رواية نارين بين الحب والوجع الفصل السابع7 بقلم ليلي طاهر

رواية نارين بين الحب والوجع بقلم ليلي طاهر
رواية نارين بين الحب والوجع الفصل السابع7 بقلم ليلي طاهر
دخل مراد الفيلا وهو يستبق الخطى، تسبقه رائحة العطر النسائي النفاذ التي أغرقته بها شقيقته.

رفعت نجاة هانم عينيها عن شاشة هاتفها، وتفاجأت بوجوده فقالت متعجبة:

- مراد!! أنت رجعت ليه بدري؟

مش كان عندك محاضرة مهمة؟

اقتربت منه، واشتمت تلك الرائحة فجأة، ثم تراجعت بملامح يكسوها الضيق والاشمئزاز:

- إيه الريحة دي يا مراد؟ أنت غرقان في برفيوم حريمي كمان!

*(ضيقت عينيها بشك)*

- واد أنت جاي منين بالظبط؟!

لوح بيده بسرعة مدافعاً عن نفسه:

- لا متظلمينيش يا نوجة... ده مقلب من مقالب سيلا!

هزت نجاة رأسها بقلة حيلة وقالت:

- هو أنتم مش هتكبروا أبداً؟ .. على العموم كويس إنك جيت عشان توصلني عند خالتك.

تجمد مراد في مكانه واتسعت عيناه صدمة:

نعم!!

أومال عمي محمد فين؟!

ابتسمت نجاة هانم ابتسامة صفراء ممتعضة:

- ما دام أنت جيت.. وصلني أنت.

بلع مراد ريقه محاولاً التملص والهروب:

- لا مش هينفع يا نوجة يا قمر... أصل أنا يادوب ألحق أخد دش وأجهز عشان أجيب سوسو حبيبتي.

تحرك بسرعة وصعد درجات السلم وهو يفك أزرار قميصه بلهفة.

وقفت نجاة هانم في ردهة الفيلا تحدث نفسها بدهشة:

- يجيب سوسو؟ وحبيبتي كمان؟! لا الحكاية فيها إنّ!

ثم نادت بصوت عالٍ هز أرجاء المكان:

- صفية.. يا صفية!

أقبلت الخادمة مسرعة:

- نعم يا هانم؟

- خلي محمد يجهز العربية على ما أجهز.

- حاضر يا هانم.

داخل غرفته، أغلق مراد الباب خلفه بأنفاس متلاحقة، وأخرج هاتفه يطلب رقم بلهفة.

جاء الرد من الطرف الآخر، ليقاطعه مراد فوراً:

- ألو.. أيوه يا كريم، أنت فين؟

أجابه كريم بصوت كَسول يغلفه النوم:

- هكون فين يعني؟ في البيت..

قال مراد بنبرة حادة وقاطعة:

- لا اصحى كده وفوق واسمعني!

تململ كريم بضيق:

- في إيه بس؟

مراد:

- عايزك تجيب لي معلومات عن واحدة.

ضحك كريم باستفزاز وهو يتقلب في فراشه:

- واحدة عالصبح كده؟ أنت ما بتزهقش؟!

عقد مراد حاجبيه وخيم السكون على الغرفة وهو يقول بجدية:

- لا ركز معايا بقى كده.. في بنت شفتها الصبح داخلة كلية سيلا أختي... عايزك تعرف لي كل حاجة عنها. اسمها، ساكنة فين؟ كل اللي تقدر تجيبه. وكل ده يكون عندي قبل الساعة اتنين.. فاهم؟

تساءل كريم بنعاس:

- ليه هي الساعة كام دلوقتي؟

نظر مراد إلى ساعة يده بقلة صبر:

- الساعة عشرة.

اعتدل كريم في فراشه وهو يتمطى بكسل:

- الساعة عشرة؟! أنا كده مش هلحق.. ده أنا لسه نايم، على ما أقوم وأروح أسأل وأعمل... مش هلحق!

رد مراد بلهجة حاسمة لا تقبل النقاش:

- لا اتصرف.. وبعدين كله بحسابه.

انتبه كريم بمفاجأة:

- للدرجة دي؟

مراد:

- ما لكش دعوة أنت... هتقدر ولا أشوف حد تاني؟

قال كريم ممتعضاً:

- خلاص يا عم ما تزقش.. ماشي.

مراد: هبعت لك مواصفاتها على الواتس هستنى منك مكالمة.

كريم:

- قشطة.

مراد:

- قشطة. ثم أرسل  إليه رسالة بمواصفاتها 

و رمى الهاتف على الفراش بعشوائية، وتقدم يتطلع من النافذة وهو يهمس بشرود:

- "القمر الحمراء"... يا ترى هتطلعي مين؟!

ــــــــــــــــــــــــ

أما في الطابق الأخير والأفخم من مقر شركة الرشيد للدعاية والإعلان، فكان الهدوء التام يفرض هيبته وسلطته على المكتب.

جلس عاصم خلف مكتبه الخشبي الضخم يتصفح بعض الملفات الهامة بعينين حادتين مركزتين، قبل دقائق معدودة من بدء اجتماعه المصيري.

لكن ذلك الهدوء والوقار لم يدوما طويلاً.

فُتح الباب فجأة دون استئذان، لتدخل "شاهنده" بخطوات مترددة، وعلى شفتيها ابتسامة مصطنعة حاولت جاهدة أن تبدو بها واثقة من نفسها ومن مكانتها عنده.

رفع عاصم رأسه ببطء شديد، وما إن وقعت عيناه عليها حتى انعقد حاجباه بضيق شديد واستنكار واضح.

تفتتت كل شجاعة شاهنده وتلاشت ملامح ثقتها، وتوقفت في مكانها كالمصعوقة تحت تأثير نظراته الباردة كالثلج والقاسية كالصخر.

تنحنحت بارتباك وقالت بنبرة مرتعشة تحاول تلطيف الجو:

- صباح الخير يا عاصم... أنا بس قلت أعدي عليك في المكتب، نتغدى سوا ونتكلم في موضوعنا شوية..

وضع عاصم قلمه بهدوء شديد فوق المكتب، ثم شبك أصابع يديه أمامه وطالعها بنظرة منخفضة حادة، حملت جموداً هادئاً لكنه قاصٍ ومخيف:

- شاهنده... هو مكتبي هنا بقى فرع من فروع النادي وأنا معرفش؟

ارتبكت الفتاة تماماً وشحب لونها وهمست بضعف:

- لا طبعاً مش قصدي... بس أنت وحشتني جداً،

وإحنا بقالنا فترة كبيرة مش بنقعد مع بعض ولا...

قاطعها فوراً ببرود حاد دون أن يرفع نبرة صوته الهادئة:

- وأنا دلوقتي في وقت شغل رسمي، لا بفكر في غدا، ولا عندي وقت للزيارات المفاجئة اللي من النوع ده.

ثم أشار بطرف عينيه وبحركة ذكية إلى ساعة معصمه الفاخرة قائلاً بمنتهى الجفاء:

- أنا قلت لك كذا مرة متجيش الشركة..

قدامك بالضبط ثلاث دقائق وتكوني بره المكتب ده، ومش عايز أوصل لمرحلة إني أطلب من الأمن أو السكرتارية تمنع دخولك المبنى مرة تانية.. اتفضلي.

شحب وجه شاهنده تماماً حتى صار كالأموات، وتجمدت الدموع الحارقة في عينيها من شدة الإهانة:

- عاصم... أنا بنت خالتك، إزاي...

رفع يده في الهواء قاطعاً كلماتها بحسم وقسوة قبل أن تخرج:

- شاهنده! أنا واضح جداً في كلامي من أول مرة، ومش بحب أعيده تاني.

لم تحتمل شاهنده أكثر؛ فاستدارت وركضت بغرورها الجريح مغادرة المكتب مسرعة والدموع تطاردها، بينما أُغلق الباب الزجاجي الثقيل خلفها بعنف.

ساد الصمت المطبق أرجاء المكتب مجدداً.

اتكأ عاصم بظهره على كرسيه الجلدي المريح، وأغمض عينيه للحظات يطرد صورتها من عقله، ثم أطلق زفرة هادئة طويلة، قبل أن يدير كرسيه بالكامل نحو النافذة الزجاجية العملاقة المطلة على أفق القاهرة الصاخب الممتد أمامه.

وفي تلك اللحظة بالذات، تجلت حقيقة عاصم الداخلية التي يخفيها عن أعين العالم وعن عائلته؛ ففي أعماق هذا الرجل، لم يكن "الحب" سوى خرافة واهية، وضَعف بشري مهين لا يُقبل لرجل في ذكائه ومكانته ونفوذه أن ينجرف خلفه أو يسمح له بكسره.

كان يرى في أي علاقة تجمع بين الرجل والمرأة مجرد تعاقد جاف ومدروس؛ إطار اجتماعي أنيق وواجهة تمنحه في المستقبل وريثاً شرعياً يحمل اسم "الرشيد" ويصون إرث عائلته من الضياع بعد وفاته، لا أكثر ولا أقل!

بالنسبة لعاصم، لم يكن قلبه إلا حصناً منيعاً، شيده بأسوار من حديد وصممه ليكون خالياً تماماً من أي عاطفة أو مشاعر قد تهدد استقراره العملي أو تكسر حدة صرامته الطاغية.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، باردة، ومليئة بالاستخفاف، وهمس لنفسه بغطرسته المعهودة:

- فاكرين إنهم يقدروا يقتحموا حياتي ويفرضوا شروطهم بالساهل.. مفيش مخلوق يقدر يفرض على عاصم الرشيد أي حاجة، ولا في ست اتخلقت تقدر تدخل عالمي إلا بشروطي وقوانيني أنا بس.
ظل ينظر إلى الأفق البعيد بثقة وغرور رجل يظن واهماً أنه يمسك بكل خيوط حياته ومستقبله بيديه القويتين.. غير مدرك أبداً أن القدر، وفي تلك اللحظة والدقيقة نفسها، كان قد بدأ بالفعل في كتابة فصل جديد ومختلف تماماً، فصل لم يخطط له يوماً ولن يقوى على صد أعاصيره.
تعليقات



<>