رواية حتي يجمعنا القدر الفصل التاسع عشر19 بقلم رشا روميه

رواية حتي يجمعنا القدر بقلم رشا روميه
 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل التاسع عشر19 بقلم رشا روميه
 «مكيدة غادرة»
قمة الغدر من قال فيك ما ليس فيك، من يدعي المحبة وهو يخبئ لك خبث النوايا، ويبحث لنفسه عن عذر ليقنع نفسه أنه على صواب، ليته يقف بمواجهتي ونتقاتل، محاربة بشرف فإما فوز مستحق أو هزيمة مشرفة، لا أن يطعنني بظهري في الخفاء كالجبناء، فإن كانت حربهم بالخبث فسأحاربهم بالنية، فعلى نياتكم ترزقون.
الله قادر على درء مكائدهم فيجعل كيدهم في نحورهم، لكننا سنلتقي في محكمة الله وهناك يقام العدل.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بيت نسرين الحناوي..
ضاقت جبهة "نور" وهو ينظر بإقتضاب وغضب لهاتف "نسرين" الذي وجده بالصدفة إلى جواره، كما لو أن القدر ساقه بالصدفة ليرى ما عميت عيناه عنه، إتسعت حدقتاه بصدمة وهو يقرأ حروف تلك الرسالة التي أثارت الدماء بعروقه:
-[إنتِ روحتي فين يا قلبي، إتأخرتي عليا أوي، بتوحشيني كده، أنا مش زي خطيبك المغفل، أنا عايزك معايا على طول].

أمسك "نور" للهاتف بين يديه كحامل جمرة من النار لتخترق نظراته هذا الجهاز اللعين، وبدون مراعاة إنتهاك الخصوصية فتح الهاتف لقراءة الرسالة مرة أخرى.

بتلك اللحظة وضع كل أفكاره ومعتقداته عن الخصوصية والمساحة الشخصية الخاصة على جانب ليبدأ بقراءة الحوار كاملًا، عبارة خلف أخرى وصدمة تخلف ما بعدها.

لم تكتفي "نسرين" كونها كاذبة خائنة، بل تعدت ذلك، لقد ظهر وجه آخر لم يكن يعرفه من إنسانة خبيثة مخادعة، تمكر للإيذاء والطعن بالظهر كالثعابين، وجه بغيض لا يتقبله بل ويبغضه بقوة.
بقلم رشا روميه 

تحمل منها تكبر وعجرفة لا تناسب وضعها وتقبل ذلك لعلها تتغير، تحمل عصبية ولا مبالاة وقد بحث لها دومًا عن أعذار متوالية، حاول التشبث بإنجاح تلك العلاقة الغير متكافئة منذ بدايتها لأجل والديها ووصية والده.

لكن الآن وبعد أن ظهرت الحقيقة المغثية أمامه وقد كشف الله سترها وبين أفعالها الدنيئة كلها أمام عينيه فلن يمكنه التغاضي بعد اليوم.

من أحبه الله كشف له سوء من حوله، وهو يخشى الله ويتقيه، أزمات مختلفة ومشاكل لا حصر لها وتحملها حتى لا يظلمها بقرار لا ذنب لها به، هو من كانت تنعته بالضعيف الساذج الذي أوقعته بمكائدها كما كانت ستوقع بـ"ليلى" وتستغله لخداعها والإنتقام منها، لكنها لم تعلم أن حين يستنزف الطيبين لا يمكن إحتواء غضبهم.

نهض "نور" ومازال يحمل هذا الجهاز الحقير بين كفه وقد توهج وجهه بحمرةٍ غاضبةٍ يكز على أسنانه بإنفعال ليهتف أولًا لنفسه:
- هي حصلت للدرجه دي!!! خيانة وغدر وخبث للدرجه دي!!! يعني إنتِ السبب في مرض عمك وإللي جرى له!! بتستغليني يا "نسرين" عشان تنتقمي من "ليلى"، للدرجه دي مستهونه بيا!! أنا تدخليني معاكِ في اللعبه الحقيره دي!!!! بقى ده جزاتي عشان عايز أقف معاكِ وأجيب لك حقك، ده إنتِ طلعتي شيطان وأنا مش واخد بالي.

وقع خطوات آتية من خلفه جعلته يستدير بحنق ومازالت نظراته الغاضبة الحادة تعلو عينيه التي رمقها بها، وهي تقترب نحوه وقد علت عيونها نظرات فزعة تطالعه بصدمة وتفاجئ من وجوده بالشقة.

نظرت تجاه هاتفها الذي يحمله بيده لتتيقن بأنه لابد وقد قرأ محادثتها مع "خالد"، ربما لم تحب "نور" لكن إحساسها بأنها خدعته وفعلت الكثير من خلف ظهره دون علم بها جعلها تشعر بالفزع.

فلو كانت على حق لفعلته بالعلن دون الحاجة لإخفاء ذلك، فالكاذب ضعيف وضيع، لو كان قويًا لواجه بقوة وصراحة عن حقه، فلا يجتمع الوضوح والحق مع الكذب والخداع مطلقًا.

إرتجفت "نسرين" فقد إنكشفت تمامًا أمام"نور"، ظهرت دنائتها وخستها، وهي ترى نظرات "نور" الممتلئة بالإتهام والغضب نحوها، وكيف لا وقد علم بكل شئ الآن، إبتلعت ريقها بفزع من ردة فعله المجهول بالنسبة إليها.

نعم تدرك أنه طيب القلب، متسامح عطوف، تلك نقاط قوته التي إستغلتها كنقاط ضعف، نظراته الشرسة الآن تظهر لها كم كانت مخطئة بتقديرها له، غضب غير محسوب يظهر بملامحه دون النطق بكلمة، وماذا سيقول فما يكشفه الله له لا يبحث له عن مبررات، لقد ظهرت حقيقتها وسوئها.

تطلع نحوها بإزدراء محتقرًا إياها ليلوح بالهاتف بوجهها صارخًا بغضب:
- كنت متوقع منِك حاجات كتير أوي، لكن عمري ما توقعت دنائتك وحقارتك دي!!

إنسحبت الدماء من عروقها وهي تتنكمش بردات فعل متخوفه كما لو كانت تصد هجمات كلماته برجفات متتالية مع كل كلمة يصرخ بها وهي ترفع كفيه بضعف تتصدي لكلماته، كما لو كان كل حرف ينطقه يصفعها بقوة وهي تتصدى لذلك، ألم يكن هذا من ظنته ضعيف؟! ما لها الآن تشعر بمثل هذا الخوف؟! تلعثمت حروفها وهي تحاول إيجاد مبرر لأفعالها:
- "نور" ..ااا، أنا، بص حقولك بس، إفهم.

- أفهم!!! أفهم إيه؟! حتقولي إيه يا خاينه على كل إللي مكتوب ده، ويا ريته على قد الخيانه وبس!!! ده إنتِ كمان عايزه تقتلي عمك وتخدعي إنسانه بريئه ملهاش أي ذنب!!

ليستكمل صارخه بقوة إهتزت لها "نسرين" برجفة قوية:
- إنتِ إنسانه حقيره، أحقر مخلوقه عرفتها في حياتي، من النهارده إنتِ من طريق وأنا من طريق، وخطوبتنا دي إعتبريها منتهيه، أنا ميشرفنيش أرتبط بواحده حقيره زيك.

ألقى الهاتف بوجهها لتلتقطه بأيدي مرتجفة وقد تعلقت عيناها به وهو يرمقها بإشمئزاز قبل أن يغادر مسرعًا، إنتفضت بقوة وهي تشعر بألم يجتاح قلبها، لتهوى جالسة فوق الأريكة بغير تصديق.

إنها لا تحبه فلم هي حزينة الآن على تركه لها، قوست شفتيها بإختناق تتمالك عبراتها التي إنفلتت رغمًا عنها وقد علقت غصة بحلقها حتى كادت تتقيأ من شدة الحزن.

تقابل "نور" مع "عفاف" أثناء مغادرته لكنه لم يتحدث هذه المرة بل تخطاها ليبتعد تمامًا عنهم، إستقل سيارته لينطلق بسرعة فائقة كما لو أنه يود الهروب من أي قرب يجمعه مع تلك المخلوقة، ليقود السيارة بشكل عشوائي بالطرقات يحاول إستيعاب كل ما فعلته تلك الماكرة صانعة المكائد ذات اليد الملطخة بالآثام.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

أسرعت "عفاف" مهرولة لداخل الشقة وهي تشير بكفيها بإندهاش لا تجد كلمات مناسبة لسؤال إبنتها عما إقترفت مرة أخرى بحق "نور"، ألا يكفيها أنها قد أقنعته بصعوبة للمجئ إلى هنا لتسوية الأمر!!!

بأعين زائغة صاحت "عفاف" بإبنتها متسائلة بصدمة وهي تُحدث إبنتها الشاردة فوق الأريكة:
- إيه إللي حصل يا "نسرين"؟! زعلتني "نور" تاني ولا إيه؟!!!

ظلت متجهمة لفترة وهي تناظر الفراغ أمامها وقد ثبتت عيناها أمامها بلا تصديق لهول ما حدث للتو، لم تتمكن سوى بنطق كلمة واحدة فقط:
- سابني!!!

- إنتِ بتقولي إيه؟ فهميني يا "نسرين"؟

إبتلعت "نسرين" ريقها بصعوبة وهي تلف رأسها بإتجاه والدتها قائلة بذات الشرود الغير مصدق:
- "نور" سابني يا ماما، سابني!!

شهقت "عفاف" بقوة وهي تضرب صدرها بكف يدها لتهوى جالسة إلى جوار إبنتها:
- سابك!!! سابك ليه، يعني إيه سابك؟!!!!!

بصعوبة بدأت "نسرين" بتحريك عينيها الشاردتان ثم سحبت هاتفها ببطء مكتفية بالصمت دون توضيح ما حدث رغم إنفعال والدتها بالكثير والكثير من عبارات اللوم والغضب منها، لكنها لم تقدر على إستيعاب كلمة واحدة منها، كما لو أن صوت والدتها أصبح مجرد همهمة بالخلفية لا تستمع ولا تنصت إليه.

تحركت "نسرين" بآلية نحو غرفتها تاركة والدتها تتحسر على فرصة إبنتها الضائعة مع شخص خلوق لا يعوض، بينما كانت "نسرين" تُحدث نفسها متعجبة من تلك الغصة التي علقت بقلبها وحلقها:
- (مش هو ده اللي أنا كنت عايزاه!!!! مش كنت عايزه أخلص منه ومن إرتباطي بيه!!! مش هو ده إللي أنا لا بحبه ولا بطيقه!!!! عامله في نفسي كده ليه عشانه؟! زعلانه ليه دلوقتِ؟!!)

أغلقت باب الغرفة وهي تسند جبهتها على الباب من الداخل بتحسر عما فقدته، لتنهر نفسها بقوة على ضعفها لتغالط نفسها وتبث كذباتها بعقلها أيضًا:
- ( لا لا، أنا مش زعلانه إنه سابني، أنا كنت عايزه أخلص منه، أنا بس كنت عايزه أنا إللي أسيبه مش هو إللي يسيبني، المفروض دلوقتِ أفرح مش أزعل كده!! أنا خلاص بقيت حره، أقدر أقابل "خالد" براحتي، أنا خلاص إتخلصت من قيود الإنسان المعقد ده، المفروض مزعلش عليه، مفيش أي حاجه دلوقتِ تمنعني من اني أقابل "خالد" وأرتبط بيه)
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

المستشفى الأهلية(غرفة فرح)...
كيف لكل هذا الوقت يمر وما قضيته برفقتك لا تتعدى ثوانٍ، تبًا لعقارب الساعة تنطق بما لم أشعر به، لقد إستمعت فقط لبعض الكلمات المختلفة قليلًا، تلك الـ(قليلًا) كلفتني قلبي المتعطش للمزيد.
رشا روميه 

مغيب شارد عن الواقع بهذا الحلم الحقيقي حين تتحدث وتضحك وتنفعل، فكل كلمة ولها تعبير بتقاسيم وجه "فرح" جعلت "سامح" يعشق رؤيتها ومتابعة حديثها بإنبهار كما لو أنه يسمع وقع تلك الكلمات لأول مرة على أذنيه.

ألم تكن تلك الكلمات تملأ المعجم والاحاديث، لم يشعر بأن ألحان الكلمات معها تختلف، فليت هناك معجم يسمى بإسمها، تعلقت عيناه بها وهو يسند وجنته بقبضة يده يتابع حديثها المختلف المتلاحق بدون ملل أو رتابة، بل كان سعيدًا بدرجة لم تنتابه من قبل.

رُسمت إبتسامة جديدة كليًا فوق ثغرة ربما توجب عليه إطلاق عليها مسمى "فرح"، فلقد أصبحت تلك الإبتسامة ملازمة له حينما يكون برفقتها.
بقلم رشا روميه 

مجرد أحداث يوميه لما يحدث بالمستشفى وحديثها مع الممرضات والأطباء، كان يرى هذا الحديث العادي غير عادي، وهي تسرد بحماس وإنطلاق يبهج قلبها.

تلك الحالة من الراحة والبهجة إنتهت حين إنتبه "سامح" بضيق لعقارب تلك الساعة التي أوقعته بمكيدتها لحظة تحرك مقلتيه لينتبه بأن الوقت قد مر، وأن عليه العودة لإستكمال عمله بمستشفى الهلال المركزي فلقد تأخر كثيرًا هنا.

إضطر للإستئذان بضيق من "فرح" التي إنتابها نفس الشعور بالغصة لرحيله، لكن عليها تقبل غدر الوقت وإنتظار زيارته القادمة بالغد كما وعدها ليطلع على الأشعة التي طلبها لعينيها لإستكمال علاجها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بعض الأفعال تكسر خاطرك لكنها تصحح أفكارك، تجعلك تبصر ما لم تكن تراه من قبل، فما يفزع النفس أكثر من العمى أن تكون وحدك من ترى.
رشا روميه 

محمود مكاوي...
قضي يومه كاملًا بالمتاجر الخاصة بهم، يتابع بعض الأعمال ويهرب من أفكاره وإحساسه الذي يقتله من داخله، لكنه عليه أن يبقى على وعده وأن يبتعد، فإن وقع بشرك هذا الشعور فلابد أن لله قدر بذلك، فهو لا يحتمل المزيد من المعاناة فيكفيه ما يعيشها، عليه أن يجبر نفسه أن يكف، أن يبتعد ويتجنب، هذا الأفضل له ولها.

بقي "محمود" بالمتاجر حتى وقت متأخر تمامًا ليعود للمنزل متجهًا لشقته مباشرة تجنبًا لأي لقاء بـ"زهرة" كما وعدها، ليقضي تلك الليلة ساهرًا بما يضجر به نفسه وحيدًا.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

يقال أن عين المتحدث أصدق من لسانه، فلا يخدعك الكلام المرتب وأنظر حيث يجب أن تفطن، فالبعض يسكب لك الحَبَّ لتأكله وهو يخيط فمك بإبتسامة.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي (شقة زاهر)..
صباح يوم جديد قامت به "جميلة" بروتين معتاد من تحضير طعام الإفطار وتناوله برفقة "زاهر" و"فردوس" لغياب "محمود" الذي إستيقظ مبكرًا للغاية وغادر البيت بتعجل.

بعد إنتهاء تلك الوجبة التي تتجمع بها تلك العائلة ومغادرة "زاهر" الذي شعر بالملل من البقاء بالمنزل، ليتجه للمتجر الذي سبقه إليه "محمود" بحجة إستلام بعض البضائع، بقيت فقط "فردوس" و"جميلة" والفتيات الصغار.
بقلم رشا روميه 

جلست "جميلة" في هدوء تقضم أظافرها بحركة لا إراديه لا تشعر بما تفعله فقط شردت تمامًا تحرك مقلتيها بحركات عشوائية كما لو كانت تُحدث نفسها من الداخل وتحاورها بصمت تام، باغتتها "فردوس" متسائلة بتعجب:
- غريبه يعني!! هو إنتِ مش خارجه النهارده ولا إيه يا "جميلة"؟!

رفعت "جميلة" رأسها بأعين متسعة ظهر لونها الباهت لتنتبه لـ"فردوس" التي إقتحمت شرودها قائلة:
- هاه، لأ، قاعده النهارده، مفيش شغل في المخزن.

حركت "فردوس" رأسها بخفة تفهمًا لتربت بحنو فوق كتفها قائلة:
- طيب، عينك على البنات بقى أنا رايحه أتوضى وأصلي.

إتسعت إبتسامة "جميلة" بشكل غير معتاد، إبتسامة عريضة وود مبالغ به، ثم أردفت بنبرة لينة محبة شعرت لها "فردوس" ببعض الإستغراب:
- على راحتك خالص يا مرات عمي، وإدعي لنا كده وإنتِ بتصلي.

دفعت "فردوس" رأسها للخلف بتعجب من لطافتها الغير معهودة معقبة:
- بدعي لكم يا بنتي دايما من غير سؤال.

إتجهت "فردوس" نحو المرحاض البعيد عن غرفة المعيشة لتتوضئ أولًا، بينما أخذت "جميلة" تتشدق بمتابعتها حتى غابت عن عينيها وإطمئنت بأنها إنشغلت تمامًا بوضوئها وصلاتها.

نهضت "جميلة" تنظر لمرة أخيرة تجاه المرحاض لتميل ثغرها بإبتسامة جانبية ماكرة، ثم تحركت بهدوء تتسلل نحو غرفة نوم "فردوس" و"زاهر" وهي تتلفت بهدوء حتى تتأكد أن لا أحد ينتبه لها.

دلفت بخطوات بطيئة تكاد تلمس الأرض لداخل الغرفة لتغلق الباب بخفة من خلفها قبل أن تستدير تجاه خزانة الملابس كما لو أنها حددت تمامًا هدفها الذي ترمي إليه.

أخرجت من داخل الخزانة عُلبة فضية منمقة وهي تعيد بصرها تجاه باب الغرفة ثم فتحت الصندوق برفق لتسحب سلسال ذهبي ثقيل لترفعه أمام عينيها حتى كادت مقلتيها تشعان بريق يزيد وهجًا عن بريق القطعة الذهبية التي تمسك بها، لفظت ضحكة إنتصار خفيضة قبل أن تضع السلسال بجيبها ثم أغلقت الصندوق بسرعة لتضعه بنفس موضعه بداخل الخزانة ثم تطلعت نحو باب الغرفة مرة أخرى.

أغلقت الخزانة تمامًا كما كانت لتتسلل بخطواتها الخفيفة لخارج الغرفة دون أن تشعر بها "فردوس" مطلقًا لتعود لغرفة المعيشة حيث تركت إبنتيها لتجلس بنفس موضعها.

مرت "فردوس" بها حين إنتهت من وضوئها لتناظر "جميلة" التي لم تتحرك من مكانها قائلة:
- إنتِ لسه قاعده، روحي يا بنتي إعملي أي حاجه للغدا، ما إنتِ شايفه "زهرة" مبقتش تنزل!!!

صمتت "جميلة" لوهلة قبل أن أردف بنبرة لينة مرة أخرى:
- اه صحيح، هي مبتنزلش ليه؟ مش خلاص "أنور" مشي ومفيش حد هنا، ده أنا وإنتِ بس، يعني مفيش أي حاجه تخوفها أهو، أهي تساعدك يا مرات عمي وأنا مش هنا كل يوم، ولا إيه؟!!

- خليها ترتاح لها يومين الأول وبعدين تبقى تنزل معاكِ.

ضربت "جميلة" فخذيها بحركة إستعداد للنهوض ومازالت الإبتسامة الغريبة متوسطة ثغرها على غير المعتاد منها:
- طيب، أقوم أنا بقى أجهز الغدا.

- ربنا يهديكِ يا "جميلة".
قالتها "فردوس" وهي تتجه لغرفتها للصلاة رغم تعجبها من لطافة "جميلة" بشكل جديد على طريقتها معهم، فهي دائمًا متحفزة ساخطة تتذمر وتشتكي طيلة الوقت، لتظن أنها بدأت تتغير قليلًا بطباعها كما كانت تنصحها دائمًا.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

نور بركات...
منذ تلك اللحظة التي شعرت بها بأنني سعيد لعدم وجودك، أدركت أنك لم تكن لي شيئًا أبدًا، من قال أن التخلي إنكسار وموت، ففي بعض التخلي حياة، لا داعي لإعادة المحاولة حين تغلق الأبواب، فلا يحي السقي ما أماته الجفاف.
رشا روميه 

كان يفترض أن يقضي تلك الليلة ساهرًا متحسرًا، أو على الأقل متفكرًا بما حدث، لكن ما فعله "نور" كان مختلفًا تمامًا، لقد إستغرق بنوم عميق هادئ، نوم لم يحظى به منذ وقت طويل، كإحساس من تخلص من ذنب وهم، شعور بالراحة والتناغم لم يزوره من قبل.

إستيقظ بموعده في الصباح ممتلئ بالسكينة والحيوية، كطائر حر تخلص من قضبان محبسه لينطلق محلقًا بالسماء، يتضارب جناحيه بالهواء المنعش.

سحب شهيقًا طويلًا يستمتع بالهواء الذي يملأ رئتيه بحرية، فهل كانت "نسرين" تقبض الراحة والسعادة وتمنعهما عنه؟!
نظر "نور" للسماء من شرفة غرفته لأول مرة دون تفكر وبحث وتقبل ما لا يرغبه، لكنه لا ينكر أنه بدأ يسترجع أحداث الأمس وما فعلته "نسرين"، تلك الحقودة التي دبرت مكيدة غدر بـ"عزت" و"ليلى"، حقنت هذا المسكين بفيروس لتنتقم منه بقلب نزعت منه الرحمة.
بقلم رشا روميه 

حل طيف ذات العيون السوداء أمام عينيه، تلك التي لا تشبه سواها وإبتسم، ومع طيفها وتذكره لما فعلته "نسرين" بعمها إنتبه "نور" لأمر هام للغاية، أمر جعله يتجه لداخل الغرفة ليسحب هاتفه ويدق برقم "كريم" ليحدثه بأمر عاجل لا يمكنه أن يتأجل.

- صباح الخير يا "كيمو"، أخبارك.

- صباح الخير يا "أبو شعله".

ضحك "نور" متعجبًا من هذا الإسم الذي يطلقه عليه:
- إيه حكاية "أبو شُعله" دي؟

- الله، مش إنت "نور"، يعني شعله ونار ونور وكده.

ممازح شقي لن يتغير مهما مرت بهم الأيام، ضحك "نور" من صديقه حلو المعشر ليهتف به بتعجل حتى لا ينسى السبب الرئيسي لمكالمته بهذا الوقت:
- ماشي يا دكتور، بقولك يا "كريم"، أنا عايز منك خدمه ضروري أوي بخصوص البعثه، بس قبل ما أقولك عليها عايز أبلغك إن "سامح" بيعتذر ومش حيقدر ييجي.

- ليه؟ ده أنا كنت ظبطت الدنيا مع دكتوره "هيلدا" مسؤولة البعثات هنا.

مط "نور" شفتيه قليلًا ثم أجابه:
- بيقول عنده هنا حاجات ضروري، المهم، فيه حد تاني عايزك تسعى إنه يكون معانا في البعثه دي.

تفكر "كريم" قليلًا ثم تحدث بتعجل:
- طيب بقولك إيه، أنا حكلم دكتوره "هيلدا" دلوقتِ وأطلب منها تجهز الدنيا لأنها بتعزني أوي، بس إنت إبعت لها الأوراق بالفاكس لأني مسافر فرانكفورت عشان بحضر ورق مؤتمر طبي هناك، إنت إتفاهم مع "هيلدا" وإبعت لها التفاصيل وأنا حكلمها دلوقتِ أفهمها، معلش بقى أصل القطار وصل.

أومأ "نور" بتفهم لذلك مرددًا:
- ماشي ماشي يا حبيبي، إبعت لي الرقم وأنا حبعت عليك الفاكس بالورق والتفاصيل، وربنا يخلي لنا الناس إللي بتعزك دي.

ضحك "كريم" بشقاوة قائلًا أثناء صعوده على متن القطار:
- يا أخي صفي نيتك، دكتوره "هيلدا" دي قد أمي، هي بس بتعزني شويه عشان دمي شربات.

- أيوه أيوه، فاهم أنا يا أبو ضحكة جنان، يلا سلام يا حبيبي، متنساش تبعت لي رقم الست الوالدة.

قالها "نور" ممازحًا "كريم" عن "هيلدا" ليقهقه "كريم" بخفة فقد إشتاق لصديقه ومزاحه اللطيف:
- ماشي يا دكتور، يلا سلام.

مع نهاية تلك المكالمة تيقن "نور" أن ما يفعله هو الصواب لتصحيح كل الأخطاء الماضية بسبب "نسرين"، وضع هاتفه ليبدل ملابسه فقد حان وقت الذهاب للمستشفى لإنهاء تلك الأمور المعلقة وتصحيح كل ما يراه خطأ.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

حينما تشتد بك الأزمات وتغلبك الحيرة فكل ما تحتاجه هو يد العون، تلك اليد التي لا تلوم ولا تعاتب، بل تأخذ بيدك حيث سلامك النفسي وراحة قلبك.
رشا روميه 

مستشفى الهلال المركزي...
رغم أن "نور" شعر بأن الثقل الذي كان يحمله فوق قلبه قد أزيل تمامًا بتركه لـ"نسرين"، إلا أن حمل آخر إحتل نفسه وتفكيره، إنه "ليلى" ووالدها وما اصابهما، ربما دبرت "نسرين" تلك المكيدة لكنه بشكل أو بآخر تورط بها وكان سيؤذي تلك البريئة دون أن يعلم، لهذا حين وصل المستشفى إتجه صوب مكتب "سامح" ليفضي له ما خبأه عنه وسبب مجيئه للمستشفى، فهو لا يريد أن يستكمل تلك الحيلة الكاذبة ويتمادى بها.

قص "نور" ما حدث بكل تفاصيله لصديقه المؤتمن، قصة جعلت "سامح" يندهش بقوة لما تسمعه أذنيه:
- مش قادر أصدق!!! بقى كل ده يحصل ومتقوليش؟! 

وإن تضايق فله الحق بذلك، فمن واجب الصداقة أن يكون صريحًا لا يكذب ولا يخفي عنه أمر مثل هذا، لكن "نور" لم يشأ أن يتهم بالباطل ويثير إشاعات كاذبة دون يقين:
- عندك حق، أنا غلطان في دي، بس برضه أنا كان لازم أتأكد الأول، والحمد لله اني إنفصلت عن الإنسانه الحقيره دي.

ضرب "سامح" كفيه بعضهما البعض، فهو لا يتخيل كم الحقد وسوء النفس الذي يوصل لهذه الدرجة من الأذى:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، أيوه عمها غلط، لكن انها تحاول تصيبه بمرض زي ده ممكن يموت فيها، خصوصًا إنه أخد جرعه كبيره ومركزه من الدم الملوث، للدرجه دي الحقد والغل في قلوب الناس، معقول تأذيه للدرجه دي؟!!!!

تذكر "نور" إسم الممرضة والتي قرأه بالرسائل بهاتف "نسرين"، ليضيق حاجبيه بتركيز:
- نسيت أقولك كمان، إن الممرضه دي إسمها "مروة".

إتسعت عينا "سامح" بصدمة، فالصدمات تأتي حينما تدرك قُرب صاحبها، وهو يعرف تلك الفتاة عن قرب، وتعامل معها كثيرًا:
- معقول!!! "مروة الشيمي" هي إللي عملت كده، دي لازم يتحقق معاها وتاخد عقابها، أتاريها من يومها مبتجيش المستشفى.

- مضبوط كده يا "سامح"، لازم تاخد جزائها على إللي عملته ده.

طالت نظرة "سامح" بتفرس بوجه "نور" وهو ينتبه لأمر آخر:
- طيب و"ليلى"؟

جفل "نور" بعينيه بإضطراب حينما جاء "سامح" على ذكرها، شعر بأنه يرى هذا الضجيج بداخله حينما يفكر بها، يكشف أمام نفسه وأمام "سامح" أنها لا تمر مرور الكرام حينما يذكر حتى إسمها.

زاغت عينا "نور" بإرتباك يخفي ما ظهر منه من توتر:
- مالها "ليلى"؟

مال "سامح" برأسه يتعمق بصديقه ببعض الجدية وربما بلمحة غاضبة من تصرفه معها:
- أظن خلاص، وجودك هنا معدش ليه لازمه، أنت كنت جاي تعمل حاجه فظيعه وإتاكدت أنها متستاهلش، فالأفضل ترجع مكانك وتسيبها في حالها، "ليلى" إنسانه محترمه جدًا ومتستاهلش الأذى.

إبتلع "نور" ريقه بضيق، فمن جانب تضايق من دفاع "سامح" عنها بهذا الشكل، ومن جانب آخر شعر بغصة لأنه يجب عليه الإبتعاد عنها كما قال بالفعل.

وقف "نور" ببعض الإنفعال يرفض تمامًا ما يقوله "سامح":
- لأ طبعًا، مين قال اني عايز أؤذيها، أنا عايز أكون جنبها وجنب باباها كل يوم، أنا عايز أصلح غلطة وغدر حصل لهم.

- مفيش داعي يا "نور"، سيبها في حالها وخلاص.

دفاع "سامح" عنها كان من واجب أخوي وفعل ما هو صواب، فلا داعي لأن يتمادى "نور" لأكثر من ذلك، بينما طالعه "نور" بإنفعال غريب وإصرار على البقاء معهما:
- لأ مش حبعد، أنا مصمم اني أفضل معاها وجنبها.

إبتسم "سامح" بخفة وهو يردف بفراسة:
- ده إسمه إيه بقى؟ أوعى تكون معجب بيها؟!

شرد "نور" قليلًا فيما قاله "سامح" مرددًا نفس كلمته:
- معجب بيها!!!

نبرته بالرد جعلت "سامح" يشك بالأمر ليردف بذكاء:
- هو الموضوع شكله بجد ولا إيه؟! طيب لو كده فعلًا حتقول لها على إللي حصل؟

لوح "نور" معارضًا ذلك بالمرة:
- لأ لأ، مفيش داعي، أنا بقول أبدأ معاها صفحه جديده.

- أنا بقول كده برضه، طيب، أروح أنا أبلغ إدارة المستشفى عن إللي إسمها "مروة" دي، ما هو أنا مينفعش أسيب الموضوع يعدي كده.

بإيمائة خفيفة وهو يستعد للخروج أجاب "نور":
- أنا كمان عايز أروح لـ "ليلى" ضروري.

خرج كلاهما من مكتب "سامح"، أخذ "نور" يبحث عن "ليلى" التي لم يستطع الوصول إليها لتهربها من لقائه، بينما توجه "سامح" نحو إدارة المستشفى ليُبلغ مدير  المستشفى عما حدث وما عرِفه بحقن "مروة الشيمي" لـ"عزت" بالفيروس.
ليقرر مدير المستشفى إحالتها للتحقيق للتأكد مما حدث مع إفراغ محتويات كاميرات المراقبة لهذا اليوم للتأكد مما حدث قبل الإتصال بالشرطة.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

دومًا ما كنت أحرص على تماسك ذلك الخيط الرفيع الذي يربط بيننا، خيط كاد ينفلت وينفرط العقد كله، لكنني أحارب وحدي للحفاظ عليه.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي...
حل المساء وأصر "زاهر" على عودة "محمود" معه للمنزل لينال بعض الراحة، فحتى مع قراره بالإبتعاد أجبر على العودة برفقة والده ليتنازل عن هروبه اليوم.

لكن غياب "زهرة" جعله يشعر ببعض الراحة، على الأقل هو ليس سببًا بيضيقها حين عاد مبكرًا، تكرر غيابها ولها العذر.

إنتهت الأمسية سريعًا بعد تناول الطعام الذي حضرته "جميلة" اليوم لبقائها بالبيت، ليسرع بعدها "محمود" بالصعود لشقته فهو يشعر بالإرهاق لبقائه متيقظًا منذ ليلة الأمس وعليه الخلود للنوم وإلتقاط بعض الراحة.
بقلم رشا روميه 

دلفت "جميلة" لغرفة الفتيات لتضعهن بفراشهن وقد غابت وقتًا طويلًا رغم نومهن بالفعل، فقد شردت بأعين متسعة تفكر وتدبر الأمر حتى لا ينفلت منها الأمر.

أخرجت السلسال الذهبي من جيبها تنظر إليه كما لو كان بينهما سر دفين تُحدثه به، أخذت تحملق به بشكل غريب للغاية لفترة من الزمن، تهز رأسها بالإيجاب بشكل مريب للغاية تتجاوب مع حديث يعتمل بداخل نفسها فقط، حتى غطت الفتيات بالنوم لتضعه بجيبها مرة أخرى قبل أن تعود لغرفتها.

عادت لغرفة نومهم وهي تناظر "محمود" بتحدي شديد لدقائق قليلة دون أن ينتبه لها فقد أغمض عيناه ليخلد للنوم أيضًا، بدلت ملابسها لتقضي ليلتها تفكر بما سيقطع الشك باليقين.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

البعض يسحبك لدائرة الذنوب وقليل يخرجك منها، فإحذر من غدر الكائدين وإستقم، وإنتبه لخطواتك فقد نصبت الشراك عمدًا.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي (شقة زاهر)...
حينما أهل الصباح توقعه البعض أمر روتيني، بينما كان هناك آخرون ينتظرون فقط بزوغ الشمس، إنتظرت "جميلة" تجمع والدا زوجها و"محمود" لتناول طعام الإفطار  الذي أنهت تحضيره لتقف تتوسطهم بإبتهاج شديد وود غير معتاد ثم بدأت حديثها بلطف ومودة:
- الله بقى، هي "زهرة" مش حتفطر معانا برضه ولا إيه؟ مش كفايه قاعده لوحدها طول الوقت!!

إنتبه الجميع لحديث "جميلة" وسط تهرب عينا "محمود" مبعدًا وجهه كما لو كان لا يهتم لذلك، وعليه إجبار نفسه على ذلك وإنهاء هذا الأمر برمته، فحتى وإن حضرت وسطهم عليه كبت كل ما يشعر به ويميته بداخله فيكفي إلى هذا الحد.

بينما أجابت "فردوس" بقلب أم متلهف:
- باين كده، الظاهر مرتاحه وهي لوحدها، مبقتش تحب تنزل أبدًا.

هتفت "جميلة" بود أثار إستغرابهم، ليس من تحمسها لمجئ "زهرة" فحسب، بل هي لا تفضل سوى نفسها حادة الطباع سليطة اللسان طيلة الوقت، فما الداعي لتلك المحبة الفائضة اليوم لأجل "زهرة":
- لااااا، كفايه عليها حبسه كده، أنا طالعه أجيبها.

لم تنتظر إجابتهم بل تحركت على الفور تخرج من الشقة صاعدة تجاه شقة "أنور" لدعوة "زهرة" على مشاركتهم بدلًا من بقائها وحيدة.
بقلم رشا روميه 

على الفور وقفت "جميلة" بباب شقة "زهرة" تطرق الباب عدة مرات وهي تنادي بإسمها:
- "زهرة"، "زهرة".

أقبلت "زهرة" نحو الباب بعد سماعها لصوت "جميلة" لتفتح قفل الباب بالمفتاح، فهي قد أغلقت كل شئ على نفسها، حتى نفسها أغلقت كل المنافذ وبقيت وحيدة، أجابت "جميلة" التي مازالت تهتف بإسمها بهدوء:
- ثواني يا "جميلة" أهو بفتح الباب.

طلت "جميلة" أولًا برأسها قبل أن تدفع الباب بكتفها لتصبح داخل الشقة دون أن تدعوها صاحبتها، وقفت بمقابل "زهرة" وهي تتحكم تمامًا وبقدرة فائقة على ردود أفعالها تلتزم باللطف والمحبة الظاهران فقط:
- صباح الخير يا "زهرة"، إيه مش ناويه تغلطي وتنزلي تفطري معانا زي الأول!!

تحركت "زهرة" خطوة للخلف لتوسع لـ"جميلة" التي دخلت بكامل جسدها لتقف قبالها بغتة ثم اجابتها بنبرتها الدافئة:
- معلش يا "جميلة"، خليني براحتي.

نبرتها القوية غلبت تلك الناعمة لتتوسط خصرها بكفيها بإصرار:
- والله ما يحصل، ده كلام!! يلا يلا بطلي إللي بتعمليه ده.

تطلعت "جميلة" لملابس "زهرة" البسيطة ببعض الغيظ، فرغم رخص ثمنها إلا أنها كانت ملفتة للغاية وتليق بها بشكل أثار حنق "جميلة"، لكن قدرتها على إظهار ما لا تشعر به جعلها تتخطي ذلك لتدفعها من زندها نحو غرفة النوم بالإجبار:
- يلا بلاش كسل، إدخلي غيري هدومك دي، إلبسي العبايه الموڤ بتاعتك، حلوة وبتليق عليكِ، يلا يلا أنا مستنياكِ هنا.

دفعتها نحو الغرفة وأغلقت الباب دون أن تعطيها فرصة لإبداء رأيها سواء بالرفض أو الموافقة، قوتها تلك جعلت "زهرة" تشعر بضعفها أمام إصرارها، لتجد نفسها تنصاع للهجتها الآمرة وتبدل جلبابها البسيط بتلك العباءة التي قالت عنها "جميلة".

بدلت ملابسها ووضعت حجابها حول رأسها لتشعر بالتوتر لإرغامها على ذلك، لكن ضعفها جعلها تتحرك مجبرة وهي مستسلمة تمامًا لطلب "جميلة"، سحبت محرمة لتمسح وجهها المرتبك أولًا ثم طوته ووضعته بجيب عباءتها قبل أن تفتح باب الغرفة لتخرج لـ"جميلة" التي مازالت تنتظرها خارجها.

أمسكت "جميلة" ذراع "زهرة" تتحرك برفقتها وربما تسوقها على الأغلب نحو السلم لتغادرا شقتها متجهين للأسفل لتناول طعام الإفطار.

توترت "زهرة" من إلحاح "جميلة" وإجبارها على تواجدها بشقة الحاج "زاهر"، فهي تحاول أن تتجنب لقائها بـ"محمود" أو أي تعامل معه.
بقلم رشا روميه 

غلبتها "جميلة" بإبتسامتها العريضة، تلك الإبتسامة التي تظهر صفاء نيتها وطيبة قلبها، جعلت "زهرة" تتغاضى عمل فعلته معها، فمن منا لا يخطئ، وبالتأكيد لن تغدر بها وتطعنها بظهرها، لن تسمح لنفسها بأن تنساق خلف شعور خاطئ يتسلل بقلبها، سترفض ذلك تمامًا رغم إصرارها على الإنفصال من "أنور"، أن تخرب حياة "جميلة" أيضًا فهي لا تستحق الغدر.

بصوت خفيض وإيمائة موافقة قالت "زهرة":
- حاضر يا "جميلة".

ضحكت "جميلة" وهي تخفف من دفع "زهرة" لتتأبط ذراعها كصديقتين حميمتين:
- أيوه كده، لو مكنتيش جيتي كنت حزعل.

لم تنهي "جميلة" جملتها حتى تعثرت قدمها أثناء هبوطها الدرج، لحقت بها "زهرة" تسندها  بقلق من أن تكون قد ألحقت الأذى بقدمها:
- خدي بالك يا "جميلة".

تشبثت "جميلة" بـ"زهرة" وقد ظهر الفزع على ملامحها إثر هذا التعثر، لكن ما لم تنتبه له "زهرة" أن "جميلة" قد تعثرت بقدمها عن عمد حتى تستطيع وضع السلسال الذهبي بجيب عباءة "زهرة" دون أن تشعر أثناء مساعدتها.

إستقامت "جميلة" لتخفي تلك الإبتسامة الماكرة وهي تستكمل هبوطها الدرج برفقة تلك المغلفة التي سقطت بمكيدتها الغادرة دون أن تدري.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مُتراقِص الخُطى، فقد وجد طريقه للجنة، أليست هي المكان الذي تَحِفهُ السعادة فقط، كل يوم يمر يتوغل هذا الإحساس الجديد بداخل نفسه ليزيد إقتناعه أن القدر وهبه هدية تعوضه عن كل أحزان الماضي.

توقف "سامح" أمام محل "دليلة للورود" ليبتاع باقة ورد صغيرة في طريقه، أليس الورد يهدى بالورد.

تلك الباقة الصغيرة التي كانت تشبهها بالفعل، تبعث البهجة والفرح بالنفس، كما تفعل هي به، هي بالفعل (الفرحة) الغائبة عن حياتها والتي وجدها بالصدفة.

من فرط ساعدته شعر بأن الأرض تطوى من تحت قدميه تساعده بإسراع الخطى نحو غرفتها، طرق الباب بخفة وهو يدلف بنحنحته كالعادة:
- إحم، صباح الخير.

عقدت "فرح" ذراعيها تصطنع الضيق معقبة:
- إتأخرت ليه؟

هل يسعد المرء بملامته كما سعد هو الآن؟!! هل إشتاقت إليه كما إشتاق إليها؟ 
تهدج صدره بقوة وإتسعت إبتسامته، بينما أدركت "فرح" تسرعها ليزداد توترها وهي تبرر كلمتها حتى لا يفهم "سامح" خاطئًا أنها تتلهف لحضوره:
فرح: قصدي ااا، انت قولت لي حتيجي الساعه عشره!!

تقدم وهو يشعر بدقات قلبه كوقع خطواته العالية ثم أجابها:
- شوية مشاكل في المستشفى هناك أخرتني شويه، كمان.......

إستطاع حث فضولها لتتأهب بسؤاله:
- كمان إيه؟ إيه إللي حصل؟

إكتسى وجهه بحمرةٍ خَجِله وهو يطالع فستانها الذي ترتديه، فستان أبيض ممتلئ بالورود المبهجة باللون البرتقالي، فقد أخذت تبدل بين ثيابها التي أحضرتهم لها الممرضة من حقيبتها التي كانت بالحادث، ثم قال:
- حسيت من كل هدومك إن إنتِ بتحبي الورد.

رفعت "فرح" حاجبها بتهكم مازح:
- قصدك إيه؟!  لاحظ اني مش شايفه هدومي دي أصلًا.

- أصل كل فساتينك ورد، ورد.

ملست بكفها فوق فستانها كمل لو كانت ستشعر بالتفاصيل قائلة بإندهاش:
- بجد والله؟!!

مد "سامح" يده بعد تردد كبير ليعطي "فرح" باقة الورد:
- إتفضلي.

رغم ظلام عينيها إلا أنها أحست بأنه يقدم لها شئ ما، أخذت تتلمسه ببهجة غير طبيعية، ملمس تلك البتلات الناعمة كان له أثر عظيم بنفسها، لتتهلل ملامحها مردفة:
- الله، ورد، ريحته حلوه أوي، تصدق شكلي كنت بحب الورد فعلًا. 

بإنتباه متأخر لهديته لها، إبتسمت بخجل وقد إشتد وجهها حُمرة هي أيضًا، لتهمس بغير تصديق:
- إنت، جايب لي الورد ده مخصوص ليا؟!

أسرع بإجابتها بدون تفكير:
- أصلي حسيته شبهك أوي.

تمسكت بتلك الباقة بقوة وخجل بينما كان يتابعها بسعادة، تلك العفوية الساحرة محبة الحياة.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بيت عائلة مكاوي ( شقة زاهر)...
خطيئة واحدة كمجمل الخطايا، كلهم سيئات علينا التكفير عنها، فيظن البعض أن خطيئة صغيرة قد تغتفر في حين يمكنها أن تكون زريعة لخطايا أخرى تنحل كخيوط النسيج، عليك إغلاق الطريق قبل السير فيه وليس بعده.
رشا روميه 

إنتهى "محمود" من مكالمته ليعود لغرفة المعيشة التي تجمع بها الجميع بعد تناول الطعام، رغم تجهم ملامحه وإقتصار كلماته على ما قل منها إلا أنه ظل متواجد بنفس المكان مع "زهرة"، التي لم ترفع عينيها عن قبضتيها اللذان تفركهما ببعضهما البعض منذ أن دخلت للشقة.

سأل "زاهر" ولده بإستفهام:
- ها، قالك إيه "عبد المنعم" يا "محمود"؟

أجابه بهدوء يناظر والده فقط:
- قالي جاي هنا البيت كمان نص ساعه يجيب الفلوس، يعني مش حعرف أنزل دلوقتِ يا حاج، لازم أستناه عشان آخد الفلوس أوردها البنك الأول.

- طيب على خيرة الله.

تشدقت "جميلة" بإهتمام لحديثهم لتقتحمه بإبتسامة مستغلة:
- عمي، أنا عايزه فلوس عشان أجيب أسمنت.

صرخ بها "محمود" بقوة، لا يدري هل ذلك لطمعها الذي لا ينتهي، أم لأنه يشعر بضغط كبير لما يفرضه من تحكم متلف للأعصاب:
- جرى إيه يا "جميلة"!!!! أنا مش لسه مديكِ أول إمبارح الفلوس!!!!

أوسعت عيناها بتبجح كما لو كان لها قوة ما تلوي بها ذراعه للموافقة، بينما رفعت كتفيها وهي تأشر بكفيها الممدوان بنفور من رد "محمود":
- خلصوا، جبنا بيهم موّن ومكفتش!!!

مط "زاهر" شفتيه بضيق ليقف ناقلًا بصره بين ولده وزوجته، ثم قال:
- إبقى شوف يا "محمود" لو فيه زياده إديها يا إبني، أنا حروح أصلي الضحى عقبال ما "عبد المنعم" ييجي.

تركهم "زاهر" متجهًا لغرفته، بينما إستدار "محمود" تجاه "جميلة" قائلًا بحزم: 
- الفلوس إللي جايه بتاعة بضاعه، ريحي نفسك.

لوت "جميلة" شفتيها تقضمهما بغيظ فلم تستطع الحصول على مبتغاها اليوم، لكنها مازالت بأرض المعركة وإن خسرت جولة فذلك لا يعني خسارة الحرب.

رفعت حاجبها الأيمن بمكر لتوجه حديثها تلك المرة لـ"فردوس":
- مرات عمي.

- خير يا "جميلة".

على الفور تبدل غيظها بإبتسامة لطيفة وصوت لين:
- كنت عايزه منك طلب؟

- قولي يا "جميلة".

رمقت بلمحة خاطفة "زهرة" وهي تطالع كفها بصمت ثم عادت تحدث "فردوس" مرة أخرى:
- عندي فاتحة بنت خالي بعد بكره، وكنت عايزه منك السلسله إللي عمي جابهالك السنه إللي فاتت أروح بيها قراية الفاتحه.

نظر "محمود" نحو "جميلة" بنظرة غضب ممزوجة بصدمة وعدم فهم في آن واحد، ليهتف بها بتعجب:
- إيه؟!!

نظرت له بحدة تنهره عن طريقته معها أمامهم:
- إيه يا "محمود"، عادي، فيها إيه (ثم نظرت تجاه "فردوس" لإحراجها) ولا إنتِ مش حابه يا مرات عمي؟!! هو أنا يعني حاكل منها حته!!

وقبل أن يتفوه "محمود" لحقته والدته بسرعه حتى لا تحدث أي مشادة بين إبنها وزوجته بسببها:
- لا يا حبيبتي دي تزيد عندك، حقوم أجيبها لك.

خطوة واحدة وتصل لما دبرت له مكيدتها، خطوة ستهدم بها وجود تلك الناعمة التي يبدو أنها تحيك بطريقتها الملساء كجلود الثعابين للسطو على كل من بالبيت وما يملكونه، هكذا فكرت "جميلة" وهي تخطف نظرة أخيرة لتلك المخادعة التي تحتال على الجميع بنعومتها المزيفة.
بقلم رشا روميه 

ضحكة مائلة بثغرها زادت الثقة بأنها أوشكت على وضع نهاية لتلك الحرباء التي تريد التوغل بسيطرتها على الجميع بطريقة المستضعفة التي تريد الحماية والسند، فيا لها من خبيثة تبحث عما لا يحق لها، فكل ما يملكونه يجب أن يكون لها ولبناتها فقط، وليس لتلك الغريبة التي بدأت بالفعل سيطرتها على الجميع.

تتوقت "جميلة" لإعلان إختفاء السلسال الذهبي بحماس شديد وهي تحتلس نظرات شامتة بـ"زهرة" التي لم تنتبه بفعل إدعائها السكون والإنكسار، ورغم سعادتها للخلاص منها فبعد دقائق قليلة سيعلن وجود السلسال بجيب "زهرة" وتطرد أشد طردة من هذا البيت بلا رجعة، إلا أن "محمود" أفسد عليها لحظة الإنتظار حين قال:
- "جميلة"، إعملي لي فنجان قهوة عشان مصدع.

أسرعت "جميلة" لتلبية طلبه، ليس إرضاء له بل لتشهد عودة "فردوس" بعد قليل، دلفت المطبخ بتعجل لتصنع فنجان من القهوة بسرعة فائقة حتى تلحق بـ"فردوس" التي لابد وأنها لم تجد السلسال الآن.

وضعت "جميلة" الفنجان فوق الطاولة بذات اللحظة التي أقدمت بها "فردوس" بخطوات مهرولة تهتف بفزع:
- يا لهوي، إلحقوا، أنا مش لاقيه السلسله!!  حتكون راحت فين دي، ده أنا مش بشيلها من الدولاب!!!

هتف "محمود" بتفاجي:
- إزاي ده!!! راحت فين يعني، دوري كويس يا أمي، أكيد وقعت هنا ولا هناك حتروح فين يعني.

- أبدًا والله، ده أنا حتى مبطلعهاش خالص، وقلبت الدولاب مش لقياها!!!

لتُلقي "جميلة" بكلماتها التي إنتظرت منذ الأمس لإلقائها:
- طول عمرك بتشيلي دهبك في مكانه ولا حد يقدر يهوب ناحيته، يا ترى مين إللي جد وبيروح وييجي في المكان براحته، وأكيد مد إيده وأخدها، والله أعلم أخد إيه تاني!!!!

كلمات إتهام مهينة شعرت بها "زهرة" فقد كانت أعين "جميلة" تناظرها لا غيرها، وقفت "زهرة" بملامح مقتضبة تهتف بضيق من هذا الإتهام الغير صريح:
-قصدك إيه؟!!!

دارت "فردوس" بين "زهرة" و"جميلة" بنظرات عدم فهم لتسأل "جميلة" عن مقصد حديثها:
- قصدك إيه يا "جميلة"، مين يعني إللي حيمد إيده؟!!!

مالت "جميلة" بفمها بإستهزاء وهي تطالع "زهرة" بأعين يملؤها الحقد قائلة:
- أنا عارفه!!  شوفي إنتِ!!  أنا كل يوم بره ولا أعرف حاجه، شوفي مين إللي فتحتي له بيتك ومد أيدُه وأخدها!!!!

أشارت جميع أصابع الإتهام نحو "زهرة"،  لكن قبل أن تتكلم أسرعت "جميلة" قائلة لتقطع كل الشكوك وتحويل الأتهام لحقيقة لا مناص منها:
-كلنا نتفتش، ولا فيه حد عنده رأي تاني؟!!!

قالتها "جميلة" وهي تنظر بشكل مباشر نحو "زهرة"، بينما ضغطت "فردوس" على شفتيها بضيق بالغ لتهتف بـ"جميلة" بصوتها المهتز:
- ميصحش كده يا "جميلة".

إندفعت "جميلة" بحركة عنيفة تجاه "زهرة" فلن تصبر لأكثر من ذلك:
-وريني جيوبك دي.

لقد أخطأت، يا ليتها أصرت على قرارها ورحلت من هذا البيت لما كانت تُتِهم الآن بالباطل، ياليتها قبلت الرحيل لما وقعت بهذا الشرك وتلك المكيدة الغادرة، إحتقن صوتها وأمسكت عبرتها بصعوبة وهي تهتف بـ"جميلة" أن تتوقف:
- بس يا "جميلة"!!! أنا مخدتش حاجه، والله ما أخدت حاجه!!!!
يتبع 
تعليقات



<>