
"هيرجعوني للعتمة تاني يا أيوب؟"
صوتها كان بيرتجف، طالع مخنوق من بين شفايفها، وعينيها الخضرا الواسعة متعلقة بالباب الخشب اللي كان بيتهز بعنف مع كل خبطة من بره.
"على جثتي يا فتنة.. قلتلك مفيش ضلمة تاني طول ما فيا نفس بدخله وبطلعه." أيوب رد بصوت حاسم، وهو بيمسك كرسي خشب مكسور وبيكسر بيه إزاز الشباك الصغير اللي بيطل على السطح اللي جنبهم.
"افتح يا واد إنت وهي! وعهد الله لو كسرنا الباب لندفنكم حيا مكانكم! مفيش مهرب، اللوكاندة كلها متبشمة برجالتنا!" صوت المعلم سيد كان بيرعد من بره، والترباس بدأ يزيق ويتعوج تحت ضغط كتاف الرجالة.
أيوب رمى الكرسي، ومسك إيد فتنة بقوة.
"بصيلي يا فتنة.. بصي في عيني ومتبصيش وراكي أبداً. إحنا هننط لسطوح اللي هناك ده.. المسافة مش بعيدة، بس تحتنا شارع فاضي ومضلم."
فتنة بصت للشباك المكسور، وبعدين بصت للمسافة الفاضية بين العمارتين. الهوا البارد كان بيدخل من الشباك يضرب في وشها. العتمة اللي تحتهم كانت عاملة زي وحش فاتح بؤه مستني يبلعهم. الرعب شل حركتها.
"هقع في الضلمة.. الضلمة هتبلع فتنة!" قالتها وهي بتسحب إيدها لورا وبتبكي.
"أنا هسبقك.. وهقف الناحية التانية وهلقفك في حضني. مش هخليكي تقعي. ثقي فيا يا فتنة.. زي ما وثقتي فيا وإنتي بتعمليلي الكمادات. أنا أمانك وإنتي أمانتي."
الخبط على الباب اتحول لصوت تكسير خشب. الباب بدأ يتفلق من النص. أيوب مقدرش يستنى أكتر من كده.
طلع على حافة الشباك، بص للمسافة، أخد نفس عميق كأنه بيودع الدنيا، وبكل قوة باقية في عضلاته المنهكة، نط في الهوا.
طار أيوب للحظة فوق الشارع الضلمة اللي بيفصل بين العمارتين. الجاذبية كانت بتشده لتحت، بس قوة الدفعة خلته يوصل لحافة السطح التاني.
نزل على كتافه واتدحرج على الأسمنت عشان يمتص الصدمة. جرح راسه اتخبط، وحس بكهربا بتضرب في دماغه، بس متأوهش. قام بسرعة البرق، ولف وشه ناحية شباك اللوكاندة.
في اللحظة دي بالظبط، باب الأوضة اتكسر حتت، ودخل المعلم سيد ورجالته زي الديابة السعرانة.
المعلم سيد شاف فتنة واقفة على حافة الشباك، العباية السودة بتطير حواليها. عينه لمعت بجشع.
"إمسك البت دي بسرعة!" صرخ بأعلى صوته واندفع ناحيتها مادد إيده الخشنة عشان يمسكها من هدومها.
فتنة لفت وشها وشافت المعلم سيد بيقرب. ملامحه القاسية، والشر اللي في عينه، رجعولها أسوأ كوابيس طفولتها. الراجل ده كان بيجسد كل حاجة بشعة عاشتها. بصت قدامها لقت أيوب واقف الناحية التانية، فارد دراعاته الاتنين، وعينيه بتترجاها تنط.
بين وحش مستعد ينهش لحمها، وبين راجل بينز*ف عشان يحميها، فتنة أخدت أصعب قرار في حياتها. أغمضت عينيها بقوة، ومسكت في الهوا.. ونطت.
قفزتها مكنتش قوية زي أيوب. جسمها الضعيف اللي متغذاش كويس لسنين مأسعفهاش. بدأت تسقط لتحت قبل ما توصل للحافة. المعلم سيد وصل للشباك، وإيده خبطت في طرف عبايتها بس مقدرش يمسكها.
أيوب شافها بتسقط. بدون ذرة تفكير، رمى نصه اللي فوق كله بره حافة السطح، ومد إيديه الاتنين لأقصى حد ممكن. صوابعه لمست دراعها.. قبض عليه بكل قوته.
وزنها اللي نزل لتحت سحب أيوب معاه، نصه اللي قدام بقى متعلق في الهوا، بس رجليه كانت متشعبطة في سور السطح الخرساني القصير.
"آآآه!" أيوب صرخ من شدة الألم في كتفه اللي كاد ينخلع من مكانه.
فتنة كانت متعلقة في الهوا، بين السما والأرض، ماسكة في دراع أيوب بإيديها الاتنين، وبتصرخ برعب والشارع الضلمة تحت رجليها.
"شدي نفسك! امسكي فيا جامد!" أيوب كان بيجز على أسنانه، وعروق رقبته نافرة من المجهود الجبار. بدأ يسحبها لفوق ببطء. عضلاته كانت بتتقطع، والد*م بدأ ينز*ف من راسه تاني وينزل على وشه يعمي عينه.
المعلم سيد واقف الناحية التانية، طلع مطو*ته وكان هيستعد ينط وراهم، بس لما شاف المسافة، خاف على روحه.
"يا بهايم! انزلوا هاتوها من الشارع أو اطلعولهم من العمارة التانية! العيال هتهرب!"
بصعوبة بالغة، أيوب قدر يسحب فتنة لحد ما مسكت في سور السطح، وشدها لحد ما وقعت فوقه على الأسمنت البارد.
الاتنين فضلوا نايمين على ضهرهم، بينهجوا بصوت عالي، بيسحبوا الهوا كأنهم غرقانين ولسه طالعين لسطح الماية.
أيوب مأداش لنفسه فرصة يرتاح. زق نفسه وقام، وسحب فتنة من إيدها.
"قومي.. هيطلعولنا هنا. لازم نمشي على السطوح دي لحد ما نلاقي منزلة تانية."
بدأوا يجروا في ضلمة الليل فوق سطوح. المكان كان عبارة عن متاهة من العشش، وأطباق الدش، وحبال الغسيل. أيوب كان بيجري وهو بيسحبها وراه، بيعدوا من سطح لسطح عن طريق السور القصير اللي بيفصل العمارات المتلزقة في بعضها في الأحياء الشعبية القديمة.
البرد كان قاسي، وفتنة كانت حافية، رجليها بتتجرح من والزاز المكسر المرمي على السطوح، بس مكنتش بتشتكي. كانت بتجري وراه زي ضله.
الخوف كان مخليها مش حاسة بأي ألم جسدي، كل تركيزها إن إيد أيوب متسيبش إيدها.
فجأة، سمعوا صوت خطوات بتجري وراهم على السطوح. المعلم سيد ورجالته مكنوش هيسيبوا المليون جنيه تضيع بالسهولة دي.
"هناك أهم! ورا الدش ده!" واحد من البلطجية لمحهم وشاور عليهم.
"نستخبى فين؟" أيوب كان بيلف حوالين نفسه. السطح اللي هما عليه كان الأخير، مفيش سطوح تانية ينطوا عليها، والباب اللي بينزل للسلم مقفول بقفل حديد ضخم. كانوا محاصرين.
عينه لمحت غية حمام خشبية كبيرة جداً ومبنية على ارتفاع عالي في ركن السطح. كانت مقفولة بسقاطة خشب من بره.
شد فتنة ناحية الغية بسرعة. فتح السقاطة، وزق الباب الصغير، ودخلها ودخل وراها، وقفل السقاطة من جوه بحتة سلكة كانت واقعة على الأرض.
الغية كانت ضلمة كحل، ريحتها كلها طيور وخشب قديم. الحمام بدأ يرفرف بخفة ويعمل أصوات مكتومة لما حسوا بحد غريب دخل. أيوب شد فتنة لتحت، ونزلوا استخبوا تحت الرفوف الخشبية اللي عليها أعشاش الحمام.
المكان كان ضيق جداً لدرجة إنهم كانوا لازقين في بعض. أيوب حط إيده على بؤ فتنة برقة عشان يكتم أنفاسها السريعة، وهي مسكت في قميصه ودفنت وشها في صدره. كانت سامعة دقات قلبه اللي بتجري زي الحصان.
صوت الخطوات التقيلة وصلت للسطح.
"راحوا فين ولاد الكلب؟ السطح مقفول والباب متجنزر!"
"دور في العشش دي يا واد! شوف غية الحمام دي!"
خطوات المعلم سيد قربت من الغية. أيوب قبض على حتة خشبة مكسورة في إيده التانية، مستعد للموت لو الباب اتفتح.
فتنة قفلت عينيها وبدأت ترتعش بعنف، بس أيوب ضمها أكتر وباس راسها في الضلمة عشان يطمنها.
المعلم سيد خبط برجله على خشب الغية من بره. الحمام انتفض كله مرة واحدة وبدأ يطير ويخبط في السلك بتاع الغية ويعمل دوشة فظيعة.
"إيه القرف ده! الحمام اتجنن. مفيش حد جوه، لو حد دخل كان الحمام طار من بدري. تلاقيهم نطوا في الشارع الخلفي. انزلوا دوروا في الحواري اللي تحت بسرعة قبل ما يطلع النهار!"
خطواتهم بدأت تبعد، لحد ما الصوت اختفى تماماً.
الصمت رجع يلف المكان، مفيش غير صوت هديل الحمام اللي بدأ يهدى ويرجع لأماكنه.
أيوب شال إيده من على بؤ فتنة، وسند راسه على خشب الغية وهو بيتنفس بصعوبة. الألم في كتفه وراسه كان بيعصره. العرق كان مغرق وشه، والد*م رجع ينز*ف من راسه وينزل على رقبته.
فتنة رفعت راسها ببطء في العتمة. نور القمر كان بيتسرب من فتحات سلك الغية، وبيرسم خطوط على وش أيوب المنهك. مدت إيدها ولمست جبهته. لقت الد*م السخن بيلزق في صوابعها.
"أيوب بينز*ف.. د*م.. د*م كتير." همست فتنة وصوتها مليان قهر.
"أنا كويس يا فتنة.. خدش بسيط." حاول يبتسم بس ملامحه اتعوجت من الوجع.
فتنة مسكت طرف الفستان المقطع اللي تحت عبايتها، وبقوة غريبة، قطعت منه حتة تانية طويلة. قربت من أيوب، وبدأت تلف القماشة حوالين راسه عشان توقف النز*يف. كانت بتعمل ده بتركيز شديد وعينيها مليانة دموع.
أيوب كان بيبصلها في نور القمر. البنت دي مش مجرد ضحية، دي روح بتعافر عشان تعيش وتخلي اللي بيحميها يعيش. جمالها في اللحظة دي مكنش بس في ملامحها، كان في الحنية الطاغية اللي بتطلع من بين ركام الرعب اللي عاشته.
لما خلصت ربط راسه، مقعدتش بعيد. لزقت فيه، وسندت راسها على كتفه السليم.
"أيوب موجوع عشان فتنة." قالتها بصوت واطي أقرب للهمس.
"أيوب فدا فتنة بعمره." رد عليها وهو بيمسح على شعرها. "إنتي تستاهلي تعيشي في النور، تستاهلي تشوفي الدنيا من غير خوف. وأنا مش هسيبك لحد ما أوصلك لبر الأمان."
فتنة سكتت شوية. مدت إيدها في جيب العباية، وطلعت السلسلة الفضة بتاعتها. فتحتها في نور القمر، وبصت لصورة والدتها، وبعدين رفعت عينيها لأيوب.
"مرزوق.." قالت الاسم وهي بتبلع ريقها بصعوبة. "بابا مرزوق. عزت ضرب بابا.. نار كتير.. د*م بابا غطى فتنة."
أيوب اتعدل في قعدته ونسي الوجع. الكلمات اللي كانت متكسرة بدأت تتجمع. "عزت؟ مين عزت ده يا فتنة؟ هو اللي قتله؟"
أغمضت عينيها كأنها بتحاول تهرب من الصورة اللي محفورة في ذاكرتها. "عزت بيه.. راجل وحش.. عيون سودة بتخوف. أخد فتنة في عربية.. قفل الباب.. ضلمة.. وبعدين.. كلاب."
أيوب خبط بإيده على رجله بغضب مكتوم. "يا ولاد الكلب! قتلو*ا أبوكي عشان يسرقوا حقه، وخطفوكي عشان إنتي الوريثة الوحيدة. حبسوكي في العتمة دي كلها عشان يمو*توكي بالبطيء من غير ما يلوثوا إيديهم بد*مك. عشان كده المليون جنيه متهونش عليهم. السلسلة دي فيها سر، أو إنتي وجودك حية هو الدليل على جر*يمتهم."
"عزت هيمو*ت أيوب؟" سألت فتنة برعب.
"محدش بيمو*ت ناقص عمر يا فتنة. هما معاهم الفلوس والسلا*ح والبلطجية، بس إحنا معانا اللي عينه مبتنامش. ربنا سبحانه وتعالى أقوى من عزت ومن اللي وراه."
مرت الساعات بطيئة على أعصابهم. لما الفجر شقشق وبدأ النور الخفيف ينتشر، أيوب عرف إنهم ميعرفوش يفضلوا في الغية أكتر من كده. صاحب الغية ممكن يطلع يعلف الحمام في أي لحظة.
قام أيوب بصعوبة، وسند فتنة. "يلا يا فتنة.. لازم نتحرك قبل ما الناس تصحى."
نزلوا من الغية، ولقوا باب السطح اللي كانوا فيه مفتوح. نزلوا السلالم بحذر شديد، لحد ما وصلوا لشارع جانبي هادي.
"هنروح فين يا أيوب؟" فتنة سألت وهي ماسكة في دراعه كأنه طوق نجاة.
أيوب فكر ثواني. "مفيش مكان في القاهرة آمن. البلطجية دول عيونهم في كل حتة. إحنا محتاجين مكان الحكومة نفسها بتوه فيه.. مكان ملوش خريطة."
افتكر "جابر".. جابر ده كان زميله في الجيش من خمس سنين. كان جدع وصاحب صاحبه، ولما خلصوا جيش، جابر رجع منطقته في "منشية ناصر"، حي الزبالين. المنطقة دي عبارة عن جبل ومتاهة من العشش والبيوت العشوائية وأكوام إعادة التدوير. مفيش غريب يقدر يدخل هناك من غير ما أهل المنطقة يعرفوا، والبلطجية بتوع عزت بيه ميقدروش يبرطعوا هناك لأن ليها ناسها وقوانينها.
مشيوا في شوارع القاهرة اللي بدأت تصحى.
أيوب كان بيحاول يمشي في الشوارع الجانبية ويتجنب الميادين الكبيرة. كان بيمشي وهو بيسحب رجله سحب من الإرهاق والجوع والوجع.
فتنة لأول مرة، هي اللي كانت بتسنده. كانت بتحط إيدها حوالين وسطه، وبتشجعه يمشي. البنت اللي كانت بتترعب من النور، بقت بتمشي في عز النهار عشان تنقذ الراجل اللي حماها.
بعد رحلة عذاب استمرت ساعات في مواصلات ومشي في طرق متكسرة، وصلوا لمنشية ناصر.
المكان كان غريب ومخيف بالنسبة لفتنة. جبال من الأكياس البلاستيك والكرتون، ريحة صعبة جداً، ناس رايحة وجاية شايلة شولة على ضهرها، عربيات كارو، وأطفال بتلعب في وسط الزبالة.
بس أيوب كان حاسس بشوية أمان هنا. سأل كذا حد على "جابر العفي"، لحد ما عيل صغير شاورله على بيت طوب أحمر ملوش محارة في آخر حارة ضيقة ومسدودة.
أيوب وصل للباب الخشب المكسر، وخبط عليه بضعف.
"مين اللي بيخبط على الصبح كده؟" صوت جابر طلع من جوه.
"أنا أيوب يا جابر.. افتح يا صاحبي."
الباب اتفتح. جابر، شاب طويل وعريض، وشه مليان هباب، كان لابس فانلة حمالات وبنطلون مكرمش. أول ما شاف أيوب، عينيه وسعت بذهول.
"يا نهار أسود! أيوب؟ إيه اللي هبب فيك كده؟ الد*م ده كله منين؟ ومين الحرمة اللي متغطية وراك دي؟"
أيوب ابتسم بضعف، ومقدرش يصلب طوله أكتر من كده. سقط على ركبه قدام الباب.
"أمانة يا جابر.. خبينا.. رقبتنا مطلوبة." قالها أيوب قبل ما يغمى عليه للمرة التانية ويسقط على وشه.
فتنة صرخت ونزلت على الأرض تحضنه. جابر اتخض، بس بسرعة شال أيوب من على الأرض كأنه طفل صغير، ودخل بيه البيت، وفتنة دخلت وراهم وهي بتعيط.
بس اللي جابر وأيوب وفتنة مكنوش يعرفوه، إن في عيون تانية كانت بتراقبهم.
من ورا كومة خردة كبيرة في أول الحارة، كان في عيل صغير بيلعب، العيل ده طلع تليفون محمول قديم من جيبه، وضرب رقم وهو بيبص على باب جابر اللي اتقفل.
"ألو.. المعلم سيد؟ أنا شفت الواد اللي بتدوروا عليه.. أيوه، الأسمر المتعور واللي معاه البت المتغطية.. دخلوا بيت جابر العفي في منشية ناصر.. حلاوتي كام يا معلم؟"
الهروب نجح، بس الملاذ الآمن طلع فخ جديد. وعزت بيه ورجالته بقوا على بعد خطوات من إنهاء الحكاية في جبل الزبالين.