
أنا أكتب لأحارب الظلام الذي بداخلي لعل النور يحُلُ محله يومًا ما"
كان ديميتري يقف أمام سايلِس مُرتديًا حُلة سوداء يعلوها معطفٌ أسود طويل وبيده عُكَازٌ أسود مُستندًا عليه بيديه الإثنتين، كان يُطالعه بهدوء ببنما الثاني كان يحاول التحكم في غضبه بسبب وجود قانل أخيه أمامه ليقول بغضبٍ مكتوم:
- ماذا تفعل هنا؟
ولكن ديميتري تجاهله وجلس على كُرسي أمام مكتب سايلِس بهدوء تام واضعًا كلتا يديه فوق مقبض عكازه الأسود المصنوع من خشبٍ ثم التفت برأسه نحو سيلفانا قائلاً بابتسامة هادئة:
- صباحُ الخير يا آنسة، هل من الممكن أن تتركيني أنا ورئيسكِ بالعمل قليلاً؟ نُريد التحدث في أمورٍ خاصة .. وأريدُ قهوةً مُرة المذاق من فضلك.
ثم التفت برأسه من جديد نحو سايلِس ليستأنف:
- وأنت ماهو مشروبُكَ المُفضل؟
ليفكر ديميتري قليلاً وهو عاقدًا حاجبيه .. ليتحدث سايلِس مُكررًا سؤاله بغضب وهو يصرٌّ على أسنانه:
- ماذا تفعل هُنا، ديميتري مارينتوس؟
ولكن ديميتري تجاهله ثم تحدث لسيلفانا بابتسامة باردة:
- وأحضري لرئيسكِ ليمونًا مُثلَّجًا لعله يُفيدُه قليلاً، يبدو أنه ليس بخير.
عقدت سيلفانا حاجبيها وهي تُطالع ديميتري ثم التفتت برأسها نحو سايلِس الذي نظر إليها في المقابل ثم أشار إليها بالخروج من المكتب، لتمتثل لأمره وتخرج، بينما أخذ ديميتري ينظر حوله للمكتب، ثم عاد بنظره نحو سايلِس ليتفاجأ بفوهة سلاحٍ به كاتمٌ للصوت موجهٌ نحو رأسه، ليقول سايلِس بفحيح:
- لقد آتيت لموتك سيد ديميتري.
ابتسم ديميتري ابتسامة باهتة ثم رفع العكاز ببطءٍ شديد حتى لامست عصاه فوهة المسدس وأزاحها عن رأسه في هدوء:
- سيد سايلِس، أنا أُقدِرُ رغبتك الشديدة في قتلي ولكن هذا ليس الوقت المناسب لتلك الأفعال فلدينا عملٌ هام.
ولكن سايلِس تجاهله وأعاد فوهة المسدس نحو رأسه .. بينما ظل ديميتري جالسًا وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة:
- يبدو أن لدي عمل شاقٌ قبل التحدث عن مهمتنا.
ضغط سايلِس على الزناد بينما تحرك ديميتري في اللحظة الأخيرة مستندًا إلى عُكازه بخفة لتمر الطلقة بجوار، اندفع سايلِس نحوه محاولا تسديد ضرب بمقبض المسدس إلا أن ديميتري رفع العكاز بسرعة ليعترض الضربة فارتطم الخشب بالمعدن ليصدر صوتًا حاد ووقع المسدس من يد سايلِس ليزداد الأخير غضبًا واقترب من ديميترتي ليسدد له لكمه في وجهه ولكن ديميتري مال برأسه لتقلت اللكمة بجوار وجهه وجسده ثابت لم يتحرك قيد أنمله وقبضتيه تستندان على العكاز الأسود، اندفع سايلِس مجددًا ليتحرك ديميتري بخفة رافعًا عكازيه يتصدى ضربات سايلِس المسلسلة ليملأ المكتب صوت الخشب وهو يصطدم بيديه، زفر ديميتري بملل وأمسك مقبض العكاز بسرعة وأداره دورة قصيرة ليصدر صوت معدني خافت، لتستع عينا سايلِس وهو يرى نصلاً فولاذيًا طويلاً ينساب من داخل العكاز ببطء حتى اكتمل ظهورة، ليرفع ديميتري السلاح نحو رقبة سايلٍس قائلاً بهدوء:
- والآن سيد سايلِس، نحن بحاجةٍ للتحدث في العمل، من فضلك كُن رجلاً عاقلاً فأنت تُضيعُ وقتنا.
ليُطالعان بعضهما بنظرات تحدي ليتنهد سايلِس باستسلام فيُعيدُ ديميتري سلاحه حيث كان وعاد العكاز كما كان ليستند بقبضيه على رأسه، قائلاً بهدوء:
- إن المافيا الإيطالية والمافيا الروسية يريداننا أن نتعاون في المهمة التالية، وأعتقد أن الأمر هامٌ جدًا لدرجة أن الإختيار وقع علينا.
ليزفر سايلِس قائلاً بغضب بسبب هزيمته أمام ديميتري:
- أعلم كل ذلك كان من الممكن أن تتواصل معي هاتفيًا لكن أن تأتي هُنا لشركتي وتدخل مكتبي دون إذني فهذه وقاحة.
لتتسع ابتسامة ديميتري ولكن سُرعان ماتحولت ملامحه للبرود المُثلج ليقول:
- ليكن في علمك سيد سايلِس، أنا أحاول أن أكون رسميًا أكثر معك، لكن إذا أردت أن نقوم بلعن بعضنا لا توجد عندي مشكلة، وأظن أنك تعلم أنني أستطيع فعل المزيد.
ظل سايلِس صامتًا ولكن ديميتري لم يُعطِهِ مُهلة للتفكير إذ بدأت حديثه فورًا:
- بعد شهرٍ تحديدًا سنكون جميعنا بالنمسا، نقوم بتنفيذ عملية ضخمة للغاية.
ليتسائل سايلِس وقد تغيرت ملامحه للهدوء:
- وماهي تلك المُهمة؟
أردف ديميتري بهدوء:
- سرقة شيءٍ ثمين يخصُّ عالم المافيا.
ليقول سايلِس بعدم فهم:
- أنا أسرق؟!
ليقول ديميتري بنبرة ساخرة ولكن بملامح باردة:
- أجل تستطيع فعلها، فأنت حاولت قتلي قبل قليل، ثم ماهي معلوماتك عن أعمال المافيا سيد سايلِس؟ هل تظننا نقدم عروضًا للباليه؟
ليرمقه سايلِس بضيق:
- أنا أفهم ماذا نفعل بداخل المافيا، حسنًا فلتدعوا الله أن لا أقتلك خلال هذا الشهر!
اتسعت ابتسامة ديميتري:
- لو كنت تستطيع لفعلتها قبل قليل.
ثم وقعت عيناه على مسدس سايلِس المُلقى أرضًا قائلاً بسخرية خفية:
- فلتقم بإخفاء سلاحك سيد سايلِس، لكي لا تُحطم صورتك المُحترمة أمام موظفوك.
وفي تلك اللحظة دخلت سيلفانا المكتب وخلفها عامل المشروبات داخل الشركة يحمل بيده صينية بها فنجانُ قهوة وكوبًا آخر به عصير، وقبل أن يلاحظا مايحدث حركَ ديميتري قدمه ببطء محسوب ثم دفع المسدس بطرف حذائه الأسود لينزلق بصمت فوق الأرضية الرخامية حتى استفر أسفل المكتب الكبير مختفيًا تمامًا عن مجال الرؤية، بينما اكتفى سايلِس بإلقاء نظرةٍ خاطفة نحو أسفل مكتبه لتتقابل عينيه مع عيني ديميتري الهادئتين ليغمز له بهدوء ثم التفت ليُغادر الغًرفة لتوقفه سيلفانا برسمية:
- القهوة سيد ديميتري؟
لتظهر ابتسامته الهادئة وهو يقترب من الباب:
- شكرًا ولكن رئيسكِ بالعمل يحتاج كلا الإثنين.
ثم تحرك خطوة ولكنه توقف والتفت برأسه نحوها:
- أبلغي تحياتي للآنسة جوداء.
أومأت سيلفانا بهدوء، ليخرج ديميتري من غرفة المكتب لتلتفت سيلفانا نحو سايلِس والذي جلس على كُرسي مكتبه، لتشعر أن به خطبٌ ما:
- هل أنت بخير سيدي؟
هز سايلِس رأسه نافيًا ثم وقعت عينيه على مكان الطلقة الموجودةة بالجدار ليتنهد أن لا أحد لن ينتبه لها لأنها غير ظاهرة ثم أردف بهدوء:
- لا أنا بخير، هيا لنبدأ العمل.
تناول المشروبات أولاً سيدي قبل أن نبدأ .. تنهد سايلِس بضيق ليقول:
- لا أُريد.
لتُطالعه سيلفانا بحيرة والتفتت نحو العامل لتقول بهدوء:
- أعتذر، فلتأخذهما.
أوما العامل وأخذ الأكواب وخرج، لتجلس هي بمكتبها مُذكرةً نفسها أن مُعاملتها ستكون مع سايلِس بعد اليوم بطريقةٍ رسمية، جلس ديميتري داخل سيارته وأمر سائقه بالتوجه إلى الشركة ليتفاجأ بإتصالٍ هاتفي من ستيفانو، ليُجيب بهدوء:
- ماذا هُناك، ستيفانو؟
- هُناك شيءٌ أريد أن أطلبه منك أخي.
عقد ديميتري حاجبيه الكثيفين ليقول:
- تحدث.
- جلوريا تحتاج أن يهتم بها أحد، وأنا كنتُ أفكر منذ الأمس أن تنتقل للعيش معنا بمنزلنا، ذلك سيجعلني مطمئنًا كثيرًا عليها.
كلمة واحدة من حرفين خرجت من بين شفتي ديميتري ببرود:
- لا.
تعجب ستيفانو من كلمته تلك ليتسائل بحيرة:
- لماذا؟
صمت ديميتري قليلاً ليقول بهدوء:
- كيف لها أن تبقى معنا بذات المنزل ولا يوجد بيننا وبينها صلة.
ليقول ستيفانو بتوضيح:
- إنها حبيبتي ديميتري، أنا أحبها حقًا.
ليقول ديميتري باعتراضٍ ظهر بقوة في صوته:
- وأنا لا أومن بتلك الكلمة ستيفانو، ثم إن تلك ليست مبادئَنا التي لا نحيد عنها أبدًا .. سأتدبر الأمر.
ليقول ستيفانو بحيرة:
- أخبرني ماهو؟ إنها حبيبتي كيف لي أن أتركها وحدها؟
تأفف ديميتري بسبب حديثه ليقول بنبرة حادةٍ قليلاً:
- قلت لك ستيفانو أنني سأتدبر الأمر، وحينما أتدبره سأُخبرك.
ليقول ستيفانو باستسلام:
- حسنًا أخي، أنا في انتظارك.
ليُغلق المكالمة الهاتفية مع ديميتري ثم عاد داخل غرفة جلوريا يبتسم لها ابتسامة لطيفة وأمسك بيدها يُربتُ عليها .. وفي الخارج كان دييجو نائمًا بسيارته غافلاً عن تلك الطبيبة التي دخلت المشفى للتو.
في المساء:
توقفت جوداء أمام باب الشقة تقوم بفتحه وبمجرد دلوفها للداخل وجدت كارلا أمامها تبتسم باتساع، عقدت جوداء حاجبيها من ردة فعلها تلك، لتسأل كارلا وهي مُتأكدة من الإجابة ولكنها تريد أن تسمعها منها:
- هل أنتِ جود صاحبة برنامج إضحك وانسى؟
طالعتها جوداء باستغرابٍ قليلاً لترد ببطء وهي تراقب ردات فعل كارلا:
- أجــــــل.
صرخت كارلا بدهشة واقترب لتضمها بقوة وسعادة ..
- شكرا .. شكرا .. شكرا لكِ.
لتبتعد عنها وعينيها تحمل الكثير من الكلمات كما أن عينيها قد لمعتا وهي تُطالعها بابتسامة واسعة:
- بسبب نصيحتكِ لي، تركتُ عملي ووجدتُ عملاً أفضل .. شكل لكِ جود .. شكرًا حقًا.
لمعت عينا جوداء لدرجة أنها كادت أن تبكي من فرط سعادتها وهي ترى أن الله قد سخَرَهَا لمساعدة أحدهم .. لتستأنف كارلا بابتسامة:
- تتذكرينني صحيح؟؟ أنا من تحدثت معكِ بوجود مشكلاتٍ في الراتب كما أن الوقت كان ضيق لأنني كنت أعمل في عدة أماكِن متفرقة.
قالت جوداء بتذكر وابتسامة:
- أجل أنا أتذكركِ جيدًا كارلا.
أردفت كارلا بسعادة:
- لم أكن أعلم كيف أشكركِ .. لذا.
لتُشير كارلا خلفها نحو المطبخ واستأنفت:
- قمتُ بتجهيز طعام الغداء اليوم لنا جميعًا، ولا تقلقي إن الطعام كله حلال.
ابتسمت جوداء بامتنان وأردفت:
- شكرًا لكِ حقًا كارلا أنتِ إنسانة رائعة.
أردفت بابتسام:
- على الرُحبِ والسعة، متى ستأتي زميلتُنا سيلفانا.
لتفكر جوداء قليلا وأردفت:
- من المفترض أن ينتهي دوامها الآن.
همهمت كارلا بهدوء لتقول:
- حسنًا قومي بتبديل ثيابك، وسننتظرها حتى تأتي.
أردفت جوادء بابتسامةٍ لطيفة وهي تذهب لغرفتها:
- شكرًا لكِ من جديد كارلا.
أومأت كارلا بابتسامة هادئة .. بينما دخلت جوداء غرفتها وهي تشعر أنها ليست بخير، وضعت يدها على معدتها لا تدري لما تؤلمها هكذا؟ ولكنها تجهزَّت لكي تتوضأ وتصلي فرضها.
كانت سيلفانا تُنهي عملها وهي مُنغمسة في الأوراق التي أمامها فهي منذ الصباح على حالتها تلك تتجاهل أن تنظر نحو سايلِيس الذي شك أن بها شيء ولا تريدُ أن تخبره عنه، رمقت ساعتها لتجد أن دوامها قد انتهى اعتدلت من مكتبها وأخ1ت حقيبتها وهمِّت بالرحيل ولكنها تفاجأت باقتراب سايلِس منها وأردف بهدوء:
- أخبريني، ماذا هُناك؟ ماذا حدث؟
أزاحت بصرها عنه وأردفت برسمية:
- لا شيء سيدي، كل شيءٍ على ما يُرام .. لقد كان العمل كثيرًا اليوم حقًا.
ابتعدت من أمامه واتجهت نحو باب المكتب وفتحته كي تخرج ولكن سايلِس منعها من ذلك إذ أغلق الباب بيد واحدة ليحاصرها بين الباب وجسده .. حاولت أن تتحكم في اضطراب ضربات قلبها، رفع سايلس يده الأخرى ليستند بها إلى الباب لكنه ترك بينهما مسافةً كافية .. كانت تُعطيه ظهرها تشعر به يحاصرها لا تريد أن تلتفت له أبدًا لأنها إن فعلت ستنهار حصونها أمامه ... أردفت سيلفانا بنبرة باردة:
- سيدي من فضلك، أريدُ الرحيل.
أردف سايلِس بهدوء:
- ماذا هُناك سيلفانا؟
أغمضت عينيها بقوة حينما شعرت بأنفاسه تلفح بشرة عنقها، أخذت نفسًا عميقًا وأردفت ببرود:
- لا يوجد شيء سيدي، من فضلك دعني أرحل.
صمت سايلِس قليلاً ثم أبعد يديه الإثنتين عن الباب لتستغل سيلفانا الفرصة وفتحت الباب لتخرج من المكتب ثم استندت على الباب من الخارج بعدما أغلقته تتنفس بعمق تُذكر نفسها بما قررته، ثم بعد ذلك تحركت لتخرج من الشركة ..
بمرور الوقت..
كانت الفتيات تأكُلن بصمتٍ تام، جيث كانت جوداء شاردة بالألم الذي باغتها فجأة اليوم ولأجله أخذت أقراصًا مُسكنة، أما بالنسبة لسيلفانا فقد كانت شاردة في الفراغ تُقَلِبُ الأكل بشوكتها دون أن تأكل، وكارلا تُطالعُ كلتاهما وأردفت بهدوء تُخرجهنَّ من شرودهن:
- أنا سعيدةٌ ببقائي معكنَّ يا فتيات.
ابتسمت جوداء بهدوء وأردت:
- ونحن أيضًا سعداء كارلا، أخبريني متى ستبدأين عملكِ؟
أردفت كارلا:
- بعد يومين من الآن، لقد أرسلوا لي اليوم بريدًا إلكترونيًا يقومون بتأكيد الموعد لي.
أردفت جوداء بابتسامة هادئة:
- بالتوفيق لكِ عزيزتي.
أما سيلفانا فقد تسائلت بلا مبالاة وهي تتناول طعامها أخيرًا:
- أين ستعملين؟
كارلا بابتسامة:
- شركة إيفانوف.
توقفت سيلفانا عن تناول الطعام بينما طالعتهما جوداء بهدوء، أردفت سيلفانا بهدوء:
- إنه المكان ذاته الذي أعمل به.
أردفت كارلا بحماس:
- هذا رئع، سنكون سويًا في أي قسم تعملين؟
أردفت سيلفانا بلامبالاة وشرودٍ في آنٍ واحد:
- قسم البرودِ والطُغيان والشر.
عقدت كارلا حاجبيها بعدم فهم وقهقهت جوداء من حديث سيلفانا وأردفت بتوضيحٍ بدلاً عنها:
- هي تقصد أنها المساعدة الشخصية للسيد سايلِس إيفانوف.
شهقت كارلا بذهول:
- يا إلهي! أنتِ تعملين مع السيد سايلِس إبــفــانـــوف مباشرة؟؟؟
أردفت سيلفانا:
- أجل، هو بعينه .. وأنتِ في أي قسم ستعملين؟
- في قسم إدارة الموارد البشرية، مديري يكون السيد رومان، إذا كنتِ تعرفينه.
تأففت سيلفانا وأردفت:
- ذلك الأحمق الوغد، أعرفه بالطبع.
ذُهِلت كارلا من طريقة تحدثها عن رومان بينما هزت جوداء رأسها بيأس وأردفـت:
- سيلفانا، لقد أخبرتكِ من قبل أن لا تسُبِّي أحدًا.
تأففت سيلفانا واعتدلت:
- حسنًا .. ولكنه يستحق ذلك .. أنا أكرهه حتى ذلك االسايلِس أكرهه أيضًا.
ثم صمتت قليلاً وشعرت بالتخبط وأردفت:
- لا أريد أن أتناول الطعام، دعوني وشأني.
دخلت غرفتها لتجلس بفراشها تفكر بسايلٍس تتذكر تلك اللحظة التي كان بها قريبًا منها ولكنها هزأت رأسها لعلها تستفيق وحاولت أن تنام .. بينما كارلا كانت متعجبة بسبب ماحدث لتقول بتساؤل:
- هل هي بخير؟
أردفت جوداء بقلق وحيرة:
- لا أدري، دعيني أطمئن عليها.
اعتدلت جوداء من مكانها بهدوء واقربت من غرفة سيلفانا وطرقت الباب عدة طرقات ثم دلفت للداخل، لتجد سيلفانا متكورةً على فراشها، وتوليها ظهرها .. اقتربت نحوها لتقول بصوتٍ هادئ:
- ماذا هُناك سيلفانا؟ ماذا حدث اليوم؟
أردفت سيلفانا بسأمٍ دون أن تلتفت:
- لا شيء.
- إذا لما تتصرفين هكذا؟ لقد قلقت كارلا عليكِ.
صمتت سيلفانا قليلاً وأردفت:
- لقد كان حتميًا انهياري بين ذراعيه اليوم لولا أنني تمسكت بآخر ذرة تحكمٍ في داخلي.
اقتربت جوداء أكثر لتجلس بجانبها على فراشها وأردفت بهدوء:
- حاولي سيلفانا أن تتعاملي مع الأمر بشكلٍ جيد، وإذا كنتِ تُكِنِّين له المشاعر حقًا اكتميها بداخلك حتى يأتي هو معترفًا بحبه لكِ.
هزت سيلفانا رأسها نافية لتقول وهي تلتفت نحوها:
- لا جوداء، الأمر لا يجب أن يستمر من الأساس .. سأقوم بتقديم استقالتي وذلك إذا شعرتُ أن قلبي يميلُ نحوه باستمرار.
لتقول جوداء باعتراض:
- ولكن سيلفانا إن العمل في تلك الشركة كان حُلمَ حياتَكِ، هل تتخلين عن حلمكِ بهذه البساطة.
أردفت سيلفانا بوجهٍ خالٍ من الحياة:
- أجل، سأتخلى عن أحلامي إذا كانت تزرع الشوك بداخلي وتجعلني أتألم.
لم تستطع جوداء أن تتحدث بالمزيد ولكنها ربتت على شعرها بهدوء ..
- سأترككِ لتنامي، وأنا سأقوم بترتيب الطاولة مع كارلا.
كادت أن تعتدل ولكن أوقفتها سيلفانا:
- لقد أتى السيد ديميتري إلى مكتب السيد سايلِس اليوم.
التفتت نحوها باستفسار:
- وما شأني؟
استأنفت سيلفانا حديثها:
- لقد أخبرني بأن أرسل لكِ تحياته.
احمر وجه جوداء خجلاً وإحراجًا في آنٍ واحد وأردفت:
- لا يهُم.
ثم خرجت بسرعة من الغرفة وعقدت سيلفانا حاجبيها بحيرة من أمرها .. فور خروج جوداء التفتت كارلا نحوها حيث كانت تحمل الأطباق:
- هل هي بخير؟
أردفت جوداء بابتسامة هادئة:
- لا تقلقي هي بخير، ثم إن سيلفانا هكذا دائمًأ، متقلبة المزاج.
أردفت كارلا بابتسامة:
- لا بأس، في الصباح ستكون بخير.
تنهدت جوداء باستسلام:
- أتمنى ذلك.
في صباح اليوم التالي:
كان لوكا يقف أمام مرآته يقوم بتجربة العديد من الملابس ومتحمسًا كثيرًا لذلك البرنامج حتى وجد ثيابًا كلاسيكية تليق بمظهره ككاتب مُثقف بعيدًا عن آل مارينتوس .. ارتدى ثيابه وقام بتعطير نفسه وكاد أن يخرج من غرفته تذكر أمرًا هامًا هو أن لا أحد يمكنه معرفة هويته الحقيقية .. تنهد بخفة وارتدي عدساتٍ شمسية سوداء ووضع قبعة فوق شعره ووقف مر أخيرة أمام المرآه ليُطالع نفسه من جديد ووجد أن جانب وجهه مكشوف ثم ارتدى قناعًا للوجه قماشي ذو لونٍ أسود أخفى فمه وفاهه بينما وجنتيه وعينيه كانا ظاهرين (كمامة سوداء)، ظل يُطالع وجهه، ليقول بارتياح:
- هذا جيد.
خرج من القصر ليأخذ سيارته البيضاء وينطلق بها مُسرعًا يصرخ بحماس طوال الطريق حتى وصل أمام الإذاعة وهُنا تفاجأ بما رآة، ليجد حشدًا هائلاً من الفتيات والنساء وأيضًا الرجال أمام مبنى الإذاعة يرفعون لافتات مكتوب عليها " نحبك أليكساندر ميخاييل" .. " نحن فخورون بك أليكساندر " ... "أنت كاتِبُنا المفضل على الإطلاق" ذُهِلَ لوكا من ذلك الجمع الهائل ولم يتوقع هذا .. شعر بأن جسده يرتعش بسبب ذلك المنظر المُهِيبِ أمامه .. ابتلع لوكا بتوتر ليجد أن هُناك بعضًا من حرس المبنى يمنعون الزحام لتأتيه فكرة حيث قام بالإتصال بجوداء ليطلب منها مايُريد كيف يستطيع الصعود ..
وبعد مرور دقائق قليلة كان لوكا يسير مُحاطًا رجالٍ ذو بنيةٍ ضخمة بينما المُعجبون من حوله قد فهموا أن هذا هو أليكساندر بسبب هيبته تلك، سار بخطوات مُسرعةٍ قليلاً لكي لا يستطيع أحد رؤيته بشكلٍ واضح.
صرخ معجبوه بإسمه ليقوموا بتشجيعه في ذات الوقت، وبعد أن دخل المبنى قام الرجال بإغلاق الباب الرئيسي للمبنى خلفه، وسار بجانبه أحد الرجال ليدله على الطريق بينما كان لوكا غير مستوعبًا لجميع تلك الأحداث إذ كل شيءٍ حدث بسرعة، ليستفيق بعدما دلف غرفة التسجيل ليجد أمامه فتاةٌ مُسلمة جمالها هادئ .. عينيها كحيلتين ورموشها طويلة وكثيفة، تلك الفتاة اقتربت نحوه وأردفت بابتسامة هادئة محتفظةً بمسافتها عنه:
- مرحبًا بك سيد أليكساندر .. أنا جوداء يُمكنكِ دعوتي جود إذا كان إسمي صعبًا عليك.
أردف أليكساندر بهدوء جاعلاً شخصيته المثقفة هي من تتحدث:
- مرحبًا بكِ آنسة جود.
صمتت قليلا وهي تُطالعه بقناع الوجه ذاك وأردفت بهدوء:
- ألن تَقَم بإزاحته عن وجهك؟
أردف أليكساندر بصدق:
- لا أستطيع، لا أريد أن يعلم أحد بهويتي الحقيقية.
هزت جوداء رأسها بتفهم:
- إذًا أليكساندر ميخاييل هوية زائفة؟
طالعها أليكساندر بهدوء وأردف بصدقٍ تام:
- أجل.
ابتسمت جوداء بهدوء:
- لا تقلق، أنا أحفظ السر جيدًا.
- شكرا لكِ جود.
ابتسم أليكساندر اسفل قناعه، أردفت جوداء بابتسامة:
- إذا ما رأيُك؟ لقد تفاجأتُ بذلك الجمع حينما أتيت وأنا متيقنةٌ تمامًا أنهم قد ازدادوا عددًا.
أردف أليكساندر بابتسامة:
- حسنًا لقد تفاجأت حقًا .. لم أكن أتوقع أن لدي مُتابعين كُثرُ هكذا.
- لقد أخبرتك، أنت لا تشعر بقيمة نفسك أليكساندر.
صمت أليكساندر قليلاً ولكنه انتبه عليها تقول:
- هيا بنا لنبدأ البث.
أومأ أليكساندر بهدوء واقترب يجلس أمامها بالغرفة .. أشارت جوداء لمالك الذي يقف عند المؤثرات الصوتية بأن يبدأ .. أومأ بهدوء وقام بفتح البث ليشير لها بالبدء في المقابل، لتبدأ جوداء بثها..
- أهلا بكم أعزائي المستمعين .. مرحبًا بكم في برنامجنا اللطيف "إضحك وانسى" ولكننا اليوم نأتي إليكم بفقرة جديدة تُسمى *طموحٌ لا يموت* فاليوم سيكون مميزًا كثيرًا بالنسبة إلينا .. لأنه يوجد ببرنامجنا فنانٌ موهوب استطاع أن يصل إلى قلوبنا بفنه والذي قلما يفعله البعض .. اليوم نستضيف شخصًا استطاع بقلمه أن يؤثر بقلب إيطاليا بأكملها ونتيجةً لذلك يقف الآن بالخارج حشد ضخمٌ وهائل أمام مبنى الإذاعة يقومون بتشجيعه ودعمه .. لذلك دعوني أرحب بكاتبنا الواعد السيد أليكساندر ميخاييل. .. مرحبًا بك أليكساندر.
أردف أليكساندر بهدوء محاولاً ضبط نبرة صوته وماساعده قليلأً قناعه ليخرج صوته ببحةٍ رجولية هادئة:
- مرحبًا بكِ آنسة جود، سعيدٌ بوجودي هُنا معكِ اليوم.
- إذا أليكساندر، أخبرنا كيف بدأت الكتابة؟ ومن قام بدعمك؟
صمت أليكساندر يفكر لثوانٍ ثم أردف بهدوء:
- بدأتُ الكتابة حينما وجدت فراغًا بحياتي كما أنني وجدت بداخلي كلماتٍ كثيرة أريد إخراجها ولكنني لم أجد من يُنصِتُ إلي .. إلتجأت للكتابة لعل مابداخلي يهدأ ولو قليلاً، كما أنني أكتب لأحارب الظلام الذي بداخلي لعل النور يحُلُ محله يومًا ما.
أردفت جوداء باستفسار:
- هل هدأ مابداخلك أليكساندر؟
- لا.
صمتت جوداء قليلاً لتشعر أن به خطبًا ما لتستأنف:
- أخبرني من هو داعمك؟
صمت أليكساندر قليلاً وظهرت لمعة غريبة في عينيه وأردف:
- أختي الراحلة، هي من شجعتني على ذلك.
أردفت جوداء باعتذار:
- أعتذر على ذلك حقًا.
أردف أليكساندر:
- لا يهم، أكملي من فضلكِ جود.
أردفت جوداء:
- أخبرني ماهو طموحُك؟
صمت أليكساندر قليلاً ثم أردف:
- أن أكون أشهر كاتبًا في العالم.
ارتسمت ابتسامة على وجه جوداء ثم أردفت:
- جميعنا نتمنى لك ذلك بالطبع .. أريدُكَ أن تتحدث بشكلٍ عام أليكساندر عن عالم الكتابة وماهي مساوئه.
وفي مكانٍ آخر:
كان ديميتري في طريقه للشركة ولكنه انتبه عندما قام السائق بتشغيل البرنامج وما فاجأه هو أنه سمع صوت جوداء ورجلٍ معها، عقد ديميتري حاجبيه ليعتدل في مقعده وأخذ يستمع جيدًا لما يقولون ...
تنهد أليكساندر وأردف بهدوء:
- إن الكتابة ماهي إلا لعنة عندما يُصابُ بها المرء لن يستطيع إلإبتعاد عنها أبدًا مهما حاول؛ فهي العالم الوحيد الذي أستطيع الهروب إليه من مشاكلي وما أشعر به .. مساوءه هي أنني وجدت الكثير يقومون بتحطيمي .. أنا أعلم أن هذا المجال يوجد به العديد من المنافسين ولكن لما يتدخل الجميع في حياة غيرهم؟ لما لا يكون هُناك سلامٌ دائم في عالم الكتابة؟ ولكن هؤلاء هم البشر وتلك طبيعتهم .. ولكن بتشجيع جمهوري لي وأولهم أنتِ جود لما وصلت إلى تلك المكانة في قلب إيطاليا بأكملها، وذلك لأنكم كنتم تقومون بتشجيعي دائمًا، فلم أكن ألتفت للقيل والقال في هذا المجال.
ابتسمت جوداء وأردفت بهدوء:
- أريدُ أن أسألك شيئًا مُحرجًا سيد أليكساندر؟
عقد أليكساندر حاجبيه في دهشة بينما عقد ديميتري حاجبيه بغضب وهو يستمع لهذا العبث، وأردف بنبرة لا تحمل النقاش:
- إلى مبنى الإذاعة إسماييل.
لينفذ سائقه أمره ويقوم بتغيير إتجاه السير، بينما أردف أليكساندر بحيرة:
- ماهو؟
أردفت جوداء بابتسامة هادئة:
- حينما كنت أتواصل معكَ لأجل البرنامج، بدا من حديثك أنك لا تثق بنفسك كما أنك جعلتني أشعر أنك شخصٌ غير معروف تمامًا على عكس مايحدث الآن .. فجمهورك بأكملهم خارج المبنى!
صمت أليكساندر قليلاً وأردف بنبرةٍ حزينة:
- ربما لأنني دائمًأ أشعر بالوحدة، أو أشعر أن الجميع سيبتعد عني ربما .. إن البشر ماهم إلا فتراتٍ مؤجلة في حياة غيرهم .. وأنا رأيتُ الكثير من القراء يغيبون ولا يعودون حيث أنهم وجدوا الأفضل مني بالطبع وذلك طبيعي في هذا المجال .. رأيتُ الكثير ينتقدونني ولم أرى سوى عددٌ قليلٌ يمدَحُنِي .. لم أرى ذلك الحب مُطلقًا سوى اليوم .. ربما تعليقاتكِ لي جود أنتِ وبعض القراء كانت تقوم بتشجيعي قليلاً ولكن هذا لم يكن كافيًا بالنسبة إلي .. أردتُ المزيد لأن الإنسان من طبيعته أنه يطمَحُ للمزيد، أخبريني هل لو كنتِ مكاني ستحزنين مثلي هكذا؟ وكيف ستتخطين الأمر؟
صمتت جوداء للحظة وأردفت بهدوء:
- بالطبع سأحزن لأنني أثق أنني أخرج مابداخلي وأجتهد في كتابتي، ولكنني سأتخطى كل ذلك أنني سأذكر نفسي دائمًا أن التوفيق بيد الله وطالما أنا أسعى فسأنال مُرادي يومًا ما.
ابتسم كريستوف بهدوء أسفل قناع الوجه:
- ليتني مثلكِ جود.
أردف ديميتري:
- أغلق هذا الشيء التافه إسماييل.
لم يستطع إسماييل أن يعترض وأغلق الراديو ..
- هل تبقى أمامنا الكثير؟
- فقط خمس دقائق سيدي.
همهم ديميتري بهدوء وهو ينظر للشوارع بالخارج .. ابتسمت جود بإحراج بسبب حيدث أليكساندر وأردفت:
- هل تُريد توجيه كلمة خاصة لجمهوركِ أليكساندر قبل أن ننهي فقرتنا؟
أردف أليكساندر بهدوء:
- شكرًا لكم جميعًا على دعمي ومساندتي أُحبكم كثيرًا وسيكون لنا لقاءًا عما قريب أعدكم بذلك.
ابتسمت جوداء وأردفت:
- حسنًا أعزائي المستمعين وهُنا أعلن نهاية فقرتنا "طموحٌ لا يموت" وغدًا سأعود معكم ببرنامج إضحك وانسى وسيكون به ضيوفًا مميزين أيضًا، كونوا بالقرب.
أشارت لمالك بالتوقف ليهز رأسه بعدما أوقف البث ..
- لقد كنتُ سعيدة بوجودك حقًا أليكساندر اليوم.
- وأنا أيضًا جود.
ثم التفت أليكساندر حوله وأردف:
- هل سأخرج من حيثُ أتيت؟
- لا، سيُخرجك رجال الأمن من الباب الخلفي للمبنى.
همهم أليكساندر وقبل أن يخرج التفت بهدوء نحو جوداء:
- دائمًا سأنتظر تشجيعكِ الكامل على جميع رواياتي آنسة جود.
- لا تقلق، سأدعمك دائمًا أليكساندر.
- وهذا شرفٌ لي.
ثم خرج من الغرفة يتبع الرجال حيث يقودونه وفي الوقت ذاته وصل ديميتري بسيارته أمام الإذاعة ونزل منها بعدما فتح أحد رجاله باب السيارة واستقرت قدمه على الأرض ليقترب من الباب الرئيسي ويفتحه الرجال حينما لمحوه .. وفي الجهة الأخرى من المبنى كانت تقف بقامتها القصير خلف المبنى مهمومة تضع يدها على وجنتها وحزينة وهي تتحدث في الهاتف:
- إنه حبيبي أليكساندر وحيدٌ جدا، يبدو أن لا أحد يحبه .. إن الجميع ينبذونه بينما أنا أذوب به عشقًا، سأكون نوره الذي يبحث عنه.
- هاي يا فتاة أفيقي إنكِ مُجرد مٌعجبة، ألم تستمعي لحديث جوداء معه؟ إن المبنى بأكمله حُصِرَ بالكامل بعدد ضخمٍ من مُعجبيه.
- لا أهتم..
- روزالين أنتِ تجعلينني أفقد عقلي.
كادت روزالين أن تتحدث ولكنها انتبهت حينما خرج أحد من الباب الخلفي كادت أن تبتعد عن المبنى لأنها اعتقدتهم رجال الأمن ولكنها تفاجأت به أنه الشاب ذاته الذي دخل المبنى مُحاطًا بكثيرٍ من رجالِ الأمن .. لتهمس روزالين بلمعة عينٍ رائعة:
- إنه هو .. عزيزي أليكساندر.
أغلقت المكالمة الهاتفية مع صديقتها دون أن تقول لها الوداع وأخذت تتبعه بصمتٍ تام حتى ركب سيارته البيضاء لتصعد داخل سيارتها الزرقاء لتتبعه بابتسامةٍ حالمة ..
- أخيرًا سأعلم أين تسكُن.
وفي الجهة الأخرى .. صعد ديميتري حيثُ يكون مكتب جوداء بعدما دله رجال الأمن ثم دخل المكتب دون أن يطرق بابه .. لتنتفض جوداء بفزع لظهوره أمامها فجأة هكذا ...
- ماذا تفعل هُنا؟
ولكن ديميتري تجاهل حدديثها ولم يغلق الباب خلفه:
- من يكون هذا الشخص الذي كنتِ تتحدثين معه قبل قليل؟
عقدت جوداء حاجبيها بعدم فهمٍ من حديثه:
- من تقصد؟
- ذلك الرجل الذي كنتِ تتحدثين معه بالإذاعة.
لتقول بتلقائية:
- أليكساندر ميخاييل، هذا كاتبي المُفضل.
صرَّ ديميتري على أسنانه وأردف:
- ماذا كان يفعل ببرنامجكِ؟
تحدثت بعدم فهم:
- كان موجودًا بفقرة تخص أفكاري وحدي سيد ديميتري.
- ولكنكِ أخبرتني أنكِ لا تتحدثين مع الرجال، كما أنكِ لا تبقين مع أحد داخل غرفةٍ وحدكِ!! أم أن هذا الحديث يكون لي فقط؟
لتبرر بتلقائية:
- لا لقد تركتُ الباب مفتوحًا ..
ثم استوعبت ماقاله للتو لتقول بغضبٍ شديد:
- من فضلك سيد ديميتري إلزم حدَّك في حديثك معي.
ليقترب منها ديميتيري أكثر ليقول بتحذير:
- وإلا ماذا يا آنسة جوداء؟
ابتلعت بارتباك وابتعدت لمسافات وأردفت تحاول التحكم بغضبها:
- سيدي، إن العمل عمل .. وعلاقتي به هُنا انتهت لمجرد انتهاء العمل بيننا أي بمجرد إنتهاء الفقرة الإذاعية .. أما أنت يا سيد ديميتري لا توجد بيننا أي علاقةٍ تمامًا؛ فمن فضلك تفهم هذا الأمر جيدًا.
شعرت جوداء بموجة من الألم تجتاح جسدها ولا تدري ما السبب حاولت أن تصمد قليلاً وأردفت:
- من فضلك سيد ديميتري إذا انتهت أسئلتك إرحل.
ولكن ديميتري ظل واقفًا أمامها لم يتحرك قيد أنملة يُطالعها بهدوء، هزت رأسها بيأس تحاول أن تكتم ألمها أمامه .. ودون وعيٍ منها وضعت يدها فوق بطنها ..
- ما خطبُكِ؟
ذلك ماقاله ديميتري عندما انتبه لحركتها تلك .. لتظهر معالم الألم على وجهها:
- ارحل من فضلك، أريدُ البقاء وحدي.
ولكن ديميتري لم يُنصت لها إذ اقترب منها ليطمئن عليها بينما هي حاولت أن تبتعد ولكن تلك المرة اشتد الألم بها ولم تستطع أن تتحرك قيد أنملة لتتفاجأ بديميتري يقف أمامها ليتضح فرق الطول بينهما .. ليهمس ديميتري بهدوء:
- ماذا حدث؟
لتقول بألم:
- يبدو أنني تناولت بعض الطعام السيء.
أردف بهدوء:
- ماذا أفعل أخبريني؟
أردفت بألم:
- أعطني المُسكنات بالحقيبة من فضلك.
ولكن ديميتري عقد حاجبيه وأردف:
- هل وصف طبيبكِ أدوية المسكنات تلك؟
ولكنها نفت برأسها :
- من فضلك أعطني إياها.
أخرج المسكنات من حقيبتها الموجودة على مكتبها وأعطاها شريطًا لتُخرج منه حبة بينما هو أعطاها كوبًا من الماء لتجلس بعد ذلك على كرسي بجوار مكبتها وهي تضع يدها على جبهتها تحاول تخطي ذلك الألم .. بينما ظل ديميتري واقفًا بمكانه يراها تتألم شعر بداخله أنه عاجز على مساعدتها، ولكنه أردف بهدوء:
- منذ متى وأنتِ هكذا؟ يبدو أن الألم مُستمر، هل ذهبتِ للمشفى للفحص؟
هزت رأسها نافية، لتقول بهدوء:
- أنا فقط بحاجة للذهاب .. سأعود للمنزل.
اعتدلت ولكن ما زال الألم يفتكُ بها فلم تر أمامها جيدًا لتتعثر ببنطالها الطويل، اختل توازنها وكادت أن تقع ولكن ديميتري أحاط ذراعيه بخصرها لتصطدم بصدره العريض .. انتفضت جوداء بسرعة حينما استعادت توازنها وهي بين ذراعيه وابتعدت عنه مًسرعة لتقول باعتذار وهي تنظر حولها دون أن تنظر إليه:
- أعتذر.
ليقول ديميتري بهدوء وهو يقبض يديه خلف ظهره:
- لا بأس .. دعيني أوصلكِ.
طالعته قليلاُ ثم أومأت باستسلام .. خرج من الغرفة وهي حملت حقيبتها وتبعته للخارج.
دخل لوكا قصر آل مارينتوس بسيارته ليصطفها بالداخل بينما توقف روزالين بسيارتها أمام باب القصر الخارجي لتعقد حاجبيها بحيرة ..
- آل مارينتوس؟!
ثم انتبهت على وجود أفراد أمنٍ بالخارج لتقول باستفسار:
عُذرًا سيدي.
تقدم نحوها أحدهم ..
من فضلك أريدُ التحدث للسيد أليكساندر والذي دخل القصر للتو.
ليقول رجل بعدم فهم:
- تقصدين السيد لوكا مارينتوس؟
رفعت روزالين حاجبيها بدهشة لتقول:
لا .. أقصد السيد أليكساندر ميخاييل.
لا يا آنسة .. لا يوجد أحدٌ هنا بهذا الإسم .. فهذا قصر آل مارينتوس .. ومن دخل للتو يكون أحد الورثة
يتبع
الفصل الثالث عشر اضغط هنالقراءة باقي الفصول اضغط هنا