رواية حتي يجمعنا القدر بقلم رشا روميه
رواية حتي يجمعنا القدر الفصل العشرون20 بقلم رشا روميه
«إنسحاب هادئ»
لسنا جبناء حين نعلن الإنسحاب، فإننا نرفض ما لا يُشبهنا، نهرب من حياة لا تُناسبنا، أن نفر الآن لهو أفضل من الندم ما بقي من العمر، بل إنه من الشجاعة التخلي عما يسبب الأذى ونحن لا نزال قادرين على الإختيار بين البقاء والإنسحاب، لقد سامَحنَا حتى ظُن فينا أننا مغفلين بلا كرامة، سامَحنَا حتى إعتادوا الخطأ بحقنا دون تأنيب ضمير، فإن كانت اللُعبة ما بين المكسب والخسارة، فسنخسر بإرادتنا ونترك البقية تفوز، فلننسحب الآن بهدوء فبداخلنا يقين أن البقاء سيكلفُنا أنفسنا.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
أيتها الأقدار أي صبر تريدين؟! أم أنك فقط تهذبيننا وتقرصين آذاننا لنتعلم؟!
لقد تعلمنا من دروسك المجانية وحان وقت دفع المقابل، تلك التي كان ثمنها من كسرة قلب.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي...
إتسعت الأعين بدهشة حين إنفعلت "جميلة" بقوة تجذب "زهرة" بطريقتها العنيفة لتمد يدها بجيب عباءتها بعد إتهامها بأنها هي من سرقت سلسال "فردوس" الذهبي.
لحظة إنقطعت بها الأنفاس فعيون "فردوس" الرافضة وهي تشهق بفجعة تريد أن تكذِّب "جميلة" في إتهامها، لا تريد أن ترى خيبة بمن وثقت بها وأحبتها كإبنتها، تمنت لو تغمض عينيها ويعود بها الزمن لبضع دقائق لكانت صمتت تمامًا عن ضياع تلك السلسلة، لكن الوقت قد نفذ وتصدت "جميلة" لبراءة "زهرة".
تقوست شفتي تلك المنكسرة وتلاحقت دموعها بغير تصديق لهذا الإتهام وتجرأ "جميلة" لتفتيش ملابسها بتلك الوقاحة، تعالت ضربات قلبها ضيقًا وخوفًا، أخذت تهتف بنبرة متحشرجة:
- أنا ما أخدتش حاجه!!! أنا مش حراميه يا "جميلة"!!!
ضحكت "جميلة" بسخرية قائلة:
- حنشوف يا سهتانه إنتِ.
تعلقت أنظارهم بيد "جميلة" التي إقتحمت جيب "زهرة"، لحظات فقط قبل أن تتجلى الصدمة وإصفرار الوجه، بينما هتفت بها "فردوس":
- بس يا "جميلة"، "زهرة" متعملش كده!!!
بوجه شاحب وفاه مفغور سحبت "جميلة" يدها من جيب "زهرة" الخاوي، تراجعت بضع خطوات للخلف وقد إهتزت مقلتيها بحيرة شديدة، فكيف لم تجد السلسال بجيبها وهي من وضعته بنفسها؟؟!!
سحب الهواء من رئتيها ليتهدج صدرها بدهشة وصمت بينما قالت بداخلها:
- (الله، هي راحت فين؟! يمكن وقعت مني على السلم ومأخدتش بالي!! يا دي المصيبه، كل حاجه بتخرجي منها، أوووف، إيه الحظ ده)
صدمتها وإندهاشها جعلا "محمود" يسخر منها قائلًا:
- مالك يا "جميلة"، سكتِ ليه؟! لقيتِ حاجه؟
إلتفت ببطء ومازالت حالة الإندهاش تعلو وجهها لتجيبه بصوت متحشرج ودماء هاربة من جسدها:
- لأ، مفيش!!!
إتجه بحديثه نحو والدته:
- أنا بقول ندور تاني يا ماما يمكن، وقعت هنا ولا هنا.
فشل "جميلة" من إيجاد السلسال بحوزة "زهرة" أراح نفسها المتخوفة قليلًا لتومئ رأسها بالإيجاب:
- حاضر، أبوك بس يخلص صلاه وأروح أدور تاني.
تزعزع جسد "جميلة" بإحباط من فشل مخططها، وقد شردت متفكرة بذلك السلسال، وأين ذهب الآن؟! لكن ما يهم أنها عليها الهرب حتى لا يسألها أحدهم بلوم عن إتهامها لـ"زهرة"، فيجب عليها إدعاء أن الأمر جاء بمحض الصدفة وأنها لم تخطط لذلك.
سحبت حقيبتها لتتحرك بخطوات متسارعة نحو باب الشقة:
- طيب ااا، أنا إتأخرت على العمال، دوروا إنتوا، وأنا حمشي بقى، هاه، يلا سلام.
تعجل "جميلة" أثار دهشة "فردوس" التي ظنت أنها ستبقى اليوم أيضًا معها بالبيت، لتجيبها بعدم فهم:
- سلام يا بنتي.
إنتهى "زاهر" من صلاته ليهتف "محمود" بوالدته:
- أهو الحاج خلص صلاه، إستني إنتِ يا أمي هنا، أنا إللي حروح المره دي أدور لك عليها.
إتخذت "فردوس" مقعدها المعتاد فيما دلف "محمود" لغرفة والديه لبعض الوقت قبل أن يعود بعد دقائق حاملًا السلسال بين أصابع يده ضاحكًا:
- أدي السلسلة يا ست الكل، مش قولت لك تلاقيه هنا ولا هنا، أهو كان واقع.
سحبته "فردوس" تطالعه عن كثب ثم أردفت بعد أن تحققت منه:
- دي هي صحيح، الحمد لله، والله قلبي كان حيقف من الخضه، حروح أطمن أبوك بقى زمانه قلقان هو كمان.
بقلم رشا روميه
تابع "محمود" تحرك والدته تجاه الغرفة الداخلية حيث جلس والده بعد أداء الصلاة ثم إلتف نحو "زهرة" التي ما أن وقعت عيناها عليه وهو يناظرها لترفع سبابتها أمام وجهها وقد إرتجف صوتها المهتز تقسم بالله بخوف وبكاء حار:
- أقسم بالله ما أعرف عن السلسله دي حاجه!!!!! ولا أعرف جات في جيبي إزاي، أنا أصلًا........
طالت نظرة "محمود" لها دون أن يعقب ليقاطعها قائلًا:
- ممكن تهدي عشان نتكلم.
لملمت "زهرة" شفتيها المرتجفتان وهي تحاول السيطرة على حزنها وتعاستها اللتان تبحثان بها مهما حاولت الفرار، لكنها مخطئة بالتأكيد، فهي كانت تدرك أن الصواب أن ترحل ولكنها بقيت، إنها تستحق العقاب وإن لم تخطئ حقًا هذه المرة.
تذكر "محمود" ما حدث منذ قليل حين طلبت "جميلة" من والدته إقتراض سلسالها الذهبي، وبالفعل وافقت والدته لتذهب لغرفتها وتأتي به، أمر جعل "محمود" ينتبه لأمر ما، فبحنكة رجل تجارة يعمل بالسوق وسط العديد من المحاورات وألاعيب التجار ومكرهم؛ إستطاع فهم بأن بالأمر خدعة ما، فـ"جميلة" ليست معتادة على تلك الأمور، وتصرفها هذا جعله يشعر بالإرتياب من طلبها.
تذكر حين رفع صوته يخرج تلك المبتسمة من أفكارها قائلًا:
- "جميلة"، إعملي لي فنجان قهوة عشان مصدع.
أسرعت "جميلة" لتلبية طلبه، ليس إرضاء له بل لتشهد عودة "فردوس" بعد قليل، دلفت المطبخ بتعجل لتصنع فنجان من القهوة بسرعة فائقة حتى تلحق بـ"فردوس" التي لابد وأنها لم تجد السلسال الآن.
بتلك اللحظة التي دلفت بها "جميلة" للمطبخ، نحى "محمود" إحساسه وقراره بتجنب "زهرة" جانبًا ليقفز من مقعده بتعجل ليردف بصوت منخفض حتى لا تستطيع "جميلة" سماعه:
- دورب كده في جيبوبك.
رفعت "زهرة" وجهها عن كفيها التي كانت تطالعهما طيلة الوقت لتندهش من طلبه الغريب معقبة بإستفهام:
- أدور في جيوبي!!! على إيه؟؟!
تطلع "محمود" تجاه المطبخ ليعيد همسه مرة أخرى:
- دوري بس، بسرعه.
وضعت "زهرة" كفها بجيب عباءتها لتشعر بشئ معدني بارد، مجرد ما تلامست أصابعها الرفيعة هذا الشئ رفعت وجهها بصدمة وأعين مندهشة حتى قبل أن تخرج هذا الشئ الغريب من جيبها، لكن كل ما تدركه أن جيوبها كانت فارغة تمامًا، فمن أين أتى هذا الشئ.
سحبته برفق كما لو كان سينفجر بين كفها المرتجف، نظرت نحو كف يدها المنبسط وبه السلسال الذهبي الخاص ب"فردوس" بنظرة يملؤها الهلع:
- إيه ده!!!!!!
إنها الآن وبلا تفكير ستوصم بالسرقة، ستُتَهم بالباطل أنها سارقة، إضطرب تنفسها لتعلو أنفاسها ويختلج صدرها المنسحب الهواء من رئتيها لتردف بنبرة مرتجفة محتقنة للغاية:
- والله العظيم ما أخدتها، والله ما أعرف إيه إللي جابها في جيبي، أنا مش حراميه، أنا....
أشار لها "محمود" بالصمت التام حين شعر بقدوم "جميلة":
- اششش، متخافيش، هاتي السلسله دي، ولا كأنِك لقيتيها ولا شوفتيها أصلًا، تمام.
أومات "زهرة" عدة مرات وهي تحاول السيطرة على إنهيارها وأعصابها المنفلتة، فهو لم يستمع لها، وبالتأكيد يظن أنها من مدت يدها لتسرقه، بينما تراجع "محمود" ليجلس بمقعده كما لو أن شيئًا لم يحدث.
تقدمت "جميلة" واضعة فنجان القهوة فوق المنضدة لتجلس بحماس في إنتظار مجئ "فردوس" وإعلانها بإختفاء السلسال، ووقتها ستخرجه من جيب "زهرة" أمام أعين الجميع وبالتأكيد سيطردونها من هذا البيت الذي تحاول تلك الوضيعة السيطرة عليه بنعومتها الزائفة وضعفها المصطنع.
بقلم رشا روميه
أفاق "محمود" من شروده بتذكر ما حدث على صمت "زهرة" الباكي، صمتت عن الحديث لكن نظرتها التعيسة قالت ما لم ينطق به لسانها.
زم "محمود" شفتيه قائلًا بلطف:
- ممكن تهدي عشان نعرف نتكلم؟
سحبت "زهرة" شهيقًا متقطعًا ثم أجابته بخزي:
- أنا عايزه أقول لك إني عُمْر ما إيدى إتمدت على حاجه، أنا والله ما أخدتش السلسلة، أنا مش حراميه وإيدي طويله.
لا يمكن أن يسمى الياقوت إلا ياقوت، لا يشبه بالزجاج ولا تدنى قيمته، ومن يفعل ذلك فهو كاذب مُدلس، إنه يستطيع أن يفطن لأكاذيب "جميلة" الواضحة أمام الجميع، الكل يدرك أن كل ما تفعله "جميلة" من سوء نفسها لكنهم صابرون لعلها تتغير وتعدل من أفعالها، وليس معنى تغاضيهم عن ذلك إقرار منهم بصدقها وتصديقها.
وقف "محمود" بضيق من ظن "زهرة" أنهم قد يتهمونها بالسرقة ليهتف بحزم واضح:
- إوعي أسمعك تقولي عن نفسك كده، ومفيش حد هنا يقدر يقول عنك كلمه أو يظن فيكِ سوء، أنا عارف كل حاجه، ومتأكد إن إنتِ معملتيش كده، ولا يمكن تعملي كده.
غشاوة التخوف جعلتها لا ترى بوضوح، لتزال تلك الغشاوة بعد أن بدأت تهدأ قليلًا لتسأله بشك:
- هو إنت عرفت منين صحيح إن السلسله في جيبي؟!!
ضحك "محمود" بسخرية مما فعلته "جميلة"، تلك من تظن أنها فائقة الذكاء، بارعة في حياكة المؤامرات دون أن تشير إليها أصابع الإتهام، ثم أجاب "زهرة" بهدوئه المعتاد:
- لأ أنا معرفتش، أنا خمنت وتخميني طلع صح.
لم تفهم "زهرة" ما وراء حديثه الغامض لتتسائل بتعجب:
- خمنت إزاي يعني؟
- "جميلة"!!
نطقها ككلمة واحدة، تمامًا ككلمة السر التي يُخبَأ ورائها كل الأزمات المفتعلة، فيما سألته "زهرة" بعدم إدراك لمقصده مرة أخرى:
- "جميلة"!!! مالها "جميلة" مش فاهمه؟!!
إكتفى "محمود" بالغموض لهذا الحد ليوضح ما أثار ريبته بـ"جميلة" منذ ليلة الأمس:
- إمبارح بالليل بعد ما "جميلة" طلعت دخلت أوضة البنات وقعدت وقت طويل أوي، ولأنها مش متعوده تقعد طول الوقت ده معاهم روحت أشوف إيه إللي أخرها، لقيتها ماسكه سلسلة أمي في إيدها، إستغربت في الأول بس قولت يمكن أمي إدتها لها، النهارده بقى إصرارها إنها تناديكِ تفطري معانا وحنيتها الزياده عن اللزوم دي، عرفت إنها بتخطط لحاجه، ومكانش صعب عليا إني أفهم المصيبه اللي بتخطط لها لما طلبت السلسله من أمي، قولت لنفسي أكيد حطيتهالك.
سهمت "زهرة" قليلًا لا تدري هل هذا عقاب لها لتراخيها بتنفيذ قرار رحيلها، أم أن "جميلة" مازالت تستمر بأفعالها الماكرة التي تكررها، لتهمس بالنهاية بإستغراب:
- تانــــي!!!!! تاني يا "جميلة"!!! أنا عملت لك إيه بس!!
ضيق "محمود" جبهته بعدم فهم متسائلًا:
- تاني!! تاني إيه؟! هي عملت لك إيه قبل كده؟!
تطلعت به بتخبط وحيرة بين أن تخبره بما تحيكه زوجته طيلة الوقت في الخفاء، وما فعلته معها من قبل، وبين صمتها عن أفعالها حتى لا تتسبب له بمشكلة معها، فيكفيها ما يحدث بهذا البيت بسببها، لتردف بتهرب:
- ها، لا ولا حاجه، أنا طالعه فوق، جميلك ده لا يمكن حنساه.
لم تنتظر إجابه لتسرع نحو شقتها فلا يمكن أن تكون سببًا بمشكلة جديدة بين "محمود" و"جميلة" تتحمل ذنبها، فيكفيها ما تحمله من الأساس.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ليس العيب أن يخطئ المرء، لكن العيب ألا يعيد الحق حين يظهر، تمر بالعثرات فتعود إلى صوابك تلك التي نسميها يقظة.
رشا روميه
مستشفى الهلال المركزي...
بخطوات واثقة نحو هدف محدد لن يحيد عنه الآن، دلف "نور" لداخل القسم الخاص بعيادة العظام، فلن يثنيه اليوم أمر وعليه البحث عن "ليلى"، فقد أخطأ وعليه إصلاح خطئه.
وبتلك البقعة التي بالتأكيد لا تنتمي لجانب مَرَضِي أو عمل ما، بل إن لحسنها الهادئ ورقتها الناعمة كان هذا الركن أشبه بركن منعزل لجزيرة صافية تدب السكينة بقلب هذا المسكين وهو يناظر قطعة الياقوت الأسود تشع بهاء رغم بساطتها.
بقلم رشا روميه
هل يتمنى كونه مريض ليمر بها ويحدثها كالبقية؟! هل بهذه الإنسيابية ينساب قلبه من بين ضلوعه وينسحب بهدوء ليسقط مرساه بتلك الفاتنة، وقع رؤيتها بكل مرة كما لو كان يراها للمرة الأولى، نفس الوهج والأنفاس المنتزعة من صدره ودقات قلبه المنتفضة تعلن تمردها على عقله وتجبره على الإستسلام.
إبتلع ريقه بسعادة رغم إضطرابه لإيجادها أخيرًا، ليشرق وجهه بإبتسامة خفيفة وهو يدنو بخطوات رزينة نحو مكتبها البسيط وهي ترتب دخول المرضى للطبيب، لن يجد فرصة مثل تلك قبل أن تختفي مرة أخرى عن أنظاره ليسرع بالحديث بصوت خفيض:
- "ليلى".
كيف لهمسة أن تجعل قلبها يهوى بين ضلوعها، صوته الشجي يداعب أذنيها بنطق إسمها مجرد بدون ألقاب، حروف أزاحت جدران شيدتها لسنوات لحماية هذا النابض الضعيف من الإختراق، تسقط أسواره بنطق أربعة أحرف فقط.
تغاضت عن أنفاسها المتلاحقة وخفقان قلبها الحبيس لترفع رأسها بثبات تستمع لما يكمله "نور" من حديث، وقد تظاهرت عبثًا بقوة لا تمتلكها:
- ممكن لما تخلصى شغلك عايزك ضروري في مكتب الدكتور "سامح"، أظن باقي ثلاث ساعات والمناوبه تخلص، يا ريت تيجي، حستناكِ هناك.
حركت رأسها بإيمائة إيجاب صامتة وهي مغيبة تمامًا كما لو أنها مجرد آلة تشاهد فقط ولا تشعر بما تقوم به.
إكتفى "نور" بإيمائتها كإجابة ليغادر هذا القسم على الفور، فهو لم يكن أفضل حالًا منها، فليتهيأ أولًا لحديثه معها فيكفيه إضطراب للآن.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
النصر لا يعني الهروب من أول محاولة، بل هو الصبر على الخسارة والإستعداد لتوجيه ضربات أخرى في وقت القوة، لكن علينا أولًا تقبل تلك الخسارة وتأجيل الحساب حتى يحين وقت لا تنازل به.
رشا روميه
مخزن السكة الحديد...
كان المخزن ملاذ "جميلة" الذي هرعت إليه بعد فشل خطتها بإتهام "زهرة" بالسرقة، لكن تلك الخسارة لم تكن مقبولة أبدًا لـ"جميلة"، فهي لا تريد الفشل مطلقًا، هذا الإحساس الكريه الذي تتجنبه طيلة حياتها ها هو يلاحقها من جديد.
وقفت بغيظ تحدث نفسها حتى كادت تصرخ غضبًا:
-( إزاي ده حصل؟!!! أنا متأكده حطيت السلسله في جيبها!!! حتكون راحت فين؟! أنا حتجنن!!!!! معقول البت دي مصحصحه أوي كده؟!!)
تذكرت "جميلة" حين تركت شقة عمها لتصعد لمناداة "محمود" لتناول الطعام، تحركت بخطواتها الغير مسموعة كالعادة، كما لو أنها تزحف كالثعابين حتى لا ينتبه لها أحد، خاصة وقد سمعت صوت "محمود" و"زهرة" بالدور العلوي، تلك اللحظة التي طلب بها "محمود" من "زهرة" البقاء، رفعت "جميلة" خضراوتيها للأعلى وقد إشتد بهما لونهما الأصفر وهي تضغط عليهما بقوة وغيظ.
نيران إشتعلت بداخلها، ليس غيرة أو خوف على زوجها، بل بغض وعداوة لتلك الحرباء كما تراها التي تسعى للتوغل بطريقتها الناعمة لكسب تعاطف كل من بهذا البيت، هي التي إقتحمت قلوبهم جميعًا وإقتربت للغاية من الإستيلاء على أموالهم إن طلبت ذلك، فهم لن يؤخروا لها طلبًا.
والآن هي تحيك شباكها حول "محمود"، ملكيتها الخاصة الذي لم تتركه لها بتلك السهولة وتخسر هي بعد كل ما فعلته بوجودها بتلك العائلة.
لقد تقبلتهم جميعًا دون محبة على أمل أن تنعم بأموالهم التي هي بالتأكيد من حقها، ولن تترك تلك الخبيثة الناعمة من الإستيلاء على حقها، لهذا توعدت لها بأن تشوه صورتها وتُبعدها تمامًا عن طريقها بأي وسيلة كانت.
كان من المفترض أن تفضحها أمام الجميع، لكنها إستطاعت إنقاذ نفسها، لكن كيف؟! كيف وقد وضعت السلسال بنفسها بجيبها؟! كيف إستطاعت إخفائه، وظهرت هي بالمسيئة لها وبقيت "زهرة" هي النقية الشريفة التي لا غبار عليها.
بقلم رشا روميه
رفعت "جميلة" حاجبها متوعدة "زهرة":
-( لأ بقى، ما هو طالما منفعتش معاكِ السرقه، المره دي لازم تبقى حاجه أكبر، أنا مش حسيبك تكوشي على كل حاجه يا بنت "خليل زيدان").
قطع أحد العمال شرودها قائلًا:
- يا استاذه، الباشمهندس مشي ومرضيش يكمل الشغل، بيقول مش راجع تاني)
زمجرت "جميلة" بغضب لتهتف بإنفعال من شدة غيظها مما تملصت منه "زهرة"، لكنها أخرجت غضبها بهذا الرجل:
- ما قولنا في داهيه، هو يعني مفيش حد بيفهم غيره، يلا كسر لي الحيطه دي كلها عايزة المكان ده كله مفتوح، وبعدين هات لي البنا يعمل لي الشغل إللي قولت له عليه مكانه.
- حاضر يا استاذه، بكره بإذن الله حتكون خالصه.
تركها العامل ليستكمل عمله مع بقية أقرانه بينما دارت "جميلة" بعينيها بين الأركان تتابع الجميع وهو ينفذ أحلامها بخيلاء، تبسمت بغرور قائلة لنفسها:
- (هاه، ييجي ويشوف الشغل والوقفه، مش اللي عماله تتمسكن فيها وعياط ليل ونهار، السهونه اللي عايزه تاخد الفلوس كلها، ده بُعدك يا حربايه، دي فلوسي أنا، وأنا إللي حاخدها كلها، وبكره تشوفي، ومن غير ما أجيب الولد حاخد كل حاجه، ساعتها بقى إشبعى بـ"محمود"، ده بني آدم ولا يهمني من أساسه).
❈-❈-❈ــ
تمر الساعات التي طالت إنتظارها ليحين لقاء تتتوق إليه النفوس منذ إدراك موعده، كأن بالقلب ألف شعور وشعور وليس بينهم شعور واحد يوصف.
إنتهت "ليلى" من عملها وحان إعلان إنتهاء مناوبتها، هذه اللحظة التي تنتظرها منذ أن أخبرها "نور" بموعد اللقاء، موعد علق برأسها تنتظر مرور الوقت ليأتي.
أسرعت بإغلاق المكتب خاصتها ثم تحركت نحو مكتب "سامح" كما طلب منها، تأرجحت أسباب عدة برأسها لطلبه، فربما سيخبرها عن أمر يخص حالة والدها، وربما سيعيد حديثه عن عمها والميراث الذي بالتأكيد علم به من "سامح"، وكلا السببين يشعرانها بالإحباط، لكنها رغم ذلك كانت تتشوق لهذا اللقاء.
بقلم رشا روميه
وقفت قبالة باب "سامح" تدق الباب بتوتر، لكن مازال بداخلها قوة تمنعها من إظهار ذلك، لحظات قبل أن يجيب "نور" الذي كان يتابع عقارب ساعته بإنتظار قدومها:
- إتفضل.
دلفت "ليلى" لداخل المكتب بهدوء بينما هب "نور" واقفًا وقد تعلقت بشفتيه تلك الإبتسامة الرزينة التي تخصه لينطق إسمها مرة أخرى مرحبًا بها:
- "ليلى"، إتفضلي إدخلي.
لم تكذب أذناي، لقد نطقه حقًا مجردًا، قال ما يمكن أن يختلج له القلب دون أن يتفوه، أم إنها مجرد أماني بداخلي ولا أتمكن من السيطرة عليها، هكذا حدثت "ليلى" نفسها لتتجول العديد من الأسئلة برأسها وهي مازالت تقف بصمت، حتى قطع شردوها سؤال "نور":
- "ليلى"، إيه مالك، مش بتردي عليا ليه؟
- لا ولا حاجه، إتفضل حضرتك كنت طلبتني، خير؟
أشار "نور" نحو المقعد ليتمالك توتره أيضًا بوجودها فيما يحدثها ببعض العملية:
- طيب مش تقعدي الأول.
إتخذت "ليلى" جلستها بتحفز لحديث "نور" المتوقع، رفعت رأسها بشموخ يفوق فتاة بسيطة إطلاقًا، بل إن عزة النفس وسمو الروح ليس له علاقة بالبساطة والغنى، بل هو إرتقاء لأخلاق وثقة بالنفس.
تمامًا كالملكات، لها بهاء ورقي طغى على ملامحها الهادئة المنتظرة، بينما تطلع بها "نور" بعمق متعجبًا من نفسه، فكيف كانت تلك الغشاوة تغطى عيناه عن قوتها وشموخها، بل زاد على ذلك حُسن يذهب العقول ويسرق القلوب أيضًا.
بدأ "نور" حديثه مباشرة فلا داعي لأن يؤخرها لأكثر من ذلك، كذلك حرصًا على ألا يسبب لقائه بها بمفردهما أي ظنون:
- أنا مسافر في بعثه كمان تسع أيام.
تهدلت ملامحها الشامخة بصدمة، لم تتوقع مطلقًا أن يختفي عن حياتها كما ظهر فيها، لقد توقعت أمر يخص والدها أو عمها، لكن أن يخبرها بسفره وغيابه أمر كان مفاجئًا للغاية، هتفت بدهشة غريبة:
- تسافر!!!
أراد "نور" أن تكون هذه هي الطريقة التي يخبرها بها، أراد أن يرى رد فعلها عن ذلك، ولم يخيب إنتظاره لرؤيته، فما رآه بعينيها كان طلب واضح بألا يفعل، ذلك الشعور الذي إنتابه اثر صدمتها أوحى له بذلك مما جعله يشعر بالإنتشاء والسعادة، إرتسمت إبتسامة غير مفهومة لـ"ليلى" بوجه "نور" حين إستطرد:
- أيوه يا "ليلى"، حسافر.
غصة علقت بصدرها بغتة لتزيغ عينيها قليلًا لتقف بهدوء مردفة بنبرة حزينة:
- ربنا يوفقك، بعد إذنك.
إستدارت نحو الباب المفتوح لتخرج منه فعليها الآن الإنسحاب بهدوء حتى لا يظهر تأثرها وصديقها، ليباغتها "نور" بإعتراض لطريقها لينطق بها دون تفكير وهو ينظر مباشرة داخل سوداوتيها:
- أنا عايزك تيجى معايا.
إتسعت عيناها بإندهاش مرة أخرى، فكيف يطلب منها ذلك، وكيف؟!
قطبت جبهتها بقوة وربما بحدة فكيف ينظر إليها بهذه الطريقة، كيف يخيل له أنها مستضعفة بهذا الشكل ويمكنه طلب كهذا منها:
- آجى معاك!!!! إزاي يعني؟!
سحب "نور" نفسًا طويلًا ليستكمل حديثه بنفس القوة دون التراخي أمام نظراتها التي تلومه، فهو لا يريد سوى مصلحتها، ولا يراها إلا أهل لكل خلق قويم:
- تسافري معايا في البعثه، ووالدك كمان يسافر معانا يكمل علاجه هناك إن شاء الله.
بعثة؟!!! هل ما يتفوه به يمكن حقًا؟ هل ستأتي لها الفرصة مرة أخرى بعد كل تلك الصعوبات؟
لكنها شعرت ببعض القلق من حديث "نور" عن علاج والدها لتتسائل بتوجس:
- بابا!!! ليه هو بابا مينفعش يكمل علاجه هنا؟ هي حالته صعبه اوي كده؟!
- لأ خالص، العلاج هنا ممكن طبعًا، بس، أنا عايزك تسافري معايا.
طريقته ولهفته وحتى نبرته ووقفته توحي بأمر وحيد هي تشعر به، أنه مهتم لأمرها، لكنه لا ينطقها، لا يتفوه بها صراحة، يدور حول الإهتمام بوالدها وصحته، بينما نفسها تشتاق لسماعها منه، لم يخفيها ويسلك طريق بعيد ملتف، لما لا يخبرها صراحة بما يشعر به تجاهها، أم أن ذلك مجرد تخيل؟!!
تمعنت بملامحه وطريقته وهي تسأله بإستفسار وشك:
- طيب ليه؟
تفكر "نور" بسبب قوي ومقنع يخبرها به لإقناعها بالسفر لكن كل الأسباب والحجج تطايرت من رأسه، فماذا سيقول لها الآن، هل سيكذب مرة أخرى؟!!
لا، لن يكذب ويراوغ، لن يسلك سوى طريق صحيح واحد، لن يحيد عنه، الوضوح والصراحة هما بوابة الأمان التي يجب أن يعبر من خلالها، ليجيب تساؤلها بوضوح شديد:
- مش عارف، كل إللي أقدر أقولهولك يا "ليلى"، إني دايمًا عايز أفضل معاكِ، أبقى جنبك، على الأقل لحد ما يتم علاج والدك، يا ترى ده ممكن؟
ويا له من إختيار رائع لقول الصدق ليجعل "ليلى" تبتسم بخجل بينما تراقص قلبها فرحًا لذلك، أومأت برأسها إيجابًا لتوافق على طلبه بدون أي تفكير:
- تمام.
إنفرجت إبتسامة عريضة على ثغره وهو يردف بحماس شديد:
- تمام جدًا، حضري لي ورقك وجواز سفرك إنتِ ووالدك النهارده عشان نتمم موضوع السفر.
- أنا فعلًا كنت محضره كل ده، لأني كنت مترشحه لبعثه بس بابا مكنش موافق أسافر، فكنت مجهزه كل الورق يمكن يوافق في يوم من الأيام.
طالت نظرة "نور" لها حتى نسي تمامًا ماذا سيقول بعد ذلك، نظرة رأى بها "ليلى" من جانب آخر بعيدًا عن كونها فتاة جميلة، فهي واضحة صريحة، بها حياء وخجل وقوة أيضًا، فريدة مميزة بشكل ملفت للنظر.
شعرت "ليلى" بالخجل من تمعنه بها لتستأذن بالمغادرة على الفور لتسرع بخطواتها السريعة وقلبها المنتفض بقوة تجاه غرفة والدها لتخبره بأمر سفرهم لألمانيا والذي تقبل الأمر مرغمًا، فشعوره بالإعياء طيلة الوقت جعلته يتمنى أي علاج يمكن أن يساعده على تخطي ذلك المرض.
غادرت "ليلى" المستشفى بعد أن إطمأنت على حال والدها وإتجهت مباشرة نحو البيت.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
إن تجزأ الوقت لأجزاء لتمنيت أن يكون الجزء الذي أراك به هو كلها، فأنت الجزء الحلو بكل يوم، حتى وإن كان لقائنا بالمساء فأنت الشمس التي تشرق وإن كانت غائبة.
رشا روميه
بيت سامح الحداد...
وقت هادئ جمع بين "سامح" ووالدته "أسماء" لتناول الطعام، ربما كان جالسًا بجسده لكن عقله حلق بمكان آخر، فذهب حين يتواجد قلبه.
إبتسم بخفة وهو يتذكر ضحكتها العفوية ولطافة حديثها، دون أن ينتبه إتسعت تلك الإبتسامة لتتفحص والدته ملامحه السعيدة بإستغراب، إنتابها إحساس بالسعادة وهي ترى ولدها يشرد ويبتسم، فلإبتسامته عندها أثر كبير وسعادة ضمنية فهو سعيد.
إبتسمت "أسماء" بدورها وهي تسأله بفضول:
- "ســــــامح"!!! خير، ما تضحكنا معاك!!
إنتبه "سامح" لإبتسامته التي فاجأته أيضًا ليسارع بلملمتها:
-هاه، لا أبدًا، عادي يعني.
أسندت "أسماء" وجنتها بقبضتها وهي تتأمل وجه إبنها الخلوق الذي إشتعل بحمرة خجل لتمازحه قائلة:
- كنت سرحان في إيه ومخليك تضحك كـــــده؟
تلعثم "سامح" قليلًا وهو يجيبها بخجله المعتاد بينما كانت نبرته ممتلئة بالحماس والشغف:
- هو، يعني، بصي يا ماما، دي مريضه في المستشفى بس دمها خفيف أوي.
إعتدلت "اسماء" بتلهف وحماس حينما علمت أن الأمر يخص فتاة ما، فإنها ولأول مرة تشغل فتاة تفكير "سامح" بتلك الصورة:
- لا انت تقعد تحكي لي كل حاجه عنها بالتفصيل، هي إسمها إيه؟
هتف "سامح" بإسمها بلهفة:
- "فرح".
- يا رب يا إبني تبقى إسم على مسمى.
أخفى عيناه اللاتي كادتا أن تفضحا ما بقلبه لينهر والدته برفق:
- ماما فيه إيه؟
أجابته بسعادة وهي تضع كفها فوق فمها:
- كمل كمل ومش حنطق خالص أهو.
بدأ "سامح" يقص على والدته كيف تعرف على "فرح" وما حدث لها بهذا الحادث، شرح لها حالتها الصحية بالتفصيل حتى أشفقت "أسماء" على تلك المسكينة الوحيدة:
- يا عيني يا بنتي، ربنا يشفيها يا رب.
وضع معلقته وهو ينهض بعجالة حين وقع بصره على عقارب ساعته ليردف ممازحًا والدته:
- شوفتي بقى، خليتيني أقعد أرغي ونسيت معادي مع "نور".
ضحكت "اسماء" بمكر لإنسحاب "سامح" الخجل بهدوء من إستكمال حديثهم:
- ده أنا برضه!!! ولا انت إللي كنت عاوز ترغي عليها، عمومًا خلاص إفراج، روح لصاحبك ويبقى لينا قاعده تانيه بقى.
أسرع "سامح" هاربًا من خجله أمام والدته وهو يخفي إبتسامة سعادة إرتسمت على وجهه ليذهب فورًا لمقابلة "نور" بالمقهى، كما إتفقا منذ قليل حين هاتفه "نور" بعد خروجه من المستشفى.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
يحق لك الأنانية حين يصل الأمر لحالتك النفسية، عليك إختيار نفسك وراحتها والإستغناء عن الجميع بدون تأنيب ضمير، بتلك المواقف التي تزعجك وتؤلمك هي المؤشر لتصحح فكرك مهما كسرت بخاطرك.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي (شقة زهرة)....
خوف وفزع من مجرد فكرة، إتهام باطل كاد أن يسقطها بمتاهة معتمة لا يمكنها الخروج منها، لولا فضل الله الذي بث صدق نواياها الطيبة بنفس أصحاب هذا البيت، ولكن هل يمكن أن تسلم من تلك المكائد بكل مرة؟!
وهل عليها أن تنتظر لحياكة مكيدة أخرى يمكن أن تطيح بها أو لا؟؟! إنها بهذا الشكل ستكون هي المذنبة والتي تلقي بنفسها بالشراك بقدميها، جلست "زهرة" وبداخلها يقين أن رضوخها للبقاء رغم إدراكها أن بقائها هو الشئ الخاطئ وإنجراف نحو الخطيئة؛ إلا أنها بقيت وظنت أنها قادرة على حماية نفسها ومنعها من السقوط.
لكن ما حدث كان على النقيض تمامًا، لهذا عليها مراجعة نفسها.
تخوفها من القادم جعلها تحدث نفسها بتخوف شديد:
- ما هو أكيد فيه سبب، "جميلة" مش سهله، وممكن تعمل حاجه تانيه، كمان ممكن يكون معاها حق، يمكن خايفه على جوزها مني، وده حقها برضه، أنا أحسن حاجه أمشي دلوقتِ وهو مش هنا، مهما حصل لازم أمشي.
قرارها المؤجل للرحيل يجب أن ينفذ الآن، وهذه المرة بلا تراجع، بلا رضوخ، بلا ضعف.
بقلم رشا روميه
لن تحمل حقيبتها الثقيلة هذه المرة بل وضعت ملابسها بحقيبة صغيرة تقدر على التحرك بها بخفة، وإن كانت تملك بعض الملابس الأخرى ستتنازل عنها وتبقيها هنا فداء لها ولحريتها.
تطلعت نحو الساعة قبل رحيلها بإطمئنان بأن مازال الوقت مبكرًا على عودة "محمود"، وإن حالفها الحظ لن يعود "أنور" أيضًا رغم غيابه لعدة أيام.
مرت بشقة "زاهر" لتودع تلك الحنونة التي كانت سببًا رئيسيًا لوجودها وبقائها بهذا البيت، وقفت "زهرة" تحمل حقيبتها وهي تناظر "فردوس" بأعين غائمة ونظرة حزينة منكسرة لاحظتها "فردوس، لتنهض بفزع وهي لا تنحي عينيها عن إبنتها الضعيفة:
- إيه ده!!!! رايحه فين يا "زهرة"؟!!
أمطرت الغيمة لتغرق وجنتيها بدموع متأثرة حزينة لوداع "فردوس":
- سامحيني يا ماما، أنا لازم أمشي وأسيب البيت، أنا معادش ينفع أقعد هنا، أنا مفيش ورايا غير المشاكل، خليني أمشي وأوعدك حبقى آجي أزورك.
إبتلعت "فردوس" غصتها وهي تتمعن بوجهها الحزين تحاول فهم سبب رحيلها وربما تثنيها عن ذلك:
- حد زعلك؟! وبعدين ما هو "أنور" خلاص مش بييجي أهو.
لن تخفي عنها بعد الآن،فيكفيها صراع تجوبه وحدها، فكم كانت تتمنى وجود أمها لتشتكي إليها، ولن تجد صدر حنون أفضل من "فردوس" لإلقاء حمولها وأثقال قلبها:
- أنا حقولك على كل حاجه يا ماما.
- خير يا بنتي.
ضعف أم ذنب أم حق لا يحق لها، أخذت "زهرة" تقص لها عن كل ما تشعر به ويجتاح داخلها من عواصف وإضطراب، لم يكن بيدها لكنها وُضعت بهذا الطريق مجبرة، فالقلوب تميل حيث يميل القدر.
بقلم رشا روميه
إيضاح "زهرة" جعل "فردوس" تتيقن بأن رحيلها بالفعل هو الحل الصحيح الآن وإن لم تحبذ ذلك، لم تكتفي "زهرة" بذلك بل أخبرتها بما خططت له "جميلة" بشأن سلسالها الذهبي وتخوفها من البقاء لأكثر من ذلك، فلا هي تود ذلك ولا ترضى بأنها تكون سبب لخلاف بين "محمود" و"جميلة".
عقبت "فردوس" بإندهاش:
- أنا برضه قولت حنية "جميلة" الصبح دي فيها إنّه، مش عارفه أقولك إيه، يعز عليا أوي فراقك، أنا حبيتك زي بنتي بالضبط، بس مش عايزه أضغط عليكِ ولا أتعبك، كفايه عليكِ وجع كده، كفايه إني كنت السبب في كل إللي إنتِ فيه بجوازك من "أنور"، ومتقلقيش أول ما يرجع وعد مني حخليه يطلقك وتبقى حره يا بنتي.
تنهدت "زهرة" براحة لتفهم "فردوس" أسبابها وعدم إجبارها على البقاء:
- الحمد لله إنك فهمتيني يا ماما، أنا مش عارفه حروح فين، بس المهم أبعد وخلاص.
حاوطتها تلك الحنونة بذراعيها تحتضنها بقوة مودعة إياها وسط دموع كلاهما، لتغادر "زهرة" أخيرًا بيت عائلة مكاوي بهدوء، فإنسحابها الآن ليس هزيمة على الإطلاق، بل هو الفوز بعينه.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
قهوة عزو...
جلسة يملؤها الصفاء وتحيطها المحبة أكمل بها "سامح" حديثه:
- مش متخيل إنك كلها كام يوم وتسافر يا أخي.
إحساس بالراحة إجتاح "نور" لقراره بمساعدة "ليلى" أيضًا:
- أهم حاجه إني طلبت من إن "ليلى" ووالدها ييجوا معانا، أنا بنفسي كلمت دكتورة "هيلدا" المسؤوله عن تحديد أفراد البعثات هناك.
إعتدل "سامح" بجلسته ليهتف بـ"نور" بإستغراب شديد:
- تيجي معاك فين، هو بالساهل كده؟!
- حتى لو مش بالساهل، أنا فعلًا عايزها تيجي معايا، ولو مكانش نفع إنها تكون في البعثه كنت حتصرف حتى لو على حسابي.
إتسعت عينا "سامح" بدهشة:
- للدرجه دي!!!
تنهد "نور" ليخرج أخيرًا مشاعره التي يخفيها بداخله:
- فيها حاجه يا "سامح" بتخليني مش قادر أبعد عنها، عمري ما كنت مبسوط كده وأنا موجود مع أي حد زي ما ببقى مبسوط وهي جنبي، ببقى مش شايف أي حد فى الدنيا وهي معايا، كأنها هي النور إللي بينور دنيتي.
إسترسال "نور" بوصف إحساسه جعل "سامح" يتخيل مثل هذا الحديث على "فرح" ليردف بالنهاية وهو يهيم بصدق كلماته وتعبيراته مصدقًا على حديث "نور":
- أه والله ...
إنتبه "نور" بتعجب لرد "سامح" الغريب:
- هو إيه إللي (أه والله)، أنا بكلمك عن "ليلى"!!
سامح وهو يفيق من تخيله بأن "نور" يتحدث عنه وعن "فرح":
- أيوه أيوه واخد بالي، مالكش دعوه بيا، كمل كمل.
- بس كده، حاخدها معايا البعثه وخلاص.
أومأ "سامح" بالتفهم ليتمنى أن تلك السفرة تحمل لـ"نور" ما يضمد قلبه ويسعد روحه:
- عمومًا هي خطوه كويسه، وأنت قولت لها الكلام ده بقى ولا إيه؟
- مش بالضبط.
تعمق "سامح" بمقصد "نور" كما لو كان يتعلم منه ما سيفعله بالخطوة القادمة فربما تفيده مع "فرح":
- ليه؟!
- مش لما أتأكد إن مفيش حد في حياتها، أنا لسه معرفش عن ظروفها حاجه.
أثار ظنه تفكير "سامح" بنفس الفكرة وإن لم يقصد "نور" ذلك ليتشتت تفكير كل منهما بهذا الأمر الذي عليهم معرفته أولًا ولم ينتبها له من قبل.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ليس إنسحابًا هادئًا بل عاصفة قاسية قلبت كل الأحوال والموازين ببيت عائلة مكاوي، فمع حلول الليل وعودة "محمود" لم تصبر "فردوس" وتخفي أمر رحيل "زهرة" لتصدمه بالخبر فور عودته.
بقلم رشا روميه
دار "محمود" حول نفسه ينفث غضبًا دون تصديق لذلك ليهتف بوالدته بصدمة:
- إنتِ بتقولي إيه يا ماما، مشيت!!!!! مشيت إزاي وليه، و .....؟؟!
قاطعته "فردوس" لتنهي صدمته التي لا داعي لها:
- البنت خلاص مش قادره تستحمل ومش عايزة أخوك، حنعمل إيه يعني، حنغصبها!!!!! خلاص، هي حست إنها تقيله ولازم تمشي.
تلك النبرة المتحسرة التي علت صوته ونظرات التوسل البائسة كاد أن يرق لها قلبها الحنون خاصة وهو يردف بنبرة معتزة:
- يعني راحت فين؟!! رجعت لأبوها، أنـــــا، أنا ممكن أروح وأحاول أقنعها أنها تـــ.....
صوت العقل يجبرها أن تبقى قوية لتنهره بقوة:
- لأ يا "محمود"، مراحتش لأبوها، ومش عارفه راحت فين، وبعدين خلاص بقى سيبها على راحتها.
- طيب نعرف بس راحت فين؟ معقول كده يا أمي، معقول نسيبها في الشارع، وإنتِ متأكده إن مرات أبوها مش عاوزاها في البيت.
رغم تيقنها بأن معه الحق، لكنها تدرك أيضًا أن ما فعلته "زهرة" هو الصواب لتلتزم "فردوس" الصمت، لكن من داخلها تخوف على تلك المسكينة التي غادرت للمجهول.
بقلم رشا روميه
جلس "محمود" بتألم متحسرًا يحاول التماسك فعليه ذلك، يجب عليه أن يقتل ذلك الشعور بالفراق القاتل بداخله، يجب أن يظهر أنه لا يبالي وهو يتمزق لوعة وإشتياق لفراقها، فهو مدرك تمامًا أنه، لن يجمعهما القدر.
ربما تصرفت "زهرة" بإرادة قوية حتى لا يضعفا لهذا القدر المستحيل، هذا الذي لم يكن ليقدر عليه أبدًا.
بعد إلتقاط أنفاسه لبعض الوقت وقد وصل لمرحلة الصمت اللامبالي المعتادة نطقها أخيرًا بخضوع تام لأحكام القدر:
- أنا طالع فوق.
تابعته بعينيها حتى غاب عنها لتتهدل ملامح "فردوس" شفقة على حاله وإنكسار قلبه لكن ليس بيدها حيلة.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مرهق جدًا التظاهر بعكس ما تشعر به، حتى بوقت ضعفك الذي تود به قلب يرفق بحالك تجد نفسك مجبر على التخطي والتظاهر بأنك على ما يرام، فلو كان الحديث سيغير ساكنًا ما كنا تنازلنا عن عتاب يرهق الفؤاد.
رشا روميه
شقة محمود وجميلة...
متجهم صامت يتحلى بالهدوء والغموض، دلف "محمود" لداخل الشقة وهو يشعر بأن قلبه قد شُطر نصفين لكن عليه ألا يتأوه، فليس من حقه الألم.
وعلى عكس ذلك كانت "جميلة" تقف بإبتهاج غريب، فحتى عيناها كانت تشعر بريقًا من نوع خاص، فخبر رحيل "زهرة" الذي زَفتهُ لها "فردوس" جعلها تشعر بسعادة غير عادية، فقد تخلصت أخيرًا من حملها الثقيل بوجود "زهرة" بينهم، تقدمت بخطوات متحمسة للغاية نحو "محمود" تهتف به:
- إنت جيت يا "محمود"؟!
- أيوه.
هللت "جميلة" بشماته:
- شوفت موضوع "زهرة".
تخطاها "محمود" بهدوء وضيق نفس:
-ماما قالت لي، أنا تعبان وداخل أرتاح.
لم يكفيها رده البارد لتشتعل غضبًا من طريقته الهادئة بعدما إطمأنت أنها بهذا البيت ستكون الأولى والأخيرة ولها من القوة أن تلقي بقنابلها وهي مدركة أن الجميع يستقبل ذلك دون تذمر، فلم يعد هناك غيرها ليأخذ محلها الآن.
بقلم رشا روميه
- جرى إيه يا "محمود"، مش شايفاك مبسوط يعني!! (ثم توسطت خصرها بكفيها بتهكم) ولا كانت عاجباك قاعدتها في وسطينا من غير لازمه و"أنور" بيغيب بالأيام منعرفش عنه حاجه؟!!
قالتها كما لو أنها تعايره بإدراكها لمشاعره الخفية، أمر جعله يستدير نحوها بغضب:
- "جميلة"!!! أنا جاي تعبان من الشغل ومش في حمل خناق.
عقصت أنفها بغيظ لتزيد من جحوظ عينيها الخضراوتين مردفة بتقزز منه:
- ولا كنت عايزها تقعد، هاه، أنا عارفه، عارفه إنك كنت عايزها تقعد، بس لأ، مكنتش حتقعد في وسطينا زي الشيطان يفرق ما بينا.
وإن للصبر والتحمل طاقة على ذلك حتى تفرغ تمامًا لينفجر دفعة واحدة دون مراعاة بسكينة هذا البيت، فلم يعد يحتمل الإنسحاب الهادئ بكل مرة:
- عشان كدة كنتِ عايزه تلفقي لها موضوع السرقه!!
"جميلة" بصدمة وهي تبتلع ريقها بتخوف من غضبه المفاجئ وإدراكه للأمر لتردف بمراوغة:
- سرقه، سرقة إيه؟؟!
- أنا فاهم قصدك كويس، وإن إنتِ إللي أخدتي سلسلة ماما، و كنتِ عايزه تتهميها فيها.
قالها كاشفًا لها كل ألاعيبها ليخرسها تمامًا، لكن للبجاحة عنوان وإن سميت (جميلة) فسيليق بها هذا التعريف، وقفت "جميلة" بمقابلته تهتف بحدة وتبجح فلم يعد يهمها كيف تُفهَم:
- أيوه، أيوه أنا إللي أخدتها، ولو مكانتش مشيت كنت عملت الأكتر من كده كمان، ده بيتي أنا، وهي ملهاش إنها تاخد منه أي حاجه.
- أنا إزاي مستحمل إنسانه حقوده كده زيك، إنتِ إيه؟!
سخرت من مثاليته لتردف بقوة تستهزأ به:
- الفلوس دي كلها بتاعتي أنا وعيالى وبس، أنا إللي تعبت معاكم، مش هي!!! إللي عايزه تيجي تاخد كل حاجه على الجاهز.
دنا منها "محمود" يواجهها بإشمئزاز من طمعها وقلبها المفعم بالسواد:
- أنا تعبت منك، إنتِ كل إللي يهمك الفلوس وبس؟!!
ضحكة مستهزئة قصيرة خرجت منها لتناظره بإحتقار قائلة:
- أمال أنت فاكر إيه؟!! أوعى تكون فاكر اني ميته في هواك!!! لااااااا، فوق يا إبن عمي، أنا دخلت البيت ده عشان أعيش عيشه مرتاحه، متفتكرش اني مقدرش أستغنى عنك والكلام ده، لا فُوُق.
كز "محمود" على أسنانه بغيظ من تلك الـ"جميلة" التي لا تبدو على مسمى:
- أقسم بالله، لولا عمي "مصطفى" لكنت راميكِ في الشارع دلوقتِ، لكن أنا بعمل بأصلي معاكِ، ومش حسيب بناتي يتربوا بعيد عني، لكن إنتِ، ولا تساوي حاجه أصلًا.
تركها "محمود" منفعلًا بغضب وهو يصفق باب الغرفة في وجهها مبتعدًا عنها حين تمتمت "جميلة" بتحدي:
- ولا تقدر تعمل حاجه أصلًا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بعد جولة بالطرقات وإنتظار هنا وهناك عادت "زهرة" لبيت والدها لتجد وجه يابس وقلب تخلى عن لينه ليرفض والدها وزوجته إستقبالها بعدما تركت بيت زوجها ليجبراها على العودة، إضطرت آسفة أن تبتعد وتأثر الإنسحاب، لكنها لن تتراجع عن قرارها، لتترك العنان لقدميها دون تفكير لتجد نفسها أمام ملجأ وحيد عليها طرق بابه.
وقفت بخزي تدق الباب الذي فُتح بعد دقائق قليلة ونظرات يملؤها الإستغراب لمجيئها:
مش معقول، "زهرة"!!!!!!
يتبع
