جلست خلف مكتب أبيها الراحل بحجرة مكتبه العتيقة الطراز، تتطلع إلى تلك الأوراق أمامها، والتي تحمل الكثير من الأرقام والحسابات التي جعلت عقلها مشتتا غير قادر على استيعاب الحقيقة الماثلة أمام ناظريها بكل وضوح ..
إنهن على شفا الإفلاس .. نعم .. الديون تراكمت وما عاد لديها القدرة منذ وفاة أبيها على الوفاء بها، وسدادها في مواعيدها المستحقة ..
تطلعت من جديد للأرقام التي كانت تتراقص أمام ناظريها من شدة الإرهاق لعلها تكون مخطئة فيما توصلت إليه..
لم يكن والدها يوما مسرفا، لكنه كان كريما عليهما هي وأختها الصغرى .. لم يكن يبخل بماله أبدا أو يرد لهما مطلبا مهما كان، ما دفع أختها للتدلل وطلب المزيد .. نجوى مدللة العائلة وفاكهتها الحلوة كما تدعوها أمها دوما .. وعلى ذكر أختها الصغرى ها هو اسمها يظهر جليا على شاشة جوالها، ما دفعها للابتسام وهي تتناوله لتجيب، هاتفة في نبرة حاولت أن تكسبها بعض المرح حتى لا تشعرها بما تحمل على كاهليها من هموم: سلام عليكم يا نونا.. يا ريتني افتكرت مليون جنيه.. إيه !؟..
انتفضت من موضعها مستندة بكف على حافة المكتب، وبالكف الأخرى تشبثت بالهاتف حتى لا يسقط أرضا، وهتفت في صدمة: أنتِ بتقولي إيه يا نجوى!.. حصل إزاي ده !؟..
صرخت نجوى على الجانب الآخر هاتفة في ذعر: معرفش يا عين .. معرفش .. تعالي بسرعة وهاتي الفلوس وإلا مش هتشوفي أختك تاني ..
حاولت عين الحياة تمالك أعصابها متسائلة: طب أجي إزاي وفين !؟..
صرخت نجوى من جديد:- معرفش أي حاجة والله .. هم بيقولوا تجهزي الفلوس، وأما يحددوا الميعاد والمكان هيخلوني أكلمك تاني ..
ثم صرخت من جديد متعجلة: سلام يا عين وأوعي تبلغي البوليس وإلا هيقتلوني .. سلام .. أوعي ..
لم تكمل أختها كلماتها فقد انقطع الخط تاركا إياها في اضطراب، أبعدت الهاتف عن أذنها وتطلعت إليه في ذهول غير مصدقة ما سمعته لتوها، تحاول أن تخبر عقلها أن تلك المكالمة كانت درب من خيال، وأن أختها الوحيدة سليمة معافاة ولم تُختطف من قبل مجموعة من المجرمين يطلبون مبلغا ماليا ضخما كفدية للحفاظ على حياتها ..
جلست بجسد منهار على المقعد خلفها لا تعلم ما عليها فعله في تلك اللحظة وهى تدرك تمام الإدراك أن أختها في خطر داهم، وأنها لن تستطيع إبلاغ أي من كان ليشاركها الرأي ويسدي النصيحة، وخاصة أمها التي بلغ مرض قلبها مبلغا حرجا وخاصة بعد وفاة أبيها ..
كما أن ذاك المبلغ ضخم بالفعل .. من أين لها تأمينه كاملا!؟.. وهى التي بالكاد استطاعت جمع نصفه تقريبا حتى تدفع دين أبيها، والحفاظ على مصنعه الصغير الذي كان يضم العديد من العاملات المتواضعات الحال، واللاتي كن من الأسباب الرئيسية في احتفاظها بالمصنع حتى لا يتم تشريدهن وقطع أرزاقهن ..
تركت الهاتف جانبا وتطلعت للأوراق والحسابات من جديد، ضمت ساعديها لبعضهما متشابكتين على سطح المكتب الذي يحمل عبق والدها الراحل وسنوات عمره التي قضاها عليه يُؤْمِن لهما قوتهما، دافعة برأسها لتتوسدهما تحاول أن تدفن أفكارها وخواطرها المضطربة بينهما .. تجاهد لضبط أعصابها، ولكن كيف لها أن تفعل، وكل ما يحيط بها من أحداث يدفعها دفعا للصمود رغما عنها متجاهلة رغبتها الفطري كأنثى في الراحة والدعة، تقف في ثبات في محاولة لملء ذاك الفارغ الذي تركه أبوها بعد رحيله .. ظنت أنها استطاعت القيام بذلك طول الفترة الماضية .. لكن هل تستطيع الوقوف الآن أمام ذاك التحدي الجديد !؟..
هي لا تدري مدى قدرتها على الصمود، لكنها أبدا لن تترك أختها تواجه مصيرها وحيدة مهما حدث...
****************
اندفعت تركض في عجالة باتجاه بوابة المطار الداخلية لتلحق بالطائرة التي كان من المعجزات أن تجد مقعد عليها لولا بعض الوسطاء من معارف والدها ..
سمعت النداء الأخير على رحلتها المتجهة لأسوان، فزادت من وتيرة اندفاعها لاهثة حتى وصلت إلى المدخل المفضي للطائرة، تنفست الصعداء وهي تجلس على مقعدها لا تصدق أنها على متنها أخيرا..
ساعة لا أكثر وتكون هناك حيث كانت تقضي أختها عطلتها لمنتصف العام غير مدركة ما يحيط بعين من مشكلات تحاول حلها لتجاوز أزمة مصنع أبيهما المعرض للبيع في كل لحظة أملا في تسديد ديونه وخاصة بعد أن جمعت هي كل مليم يملكن، وكل مال مدخر كانت تعول عليه لسداد بعض منها، لتأتي مهرولة لدفع فدية إنقاذ أختها ..
كانت تضم تلك الحقيبة الصغيرة لصدرها في حرص، فقد كان بها مبلغ الفدية الذي بدفعه سيكون عليهن إعلان إفلاسهن وبيع المصنع لا محالة ..
دمعت عيناها وهمست داخلها أن كل شيء يهون في سبيل الحفاظ على سلامة أختها ..
انتبهت من خواطرها على صوت إحدى المضيفات تؤكد على وصولهم لمطار أسوان الدولي .. اعتدلت موضعها وزاد تشبثها بالحقيبة..
أنجزت كل الإجراءات وخرجت من المطار تشير لإحدى سيارات الأجرة لتقلها لذاك الفندق الذي وجدت فيه غرفة شاغرة بعد طول بحث لأن في هذه الفترة من العام .. تكون فنادق أسوان مزدحمة بزائريها ..
تطلعت للشمس الدافئة رغم أن العام لا يزل في مطلعه، والشتاء بالقاهرة على أشده.. ففتحت معطفها في سعادة مستمتعة بالدفء الذي يصلها عبر نافذة العربة، وكذا جالت بناظريها على طول الطريق مستمتعة بجمال المدينة وعراقتها ..
هتف السائق الأسمر بابتسامة باشة ولهجة صعيدية أصيلة: وصلنا يا آنسة .. الفندج أها .. أي خدمة تانية !؟..
ابتسمت عين الحياة هاتفة وهى تنقده أجرته:- لا متشكرة ..
نزلت من العربة في اتجاه استقبال الفندق، ليتناول عامل الفندق حقيبتها من السائق مندفعا بها للداخل..
وقفت أمام موظف الاستقبال هاتفة :- السلام عليكم.. لو سمحت كان فيه حجز باسم الدكتورة عين الحياة كامل الصاوي ..
أكد موظف الاستقبال بإيماءة من رأسه وهو يتطلع لشاشة الحاسوب أمامه :- أيوه يا فندم .. اتفضلي.. شرفتينا ..
تناولت مفتاح الغرفة مبتسمة وهو يشير لأحد العاملين ليتبعها حاملا الحقيبة لغرفتها، ابتسمت بدورها ممتنة وهي في اتجاه المصعد ..
لحظات وكانت تقف بوسط الحجرة تاركة الحقيبة على الفراش .. دفعت بالستائر بعيدا عن نافذة الشرفة التي خرجت إليها تطل على ذاك المشهد الأروع للنيل، والذي لم يسبق لها أن رأته بهذا الجمال من قبل ..
كانت تبحث عن أي فندق تقضي فيه ليلتها حتى تتم مهمتها وتعود بأختها في سلام، لكن اللحظة ومع هذا المنظر الذي يسحرها كليا شعرت بالامتنان لأحد أصدقاء والدها والذي أصر على التوسط لها لتنزل بهذا الفندق معتقدا أنها جاءت لتحصل على بعض الراحة والاستمتاع مع أختها التي سبقتها ..
تنهدت تحاول أن تقلل من ذاك التوتر الذي يعتريها وهي بانتظار أي إشارة من خاطفي أختها لتحديد ميعاد تسليم الفدية ومكان اللقاء بالتركيز على ذاك الإبداع الرباني المجسد أمامها.. مياه لامعة الزرقة وأحجار ضخمة تنتشر هنا وهناك بمجرى النهر الخالد، وتلك المراكب البيضاء المثلثة الشراع تكمل روعة الصورة وتفردها ..
لكن تلك الطرقات على باب الغرفة جعلتها تندفع في لهفة لتفتحه، طالعها أحد العاملين مادا كفه بخطاب مغلق، وقبل أن ينبس بحرف انتشلته من يده ليرمقها العامل بنظرة تعجب وهى تزيل بامضائها على الاستلام في عجالة..
أغلقت الباب سريعا، فضت الخطاب في لهفة حتى أنها كادت أن تمزقه اضطرابا وهي تخرجه من مظروفه تجري عيناها على السطر الوحيد به
"النهاردة... الساعة ٥ مساءً .. خلف معبد أبو سمبل"..
قرأت ذاك السطر عدة مرات حتى حفظته عن ظهر قلب، تنهدت من جديد تضع الخطاب على الطاولة الملاصقة للفراش الذي تمددت عليه ..راحت في نوم عميق دون وعي من جراء سهادها الليلتين السابقتين .. فهي منذ لحظة علمها بما حدث لأختها وهي لم تذق طعم الراحة تعد العدة للقدوم لإنقاذها ..
يتبع
الفصل الثاني من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا
