدارة...
ظهر تقرير مالي سري.
التقرير يثبت أن شركة الساحرات الثلاث كانت تستعد لتقديم عرض منافس لنفس المشروع قبل إعلان المناقصة رسميًا.
أي أنها كانت تعرف التفاصيل قبل الجميع.
والأخطر...
أن النسخة الأصلية من المشروع وُجدت محفوظة داخل مجلد إلكتروني يحمل اسم وسام.
هنا بدأ الشك يتحول إلى اتهام.ثم جاءت الكارثة الأخيرة.
أحد العملاء الكبار أعلن فجأة فسخ تعاقده مع شركة زين.
وأمام الجميع أخرج مراسلات تؤكد أن فريق وسام تواصل معه قبل أسابيع وعرض عليه شروطًا أفضل.
ورغم أن الرسائل كانت مزورة بالكامل...
فإن الأرقام والتواريخ والمرفقات كانت صحيحة بصورة مرعبة.
حتى زينب نفسها لم تستطع تفسير ما يحدث.
أما ريهام...
فبدأت تشعر أن هناك شيئًا غير منطقي. لكنها لم تملك دليلًا واحدًا.
كانت كل الأوراق ضد وسام.كل الرسائل ضدها.كل التقارير ضدها. كل الوقائع تشير إليها.
بل إن بعض الموظفين شهدوا أنهم رأوها أكثر من مرة تراجع ملفات المشروع بنفسها.
وهو أمر طبيعي بحكم عملها...لكنه تحول فجأة إلى دليل إدانة.
أما زين...
فكان يقف وسط الحطام. مشروع ضخم مهدد بالضياع.
عملاء يغادرون.
وسمعته المهنية تتعرض لهزة عنيفة.
وفي كل مرة ينظر إلى الأدلة...كان يجد اسمًا واحدًا يتكرر أمامه.
وسام.
المرأة التي وثق بها أكثر من أي شخص آخر.
والمرأة نفسها التي أصبحت كل المستندات تؤكد أنها خانت تلك الثقة.
حاولت وسام أن تشرح.أن تدافع.أن تطلب فرصة واحدة فقط.
لكن الغضب والخذلان كانا أقوى من أن يسمحا له بالاستماع.
ولأول مرة منذ عرفها...نظر إليها زين وكأنها شخص غريب تمامًا.
أما رنا...
فكانت تراقب المشهد من بعيد.
وتبتسم.
لأن خطتها لم تجعل زين يشك في وسام فقط...
بل جعلته يعتقد أن الدليل على خيانتها موجود أمام عينيه. 
حاولت وسام تبرير ما يحدث ولكن 
زين لم يمنحها فرصة للدفاع عن نفسها. لكثرة غضبه منها واهتزاز اسمة في السوق كل ما يدور في عقله عنها استغلت مشاعره اتجاها لصالحها 
وتحولت المسافة الصغيرة بينهما إلى جدار من الصمت.
حاولت ريهام فهم ما يحدث.وحاولت زينب الإصلاح.و حاولت زينت أيضا توضح لاخوها أن وسام رفضت أكثر من عميل ولكن الأمور كانت تتعقد أكثر. كانت الاوراق محكمة وكلها تدين وسام بشده 
وفي الخلف...كانت رنا تبتسم.لأن خطتها تسير كما تريد.
ثم جاء الحفل السنوي الكبير للشركة.
الحفل الذي حضره الجميع.
وكانت وسام موجودة رغم الألم الذي تحمله.
تحاول أن تبدو قوية.
ومتماسكة.وكأن شيئًا لم يحدث.
وفجأة...
صعد زين إلى المنصة.وطلب من الجميع الانتباه.
ساد الصمت.ونظرت وسام نحوه باستغراب.
كما فعل الجميع.
ثم قال:
- عندي إعلان شخصي مهم.
ارتبك الحضور.
وتبادلت النظرات.
أما قلب وسام...فبدأ ينبض بعنف دون أن تعرف السبب.
وفي تلك اللحظة...
تقدمت رنا إلى جواره.وسط دهشة الجميع ثم أخرج زين علبة صغيرة.وبصوت ثابت قال:
- أتمنى تقبلي.ان تكوني شريكة حياتي 
تعليقات



<>