رواية خيوط الذاكرة الفصل الثالث3الاخير بقلم يارا علاء الدين

رواية خيوط الذاكرة الفصل الثالث3الاخير بقلم يارا علاء الدين
                *لحظة الشفاء*
مرت أسابيع على العملية، كانت يمنى تستعيد توازنها تدريجيًا، لكن شيئًا ما ظل مفقودًا في تفاصيل أيامها. لم تكن الذكريات التي استهدفها الجهاز تعود كصور واضحة، لكن الفراغ الذي خلفته وراءها كان يتحرك في شقتها ككائن هلامي يفرض وجوده. 
الألم الحاد المحرق قد اختفى، لكنه ترك وراءه بقايا غير مرئية؛ كخيوط خفيفة من العنكبوت تلتصق بكل حركة، وبكل فكرة، تذكرها في كل لحظة بأن هناك "مساحة محذوفة" من عمرها. كانت كمن بُتر منه عضو، ولا يزال يشعر بوجوده رغم غيابه.
وفي صباح خريفي هادئ، وبينما كانت جالسة وحيدة في غرفتها تشرب قهوتها وتتأمل الشارع من خلف الزجاج.
وهي الحالة التي اعتادت عليها طيلة الفترة الماضية, سمعت طرقات خافتة على باب الشقة. لم تكن طرقات قوية، بل كانت حذرة، مترددة، وتحمل في طياتها هوية صاحبها قبل أن تفتح.
وقفت يمنى، تقدمت نحو الباب بقلب هادئ على غير العادة؛ فالجهاز قد خدر في عروقها ذلك الهلع القديم. فتحت الباب، وفوجئت به يقف أمامها...
إنه يونس....
الرجل الذي كان صوته يومًا هو الكون بالنسبة لها، جاء ليقف على عتبة بيتها!
الرجل الذي لم يكن مجرد حبيب، بل كان اختصارًا للأرض والسماء في عينيها. كان مجرد سماع خطوته خارج الباب يرقص قلبها فرحاً، كان صوته هو الترياق الوحيد الكفيل بتهدئة قلقها وترميم انكساراتها. لقد أحبته بملء روحها، حباً طفولياً نقياً ومتطرفاً في عطائه، حبّاً جعلت فيه من صدره موطنها الأوحد، ومن ابتسامته صك أمانها في هذه الحياة. كانت تفاصيل يومها الصغير لا تكتمل ولا تكتسب معنى إلا إذا شاركته إياها، وكان هو بطل أحلامها، وملاذها الأخير ضد قسوة الأيام. حبٌ كان كبيراً لدرجة أنها ظنت يوماً أنه عصيٌّ على الموت أو الخيانة، قبل أن تلتهمه نيران الخذلان!
 بدا شاحباً، عيناه غائرتان، وكأن الندم الذي حمله طيلة الشهور الماضية قد أكل من نضارته. دخل إلى الصالون بخطوات متثاقلة بعد أن أذنت له بإيماءة صامتة، وجلس مطأطأ الرأس، قبل أن ينطق بكلمات كانت ثقيلة جدًا على لسانه، كلمات خرجت متهدجة:
يمنى، أرجوكِ... أنا آسف. أعلم أن الكلمات لا تكفي، وأعلم أن ما فعلته لا يمكن أن يُغفر بسهولة، لكني لم أستطع أن أعيش هكذا وأنا أعرف أنني جرحتكِ وهدمتُ كل شيء بيننا.

هزت رأسها ببطء، ونظرت إليه. في تلك اللحظة، اختبرت يمنى شعوراً غريباً؛ لم يكن الارتياح، ولم يكن الصدمة، بل كان أشبه بنظرة حيادية لغريب!
لكن...
كان هناك جزء ثائر في أعماقها القديمة يريدها أن تصرخ، أن تسكب في وجهه كل العذاب والمهانة التي عاشتها, وهي تراه مع غيرها، لكن نبضها ظل مستقراً، ويدها لم ترتجف. شيء ما في انكساره جعلها تلتزم السكينة؛ فقد تساقطت أخيراً تلك الصورة المثالية الطاهرة التي رسمتها له في مخيلتها لسنوات، ورأت فيه مجرد بشريٍّ يخطئ ويضعف، إنساناً عادياً تملؤه العيوب، وليس ذلك الملاك المنزّه عن الخطايا الذي طالما قدّسته!
كان يونس يقف أمامها الآن بعد أن نهض من مقعده، يائسًا من أن ينال أي فرصة للغفران، يتطلع في ملامحها الباردة كمن يبحث عن يمنى القديمة. وعندما لم يجدها، أضاف بنبرة رجاء أخيرة:
 لم يكن من المفترض أن أترككِ هكذا, ولكنني أتمنى أن تسمحي لي بأن أبدأ من جديد، ولو كصديق. فقط أخبريني، هل يمكنني أن أكون جزءًا من حياتكِ مجددًا؟

هنا، وفي تلك اللحظة بالذات، التمعت الحقيقة في عقل يمنى. بدأت في اكتشاف شيء جديد، شيء أكثر قوة مما توقعه الطبيب أو توقعته هي..
 نظرت إلى وجهه بعمق، ورغم أنها لم تعد تذكر ملامح خيانته بدقة بصرية بفضل العملية، إلا أن كبرياءها وكرامتها ظلا عصيَّين على المحو، لم يلمسهما الجهاز الطبي بعد..
همست بصوتٍ رخيم يحمل مزيجاً من الحزن والقوة:
لا يا يونس... لن أقول إنني قد نسيت، أو غفرت, لن تسمعها مني أبدًا ما حييت. لكنني تعافيت وأنا أقوى الآن، صرت أقدرعلى التحمل والبُعد, تخلصت منك للأبد.
وللعلم، لا يمكننا أن نكون أصدقاء... لأنك كنت زوجي وحبيبي، ولن تكون ذلك بعد الآن.
كانت كلماتها الحاسمة بمثابة النصل الذي قطع خيوط هذا الصراع الطويل الذي خاضته مع ذاتها خلال الشهور الماضية. أدركت أنها لم تكن بحاجة إلى معجزة طبية، ولم تكن بحاجة إلى أن تتحوّل لشخص آخر بلا ذاكرة لتغفر أو تنسى. كل ما احتاجته هو أن تنظر في المرآة وتقول لنفسها بقناعة كاملة: أنا أستحق حياة جديدة.
بعد أيام، تقدمت بطلب الطلاق رسميًا. لم تفعله بدافع الانتقام أو الغضب، بل رغبةً في كتابة سطر أول في صفحة بيضاء نقية من قصتها.
بدأت يمنى في إعادة ترتيب حياتها؛ أخرجت كل ما يخصه، نظفت قلبها من الأوهام عادت إلى عملها بشغف متجدد، والتحقت بتلك الدورة في "الكتابة الإبداعية" التي كانت تؤجلها منذ سنوات بحجة تفرغها لبيتها وله. وبدأت في كتابة مذكرات صغيرة على دفتر ذي غلاف جلدي أحمر قاني، كانت تخط فيه كل ليلة تفصيلة صغيرة لانتصارها على الفراغ: فكرة خطرت لها، كوب قهوة شربته بمتعة، أو جملة أدبية أعجبتها.
أما يونس، فرغم أن اعتذاره جاء متأخرًا بعد أن خرب البيت، إلا أن اللقاء الأخير بينهما في مكتب المحامي لإنهاء الأوراق كان بمثابة إغلاق للكتاب. حين نظر إلى عينيها، لم يجد فيهما عتاباً ولا توسلاً، وأدرك بمرارة أن يمنى القديمة تلك الفتاة المتيمة التي كانت مجنونة به وبأدق تفاصيله، وتغفر خطاياه بنظرة واحدة, قد تلاشت تماماً ولم يتبقَ منها أثر. أدرك أن رؤيتها واقفة على قدميها، ثابتة النظرة، واضحة القرار... كان أعظم غفران يمكن أن يُمنح له كعقاب وثواب في آن واحد!
وقف يونس في الممر، وقال وهو ينظر إلى عينيها للمرة الأخيرة:
أنتِ قوية جدًا يا يُمنى.. وأنا فخور بكِ، ولن أحب مثلكِ قط.
ابتسمت يمنى ابتسامةً خفيفة، صافية، لا يشوبها ألم ولا ندم، وقالت:
أنا فقط... تعلّمت جيدًا..
استدارت ومشت في طريقها ولكن؟؟
 في تلك اللحظة، وبينما كانت خطواتها تبتعد، شعرت بشيء غريب يحدث داخل عقلها؛ كانت الصور القديمة، وجه يونس، تفاصيل لقائهما الأول، وحتى ملامح صدمة الخيانة، بدأت تعود وتتدفق إلى وعيها ببطء، كالمياه التي تجد طريقها عبر الشقوق.
هاجمتها الذكريات ثانية, عادت من جديد! ولم تبقَ غائمة كما وعدتها التكنولوجيا الطبية. لقد صدق الطبيب حين قال إن الجذور العميقة تقاوم المحو؛ فالعقل البشري أعاد بناء مساراته العصبية مرة أخرى!
لكن المفاجأة الكبرى كانت في "نوعية" هذه الذكريات؛ لقد عادت كصور سينمائية باردة، مجرد حكايات حدثت لشخص آخر في زمن مضى. عادت الذكريات لكنها فقدت سُمّها، فقدت قدرتها على تمزيق قلبها!
ومع مرور الوقت، تعلمت يمنى كيف تتعايش مع ماضيها دون أن تمنحه جهاز التحكم في حاضرها.
 أدركت أن العملية الطبية لم تكن سوى وهم، محاولة عاجزة لتغيير ما لا يمكن تغييره. الحقيقة الكبرى التي خرجت بها هي أن الشفاء لا يأتي من محو الذاكرة وهروب الإنسان من ألمه، بل من قدرته على قبول هذا الألم والعيش معه.
في النهاية، أغلقت يمنى بابًا كان مفتوحًا على مصراعيه لفترة طويلة، بابًا يحمل في داخله ماضٍ موجع، وفتحت بابًا جديداً في قلبها وفي حياتها، وهي تؤمن تماماً: أن الشفاء ليس في محو الماضي، بل في ترويضه.. ليتحول من خنجر يدمي الروح، إلى مجرد حبر يخط السطور الأولى لحكايتها الجديدة.

لَنْ أَعُودَ وَلَنْ أَحِنَّ.. وَلَوْ تَذَكَّرْتُ الزَّمَانْ
لَنْ أَعُودَ وَلَوْ بَكَيْتُ عَلَى لَيَالِينَا الحِسَانْ
قَدْ طَوَيْتُ القَلْبَ عَنْكَ.. مِثْلَمَا يُطْوَى الزَّمَانْ
وَاسْتَفَقْتُ وَمَا بَقَىْ فِي مُهْجَتِيْ إِلاَّ الأَمَانْ

كَمْ رَجَوْتُكَ فِي اللَّيَالِي أَنْ تُعِيدَ الحُبَّ حَيَّا
كَمْ بَكَيْتُكَ فِي لَيَالٍ صَامِتَاتٍ فِي أَمَانْ
قَدْ دَفَنْتُ الوَهْمَ عَنِّي.. وَاسْتَعَدْتُ الكِبْرِيَاءْ
وَانْتَفَضْتُ مِنَ الرُّكَامِ.. وَاسْتَقَمْتُ مِنَ العَنَاءْ
 نشيد أنت عمري))
                     تمت بحمد الله 

تعليقات



<>