
رواية نارين بين الحب والوجع الفصل السادس6 بقلم ليلي طاهر
قبل ثلاث سنوات، وفي "فيلا الرشيد" الفاخرة بمدينة الشيخ زايد، كانت الساعة تقترب من الثامنة صباحاً؛ ذلك الموعد الصارم الذي اعتاد الجميع على احترامه بدقة.
جلست "نجاة هانم" على رأس طاولة الطعام الكبيرة، وبجانبها ابنها الأصغر "مراد" الذي كان يعبث بهاتفه بمللٍ ، بينما ساد الصمت أرجاء المكان.
وبعد لحظات، سُمع صوت خطوات رقيقة على السلم، لتظهر "سيلا الرشيد" وهي تهبط بغرورها المعتاد. كانت جميلة جداً وأنيقة بشكل يخطف الأنظار، لكن هذا الجمال كان مغلفاً بتعالٍ واضح؛ فهي الفتاة المدللة التي تستمد كبرياءها من اسم عائلتها ونفوذ أخيها الأكبر. تحركت نحو الطاولة، ثم سحبت كرسيها وجلست بابتسامة وهي تقول بنبرة رقيقة:
- صباح الخير.
لم يكد الصمت يعود للمكان حتى قاطعه صوت خطوات قوية، حازمة، وواثقة للغاية.. خطوات يعلم الجميع هوية صاحبها قبل أن يطلّ. ظهر "عاصم الرشيد" وهو ينزل السلم بجاذبيته الطاغية وهيبته التي تملأ المكان.
كان رجلاً يدرك تماماً تأثير وسامته وصارمته على من حوله؛ فملامحه الرجولية الحادة بدت وكأنها نُحتت بدقة، تزينها عينان خضراوان ثاقبتان كعيني صقر، تحملان نظرة باردة وذكية تأسر من ينظر إليهما. وكان شعره البني الكثيف مصففاً بعناية فائقة وإلى الخلف بأسلوب ينم عن ترتيبه الصارم، بينما حددت لحيته المهذبة بدقة ملامح فكه القوي، مما أضفى عليه مزيجاً من القوة والجاذبية المهلكة.
كان عاصم شخصية استثنائية يمتزج فيها الغموض بالثقة المطلقة ،تسبقه دائماً رائحة عطره المميزة والقوية. تحرك نحو الطاولة، وقبل أن يجلس في مقعده، انحنى يقبل يد والدته قائلاً بهدوء:
- صباح الخير يا أمي.
ابتسم "مراد" بمشاكسة وهو يلتفت نحو أخيه الأكبر:
- ومفيش صباح الخير يا مرمر؟!
التفت عاصم لشقيقه رافعاً حاجبيه ببرود وسخرية:
- مرمر!! وده من إيه إن شاء الله؟
رد مراد ببراءة مصطنعة وهو يبتسم:
- ده الدلع بتاعي!
نظرت إليه الأم بعتاب، وقالت بنبرة حادة حملت بعض الضيق:
- أهو ده اللي أنت فالح فيه بس! يا واد انت مش مكسوف من نفسك؟ سنين بتضيعها في الجامعة ومش ناوي تخلص بقى وتشد حيلك وتتخرج ؟!
علق عاصم بجدية التزامه المعتاد وهو يوجه حديثه الصارم لأخيه:
- لازم تنجح السنة دي عشان تبدأ تشيل المسؤولية وتساعدني في إدارة الشركة.
رد مراد رافعاً يديه الاثنتين مستسلماً:
- لا.. أنا ماليش في جو الشركات ده خالص!
نظرت إليه سيلا وهي ترفع رأسها بتعالٍ، وقالت بابتسامة ساخرة:
- فعلاً مالكش في جو الشركات.. ليك في جو البنات!
رد مراد بمشاكسة وضيق مصطنع:
- أنا يا سوسو؟!
قال عاصم بنبرة حازمة قاطعة للجدال:
- مراد! أنت فاكرني مش عارف اللي بتعمله؟ خلي بالك.. لو ما فوقتش لنفسك واتعدلت، أنا هيكون ليا معاك تصرف تاني خالص.
رد مراد بخفوت محاولاً كتم ضيقه:
- حاضر.
توجهت "نجاة هانم" بنظراتها الحنونة إلى عاصم قائلة برجاء:
- وأنت يا حبيبي. مش ناوي تريحني وتفرح قلبي وتتجوز؟
رد عاصم بهدوء واحترام شديدين:
- لسه يا أمي.. مش وقته.
تنهدت الأم بأسى:
- وأمتى وقته يا عاصم؟ لما أموت؟
قام عاصم من مقعده فوراً لينحني ويقبل رأسها بلطف:
- بعد الشر عليكي يا أمي، بس لسه الخطوة دي أنا مش مستعد ليها دلوقتي.
أصرت الأم محاولة إقناعه:
- يا حبيبي ريح قلبي واخطب "شاهندا" بنت خالتك، مش هتلاقي أحسن منها.. ده غير إن خالتك كل ما تشوفني تفتح الموضوع، وأنا مش عارفة أرد أقول إيه!
انحنت سيلا نحو عاصم وأضافت بابتسامة ساخرة :
- دي شهيرة مفهمة النادي كله إنها خطيبتك، وأصحابها كلهم بيتعاملوا معاها على الأساس ده.. وهي مصدقة نفسها وعايشة الدور تماماً!
علق مراد ضاحكاً ليخفف من التوتر:
- أوبا! كده لبست يا دكتور. يعني خالتك بتلمح هنا، وبنتها مأكدة هناك!
التفت عاصم نحو والدته بنظرة عميقة ذات مغزى، وبكل ثبات وبرود قال كلماته الحاسمة التي تبرئ ذمته تماماً من هذا الوهم:
- والله أنا مش مسؤول عن أوهام حد، ولا عمري قلت لها كلمة واحدة تخليها تفتكر إني ممكن أرتبط بيها.. وآه، خليها توافق على العريس اللي متقدم لها، هو كويس ومناسب.
استعد عاصم للخروج، فنهضت "سيلا" بسرعة من مقعدها وقالت بدلالها المعتاد:
- أبيه عاصم.. ممكن توصلني في طريقك؟ عربيتي في الصيانة من امبارح، وعم محمد السواق هيوصل ماما عند خالتو.
التفت إليها عاصم ونظر إليها بنظرة حنونة دافئة تختلف تماماً عن صرامته وجفافه مع الجميع، ثم قال بلطف:
- معلش يا سيلا، عندي شغل كتير النهاردة ومستعجل جداً.
ثم التفت إلى مراد وأضاف بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
- مراد.. خدها معاك وصلها في طريقك قبل ما تروح كليتك.
في هذه اللحظة، كان مراد يشرب كوب العصير، ووقع الطلب عليه كالصدمة الفجائية؛ فشَرِقَ بالعصير واندفع من فمه فجأة وهو يسعل بقوة، وعيناه متسعتان من الذهول، ثم قال بضيق شديد:
- يا عاصم! كليتها في ناحية، وكليتي في ناحية تانية خالص.. ليه عايزني ألف لفة تانية في الزحمة دي وأنا أصلاً يا دوب ألحق؟ عندي محاضرة مهمة!
تذمرت سيلا وهي تبرطم بكلمات خافتة غير مفهومة، ثم قالت بسخرية:
- محاضرة مهمة قال.. على أساس إنك بتدخل محاضرات أصلاً! بني آدم مستفز!
تجاهل عاصم برطمتها وضيق "مراد"
وقال لوالدته: تأمرى بحاجة يا أمى"
ردت الأم:لا ياحبيبى مع السلامة
"مع السلامة"
قالها عاصم وانصرف بكبريائه ذاهباً إلى سيارته ليتجه إلى شركته "الرشيد للدعاية والإعلان" الواقعة في القرية الذكية.
بمجرد أن خرج عاصم ، استدار مراد نحو سيلا ببطء..
، وابتسم ابتسامة خبيثة ومستفزة للغاية. استند بمرفقيه على الطاولة، وطالعها بنظرات تفحصية من أعلى لأسفل، ثم تنهد براحة مصطنعة وهو يقول:
- قوليلي بقى يا ست سيلا.. إيه اللي يجبرني أوصل جنابكِ معايا النهاردة؟
جزّت سيلا على أسنانها بغيظ شديد،
- بقولك إيه يا مراد.. نقطنا بسكاتك النهاردة عشان أنا مش طايقة نفسي أصلاً. لولا إن أبيه عاصم أمرك، أنا مكنتش فكرت أركب معاك ثانية واحدة!
ضحك مراد بخفة وهو ينهض ، وسحب مفاتيح سيارته من الطاولة يلوّح بها أمام وجهها بغلاسة واضحة:
- تؤ.. لسانك الطويل ده هو اللي هيخليكي تتأخرى على المحاضرة.. بس يلا، عشان تعرفي إن قلبي أبيض.. قدامي يا شاطرة، ومسمعش صوتك طول الطريق، مفهوم؟
زفرت بضيق يكاد يحرقها، وسحبت حقيبتها بعنف تعدلها على كتفها بكبرياء وهي تتحرك نحو الباب متقدمة عليه:
- مفهوم قال.. محسسني إني راكبة مع تامر حسني! بني آدم بارد!
هزت "نجاة هانم" رأسها بقلة حيلة وهي تبتسم لسيناريو الصباح المعتاد بين أولادها، بينما انطلق الاثنان نحو الخارج.
ما إن انطلقت سيارة مراد خارج بوابة الفيلا الكبيرة، حتى بدأت الحرب اليومية الشرسة بينه وبين شقيقته.
مد مراد يده نحو شاشة السيارة بملامح شريرة، وضغط بضعة أزرار، لتنطلق أغنية شعبية صاخبة هزت أرجاء مقصورة السيارة بعنف.
شهقت سيلا بصدمة وهي تضع يديها على أذنيها بقرف:
- مراد!! وطّي الزفت ده فوراً! إيه الذوق البيئة ده على الصبح؟!
ارتدى مراد نظارته الشمسية السوداء بثقة، وبدأ يطبل بأصابعه على المقود بانسجام مع الإيقاع الصاخب، قائلاً ببراءة مصطنعة:
- ذوق إيه بس يا بنتي؟ ده الفن الشعبي الأصيل اللي بيعدل الدماغ.. وبعدين دي عربيتي، واللي مش عاجبه.. الباب يفوت جمل!
مدت يدها بعناد وجرأة نحو الشاشة لتخفض الصوت، لكنه كان أسرع منها؛ إذ ضغط زر التحكم من المقود لترتفع الموسيقى بقوة أكبر مستفزة إياها.
زفرت بحنق شديد والتفتت بجسدها نحو النافذة وهي تبرطم:
- ربنا يصبرني عليك ويوصلني بالسلامة..
ابتسم مراد بانتصار ساحق، ولم يكتفِ بذلك، بل أغلق التكييف فجأة وضغط زر نافذتها ، لتنفتح ويندفع منها الهواء ويبعثر شعرها المصف بعناية
صرخت سيلا بصدمة ورعب وهي تحاول لم شتات شعرها:
- مرااد!! شعري اتبهدل! اقفل الزفت ده!
نظر إليها من خلف نظارته بنظرة بريئة تماماً:
- أصل التكييف بيكتم نفسي الصبح وبيجيب لي خنقة، وهواء بلدنا المنعش مفيش زيه!
جزّت على أسنانها وهي تحاول عبثاً ضغط زر إغلاق النافذة من جهتها، لكنه كان قد أحكم إغلاق التحكم في النوافذ بالكامل من جهته هو كالعادة.
صمتت سيلا للحظات متراجعة للوراء، وبدأت أنفاسها تهدأ تدريجياً، ليرتسم على شفتيها فجأة ابتسامة خبيثة غامضة جعلت مراد يرمقها بطرف عينه بشك وريبة.
وعندما تباطأت السيارة وتوقفت تماماً عند إشارة المرور، أخرجت سيلا بحركة خاطفة وسريعة زجاجة عطرها الفرنسي المركّز والثقيل جداً من حقيبتها، وقبل أن يستوعب ما تفعله، انقضت عليه وأغرقت ياقة قميصه الأبيض برشات متتالية غزيرة!
امتلأت السيارة برائحة العطر الأنثوي النفاذ والقوي، وكأن زجاجة كاملة قد انسكبت فوق جسد مراد. سعل مراد بقوة شديدة وهو يتراجع للخلف، وتلون وجهه بلون غريب مزيج بين الغضب والذهول والصدمة، بينما كانت سيلا تجلس بجانبه في قمة وداعتها، تضع يدها على فمها وتكتم ضحكاتها الشامتة التي بدأت تتسرب منها رغماً عنها.
نظر إليها مراد بذهول صاعق وهو يلوح بيده أمام وجهه ليتنفس:
- إيه ده؟! خنقتيني!! يخرب بيتك!
أعادت سيلا الزجاجة إلى حقيبتها بهدوء وثقة، ثم عدلت خصلات شعرها المبعثرة في المرآة بهدوء مصطنع وقالت بتشفٍ وانتصار:
- عشان تتعلم تقفل التكييف وتفتح الشبابيك تاني.. روح بقى الجامعة بريحة برفيوم حريمي منوع، وخلي أصحابك والدكاترة يفتكروا إنك حاطط برفيوم حريمى ثم
انفجرت ضاحكة بصوت عالٍ، بينما ظل مراد يحدق بها بصدمة بالغة لثوانٍ، قبل أن يهز رأسه مستسلماً لجنونها ويضحك هو الآخر غصباً عنه:
- والله العظيم أنتِ مجنونة ورسمي.. بس إيه المصيبة اللي أنا دبست نفسي وركبتها معايا دي!
بعد دقائق قليلة، توقفت السيارة أخيراً أمام البوابة الرئيسية للجامعة.
فتحت سيلا الباب وهمت بالنزول، ثم التفتت نحو مراد قبل أن تغلق الباب، تلوح بيدها وتغمز له بمشاكسة واضحة وهي تذكره بنبرة مستفزة:
- متنساش تبعت لي السواق الساعة 2 بالدقيقة يا مرمر!
أطلقت ضحكة رقيقة وركضت مسرعة داخلة من البوابة قبل أن يلحقها برده أو غضبه.
زفر مراد بضيق شديد وهو ينحني ليستنشق ياقة قميصه التي غُرقت بالكامل بعطرها الأنثوي الفاخر، وقال محدثاً نفسه بيأس:
- لا.. دي مفيهاش كلية ولا محاضرات النهاردة خالص بالمنظر ده! أنا اروح البيت أخد دش محترم، وأغير الهدوم دي وأنام، عشان أفوّق لسهرة بليل.
وبينما يهم بنقل حركة السيارة والالتفاف بها للعودة، تجمدت قدمه تماماً فوق دواسة البنزين، وشُلت حركته..
على الرصيف المجاور للبوابة مباشرة.. كانت تقف فتاة لا تشبه أحداً من فتيات الجامعة.
شعرها الأحمر الناري كان متمرداً، ومرفوعاً لأعلى في "كحكتين" طفوليتين عفويتين. وعيناها الزرقاوان كصفاء السماء تتحدث فى هاتفها. كانت ترتدي بنطلون جينز وبلوزة بيضاء ناصعة عليها رسمة "قطة" صغيرة لطيفة؛ إطلالة غريبة تجمع بين البراءة الطاغية والجاذبية الخلابة الساحرة. تحركت بخطوات واثقة داخلة إلى حرم الجامعة، لتختفي سريعاً وسط حشود الطلاب.
اتسعت عينا مراد بتركيز غير مسبوق، وشعر للحظة وكأن الزمن قد توقف من حوله، وأن صخب الشارع قد تلاشى