رواية طعنة في بيت العائلة الفصل الثالث3 الاخير بقلم هاجر سلامة

رواية طعنه في بيت العائلة الفصل الثالث3 الاخير بقلم هاجر سلامة
نُقلت سارة إلى المستشفى بين الحياة والموت، وقضت أياماً في غرفة العناية المركزة، بينما كان حمدي يقف خلف الزجاج، مكسوراً، ضائعاً، وقد زالت من قلبه كل مشاعر الأحقاد والشرور ولم يتبقَ سوى حسرة الأب على ابنته الوحيدة. 

خرج الطبيب أخيراً، ووجهه يحمل أخباراً قاسية.
حمدي ..يا دكتور.. طمني أرجوك.. بنتي سارة هتعيش؟ هتقف على رجليها تاني؟

الدكتور ..الحمد لله قدرنا ننقذ حياتها.. النزيف وقف، لكن للأسف الصدمة أثرت على النخاع الشوكي بشكل كامل.. سارة حصلها شلل نصفي كامل، ومفيش أمل في علاجها هنا في مصر.

انهار حمدي على ركبتيه، يبكي بحرقة وندم، يتذكر كيف ظلم أخاه، وكيف سعى لتدمير حياة ابنة أخيه، فجاءه العقاب في أعز ما يملك. 

في تلك اللحظات العصيبة، ظهر ياسر في رواق المستشفى. تقدم بخطوات ثابتة نحو أخيه الأصغر، ولم يحمل في وجهه أي شماتة، بل كانت عيناه تدمعان حزناً على ابنة أخيه.
 وضع ياسر يده على كتف حمدي المرتجف.
ياسر ..قوم يا حمدي.. قوم يا اخويا.. ربنا يسامحك ويسامحنا جميعاً.. إحنا في مصيبة ولازم نقف جنب بعض.
حمدي..سامحني يا ياسر.. أنا ظلمتك وظلمت بنتك.. ربنا عاقبني في سارة، شرفي ضاع وبنتي اتمحت من الدنيا وبقت مشلولة.. أنا بموت يا اخويا!

ياسر..المسامح كريم يا حمدي، وإنت اخويا مهما حصل.. لحمي ودمي.. سارة بنتي زي ما هي بنتك.. أنا سألت وعرفت إن في مستشفى كبيـرة في ألمانيا متخصص في الحالات دي.. أنا حجزت ليها والفلوس كلها عليا، والمصنع خيره كتير.. هتسافر معاها وتعالجها، وأنا معاك ومش هسيبك.

بكى حمدي على صدر أخيه الأكبر، طالباً الصفح، وأدرك في تلك اللحظة أن العائلة والأخ هما السند الوحيد في الدنيا، وأن الطمع والحقد لا يورثان سوى الدمار والخراب.

 وفي اليوم التالي، حزم حمدي حقائبه وغادر البلاد متوجهاً إلى ألمانيا برفقة ابنته المشلولة، بينما كان يوسف قد فرّ هارباً خارج البلاد خوفاً من الملاحقة القانونية والفضيحة.

مرت سنتان كاملتان على تلك الأحداث العاصفة.
 كانت الأيام كفيلة ببلسمة الجروح وإعادة الدفء إلى بيت عائلة الدسوقي.
 حان اليوم المنتظر الذي طال انتظاره؛ اليوم الذي خرج فيه الحاج "عبده الدسوقي" من مصحة علاج الإدمان معافى تماماً، تائباً، وعائداً إلى رشده بكامل صحته وعقله.

تزين بيت العائلة بالأنوار، وعلقت الزينات في كل مكان. امتزجت فرحة عودة الجد بفرحة كبرى؛ حيث تقرر إقامة حفل زفاف جماعي في حديقة المنزل الفسيحة. 

ارتدت ياسمينا فستان الزفاف الأبيض الناصع، وكانت تبدو كالأميرات بجوار زوجها خالد الذي كانت عيناه تطير فرحاً وشوقاً، وبجوارها أحمد مع عروسته مريم، وأختهم الصغرى التي تقدم لها صديق الطفولة المقرب وسط أجواء من البهجة.

دخل الحاج عبده الدسوقي إلى الحديقة، يسير بوقار مستنداً على عصاه، وحوله ابنه ياسر وزوجته.

 تعالت الزغاريد وانفجرت دموع الفرح. التفت الجد حوله، ورأى أحفاده في أبهى صورهم، لكن ملامحه حملت غصة واضحة وهو يفتقد ابنه الأصغر حمدي وابنته سارة. 

جلس الجد مع ياسر في مكان هادئ بعيداً عن صخب المعازيم.«يا ياسر يا ابني.. البيت منور بوجودكوا، وأنا فرحان إني رجعت لوعيي وسط عيالي.. بس فين حمدي؟ وفين بنته سارة؟ ليه مش شايفهم في وسط الفرحة دي؟»

ياسر ..يا بويا.. حمدي مسافر في ألمانيا بقاله سنتين.. سارة تعبت شوية وهو سافر يعالجها هناك.. متقلقش هما بخير وبيسلموا عليك دايماً.
عبده ..مبتعرفش تخبي عليا يا ياسر.. أنا عرفت كل حاجة وأنا في المصحة.. عرفت حمدي عمل إيه وعرفت الطمع وداه لفين والجرائم اللي ارتكبها في حقك وحق عيالك.. أنا زعلان منه أوي ومقهور على اللي عمله في صلة الرحم.

ياسر ..يا بويا.. اللي فات مات.. حمدي ندم وتغير تماماً، وطلب السماح وأنا سامحته من كل قلبي.. هو دلوقتي عايش هناك عشان بنته بس، وربنا غفور رحيم.. بلاش نزعل في يوم زي ده.

مسح الجد دموعه، ودعا لولده ياسر بالبركة لشهامته وطيبة قلبه التي حافظت على ما تبقى من شتات هذه العائلة.

انتقل الجميع إلى صالون البيت الكبير لتهدئة الأنفاس ومشاركة اللحظات العائلية الدافئة. 

جلس الحاج عبده الدسوقي في الصدارة، وحوله أحفاده وزوجاتهم، وياسر وزوجته يتبادلون الضحكات. فجأة

أخرج ياسر هاتف الذكي وقام بطلب مكالمة فيديو دولية

اتصل الهاتف لبضع ثوانٍ قبل أن يفتح الخط لتظهر على الشاشة ملامح حمدي. لقد غيرت الغربة والسنوات ملامحه؛ أطلق لحيته الخفيفة، وزالت نظرات الحقد من عينيه ليحل محلها طيبة وسكينة غريبة. 

عندما رأى والده الحاج عبده يجلس معافى، انهمرت الدموع من عينيه.
حمدي..أبويا! وحشتني أوي يا غالي.. حمد الله على سلامتك ونورت بيتك ومطرحك وسط عيالك.. سامحني يا بويا على كل اللي عملته، أنا كنت عميان والحمد لله ربنا ردلي بصري.

عبده..مسامحك يا حمدي يا ابني.. المسامح ربنا.. أخوك ياسر حكالي على كل حاجة وعرفت إنك ندمت.. المهم طمني على بنتك سارة؟ عاملة إيه في الغربة وعلاجها وصل لفين؟

ابتسم حمدي ابتسامة واسعة، ووجّه كاميرا الهاتف نحو جهة أخرى في الغرفة. 

ظهرت سارة، وكانت ملامحها قد استردت عافيتها ونضارتها، وكانت المفاجأة الكبرى أنها تقف على قدميها، تمسك بمشاية طبية وتتحرك خطوات بطيئة وثابتة نحو الكاميرا، والدموع تلمع في عينيها وهي توجه حديثها لعمها وياسمينا.
سارة ..عمي ياسر.. ياسمينا.. أحمد.. مبروك الفرح يا جماعة.. أنا الحمد لله ربنا شَفاني وبدأت أمشي تاني على رجلي.. لولا وقفتكوا جنبنا وفلوسكوا ودعائكوا أنا مكنتش هقوم من السرير ده أبداً.. سامحيني يا ياسمينا يا أختي.

ياسمينا ..مسامحاكي يا سارة يا حبيبتي.. ألف حمد الله على سلامتك ياقلبي .
أخذ حمدي الهاتف مجدداً، وعيناه تلمعان ببريق من الأمل والفرح المستقبلي.

حمدي ..ومش بس كدة يا بويا أنت وعمي ياسر.. الدكتور الألماني اللي كان بيشرف على حالتها وبيعالجها طول السنتين دول، وشاف صبرها وعزيمتها.. طلب إيدها مني رسمي للجاز بعد ما تتشافى تماماً.. وأنا وافقت وهنرجع مصر قريب عشان نعمل الفرح وسطكوا!

ضجت الغرفة بالتكبير والتهليل، وعمت الفرحة أرجاء بيت العائلة. نظر ياسر إلى والده وإلى شاشة الهاتف، مستشعراً عظمة القضاء والقدر؛ كيف تحول الشر إلى خير، وكيف التأم شمل العائلة بعد التمزق. 
أغلقت الرواية صفحاتها على مشهد الأحفاد يلتفون حول الجد، والقلوب صافية، والبيت العتيق يعود منارة للحب والأمان بعد أن انقشعت عنه غيوم الطمع إلى الأبد.
                    تمت بحمد الله 

تعليقات



<>