
رواية لاجلها الفصل الثالث والسبعون73الاخير بقلم امل نصر
السجن ليس أربعة جدران يُحتجز فيها البشر وفقط؛ السجن هو خنقٌ للحرية، وقيودٌ تفرض على الفرد تمنعه من أبسط حقوقه في الحياة. أما بالنسبة إليه، فكان الأمر أكبر من ذلك بكثير.. كان سجناً للروح قبل الجسد.
جلس على السجادة التي أدى عليها فرضه، يُمرر حبات المسبحة بين أصابعه بآلية، بينما عيناه منصبّتان بنظرة باهتة نحو تلك النافذة الصغيرة ذات الأسلاك الحديدية الغليظة في أعلى مبنى العنبر الذي يقبع داخله.
هذا هو عرفان.. الرجل الذي كانت تهتز الأرض من تحت قدميه في كل خطوة يخطوها، يفعل ما يشاء، ويشتري من يشاء بنفوذه وماله. نعم، كانت نِعماً غمر الله بها حياته، ولم يشعر بقيمتها وجحودها إلا بعد فقدانها.
استرجع شريط ماضيه بمرارة؛ زوجته الأولى أضاعها من يده بغبائه وقسوته من قبل حتى أن ينفصلا رسمياً، وزوجته الثانية التي فعلت المستحيل من أجل نظرة رضا واحدة منه، ورغم جفائه ومعاملته القاسية الجافة معها، تحملته كثيراً ووعدته أن تقف معه حتى خلف قضبان سجنه. والحق يُقال، كانت في البداية مستمرة في زيارته ورعايته، وتتحمل عناء المجيء كل مرة لتطمئن عليه.
لكن مرت سنة وتلتها الأخرى، وصارت الزيارات تقلّ مرة بعد مرة، حتى أصبحت شبه معدومة في الفترة الأخيرة.. وهو يعلم السبب جيداً ولا يلومها.
ولده ناصر هو من يمنعها، ويصعب عليها طريق الزيارة بأساليبه وطبعه الحاد. لقد شبّ ناصر قبل أوانه، ووجد نفسه فجأة يتولى مسؤولية تجارة والده الضخمة ورعاية أشقائه الصغار في غيابه. اشتد عوده وصار رجلاً له كلمة نافذة لا تُرد، ولكنه ورث سواد القلب وقسوته؛ ربما من والدته قبل أن يهديها الله في أواخر أيامها، وربما ورث ذلك منه هو شخصياً.. فمن شابه أباه فما ظلم.
في كل الأحوال، ناصر هو الابن الذي شهد في صغره على كل الأحداث المؤسفة، والمشاحنات الدامية بين أبيه وأمه، ورأى بعينيه ضرب عرفان لها وإهانتها؛ فنبتت في قلب الولد غريزة حمائية شرسة نحو والدته، وضغينة عاتية ونقمة نحو أبيه. أصبح اليوم يمنعها عن الزيارة، ويمنع أشقاءه الصغار أيضاً من رؤيته، وحتى وهو يعلم جيداً بقرب موعد خروج والده من السجن، لا يكترث ولا يهتز له جفن.
سلطة ناصر وجبروته غابت فقط عن ليلى؛ هي الوحيدة التي لا يمكن لأحد أن يمنعها، ولا تقصر أبداً في زيارته بانتظام ورعايته، برغم خسته القديمة معها، والتفرقة المتعمدة التي كان يمارسها بينها وبين أولاده من صفا.
ناصر هذا بالذات، نال في صغره من الدلال والمال ما لم ينله أحد من أبنائه، والآن يتكبر عليه ويذله في محبسه.. والله وحده أعلم ماذا يخبئ له هذا الولد بعد خروجه إلى النور؛ فالرسائل المبطنة التي يرسلها ناصر من خلال محاميه لا تبشر بخير أبداً، وتحمل تهديداً صريحاً بازاحته عن عرش التجارة.
تنهد عرفان تنهيدة حارقة خرجت من أعماق صدره المثقل بالندم، وهو ينظر إلى حبات مسبحته، موقناً أنه حصد ما زرع.. وكأنه قد ربى ديباً بيده، ليأكله وينقض عليه حين يضعف وتأتيه الفرصة
...........
"وَه وَه! مال خدك يا واد؟!"
عبرت بتلك الكلمات ليلى بفزع وهي تتفحص وجنة صغيرها مؤيد التي زينتها الخرابيش المحمرة، بينما هو يدعي البراءة والضعف أمامها، مشيراً بسبابته نحو الصغيرة تالا:
— "البت دي هي اللي خربشتني يا ماما!"
حين التفت رأس ليلى بذعر وعتاب نحو الصغيرة، ركضت تالا فوراً واختبأت في حضن والدتها مزيونة تخبرها بدفاعية طفولية:
— "هو اللي شد لي شعري الأول.. وتعالي شوفي كمان!"
كانت تالا تضع يدها بحرص على ضفيرتيها الجميلتين بعد إعادة تصفيفهما من قِبل مزيونة، التي ضحكت بخفة وهي ترى علامات عدم التصديق تعتلي وجه ابنتها الكبرى ليلى في تكذيب الصغرى، لتهتف ليلى بتهكم مضحك:
— "لا والله يا ست تالا؟ باين قوي إنه قطع لكِ شعرك، بإمارة إن مفيش ولا شعرة حتى اتنعكشت! يا كدابة يا مفترية!"
— "لا والله ما كدابة! حتى اسألي ماما!"
في تلك اللحظة اندفعت ضحكات مزيونة بمرح وهي تحتضن ابنتها التي تستشهد بها لتبرئ ساحتها، فتتولى الأم حمايتها الآن، موبخة ابنتها الكبرى قليلاً لترأف بالصغيرة:
— "خلاص يا ليلى هي خدت كفايتها مني.. والاتنين حبايب، ولا إيه يا مؤيد باشا؟ قول لماما بقى على رزمة الشعر اللي طلعوا في يدك! يعني أنت مش بريء قوي كدة!"
صمت مؤيد بملامح كشفت أمره تماماً أمام والدته، التي طالعته قليلاً بأعين ضاقت بتفكير وشك، لينتقل بصرها بعد ثوانٍ قليلة نحو الضلع الثالث في "مثلث الشر" الطفولي، سائلة بخبث:
— "والبرنسيسة تاليا بقى كان دورها إيه معاكم في المعركة دي؟ مش شايفة يعني أي إصابة ولا حتى خربوش صغير على الخد الطري؟"
جاء رد تاليا بثقة متناهية أذهلت الجميع:
— "بس أنا قاعدة مأدبة معملتش حاجة.. اتعور ليه؟!"
— "يا حبيبتي!"
تفوهت بها ليلى التي تلونت ملامحها بذهول لا يتوقف أمام هذه الشخصية المعتزة بنفسها والماكرة رغم صغر عمرها، فقد أخذت ليلى خبرة هي الأخرى عن دور تاليا "الثعلبي" في كل شجار أحمق يشتعل بين الندّين تالا ومؤيد، حيث تكتفي تاليا بالتفرج والتوجيه من بعيد دون أن تتسخ يداها!
اضطرت مزيونة لغلق باب الحديث بدبلوماسية كالعادة في كل صلح يمر خلف الأحداث:
— "خلاص يا ليلى.. الصلح خير، وهما التلاتة حبايب مع بعض وسند لبعض.. صح يا عيال؟"
— "صح يا ماما!"
تلك هي الجملة التي نطق بها الثلاثة في فم واحد ونبرة متناغمة، ليعم السلام أخيراً على كل الأطراف متصافين متحابين.
فدلف بعد لحظات قليلة معاذ من باب الشقة، ليتلقاه الصغار الثلاثة بترحيبهم الصاخب المعتاد، وهو يجلس على ركبتيه ويحتضنهم معاً دون تفرقة حتى في توزيع القبلات العادلة، والعجيب في هذا البيت الدافئ أن الثلاثة ينادونه بـ "بابا"، وهو يغمرهم بحنان جارف.
— "يا حبايب بابا أنتوا.. تالا البرنسيسة، وتاليا ست الحسن والجمال.. ومؤيد باشا.. إيه يا واد اللي عورك في خدك كدة؟!"
كادت ليلى أن تجيبه وتفتح محضر التحقيق من جديد، ولكن والدتها مزيونة سبقتها في السؤال عما يهمها الآن بلهفة زوجية:
— "أمال حمزة فين؟ هو مرجعش معاك من الشركة؟"
تنهد معاذ ضاحكاً وهو يخبرها:
— "لا بصراحة مجاش، عشان جاله مشوار مهم برة الشغل.. هيخلصه مع العميل ويجي على البيت الكبير قبل العصر إن شاء الله."
تساءلت مزيونة باستفسار وضيق طفيف، كأنها تكلفه بالإجابة الشافية:
— "مشوار فين يعني دلوك؟"
— "في بلد جمبينا."
— "بلد مين؟"
......................................
— "دي بلد الحاج لاشين.. أشهر واحد فيها كلها، والناس كلها تعرف البلد عشانه وعشان مركزه المهم هو وعياله. يعني المستشفى لو اتعملت باسم بلدنا مش هيبقالها قيمة كد ما هتبقالها هيبة لما تتكتب باسم الراجل الكبارة ده.. فهمت بقى يا باشا؟"
كانت تلك هي الإجابة الوافية التي تلقاها حمزة رداً على استفساره من هذا الشاب المدعو يوسف إبراهيم القاضي، والذي أخذه من مكتبه بسيارته حتى وصلا إلى هنا، ليقف معه يشرح له باستفاضة عن الموقع المقرر البناء عليه، كي يعطيه فكرة شاملة عن الأرض وعن الميزانية المقررة للمشروع، ليحدد حمزة مكسبه واحتياجاته للتنفيذ.
لكن يبدو أن الإجابة لم تعجب حمزة تماماً، فقال بنبرة عملية لا تخلو من الاستخفاف:
— "يا سلام! على أساس إنه كان وزير ولا شخصية مهمة في الدولة يعني؟ ده آخره كبير عيلة أو من وجهاء البلد حسب ما بسمع عنه.. ما أنا برضك عايش في الدنيا وعارف، أصله كمان كان مشهور قوي في جلسات الصلح الكبيرة ووقف الطار بين العائلات، مش أكتر من كدة ."
تدلت يد يوسف الممسكة بالمخطط الهندسي الذي كان يشرح عليه لأسفل، وارتسمت ابتسامة هادئة متفهمة على زاويتي شفتيه، ليواصل إيصال الصورة بشكل أوضح وأعمق لحمزة:
— "لا يا سيدي مش وزير ولا سفير، بس هو مش شخصية مهمة وبس.. لاه، الحاج لاشين ده يبقى الوالد لأكبر دكاترة هنا وفي المحافظة، ويمكن في مصر كلها! سمعت عن 'مصطفى لاشين' دكتور المخ والأعصاب الشهير؟ ولا الدكتور 'عزت' أستاذ جراحة الفكين؟ ولا المستشار 'رفعت لاشين'.. وده بقى مش محتاج معرفة واصل!"
ارتفع حاجبَا حمزة بتعبير يفوق الدهشة، يستوعب الأسماء الثقيلة التي ذكرها الشاب، فعبّر عن صدمته الصادقة بلهجته الصعيدية:
— "وَه وَه! بسم الله ما شاء الله.. المستشار رفعت مرة واحدة؟! ولا الاتنين الدكاترة التانين؟ لاه.. ده أنا شكلي جاهل بالدنيا فعلاً! نورت المحكمة يا أستاذ يوسف.. وأنت بقى يا باشا اللي متولي الإشراف على المشروع، عشان الراجل ده يقربلك ولا الحكاية شغل وبس؟"
— "لا يا سيدي مش شغل وبس."
تمتم يوسف وعيناه تطوفان على الأرض الخالية الشاسعة بمساحتها الكبيرة، ونطق بنبرة يتخللها قليل من الشجن المكتوم:
— "أنا يعتبر واد عمه ومن العيلة.. بس إحنا الفرع الفقير، أو قول اللي حالته مستورة والحمد لله. لأن الحاج لاشين تقريباً يملك نص البلد بيوت وأراضي هو وعياله، والمستشفى دي هتتعمل كاملة على حسابهم الخاص، لخدمة أهل البلد وفتح باب تبرعات للأهالي لو يحبوا يشاركوا في الخير.. يعني احتياجهم للحكومة هيكون في التراخيص وحاجات بسيطة خالص. عرفت بقى إحنا هنسميها باسمه ليه؟"
أومأ حمزة برأسه متأثراً، وتقدم ليربت على كتف يوسف باعتزاز وتقدير شديد به وبأمانته:
— "بس أنت مش فقري واصل يا يوسف.. أنت ما شاء الله عليك تشرف أي عيلة وأي فرد! كفاية وجاهتك وهيبتك يا باشا، ده أنت لما دخلت عليا المكتب افتكرتك نائب في البرلمان ولا صاحب أعمال كبير.. ده غير لباقتك وذكائك اللي يشرح القلب! أكيد أهلك فخورين بيك، وأنا واثق إنك هتبقى حاجة مهمة قوي في القريب لبلدك."
ارتخى وجه يوسف بابتسامة دافئة أشرقت على ملامحه الوسيمة، لتزيده بهاءً في عيني حمزة الذي ناظره بإعجاب حقيقي؛ فقد وضح لديه بخبرته الطويلة في قراءة البشر أن هذا الشاب داخله شيء غامض، سر عميق يثير الفضول ويخفي وراءه شخصية قوية جداً.
قطع يوسف الصمت وهو يطوي أوراقه، ليوجه دعوة لحمزة للقاء الرجل محور الحديث ليتضايف عنده، فجاءت موافقة حمزة دون تردد، مدفوعاً بفضوله، ليلتقي بهذا الرجل الأسطورة ويراه بعينيه
.............................
أمام أحد البيوت العتيقة بطرازها المعماري الفريد الذي يشبه بناء القصور الملكية قديماً، توقفت السيارة المتواضعة التي كان يقودها يوسف إبراهيم القاضي. كان حمزة يجلس بجواره في المقعد الأمامي، يتأمل المبنى الشامخ أمامه بانبهار شديد، عبّر عنه فوراً بلهجته الصعيدية:
— "ما شاء الله تبارك الله! دي عيلة مأصلة وممتدة بجذورها لأيام العيلة المالكة يا يوسف."
أومأ يوسف برأسه موافقاً وقال:
— "ده حقيقي فعلاً.. بص يا سيدي، والحاج لاشين ذات نفسه أهو، اللي قاعد قدامك على الكنبة الخشب قدام البوابة.. أصلها بقيت قعدته المفضلة في وقت العصرية من يوم ما الصحة اتدهورت معاه شوية.. تعالى آخدك ليه..."
قطع يوسف كلمته الأخيرة فجأة، وغرق في شرود مفاجئ أثار انتباه حمزة. كان حمزة يهم بالترجل من السيارة، لكنه استقر في مقعده مستغرباً يوسف الذي تجمّدت نظراته تماماً، وانصبت صوب موقع الحاج لاشين؛ وذلك عقب خروج إحدى الفتيات من بوابة القصر لتجلس بجوار الرجل العجوز، الذي تلقفها في حضنه بلهفة شديدة وكأنه كان ينتظرها على أحر من الجمر، ينصت لحديثها مبتسماً.
راقب حمزة المشهد بفطنة؛ فهو الأعلم بحركات الفتيات ودلالهن بعد إنجابه لتوأم عيونه (تالا وتاليا). كانت الفتاة تقارب العشرين من عمرها، جميلة بوضوح لا تخطئه العين برغم بعد مسافة الرؤية بين السيارة والكنبة. خمن حمزة صلتها بالعجوز قائلاً:
— "ما شاء الله.. شكل الحاج بيحبها قوي! اللي يشوفه في جلسات الصلح زمان بهيبته وكلمته النافذة على رؤوس الجميع، ما يصدقش واصل منظره دلوك وهو عامل زي العيل الصغير معاها.. دي حفيدته صح؟"
— "لاه.. بنته."
— "نعم؟!"
صدرت من حمزة صيحة استفسار مذهولة، أجاب عنها يوسف بنبرة هادئة زادت من دهشة حمزة:
— "ده حتى أحفاده أكبر منها في السن.. أصله خلفها وهو كبير في العمر، عشان كدة خدت محبة العيال والأحفاد مع بعض وزيادة.. اسمها نادرة...... وهي فعلاً نادرة!"
التنهيدة الحارقة التي صاحبت خروج الاسم من جوف يوسف، والصفة التي أكدها بقلبه قبل لسانه على معنى اسمها، تلاشت مع ترجله السريع والمفاجئ من السيارة بمجرد أن تحركت الفتاة لغلق البوابة والمغادرة من أمام أبيها. وقف يوسف بطوله الفارع وأناقته الفطرية يغلق باب السيارة، وكأنه يتعمد إحداث جلبة لكي تلتفت إليه.
وبالفعل، التفتت الفتاة بطرف عينها، لكنها لم تزد على أن ألقت إليه بتحية عابرة باردة، وتحركت لتركب سيارة كانت بانتظارها. عكس يوسف تماماً، الذي تجمد في مكانه يراقب تحرك سيارتها واختفاءها خلف منعطف الطريق، غير مبالٍ بضيفه المستغرب في السيارة، ولا بنظرات الحاج لاشين المترقبة التي انتبهت لحضورهما.
عند هذه اللحظة، تأكد حمزة بما لا يدع مجالاً للشك، أن المذكورة تعد شيئاً غاية في الأهمية لدى هذا الشاب؛ أو "العاشق المتيم" بمعناه الأصح. ولكن من نظرة واحدة وخبرة حمزة في البشر، علم أن يوسف لا يعني الفتاة في شيء، وأن مشاعرها نحوه باردة تماماً.. وهذا أمر طبيعي في قصص الحب طرف واحد.
غمغم حمزة داخل نفسه بأسى:
— "وَه يا حزين.. ده أنت شكل حكايتك مغفلقة ومعقدة"
ومع ذلك.. تسلل إلى حمزة شعور غريب وثاقب في تلك اللحظة؛ أن يوسف ليس هيناً ولا ضعيفاً على الإطلاق لكي يتركها لغيره، وأن وراء هذا الصمت طوفاناً مؤجلاً.
قطع يوسف الصمت منحنياً برأسه نحو نافذة السيارة، ناظراً إلى حمزة وقد عادت ملامحه الجادة لطبيعتها، ومازحه قائلاً:
— "جرى إيه يا أبو ريان؟ أنت حبيت القعدة في العربية ومش ناوي تنزل واصل؟ ولا تكون سرحت في العيال وأم العيال؟"
ترجل حمزة من السيارة وقابله بابتسامة صادقة مجارياً مزاحه:
— "أنا برضك اللي كنت سرحان؟ ماشي يا عم.. مقبولة منك
...................
عودة إلى المنزل الكبير، والذي اكتمل بداخله الحضور على قُرب مغرب ذلك اليوم، حتى أصبح كساحةٍ دافئة تعج بالحياة والأنفس.
الصغار لم يتركوا شبراً واحداً دون اللعب والركض فيه، يملأون الأركان صخباً ومرحاً. أما الكبار من أبناء حسنية، فقد التفوا حولها في جلسة عائلية تفيض بالود والمحبة، يتبادلون الأحاديث والذكريات والمزاح، بينما العجوز تنصت إليهم معظم الوقت، وعيناها تدور على ملامحهم باستمتاعٍ حانٍ، ولسانها لا يكف عن الدعاء الصامت بدوام هذه اللمة وبركتها.
في هذه الأثناء، كانت اعتماد لم تغادر المطبخ بعد، غارقة في التحضيرات اللنهائية برفقة مزيونة ومنى، وبعض الفتيات من بنات شقيقاتها اللاتي تطوعن للمساعدة؛ بعضهن محبةً والبعض الآخر جُبراً من سطوة كلمات منى الحازمة:
— "لمي يا بت أنتِ وهي.. أي صحن ولا ماعون يفضى جدامك غسليه طوالي، إياك ألاقي حاجة مركونة بطبيخها سامعين؟"
تأففت إحدى الفتيات بتعب وقالت:
— "وَه يا خالتي منى.. إحنا لسة واصلين وعايزين نريح شوية!"
ردت منى بحدة عابثة وهي تضع يديها في خصرها:
— "ريح لما يمسك في ضلوعك يا غالية! مش عايزين تتجوزوا انتي وهي يا أختي؟ ولا فاكرين نفسكم هتبقوا ستات بيوت كدة بالساهل؟"
لوت الفتاة الأخرى شفتيها بدلال قائلة:
— "لاه.. أنا لما اتجوز هخليه يجيب لي خدامة تشيل البيت كله."
— "هههه! كان غيرك أشطر يا عنيا!"
تفوهت بها منى ضاحكة بانطلاق، تختم بها هذا السجال الساخر بينها وبين بنات شقيقاتها اللاتي ضربهن الغيظ من تجبرها وتحكمها اللطيف، مستغلة حبهن الشديد لها واحترامهن لكلمتها.
على الجانب الآخر، جاء تعليق مزيونة التي كانت تتابع ضبط القدور مع اعتماد قائلة بمشـاكسة:
— "ما تسيبيهم يحلموا يا ست أنتِ.. مش يمكن الحلم يحصل صح ويلاقوا عرسان زينة وغنية ويريحوهم؟"
عبست ملامح منى متصنعة الضجر والجدية، وعارضتها بحزم:
— "أيوة يا أختي.. نعشمهم ويحلموا، وبعدين يوقعوا على جدور رقابهم! لازم يعرفوا من دلوك إن الواقع زفت.. الراجل حتى لو عندك خدامة في بيتك، برضو هيطلع عينك في طلباته، ولا كأنه عيل صغير وشابط في أمه!"
ضجت مساحة المطبخ بضحكات الفتيات والنساء، حتى تدخلت اعتماد مؤيدة لمنى هذه المرة بقوة:
— "أيوة.. في الجلمة الأخيرة دي أنتِ عندك حق فيها، وأنا معاكي وأبصم بالعشرة عليها كمان!"
— "تبصمي على إيه يا حرمنا المصون؟!"
دوى ذلك الصوت الرجولي الخشن فجأة، ليجفل الجميع في مكانهم! خرجت الشهقات المتلاحقة من أفواههن في نفس اللحظة كلحن غريب مرعوب، والكل يناظره بإجفال لحضوره المباغت الصارم.
وفي تلك اللحظة التي لا تُحسد عليها، ابتلعت اعتماد ريقها بارتباك شديد، وضربات قلبها تدوي في صدرها كقرع الطبول الإفريقية المتلاحقة، فهتفت تحاول مداراة رعبها:
— "بسم الله الرحمن الرحيم! هما بيطلعوا امتى دول؟! خبر إيه يا خليفة.. خلعتني وقطعت خلفي!"
ارتفع حاجب خليفة بسخرية تامة وهو يتقدم خطوات داخل المطبخ:
— "خلعتكِ ليه يا غالية؟ شفتي عفريت عاد؟"
— "يا مري! مين قال كدة بس؟!"
تمتمت اعتماد وهي تضع يدها على صدرها الذي لم يهدأ بعد، فاستغلت منى الموقف على الفور، وتدخلت بمكرها المعهود لتشعل النيران:
— "أمال لو تعرف يا خليفة كانت بتقول إيه عليك قبل ما تاجي دلوك؟ ولا على صنف الرجالة كلهم؟!"
كالعادة، كانت منى ماهرة في التقاط الفرص واللعب بالكلمات، ولكن اعتماد في تلك اللحظة شعرت وكأنها سقطت في بئر عميق بلا قرار؛ وهي تطالع الثقة والخبث اللذين تتحدث بهما منى، وتعترف في قرارة نفسها أنها ليست نداً لها في منطقة "المقالب" هذه.
التفتت برأسها يميناً ويساراً بقلة حيلة، ثم اتجهت بأبصارها نحو الوحيدة التي تشاطرها الإحساس بالورطة في هذه اللحظة، وهمست بذعر:
— "الحقيني يا مزيونة.. دي هتبلسني في الحيط وتوديني في داهية!"
.................................
وفي خارج المنزل، كان حمزة قد وصل للتو وترجل من سيارته، ليتلقى فوراً الأحضان والترحاب المبالغ فيه من الصغار الثلاثة الذين ركضوا نحوه كالسيل: مؤيد، وتالا، وتاليا.
انحنى حمزة يلملمهم بين ذراعيه، يحملهم بالتناوب مستمتعاً باستقبالهم المفرح الذي يغسل عنه تعب اليوم كله، يدفع الواحد منهم تلو الآخر إلى أعلى في الهواء، لتدوي ضحكاتهم الصافية مجلجلة في فضاء المكان:
— "تالا حبيبتي.. مؤيد نور عيني.. تاليا قلب أبوها! وحشتوني يا ولاد الفرطوس!"
وحين أنزلهم إلى الأرض، التف الثلاثة حوله يحتضنون أقدامه ويعبرون بطريقتهم الطفولية:
— "وحشتني قوي قوي يا بابا!"
— "وأنا كمان يا بابا قوي قوي قوي!"
— "وأنا أكتر منيهم كلهم عاد!"
ضحك حمزة والتفت نحو الأخير مؤيد:
ـ ايوة انت خليك دايما مختلف عنيهم، هما تؤام بغبغبانات بنعديلهم وخلاص، دول واصلين لدرجة إن الواحدة لازم تعلي على التانية في الكلام، رغم أن المعنى واحد!"
قالها بمشاكسة لفتياته اللتان دفعهما الحماس للإغداق عليه بالمزيد من مشاعر الحب النقية، حتى إذا انتهى من ملاعبتهم وتركهم ليعودوا إلى ركضهم، وجد ابنه الأكبر "ريان" واقفاً يطالعه برزانة وهدوء في استقباله. ورغم صغر عمره، إلا أنه يوماً بعد يوم يثبت لأبيه أنه "حمزة الصغير" والوجيه القادم للعائلة خلفاً له؛ إذ يملك نفس النظرة الثاقبة والوقار الفطري.
تقدم حمزة وربت على كتفه وضمه إليه بخفة باعتزاز، ثم دلف إلى داخل المنزل الكبير، يكمل طريقه بخطواته الواثقة ليلتقي بجمع إخوته الذين كانوا في انتظاره مع والدته حسنية
.................................
دلف حمزة إلى جناحه متوجهاً نحو غرفة نومه مباشرةً، بعد أن أخبرته والدته (الحاجة حسنية) عند دخوله الدوار بصعود مزيونة لتبدل عباءتها بأخرى جميلة مختلفة، بدلاً من تلك التي اختلطت بروائح الطعام والقدور في المطبخ.
فتح باب الغرفة بخفة ليطل عليها، ولكن استوقفه شرودها التام أمام المرآة. كانت ترتدي عباءة تبدو إلى حد ما جميلة، ولكن كان واضحاً أنها لا تعجبها؛ وهذا ظهر جلياً في الحيرة التي تعلو قسمات وجهها، والتفافها كل لحظة برأسها وجسدها، مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار تتفحص تفاصيلها بضيق.
ولج حمزة الغرفة متقدماً بخطوات صامتة حتى صار خلفها تماماً، رافعاً حاجباً واحداً بشقاوة، ليجفلها بحضوره المباغت وهو يهمس قريباً من أذنها:
— "بتفكري في إيه عاد؟ هي العباية مش عاجباكي ولا إيه يا جميل؟"
وكما توقع تماماً، صدرت شهقة ذعر من حلقها، والتفتت إليه بعنف وهي تضع كف يدها على صدرها كأنها تمسك قلبها:
— "وَه! حرام عليك يا حمزة.. وقعت قلبي في رجليا!"
— "سلامة قلبك من الوقوع يا عسل."
تفوه بكلمات الغزل الدافئة وهو يتقدم خطوة إضافية ليتلقف خصرها بين ذراعيه، فدفعت صدره بقبضتيها الصغيرتين بدلال تؤنبه بخدود محمرة:
— "وأنا هيفضل فيا نَفس تاني طول ما أنت بتغلس عليا بعمايلك دي وتخلعني؟! طب اتنحنح كدة ولا اعمل أي حركة برة عشان متخضش جامد كدة!"
شاكسها حمزة بابتسامته الجذابة ليستمتع برد فعلها الغاضب اللطيف:
— "طب وأنا إيه ذنبي طالما كنتِ أنتِ سرحانة في دنيتك ومحستيش بدخولي؟ شغلاكي العباية قوي وعمالة تبصي على المنحنيات اللي بارزة منها دي.."
تلونت ملامح وجهها بحمرة الخجل والضيق تستوعب ملاحظته الخطيرة، وسألته بسذاجة طفولية وهي تلتفت للمرآة مجدداً:
— "هي المنحنيات بارزة قوي كدة يا حمزة؟ ده أنا كنت بكدب عيني قدام المراية وبقول متهيألي.. للدرجة دي أنا تخنت وعبيت؟"
ضحك بتسلية جارفة يجيبها عن السؤال الذي أصبح يتكرر منها مؤخراً بتوجس، وقال متفكهاً:
— "وماله لما تتخني ولا تبان إمكانياتك الزينة دي؟ دي حاجات يا بت الناس الستات بتدفع فيها ألوفات وفلوس كتير دلوك عشان تعملها!"
نزعت ذراعيه عن خصرها بامتعاض، لتستدير بجسدها عنه بملامح عابسة؛ فليست هذه الإجابة المطمئنة التي كانت تتمناها من زوجها، وقالت بصوت مخنوق من الزعل:
— "آه ما أنا عارفة.. كذا مرة تقولي نفس الكلمتين دول وتتهرب!"
اكتنف حمزة العجز للحظات، وهو يرى شبح النكد الأنثوي يلوح في الأفق، وعجز لسانه عن صياغة إجابة ترضي قلقها، حتى ومض عقله فجأة بفكرة. فلّفها وأعادها إليه بحركة خاطفة وجريئة قائلاً:
— "طب أعملكِ إيه طيب؟ كذا مرة اقولك ان التخنة دي عاجباني أنا بالذات، ومع كل كيلو بتزيديه، بتزيد غلاوتكِ ومحبتكِ في قلبي.. حتى شوفي كدة!"
وللمرة الثانية في غضون دقائق، خرجت شهقة عالية ومباغتة من حلقها، حين وجدت نفسها فجأة مرفوعة عن الأرض بمسافة عالية، بكفيه القويتين القابضتين على خصرها بإحكام. تدلى شعرها الغجري مع رفعتها وهي تنظر إليه من علو، لتتبدد غيوم ضيقها وتنفجر ضاحكة بشغف وسعادة:
— "إيه ده يا حمزة؟! هو أنا عيلة صغيرة من عيالك عشان ترفعني الرفعة دي؟!"
رد عليها بتأكيد وعينيه تلمعان بعشق صادق:
— "أنتِ زيكِ زي بناتكِ بالظبط.. شيلتهم هما تحت في الحوش، وأدي بشيلكِ أنتِ هنا فوق في العالي.. طول ما دراعاتي دي قادرة تشيلكِ متشليش هم تخنة ولا وزن واصل.. بس اعذريني، مش هقدر أطيركِ في الهوا زيهم، معلش فيها دي يعني اصلها فوق طاقتي!"
ضحكت بملء فمها بنبرة رنت في أركان الغرفة، ولكزته بقبضتها على ذراعه:
— "طب كفاية بقى ونزلني يا بطل الأبطال.. توبة ما أسألك تاني واصل عن وزني ولا العباية!"
تلاعب بأعصابها للحظات واضعاً إياها تحت رحمة طوله الفارع، حتى أنزلها ببطء لتستقر في حضنه بين ذراعيه، يسحب ثغرها بقبلة شغوفة طويلة أخرست كلماتها، ثم همس بنبرة حنونة هزت كيانها:
— "والله العظيم ولو عديتي المية كيلو، هتفضلي أنتِ قلب حمزة، وحبيبته، وسلطانة زمانه الوحيدة يا نن عيني أنتِ
.............................
أثناء تبديل ملابسهما قبل النزول إلى الأسفل، مرت لحظات لا تخلو من المداعبات والملاطفات الجميلة بين الحبيب وزوجته، مكللة بضحكات خافتة ونظرات تفيض عشقاً. حتى إذا انتهيا، سحبها حمزة برقة من يدها ليطلا معاً من الشرفة نحو الحديقة الخارجية للدوار.
كان المشهد من الأعلى يشرح القلب؛ حيث ارتصت مأدبة طعام عملاقة تناسب عدد الحضور الضخم، احتفالاً بالعروس الصغيرة التي تزوجت برعايته ورعاية شقيقه خليفة وكأنها ابنة من أبناء العائلة وليست غريبة عنهم. إنها رغد، الشقيقة الصغرى لاعتماد، بعد أن منّ الله عليها ورزقها الزواج من زميلها في الدراسة الذي أحبها بصدق، وتقبل عيبها الصغير في التلعثم دون كبر، لتحتضنها عائلة زوجها الطيبين كما احتضنت عائلة خليفة من قبلها اعتماد، وبعدها روضة أيضاً التي عوضها الله بالزوج الصالح والنقي، عكس زوجها الأول الفاسد الذي أذاقها الويل.
جلس الشقيقات الثلاث (اعتماد، روضة، ورغد) بالقرب من بعضهن البعض، والبهجة تملأ وجوههن، وكل واحدة بجوارها زوجها وسندها. وتترأس المأدبة الأم العزيزة الحاجة حسنية بوقارها المعهود ونفسها الطيبة الراضية التي تجمع الكل تحت جناحها. وعلى الجانب الآخر، جلست بنات خليفة بالقرب من أبيهن، بينما احتل الصغير كالعادة مكانه المفضل في حجر أبيه يداعبه.
أما ليلى وزوجها معاذ، فكانا في جبهة قتال مستمرة؛ لا يكفان عن التوجيه والإرشاد الصارم لهؤلاء الثلاثة المزعجين (تالا، وتاليا، ومؤيد) الذين لم تهدأ شقاوتهم حتى فوق كراسي الطعام. وفي الجهة المقابلة، جلس شقيقات حمزة وأبناؤهم وأزواجهم في مائدة متصلة، تتوسطهم "رمانة الميزان" ومشعله الحرائق اللطيفة.. منى.
كانت منى أول من انتبه لحضور حمزة ومزيونة في الشرفة، فلمعت عيناها بمكر، وغمزت زوجها منصور بجوارها لتلكزه في ذراعه بخفة لينتبه هو الآخر. التفت منصور نحو الشرفة، وتبادل مع زوجته نفس النظرة الخبيثة والابتسامة الماكرة، في تناغم إجرامي لذيذ ومتفق عليه بين الاثنين، جعل حمزة يبتسم من الأعلى بمشاكسة وتحدٍ، بينما استدركت مزيونة على الفور ما قد تفعله منى في تلك اللحظة من إحراج أو تعليقات لعوبة أمام العائلة، فالتفتت إلى زوجها بنصح سريع:
— "يلا ننزل قوام يا حمزة.. قبل أختك منى ما تعمل حركة من حركاتها دلوك بالاتفاق مع جوزها منصور.. حكم الاتنين دول بالذات مصايب ونغاشة أكتر من بعض "
تبسم حمزة وهو يهز رأسه بيأس ضاحك قائلاً:
— "آه والله.. الاتنين بلاوي مسيحة وأكتر من بعض، وعلى العموم أنا أصلاً هلكان جوع ومبقتش قادر أستحمل، والاكلة وسط اللمة دي وعزوة البيت الكبير ما تتعوضش بمال الدنيا."
نظرت إليه مزيونة بعينين تلمعان بالامتنان والحب الشديد، وهمست من كل قلبها:
— "ربنا يديم عزوتنا ولمتنا، ويخليك لينا يا أبو ريان يارب."
أمّن حمزة على دعائها بحنو وهو يتحرك خلفها نحو الباب هابطاً درجات السلم:
— "اللهم آمين يارب العالمين.. يلا بينا."
...........
وصل إلى المنزل متأخراً كما أخبرها عبر الهاتف، ليجدها في انتظاره تماماً كما طلب منها؛ كانت جالسة أمام الشاشة العملاقة على الأريكة التي تحتل وسط الردهة.
تقدم نحوها بحماس جارف جاشت به مشاعره طوال طريق عودته، لكن هذا الحماس فتر على الفور وتحول إلى خيبة أمل حين وجدها غارقة في نومٍ عميق!
ـ "اللعنة!"
تمتم بها داخل صدره وضيق خفيف يحتل قلبه. ألقى سلسلة المفاتيح من يده على الطاولة القريبة لتحدث رنيناً مكتوماً، ثم سقط بجسده يجلس بجوارها، يطالع ملامحها بضجر طفولي.
لكن ذلك الضجر خفت وطأته وتلاشى بعد لحظات قليلة حين تأمل تفاصيلها جيداً؛ كانت نائمة بنصف جلسة، ورأسها متدلي إلى الخلف برقة، مما أبرز عنقها الأبيض الناعم الذي كان مكشوفاً حتى نصف صدرها. كانت ترتدي منامة حريرية تذهب العقل وتسرق الأنفاس بجرأتها ونعومتها كما وضح أمامه. أدرك حينها أنها استمعت لكلامه وتزينت لأجله بكامل دلالها، ولكن غلبها سلطان النوم من شدة تعب اليوم.
وقف كمال حائراً، وتسلل إليه صراع شرس بين رغبته العارمة في إيقاظها وبين الشفقة عليها لتكمل نومها المستحق؛ ولكنه اشتاق إليها بجنون، وهذه فرصة ذهبية لا تعوض مع هدوء المكان التام ونوم صغيرهما في غرفته.
ناداها بيأس علّها تستيقظ دون مجهود كبير منه:
ـ "هالة.. هالة يا حبيبتي."
ولكن لا حياة لمن تنادي، كأنه كان يحدث نفسه! وحين امتدت يده برقة بالغة ليلكزها في كتفها علّها تنتبه، سقطت بجانبها كالمغيبة، وكأن جسدها المسترخي كان في انتظار تلك الدفعة الخفيفة فقط ليميل.
تملك منه الإحباط تماماً، فزفر بضيق حار متخلياً عن رغبته الأنانية، ومغلباً جانب الرحمة بها. انحنى نحوها ليرفعها بين ذراعيه بحنو، واضعاً يداً أسفل ركبتيها والأخرى خلف ظهرها، ثم نهض بها متوجهاً إلى غرفتهما لتسطيحها على الفراش والدخول للنوم بجوارها.
ولكن.. ما هي إلا لحظات معدودة، حتى تفاجأ بيديها الناعمتين تلتفان فجأة حول عنقه بقوة، وفتحت عينيها لتناظره بنظرات واسعة تشبه غزالاً بريئاً، تزينها ابتسامة شقية ولعوبة أضاءت وجهها!
انتفض قلبه بين ضلوعه من فرط الفرحة والصدمة معاً، واتسعت عيناه وهو يهتف بمرح وعشق لم يستطع مداراته:
ـ "إيه ده؟! أنتِ طلعتِ صاحية يا حلوة وكنتي عاملة نفسك نايمة عشان تغفليني.
ردت بدلال الأنثى الواثقة من عشق زوجها وشوقه الجارف للقائها، ويداها ما زالتا تطوقان عنقه:
— "وأنا يعني كنت هكسر كلمتك؟! قولت استنيني وأنا سمعت الكلام واتجهزت زي ما أنت شايف واستنيت.. بس غلبني النوم غصب عني، لكني صحيت على ريحتك وهمسك جمبي.. حقي بقى أمثل لحظة وأشوف لهفتك عليا، ولا مش من حقي يا سيادة الضابط؟"
كانت في كلماتها الأخيرة قد وصل بها إلى التخت داخل غرفتهما الدافئة، فتبسم بخبث وغموض ردّاً على دلالها، ليدفعها بحزم لا يخلو من حنوّ بالغ على فراشها الوثير، وانحنى فوقها قائلاً بنبرة لعوبة لفحت وجهها:
— "يعني قررتي تلعبي وتبدأي الليلة من أولها مشاكسة؟ قشطة.. وأنا بقى هجاوب على سؤالك ده وحالا وعملي !"
وما إن ختم جملته، حتى باغتها بهجومه العاشق، يعوض شوق الليالي الفائتة التي سرقها منهما انشغاله المنهك في العمل والبعد عنها. أمطرا بعضهما بسيل جارف ومتواصل من المشاعر الدافئة، في ليلة لم تنتهِ تفاصيلها المثيرة إلا عند خيوط الفجر الأولى
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
💚 مرحبا بكم ضيوفنا الكرام 💚
هنا في كرنفال الروايات ستجد كل جديد حصري ورومانسى وشيق ابحث من جوجل باسم الروايه علي مدوانة كرنفال الروايات وايضاء اشتركو
قناتنا👈علي التليجرام من هنا ليصلك اشعار بكل جديد من اللينك الظاهر امامك
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
تمت بحمد الله
لقراءة باقي الفصول اضغط هنا
💚 مرحبا بكم ضيوفنا الكرام 💚
هنا في كرنفال الروايات ستجد كل جديد حصري ورومانسى وشيق ابحث من جوجل باسم الروايه علي مدوانة كرنفال الروايات وايضاء اشتركو
قناتنا👈علي التليجرام من هنا ليصلك اشعار بكل جديد من اللينك الظاهر امامك
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
تمت بحمد الله
لقراءة باقي الفصول اضغط هنا