رواية خيوط الذاكرة الفصل الاول1 بقلم يارا علاء الدين

رواية خيوط الذاكرة الفصل الاول1 بقلم يارا علاء الدين 

               المقدمة والفصل الأول 

أحيانًا، تصبح الذاكرة عبئًا ثقيلًا لا نعرف كيف نتخلص منه، وكأن كل لحظة عشناها تحولت إلى حجرة صغيرة نُسجن بداخلها. يظل الألم يلاحقنا، ونحن نحاول الهروب من وجوهه المختلفة، حتى نصل إلى نقطة فارقة في حياتنا، حيث نُدرك أن الخلاص لا يأتي من الهروب، بل من القبول. فعندما يختفي الماضي، لا نعود كما كنا، ولكن نكتشف أننا قد أصبحنا شيئًا آخر. وفي تلك اللحظة التي نعتقد فيها أننا فقدنا كل شيء، قد نكتشف أننا قد وجدنا ذاتنا الحقيقية، التي لا تُقاس بما مضى، بل بما نحن عليه الآن.


          ------------------------


البداية أو ربما النهاية

--------------------------


كانت العيادة تبدو أكثر ظلامًا من المعتاد، رغم أن الضوء الأبيض يغمر المكان بشكل متساوٍ. جلست على المقعد البارد، يديها متشابكتين على حجرها، وعينيها تتنقلان في كل زاوية من الغرفة كما لو أنها تبحث عن شيء يمكنها التمسك به.

 قلبها ينبض بسرعة غير معتادة، فهي على وشك اتخاذ قرار مصيري. في الحقيقة، هي قد اتخذت القرار بالفعل. ولم يعد هناك شيء يمكن أن يحول بينها وبين ما اختارته.


دخل الغرفة ببطء، وحين رفع عينيه إليها، كانت نظراته تحمل نوعًا من التعاطف والجدية. أحمد طبيب في منتصف الأربعينات، وجهه يبدو هادئًا متماسكًا فهو معتاد على تلك الأجواء من قبل.


"هل أنتِ مستعدة؟" سألها بصوتٍ هادئ، ثم أضاف بنبرة تحمل تحذيراً أخيراً: يمنى، يجب أن تعلمي أن الجهاز يمحو المسارات العصبية للذكرى، لكن المشاعر العميقة والجذور المتشعبة قد تقاوم المحو.. العقل البشري أعقد من أن يُمحى بضغطة زر."


كلامه جعل يمنى تتنفس بشكل أكثر عمقًا, هي لم تكن متأكدة. كل شيء كان ضبابيًا، لكن في النهاية، لم يكن هناك خيار آخر. بعد أن خذلتها الحياة, قررت أن تبدأ هذه الرحلة التى لن تعود بعدها كما كانت!


"نعم." أجابت بصوت خافت، وابتسمت له ابتسامة ضعيفة، لم تكن تعرف إذا كانت الابتسامة أم العَبرة هي التي على وشك أن تخرج منها.


أومأ برأسه، ثم بدأ في تحضير المعدات, بدأ حديثه بشكل تقني، يشرح كيف ستتم العملية. كانت تسمعه، ولكن ذهنها في مكان آخر.

بمجرد أن أغلقت عينيها، بدأ الصوت المحيط بها يتلاشى. شعرت وكأنها تغرق في مكان مظلم، ثم بدأت الذكريات تظهر أمامها. أول ما مر بذهنها كان وجهه!

تذكرته لأول مرة في أحد المقاهي الصغيرة. وهو يمسك بقهوته المفضلة وينظر إليها, ظهرت تفاصيل لقائهما الأول, ثم فجأة  تبدل المشهد، غريب ولكنه واضح. كانت تشعر به في أعماقها، وكأن قلبها يرفض الاستماع إليه. ذاك اليوم الذي تغير فيه كل شيء.


حين لم تكن تتوقع وجوده هناك، ورأته معها ( صديقتها المقربة). لم تكن مجرد صدفة عابرة، بل كانت نظراته لها، وطريقة جلوسه، وابتسامته التي طالما ظنتها ملكاً لها وحدهـا، كلها تفاصيل أكدت لها أنها أصبحت غريبة في حياته. تجمدت الدماء في عروقها وهي تراه يمنح غيرها المكانة التي اعتقدت يوماً أنها خط دفاعها الأخير.

ابتعد يونس فجأة حين لمحها. تراجعت نظرته، وسكت عن الكلام. كان يقول أشياء لا تصدقها، محاولاً تبرير وجوده معها

قالت لنفسها حينها "لا يمكن أن يكون هو، لا يمكن أن يكون يونس".

تسارعت المشاهد وكأنها تلاحقها حتى وإن حاولت الهرب, مر وقت لم تدرِ كم كان, لكنها شعرت أن الدقائق قد تحولت إلى أعوام. كانت الذكريات تتساقط على قلبها كسيلٍ عاصف، تحمل معها خيباتٍ وأوجاعًا لا تُحصى. المشهد ذاته يتكرر أمام عينيها، كأنما الزمن قد تجمّد في تلك اللحظة.

 يونس، ذلك الشاب الذي كان يملأ عالمها، أصبح الآن شبحًا يعذبها في كل زاوية من ذاكرتها. لم يكن من السهل عليها أن تتذكره هكذا، ولم تكن تُريد حتى أن تعيد تجميع ملامحه في ذهنها. لكن الذكرى، رغم كرهها لها، كانت تعود، كطيفٍ مستمر يتسلل عبر حواف عقلها.

"أنا آسف يا يمنى... لم أقصد أن أجرحك، من فضلك سامحيني..." 

كانت كلماته تتردد في أذنيها، تتناثر كالرصاصات التي اخترقت قلبها بلا رحمة. صوته مليئًا بالندم، لكن هل كانت تلك الكلمات كافية لتعيد لها ما فقدته؟ هل يمكن للألم الذي نبت في أعماقها أن يُمحى بكلماتٍ فارغة، كما يُمحى حبر على ورقة قديمة؟ 


كلا، لم يكن هناك شيء يمكن أن يزيل تلك الجروح. لم يكن هناك أمل في إحياء الثقة التي أُهدرَت في لحظة خيانة. كانت تبتسم له، ولكن ابتسامتها مليئة بالمرارة، كتلك الابتسامات التي يضطر الإنسان إلى إلقائها في وجه من تسبب في حزنه، كي لا يرى العجز في عينيه.


تساءلت في تلك اللحظة: "هل كان يحبها حقًا؟" هل كانت الحياة التى تعيشها معه مجرد خيوط وهمية رسمها ليخدع قلبها؟ 


بينما كانت الذكريات تتوالى، كان قلبها يختنق في صدرها. لم يكن هناك أي شيء يجعل الألم أخفّ من أن يتحمل، سوى خيار واحد، الخيار الذي جعلها تقف هنا، في هذه الغرفة، على أعتاب عملية ستُغير حياتها للأبد. هل كانت ستجد في محو الذكريات هدوءًا داخليًا؟ أم أنها ستجد نفسها تواجه الفراغ الذي تركه فقدان تلك الذكريات في عمق روحها؟ 


أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول طرد كل تلك الصور المؤلمة التي تلتصق بها. 


ثم، جاء ذلك الهمس الذي كاد يسرق منها أنفاسها: "هل أنتِ متأكدة؟"

فتحَت عينيها قليلاً، لترى الدكتور أحمد يقف أمامها، وكأنما يراقب الصراع الدائم الذي تحتدم فيه روحها. عينيه تحمل شيئًا من الرحمة، لكن ذلك لم يكن كافيًا لطمأنتها. كان القرار في يدها وحدها الآن، قرار سيتطلب منها إغلاق الأبواب التي طالما حاولت الهروب منها.

هل تجرؤ على نسيان كل شيء؟

لحظات الضعف هي التي جعلتها تقرر، وتنتقل إلى هذا الفضاء المظلم، لتواجه قرارًا أبدًا لن تندم عليه. أو ربما، لن تعرف أبدًا إذا كانت ستندم عليه.

لكن الآن،لا مفر. قرار المحو لم يكن مجرد محو ذاكرتها، بل محو لحظة الخيانة، محو الشكوك، محو الآمال التي تساقطت مع الأيام، حتى تظل هي نفسها، بلا ذاك العائق الثقيل الذي منعها من المضي قدمًا.


أغمضت عينيها مجددًا، وأغمضت قلبها معها. كانت اللحظة قد حانت. "نعم، أنا مستعدة"، همست بها مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت همساتها أكثر إصرارًا، وكأنها تقاوم كل شيء عاشته معه، وكل شيء قررت أن تتركه وراءها.

وفي تلك اللحظة، بدأت العملية.

وبدأت الذكريات تتساقط، تدريجيًا، وكأنها أوراق شجر تذبل وتتناثر مع الريح.

لكن، وفي جزء ضئيل وعميق من وعيها المتلاشي، تشبثت روحها لا إرادياً بذكرى واحدة دافئة لضحكته في أول لقاء.. شرارة صغيرة أبت أن تنطفئ، مختبئة تحت رماد النسيان المفتعل.

يتبع 

            الفصل الثاني من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>