رواية حبر باهت الفصل الاول1 بقلم رشا روميه

رواية حبر باهت الفصل الاول1 بقلم رشا روميه 

 بين حقيقة غائبة وحبرٍ زائف"

بقلم "رشا روميه"

وضع كفيه فوق وجنتيها بتوسل وقد إرتجفت نبرته الحنونة ببعض التوتر وهو يتلفت خلفه خشية أن يستمع أحد لحديثه:

-بالله عليكِ يا "زينب" وطي صوتك مينفعش كده!

رفعت حاجبيها بإندهاش شديد تلك المنفعلة التي إشتد وجهها حمرة ليتوهج بغيظ، فما يفعله يزيدها حنق وليس العكس، تهدجت أنفاسها بتسارع وهي تشير بيدها بالهواء تجاه اليمين، تحركها بإنفعال وعدم تحمل:

-أنا إللي أوطي صوتي يا "شهاب"!! أنا إللي غلطانه دلوقتِ؟! إنت مش شايف بعينك؟! أنا خلاص جبت أخري ومش قادره أستحمل أكتر من كده، شوف لك حل!!


عاد ببصره نحو الخلف يطمئن أولًا أن لا أحد خلفه يستمع إليه قبل أن يترجى زوجته بأن تهدأ قليلًا فلا داعي لهذا الإنفعال:

-معلش، إستحمليها عشان خاطري، إنتِ عاقله وهاديه، إيه إللي جرى بس؟!!


دفعت الهواء بقوة من فمها لعلها تريح رئتيها وقلبها المتعبان من شدة إنفعالها، مسحت وجهها بكفها بضيق نفس لتستكمل:

-تعبت، تعبت يا "شهاب" ومعدتش قادره والله، أمك على عيني وراسي وعمري ما كليت منها، بس إللي هي بتعمله معايا كتير أوي، أمك بتكرهني يا "شهاب" مش بتطيقني أبدًا، عملت كل حاجه ترضيها وبرضه هي عمرها ما حبتني ولا قبلتني.


قوس حاجبيه بملامة ليجيبها بلطف:

-ليه بتقولي كده بس، أمي بتحبك بلاش تزوديها، أمال بقى لو كانت عايشه معانا على طول، دول كلها يومين وترجع بيتها، ما إنتِ عارفه إنها ملهاش غيرنا دلوقتي، أخويا وسافر ومحدش بيشوف وشه، وأختى إنتِ عارفه.


حملقت "زينب" للأعلى قليلًا تحاول منع تلك العبرات الخائنة من السقوط، لكنها كانت كذلك بالفعل، تساقطت رغمًا عنها وهي تلملم شفتيها المرتعشتان حتى لا ينفلت تمالكها، مسحت وجهها بكلا كفيها لتعقب بلوم لزوجها المحب:

-إنت طيب وقلبك مفيش منه، بس سلبي أوي يا "شهاب"، مش عشان تراضيها تظلمني كده، وإنت عارف إن أنا مغلطتش فيها، ولا عمري زعلتها، ولا عليت صوتي عليها، هي كارهاني لله في لله.


ربت "شهاب" بخفة فوق صدره بتوسل:

-طيب عشان خاطري أنا خلاص، أنا مبقدرش أشوف زعلك ده، هي أمي ورضاها هو إللي بتمناه من الدنيا، وفي نفس الوقت مش عايزك تزعلي، خلاص بقى متضايقيش نفسك ويلا معايا نرجع لها، حتقول إيه دلوقتِ، سابوني وراحوا فين!!! ميصحش، وهتشوفي يا ستي إنها بتحبك وإنت مكبره الموضوع.


مطت "زينب" شفتيها بإمتعاض، بينما أكمل "شهاب":

-يلا روحي إغسلي وشك وتعالي في الأوضه التانيه عشان نتغدا بقى.


ومن النعيم أن تلاقي روح تشبهك، أن يصبح رزقك في الدنيا قلب حنون يطيب خاطرك، فبعض السعادة تتجسد على هيئة بشر، يكفيها فقط قُربه ويغنيها عمن سوا، نظرت "زينب" نحو "شهاب" بمزيج من المحبة والكثير من العتاب، لكنها تتحمل منه ولأجله كل شئ، يغنيها عن الدنيا وما فيها، لتتنهد برضوخ:

-حاضر يا "شهاب"، عشان خاطرك بس.


تركها وإتجه لتلك الغرفة الصغيرة حيث تجلس والدته "سليمة"، دلف للداخل وهو يرسم تلك البسمة البشوشة التي تميزه، فهو بشوش الوجه، لين الطباع، طيب القلب، تقدم نحو الأريكة البسيطة التي تجاور مقعد والدته ليتخذ مجلسه حين لوت "سليمة" فمها بإستياء وهي تحط منه بكلماته الساخطة:

-بتقويك عليا، هي حصلت، لا وإيه، بدل ما تديها قلمين على وشها وتعلمها الأدب، تقوم تلاينها معاها.


ألم يكتفي بملامة واحدة!! فيبدأ مراضاة من جهة أخرى:

-بتقويني إزاي بس يامه، "زينب" غلبانه وغُلب الدنيا فيها، وإنتِ على راسنا كلنا، أنا وهي، وده بيتك تنوريه في أي وقت تحبيه.


زمت شفتيها وهي تنظر تجاه الجانب الآخر تتمتم بإستهزاء:

-غلبانه!!! دي تِعبانه، أنا مش عارفه إنت مخليها على ذمتك ليه دي؟! لا عيل ولا منظر، ولا جاه ولا مال، بني آدمه فقر من يومها، نحس، مشوفناش معاها إلا الغُلب والفقر.


إبتلع "شهاب" كلماتها المهينة لزوجته دون رد، لن يجادلها ويخسر رضاها الذي يسعى دومًا له، فحتى وإن لم يكن الحق معها، لكنها أمه، كلماتها تُقبل، طلباتها أمر، حزنها على حد السيف، طأطأ رأسه بسكون ليخنق كلماته بداخل نفسه خوفًا من إغضابها.


تلك الكلمات التي سقطت فوق رأس "زينب" كالخناجر، تؤلم وتُدمي، لكن الأكثر إيلامًا هو هذا السلبي، طيب إلى حد يُضيع الحقوق، ليس عليه أن يكون بهذا الرضوخ والإستسلام، لم تطلب منه أن يعوقها، فقط تمنت أن يدافع عنها.

بقلم رشا روميه 

وقفت "زينب" بذهول وإنفعال من تطاولها لمرة أخرى، ألا تكتفي تلك المرأة من إلقاء إتهاماتها كالجمر المشتعل تجاهها، دومًا تنعتها بأقبح الصفات، تتهمها بأبشع الإتهامات، تكرهها دون سبب، لكن اليوم قد فاض الكيل، لم تعد تتحمل كل ذلك.


دلفت نحو الداخل وهي بحالة إنفعال، تريد الدفاع عن نفسها، تسقط تلك الصفات عنها، كانت تتمنى أن يقوم زوجها بذلك لكن خيبتها به كانت أعظم:

-أنا!! أنا فقر وجيت بالنحس والخراب، طب ليه؟!!!!! ليه قوليلي!! ده مفيش حد إتقهر قدي، مفيش حد شايل الهم وساكت قدي، أنا إللي يوم ما ربنا كرمني وحملت حمل صعب وولدت بطلوع الروح وكنت بموت وربنا كتبلي عمر جديد وفي الآخر ربنا إختار إبني وحرمني من الخلفه تاني، كتمت قهرتي على إبني في قلبي وسكت، كان بإيدي إيه عمله، مش بإيدي، حملت وولدت زي كل الستات لا أنا معيوبه ولا أرض بور، بس ربنا مش رايد، وبعدين أنا برضه مش ذنبي إني يتيمه وأبويا مات وسابني لأمي من زمان، إللي تعبت عليا وربتني وكبرتي وجوزتني وسابتني وراحت للي خلقها وإرتاحت من الدنيا دي كلها، الفقر ده مش ذنبي، ولا اليتم ده ذنبي، ليه بتعملي فيا كده، ليه، ليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه.


مصمصت "سليمة" شفتيها بإستياء وهي تطرف بعينيها بتهكم لتردف:

-أهو إنتِ إللي قولتيها بعظمة لسانك، إبنك مات، يا فقر يا بومه، وأه ذنبك إنك فقر، مش لو كان "شهاب" إتجوز واحده عليها القيمه ومتريشه كان زمانه مرتاح، بدل ما هو متمرمط في شغلانه المندوب دي عمال يلف بالنص نقل من هنا لهنا، كان زمانه على الأقل صاحب مكان يبيع ويتشرط فيه!!!


تهدجت أنفاس "زينب" لتتركهم بإنفعال، حزن عميق لم تقوى على تحمله، كيف تتلاعب بجراحها، ألا تشفق على حالها، وحيدة يتيمة ملكومة بموت رضيعها الذي لم تراه، ألا يكفيها كل تلك الأسباب لتكون رحيمة معها.


بعض الكلمات كالسيوف تجرح، لكن أطيبها ما تخرج إلا من قلب نظيف، فلو كانت سهلة لما كانت الكلمة الطيبة صدقه، لكن من تورط بحزن قلبك إعلم أن الله سيضيق الله صدورهم، سيسخر من يؤذي قلوبهم ولو بعد حين، تمسك فقط بنقاء قلبك.


أسرعت "زينب" بخطواتها تحاول الفرار، ليس من مكانها، بل الفرار من ضيق نفسها وحزن قلبها، وما من متسع سوى قلب محب، لا يهنأ إلا بسكينة روحها، لحقها "شهاب" بالصالة ليمسكها من مرفقها، يوقف حركتها، إلتفت نحوه لتجد أضيق الأماكن حجمًا وأكثرها إتساعًا، حاوطها برفق بين ذراعيه ليطوقهما حولها، ليستقبل كل حزنها بلين ومحبة.


ليت كل اللحظات بحياتها كتلك اللحظة، هو وهي فقط، دون كلمات جارحة، دون تدخل من الآخرين، دون قسوة من الدنيا.


همس "شهاب" بأذنيها بنبرة أذابت قلبها:

-حقك على قلبي يا حته من قلبي.


علت شهقاتها فهي غاضبة، حزينة، تشعر بالإختناق منه ومن والدته، ولا تجد سوى قلبه المحب العطوف لتشكي له حزنها، رددت بأنفاس متقطعة:

-يرضيك كده يا "شهاب"؟


أحكم تطويقه لها قائلًا:

-أمي بقى هعمل لها إيه، ست كبيرة ومقدرش أزعلها، حقك عليا، أنا محقوق لك.


رفعت رأسها تناظره بلوم:

-مش معنى إنها أم تبقى تظلم، ربنا مقالش كده يا "شهاب".


بلطافة شديدة طوق وجنتيها مرة أخرى وهو ينظر نحوها بعيون عاشق متيم، نظرات وأحاسيس يكفيها لتتغاضى عن كل الالآم التي تمر بها، حتى تجبرها برضا أن تسامح والدته عن كل إساءتها:

-إيه رأيك بكره لما أمي ترجع بيتها أخدك الملاهي وأغديكِ كمان بره؟


ضغطت شفتيها بقوة تمنع تلك الإبتسامة عن الظهور، كطفلة تلقت حلوى لطيفة بعد سقوط مؤلم، أجابته بنعومة:

-إنت بتضحك عليا يا "شهاب"!!!


مسح دمعتها المعلقة بأهدابها بسبابته معقبًا:

-لا يا روح "شهاب"، أنا عارف إنك مخنوقه، وهي كلها بكره وتمشي، نستحملها الكام ساعة دول وبعد كده نخرج سوا يا عمري كله، أعوضك عن كل ده، هو أنا ليا غيرك، ولا حلاقي في الدنيا ظفرك.


أهدلت عينيها بحزن لتسأله بتخوف:

-"شهاب"، إنت عاوز تتجوز عشان تجيب ولاد؟


إحتدت نظراته بعتاب شديد لما تفوهت به:

-إوعي أسمعك تقولي كده تاني، قلب "شهاب" لا يمكن تدخله إلا "زينب"، ده أنا من غيرك مقدرش أعيش ولا ألاقي للدنيا طعم، مينفعش أبدًا أبدًا تقولي كده، إنتِ عندي بالدنيا وما فيها، وإن مكانش ولادي منك أنا مش عاوزهم.


إنفرجت تلك الإبتسامة لتتوهج ملامحها الرقيقة، فالورود تتفتح حين تغمر بغدير الماء العذب، ترتوي وتنشر عبيرها، لحظة بين قلوب محبة أفاقت بطرف ثالث قطع وصلهما:

-حِكم، ربنا يهني سعيد بسعيده، إيه خلاص نسيتوني، مش حناكل، أنا جوعت؟


رفع "شهاب" حاجبيه وأهدلهما بمزاح بمعنى (فلنحضر الطعام بدلا من أن تستكمل سخريتها مننا)، كتمت "زينب" ضحكتها لتدلف نحو المطبخ لتحضير الطعام بينما إستدارت أولًا تؤكد عليه وعده:

-بكره يا "شهاب"؟


أجابها بتأكيد ويقين:

-بكره يا "زينب".


مصمصت "سليمة" شفتيها بدون فهم لتعقب بتهكم:

-إسم الله، وده يطلع إيه ده؟!!!


ربت "شهاب" على كتفها برفق يدعوها للدخول للغرفة الصغيرة:

-متحطيش في بالك يامه، تعالي عشان ناكل.


بطيب نفس حضرت "زينب" الطعام فقد حان موعده، لم تكترث لتلك الغمزات واللمزات التي تفتعلها "سليمة" طيلة الوقت بعدما أخرجت مكنونات صدرها مع "شهاب" ووعدها بأن عند عودة والدته لبيتها سيتغير الحال ويعود إستقرارهم مرة أخرى.


أنهت "زينب" طعامها أولًا لتترك الطاولة متجهة نحو المطبخ، في حين بقي "شهاب" ووالدته بالغرفة يستكملان طعامهما، دق هاتف "شهاب" ليسرع بإغلاق صوت الرنين الخاص به متصنعًا أنها مكالمة غير ذات أهمية، فيما ترك الغرفة بعدها مباشرة دون أن تنتبه والدته بأنه يخفي شيئًا ما.


تلفت "شهاب" حول نفسه ثم تطلع نحو المطبخ متأكدًا بأن "زينب" منشغلة به، وبنظرة خاطفة نحو الغرفة التي تجلس بها والدته تستكمل طعامها، شعر بالأريحية الشديدة بأن كل شئ على ما يرام، دلف بهذا الوقت للغرفة الصغيرة وأغلق الباب من خلفه، أخرج هاتفه ليعيد الإتصال بهذا الرقم الذي دق عليه منذ قليل ليجيب بصوت خافت للغاية.


كانت "زينب" تعد أكواب الشاي حين تذكرت أنها تحتاج لعبوة جديدة منه فقد فرغ ما عندها، عادت للغرفة لتطلب من "شهاب" أن يبتاع لها الشاي قبل أن تبدأ والدته بالتذمر مرة أخرى، لكن قبل وصولها للغرفة سمعت همس "شهاب" بالغرفة الصغيرة والتي يبدو أنه يتحدث مع أحدهم بالهاتف.


فضول دفعها للإستماع فليس من عادته أن يغلق الباب أثناء حديثه بالهاتف، كما أن همسه أثار ريبتها وغيرتها بذات الوقت، كما لو أن القدر جعلها تعود بتلك اللحظة لسماع ما يخفيه عنها، أطرقت أذنيها لتستمع بصمت وتركيز شديدين.


دارت مقلتي "شهاب" بقلق وهو يردف بصوت خفيض:

-أيوه، فهمت، فهمت، مش حينفع أعلي صوتي، أحسن تسمعني وتاخد بالها، تمام، تمام، أنا نص ساعة بالكتير وأكون عندِك، خلاص بقى، سلام عشان متاخدش بالها.


مكالمة قصيرة لكن ألمها كان عظيم للغاية، برودة شديدة إجتاحت جسد تلك الواقفة خارج الغرفة، شعرت كما لو كان قلبها يستغيث فلم يعد يقدر على الدق، كلمات أماتتها وهي مازالت على قيد الحياة.

بقلم رشا روميه 


كان يجب عليها أن تتوقع الخذلان من الجميع حتى من إستثنته من ذلك!! صدمة لم تكن تتخيلها منه هو خصيصًا، إنه الوحيد الذي إستحق ثقتها وحبها، هل يمكن أن يكون كالجميع؟!! هو من كانت تحسبه سكينة روحها يأتي منه الغدر، هل يُحدث غيرها؟ ويتقابل معها أيضًا؟


وقفت للحظات متيبسة عن الحركة كما لو كانت تشاهد مشهد عبثي لا يخصها، تهدجت أنفاسها بقوة وتوقف تفكيرها تمامًا عن العمل، لم تعد تدري ماذا تفعل، هل تواجهه بما سمعت منه، أم تصمت وتبتلع خيانته لها، أم تثور وتحطم المعبد على من به كما يقولون؟!! 


أعين مشتتة وقلب مهشم وغصة عالقة، لكنها بالنهاية إنتبهت لصوت حركته بالداخل فيبدو أنه سيخرج من الغرفة، عادت بخطوات متعجلة نحو المطبخ حتى تستجمع أفكارها وترى ماذا عليها فعله، دارت حول نفسها عدة مرات بمشاعر مضطربة بين الغضب والغيرة والحنق والخوف أيضًا، خائفة من خسارته فهو من إمتلك قلبها وحياتها، أيعقل أن يكون توقف عن حبها؟ لكن كيف؟؟!!! فمنذ دقائق كان العشق والمحبة يطغيان عليه وعلى حديثه!!


توصلت لأمر وحيد عليها فعله أولًا، يجب أن تتيقن من خيانته لها قبل أن تواجهه، سحبت هاتفها الصغير من فوق أحد العلب بالمطبخ حيث تضعه بالعادة لتتحدث بصوت خفيض دون أن ينتبه لها أحد:

-عم "شكري" عايزاك تجيلي بالتاكسي عشان عندي مشوار مهم دلوقتِ.


بعد أن رتبت وسيلة تقلها لمراقبة "شهاب" عادت مرة أخرى نحو الغرفة تتصنع اللا شئ، هذا القناع الذي تضعه كثيرًا مؤخرًا تجنبًا للمشاكل مع والدته، قناع اللا شئ، دلفت للغرفة تطلب من "شهاب" أن يبتاع لها الشاي كما لو أنها لم تستمع لحديثه:

-"شهاب"، عايزة باكو شاي، الشاي خلص.


سحب "شهاب" سلسلة مفاتيحه الكبيرة المميزة الخاصة بسيارة العمل ومعها هاتفه قائلًا بإعتذار:

-معلش بقى يا "زينب"، جالي مشوار شغل ضروري، تاجر عاوز بضاعه دلوقتِ ولازم أوردها له، إبقى هاتي إنتِ الشاي.


أومأت بخفة لكنها لم تقدر على إخفاء إمتعاضها وضيقها، فهو بالفعل سيذهب لها، سيتركها غافلة ويذهب لسواها، إنه يخونها بالتأكيد، أجابته بعد صمت شارد ومازالت الغصة عالقة بحلقها:

-ماشي يا "شهاب"، أنا نازله أشتري، وبالمرة أجيب شوية حاجات من السوبر ماركت.

لم تعبئ لتلك النظرات الساخطة من "سليمة" فلم تعد هي شاغلها الآن، تحرك "شهاب" مغادرًا البيت ومن خلفه "زينب" التي سحبت غطاء رأسها لتلف حجابها بعجالة لتلحق به.

إستقل "شهاب" تلك سيارة النقل الصغيرة المصفوفة أمام البيت والتي تخص البضائع التي يقوم بتوزيعها، لتسرع "زينب" نحو "شكري" جارهم سائق التاكسي الذي كان ينتظرها، ركبت بسرعة لتهتف بالعم "شكري" بتعجل:

-خليك ورا عربية "شهاب" يا عم "شكري" بالله عليك.

-حاضر يا "زينب"، من عنيا يا بنتي.

تحركت كلا السيارتين بنفس لإتجاه لكن بقلب كل منهما إحساس مختلف، توقفت سيارة "شهاب" أولًا ليترجل منها أمام بيت رائع، ليس كمثل الحي الفقير الذي يسكنان به، بل حي راقي للغاية ذو الطرقات العريضة والأشجار تحف الجانبين، بوابة حديدية مفتوحة يظهر منها بيت على الطراز العصري مكون من طابقين فقط.

هل إستبدلها بثرية كما كانت تحلم والدته؟! هل يعيش معها كشفقة على حالها بعد خسارة إبنهما ويعيش الرخاء مع تلك صاحبة الثروة والمال؟!

ترجلت بارجل مرتعشة وهي ترى "شهاب" يدلف بأريحية شديدة نحو هذا البيت، تركت السيارة لتلحق به بخطوات خفيفة، ليس لقدرتها على الخفة والرشاقة، بل شعرت كأنها روح، تسير دون أن تطأ قدميه الأرض، إنها تختنق، تفقد روحها بالبطئ وهي تتيقن بكل خطوة من خيانته لها.

وقف "شهاب" أمام الباب الخشبي يدقه برفق، بينما تخبت "زينب" خلف قطعة فخارية كبيرة وضعت بالحديقة، تعلقت عينيها بهذا الباب المغلق للحظات حتى فُتح الباب، وليته ما حدث، فحين فُتح الباب كان كمن غرس خنجر بقلبها المسكين، تقدمت منه إمرأة شابة تحاوطه بذراعيها تستقبله بمحبة موجعه.

رغمًا عنها تساقطت دموعها الساخنة وهي تشاهد خيانته بعينيها، ودت لو تمد كفيها الضعيفين وتنهي حياتهما معًا، ورغم هذا الألم حيث ظنت أن هذا هو أقصى ما يمكنها شعوره، وجدت إحساس آخر أشد إيلامًا، حين جثي "شهاب" فوق إحدى ركبتيه يستقبل طفل صغير ألقى بنفسه في أحضانه، إنها لم تعد زوجة مغدور بها فقط، لقد أصبحت هي الغريبة، دخيلة على أسرة سعيدة من أب وأم وطفل صغير، إحساس لا يمكنها أن تمنحه إياه، لقد بحث عن سعادته الكاملة ووجدها بينهم، إن الطفل يشبهه إلى حد كبير، إنه ولده بالتأكيد.

هوت "زينب" تجلس أرضًا فلم تعد ساقيها قادرة على حملها، فما لهذا اليوم أتى يزيد أوجعاها ويمحي سعادتها المزيفة، يضع زواجهما وزوجها بركن مفقود ويسكب عليه حبر غطيس يخفيه عن الوجود.

صوت ضحكات هذا الطفل كانت تخترق قلبها كخنجر حاد وهو يُحدث "شهاب" ببراءة:

-وحشتني خالص، هات المفتاح ألعب.

أخرج "شهاب" سلسال مفاتيحه المميزة ليعطيه لهذا الصغير الذي سعد بها للغاية ودلف نحو لداخل ليكمل لعبه، تلاه حركة والدته و"شهاب" معها، إغلاق الباب عليهم بالدخل جعل "زينب" تشعر برجفة قوية لتترك العنان لشهقاتها المكتومة بالتحرر، آهات متتالية وإرتعاش شفتيها، فلم تكن تظن أن لحبيبها حبيبة، قهر نفسها ليس بالهين، لقد تغاضت عن الكثير لأجله، وكان المقابل هو الخيانة.

بعد مرور بعض الوقت لم تعلم "زينب" كم مر من الوقت وهي بهذا الحال، إستجمعت نفسها لتلك المواجهة، لقد تركت حقها كثيرًا لكنه اليوم لن تتركه، كانت تتمنى أن يأتيها "شهاب" بحقها ذات يوم، وليس أن تأخذ حقها منه.

وقفت بهدوء ومازالت عينيها تنظران نحو الأرض لترتفع بهما مع رأسها الذي تشدق للأعلى بسمو، فلن تسمح لهما بأن تشعر هي بالذنب، بل هما المذنبان وعليهما يجب أن يوقع العقاب.

تحركت تجاه الباب لتدُقه برأس مرفوعة، سرعان ما فتح هذا الصغير الباب، ظلت تنظر نحوه للحظات، تريد أن تريه وجهها الغاضب، لكن ملامحه البريئة سلبت قلبها، هي التي حُرمت من أن يكون لها أطفال، كيف ستحنق من هذا البرئ، لا، فليس الذنب ذنبه أيضًا، بل كل الذنب لهؤلاء.

تقدمت نحو الداخل ليقابلها "شهاب" برفقة تلك المرأة، تطلعت بهما "زينب" بإزدراء ومازال وجهها محتقن بحمرة شديدة أدركها "شهاب" على الفور، إنها حُمرة بكاء.هتف بها بإندهاش:

يتبع 

             الفصل الثاني من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>