
رواية ثمن العروس الفصل العاشر10 بقلم اماني السيد
في صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس تنعكس فوق صفحة البحر الهادئة، بينما جلست غزل على أحد المقاعد المطلة على الشاطئ. كانت ترتدي فستانًا واسعًا بلون سماوي فاتح، وحجابًا أبيض زاد ملامحها رقة، بينما كانت نسمات البحر تحرك أطراف حجابها في هدوء.
جلس مختار إلى جوارها، وهو يتأمل البحر، ثم التفت إليها مبتسمًا.
ـ أول مرة أشوفك مرتاحة بالشكل ده... شكلك بتحبي البحر.
ابتسمت غزل وهي تنظر إلى الأفق.
ـ البحر بيخليني أحس إن الدنيا أوسع من همومنا... وإن أي وجع مهما طال، آخره يعدي.
نظر إليها مختار للحظات، ثم نهض قائلًا:
ـ استنيني... هجيب لنا حاجة نشربها.
هزت رأسها بابتسامة.
ـ حاضر.
ابتعد مختار في اتجاه الكافيه، وما إن غاب عن أنظارها حتى توقفت أمامها ليلى.
كانت ترتدي فستانًا قصيرًا ونظارة شمسية تخفي جزءًا من ملامحها، لكن ابتسامتها الساخرة كانت كافية لتكشف ما بداخلها.
خلعت نظارتها ببطء وقالت وهي تنظر إلى غزل بتعالٍ:
ـ فاكرة إنك ممكن تتحديني؟
رفعت غزل عينيها إليها بهدوء، ثم سألت باستغراب صادق
ـ أتحداكي... بصفتك إيه؟
عقدت ليلى ذراعيها وقالت بثقة:
ـ بصفتي الست اللي كانت في حياته قبلك.
ابتسمت غزل ابتسامة هادئة، ثم قالت:
ـ انتي بالنسبة لي واحدة غريبة... معرفكيش، ولا بيني وبينك أي حاجة.
اقتربت ليلى خطوة، وهمست بثقة:
ـ متأكدة؟ ولا شكلك بتحاولي تقنعي نفسك؟
وقفت غزل في هدوء، وعدلت طرف حجابها، ثم نظرت إليها بثبات وقالت:
ـ جوزي من ساعة ما شافك، وأنا معاه... ولا مرة شوفته بصلك. يبقى أنا أتحداكي ليه؟
اشتعلت نظرات ليلى.أما غزل فأكملت بنفس الهدوء:
ـ التحدي بيكون مع حد أنا شايفاه خطر... لكن انتي؟ انتي أصلًا مش في بالي. لو مختار كان اداقى ريق يا ليلي مكنتيش هتجرى وراه
في تلك اللحظة عاد مختار يحمل العصير، فتراجعت ليلى بسرعة، ورسمت على وجهها ابتسامة مصطنعة، ثم مرت بجواره وكأنها كانت تتمشى لا أكثر.
نظر مختار إلى غزل وهو يناولها الكوب، ولم ينتبه حتى لوجود ليلى، بينما كانت الأخيرة تبتعد وهي تكتم غيظها، وقد تلقت أول هزيمة حقيقية أمام زوجته.
انتوا من العصير وقاموا ليتمشوا على البحر
واثناء تمشيتهم اتى اتصال لمختار واستاذن مختار من غزل ثم ابتعد مختار عن غزل للحظات بعدما تلقى اتصالًا عاجلًا من الشركة. كان يعلم أنه في إجازة، لكنه اعتاد أن يكون حاضرًا في كل صغيرة وكبيرة، لذلك اعتذر منها بابتسامة سريعة وطلب منها أن تتمشى قليلًا على الشاطئ ريثما ينهي المكالمة. هزت غزل رأسها في هدوء واتجهت نحو المياه، تسير بخطوات بطيئة فوق الرمال الناعمة، بينما ظل مختار يقف بعيدًا عنها يتحدث في الهاتف بملامح جادة.
كانت ليلى تراقبهما منذ البداية، تنتظر تلك اللحظة التي يصبح فيها بمفرده. وما إن أنهى مكالمته وأعاد الهاتف إلى جيبه حتى تقدمت نحوه بخطوات ثابتة، وكأنها تعرف أنه لن يستطيع أن يتركها دون أن يسمع ما تريد قوله.
تنهد مختار بضيق عندما رآها تقترب، وقال ببرود واضح: "واضح إنك مش ناوية تسيبي الموضوع ينتهي.
ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة، لكنها كانت تخفي خلفها وجعًا حقيقيًا، ثم وقفت أمامه وقالت بصوت خافت: ـ ينتهي؟ هو بالنسبة لك انتهى فعلًا؟"
لم يجبها، فاكتفت بالنظر إلى البحر قبل أن تقول:
ـ فاكر أول مرة؟ كنت وقتها بتحكيلي عن أحلامك، وعن الشركة اللي هتكبر، وكنت بتقولي إن أول نجاح هتحققه هيكون بداية حياتنا سوا. كنت بتتكلم عن المستقبل وكأنه مكتوب باسمنا إحنا الاتنين."
أشاح مختار بوجهه عنها وهو يقول بنفاد صبر: "الماضي انتهى يا ليلى."
ضحكت ضحكة قصيرة امتزجت بالسخرية بالألم، ثم رفعت عينيها إليه قائلة:
ـ انتهى؟ بالبساطة دي؟ يعني كل الوعود اللي وعدتهالي... كل مرة كنت تمسك إيدي وتقولي إن مفيش ست هتاخد مكاني... كل ده كان كلام؟"
ظل صامتًا، لكنها لم تمنحه فرصة للهروب.
ـ إنت كنت بتحبني يا مختار... أو على الأقل ده اللي خلتني أصدقه. كنت تقولي إنك مستعد تحارب الدنيا كلها علشاني، وإن يوم جوازنا هيكون أسعد يوم في حياتك. قولي بقى... إزاي الراجل اللي قال الكلام ده يلبس دبلة مع واحدة تانية؟"
تنهد مختار ببطء، ثم نظر إليها نظرة خالية من أي انفعال وقال:
ـ لأن الحياة مش بتقف عند حد. إحنا انفصلنا، وكل واحد فينا كمل طريقه وانتى اللى طلبتى الانفصال ده لما فلست
هزت رأسها بقوة وهي تقترب خطوة أخرى، حتى أصبح صوتها بالكاد يُسمع:
ـ لا... متقولهاش بالطريقة دي. إنت مش كملت طريقك... إنت خنتني. خنت كل وعد، وكل حلم، وكل كلمة حب قولتهالي انا ماتخلتش عنك ولا سبتك وارتبط بحد تانى انا كنت مصدومه وبعدت فتره عشان اسيبك تحس انى بضيع منك فتحارب عشان
ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة، لكنها كانت تخفي خلفها انكسارًا لم تستطع إخفاءه هذه المرة. خفضت عينيها للحظات، ثم رفعت نظرها إليه وكأنها تبحث في ملامحه عن الرجل الذي أحبته يومًا.
قالت بصوت مرتجف:
ـ عارف إيه أصعب حاجة؟ إنك واقف قدامي كأنك بتتكلم مع واحدة غريبة... كأننا عمرنا ما كان بينا حاجة."
ظل مختار صامتًا، فاسترسلت وهي تبتسم بمرارة.
ـ أنا حاولت أنسى يا مختار... والله حاولت. كل الناس قالتلي الأيام بتنسي، وإن أول ما أدخل علاقة جديدة هنساك، لكن كل مرة كنت أوافق أقابل حد... كنت بلاقي نفسي بقارنه بيك، فأقوم وأمشي. كل مرة كنت بفتكر ضحكتك، وطريقتك وإنت بتتكلم عن أحلامك، وإنت ماسك إيدي وبتقولي:
ـ أنا هتعب دلوقتي... بس علشان اليوم اللي أقدر أديكي فيه الحياة اللي تستحقيها."
تنهدت وهي تنظر إلى البحر، وكأن الأمواج تحمل إليها الذكريات.
ـ فاكر أول هدية جبتها لي؟ كانت سلسلة دهب عليها اول حرف من اسمنا
أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم أكملت بصوت أكثر وجعًا:
ـ فاكر وإحنا كنا بنقعد بالساعات نحلم ببيتنا؟ كنت تقولي إن أوضة الأطفال هتكون لونها أزرق لو جه ولد، ووردي لو بنت... كنت بتتكلم عن ولادنا قبل ما يبقى عندنا حتى شقة. أنا عشت الأحلام دي كلها وانت عشتها معايا قولى قدرت تعيشها مع حد غيرى غيرى امته ولما صحيت، لقيتك بتحققها مع واحدة تانية."
زفر مختار بضيق، لكنه لم يقاطعها.
اقتربت منه أكثر، وقالت وهي تحدق في عينيه:
ـ إنت عارف أنا ليه متأكدة إنك ما اتجوزتش غزل عن حب؟
قطب حاجبيه دون أن يرد.
ابتسمت ابتسامة ساخرة، وقالت:
ـ لأنى أعرفك أكتر من نفسك. أعرف إن قلبك عمره ما كان بيعرف يبدل بسهولة. وأعرف كمان إن توقيت جوازك جه بعد ما فؤاد بيه دخل شريك معاك وضخ استثماراته في الشركة."
صمتت لحظة، ثم أردفت بنبرة مليئة بالاتهام:
ـ كل الناس شافتها صدفة... لكن أنا لأ. فجأة الشركة وقفت على رجليها، وفجأة فؤاد قرر يستثمر معاك، وفجأة بعدها بشهور اتجوزت بنته. عايزنى أصدق إن كل ده مالوش علاقة ببعض؟"
اشتدت ملامح مختار، وقال بنبرة حاسمة:
ـ خلي بالك وإنتِ بتتكلمي يا ليلى.
لكنها لم تتراجع، بل قالت بثقة:
ـ رد عليا... لو فؤاد بيه ما كانش دخل حياتك باستثماراته، كنت هتتجوز غزل؟ ولا كنت هتفضل تدور عليا لحد ما ترجعني؟"
ساد الصمت بينهما لثوانٍ، ولم ينطق مختار بكلمة، ليس لأنه اقتنع بما قالته، وإنما لأنه فوجئ بأنها وصلت إلى هذا الاستنتاج.
ابتسمت ليلى عندما رأت صمته، وفسرته بالطريقة التي تريدها، ثم همست:
ـ شايف؟ حتى الرد مش عارف تقوله... لأنك عارف إن جوازك ده كان صفقة أكتر منه قصة حب."
اقتربت ليلى منه خطوة أخرى، ثم رفعت يدها ببطء وأمسكت بكفه قبل أن يتمكن من إبعادها. ارتجفت أناملها وهي تشبك أصابعها بأصابعه للحظة، وكأنها تتمسك بآخر خيط يربطها بالماضي.
همست بصوت اختلط فيه الحنين بالألم:
"نسيت...؟"
خفضت بصرها إلى يدهما المتشابكتين، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
ـ نسيت رعشة إيدينا أول مرة مسكت إيدي؟ فاكر يومها فضلت تضحك عليا وتقوللي: إيدك بتترعش ليه؟ وأنا كذبت عليك وقلتلك من البرد... مع إننا كنا في عز الصيف."
رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع تلمع داخلهما.
ـ مستحيل أصدق إنك نسيت يا مختار... مستحيل. الحب اللي بينا ماكانش حاجة تتنسي بالشكل ده."
حاول مختار أن يسحب يده، لكنها تشبثت بها أكثر، وكأنها ترفض أن تترك آخر ذكرى تجمعهما.
قالت بصوت أكثر هدوءًا، لكنه كان أشد وقعًا:
"أنا فهمت كل حاجة... وفهمت ليه اتجوزت غزل. شركتك كانت بتنهار، وفؤاد بيه ظهر في الوقت المناسب، وضخ استثماراته، وبنته بقت مراتك. أنا قادرة أستوعب إنك ضحيت بحبك علشان مستقبلك... يمكن أي راجل مكانك كان هيعمل كده."
ثم اقتربت أكثر حتى أصبحت كلماتها لا يسمعها سواه.
ـ لكن اسمعني كويس يا مختار... الجوازة دي مش هتكمل."
تجمدت ملامحه، بينما واصلت هي بنبرة واثقة غريبة:
ـ صدقني... مش هتكمل. لأن الراجل اللي حبني بالطريقة دي، مستحيل يعيش عمره كله مع واحدة تانية وهو مرتاح. هتيجي عليك لحظة تفتكرني فيها، وهتعرف إنك كنت بتضحك على نفسك."
في تلك اللحظة، انتزع مختار يده من بين أصابعها بقوة، ونظر إليها بنظرة حادة لم ترها في عينيه من قبل.
قال بصوت منخفض، لكنه كان يحمل من الصرامة ما جعل ابتسامتها تتلاشى:
ـ أوعي تعملي الحركة دي تاني."
ساد الصمت بينهما، فأكمل دون أن يرفع صوته:
ـ اللي بينا انتهى من يوم ما اخترنا نفترق. والنهارده أنا راجل متجوز، وإنتِ ملكيش أي حق تمسكي إيدي أو تتكلمي عن مراتي بالشكل ده."
اتسعت عينا ليلى، لكنها حاولت أن تتمالك نفسها.
أما مختار فأشار بيده في اتجاه غزل، التي كانت تقف على مسافة بعيدة تلتقط بعض الصور للبحر دون أن تنتبه لما يحدث.
وقال بحزم:
ـ شايفة الست اللي هناك؟ دي مراتي... واحترامها واحترام وجودها واجب عليكِ قبل ما يكون واجب عليا. وآخر مرة هسمح لحد يتدخل بيني وبينها."
تركها واقفة مكانها، واستدار عائدًا نحو غزل بخطوات ثابتة، بينما بقيت ليلى تنظر إلى ظهره في صمت، ثم همست لنفسها وقد تحولت دموعها إلى نظرة مليئة بالإصرار:
ـ لسه يا مختار... إنت فاكر إن المعركة انتهت، لكنها بالنسبة لي لسه ما بدأتش.
ظل مختار ينظر إلى ليلى للحظات بعدما أنهى حديثه معها، ثم استدار دون أن يمنحها فرصة لإضافة كلمة أخرى. كان يسير بخطوات سريعة نحو غزل، بينما كانت كلمات ليلى الأخيرة تتردد داخل رأسه رغم محاولته تجاهلها.
اقترب من غزل، فوجدها تقف عند حافة البحر، تراقب الأمواج وهي تتكسر فوق الرمال. ما إن شعرت بوجوده حتى التفتت إليه مبتسمة، لكنها سرعان ما انتبهت إلى التغير الذي طرأ على ملامحه.
قالت بقلق: "مالك؟ حصل حاجة؟"
أخرج زفيرًا طويلًا قبل أن يجيبها:
ـ للأسف في مشكلة كبيرة في الشركة، ولازم أنزل القاهرة حالًا. كنت ناوي أكمل معاكي شهر العسل، لكن الظاهر هيتأجل.
لم تسأله عن طبيعة المشكلة، ولم تعاتبه، فقط ابتسمت ابتسامة هادئة أخفت بها خيبة أملها وقالت: ـ ولا يهمك... الشغل مسئولية، وربنا يسهلها.
نظر إليها للحظة، وشعر بوخزة ضمير. كان يعلم أنها كانت تنتظر هذه الأيام لتقترب منه، لكنه في المقابل لم يكن قادرًا على ترك كل ما يحدث داخل الشركة.
قال بصوت خافت: "أنا آسف."
هزت رأسها برفق.
ـ متعتذرش... إن شاء الله نعوضه بعدين."
لم يستغرق تجهيز الحقائب وقتًا طويلًا. كانت غزل ترتب ملابسها في صمت، بينما كان مختار يغلق الحقيبة بعجلة، يتلقى الاتصالات الواحدة تلو الأخرى. وبعد أقل من ساعة، كانا يغادران الفندق في طريقهما إلى القاهرة.
جلس مختار خلف المقود، وانطلقت السيارة تشق الطريق الطويل.ساد الصمت بينهما.
كانت غزل تنظر من نافذة السيارة إلى الطريق الممتد أمامها، بينما كان مختار يقود وعقله غارقًا في عشرات الأفكار وكلمات ليلى، ونظرتها وهي تؤكد له أن زواجه لن يكتمل.
لاحظت غزل شروده أكثر من مرة، لكنها آثرت الصمت. أدركت أن سؤاله الآن لن يغير شيئًا، وربما يزيده ضيقًا.
بعد نحو ساعة، قطع رنين هاتفها ذلك الصمت.
ابتسمت عندما ظهر اسم نوال على الشاشة.
أجابت بسرعة: "ألو... وحشتينى ياماما
جاءها صوت نوال دافئًا كعادته: "وحشتينى يا غزل. عاملة إيه؟ ومختار عاملك إيه؟"
ابتسمت غزل بخجل، ثم قالت: "الحمد لله يا ماما احنا كويسين .
سألتها نوال بحماس: "ها... اتبسطتوا فى شهر العسل؟"
ترددت غزل لحظة، ثم أجابت بهدوء: "إحنا... راجعين دلوقتى."
ساد الصمت لثوانٍ.ثم قالت نوال بدهشه
ـ راجعين؟! راجعين ليه؟"
ـ .. حصلت مشكلة في الشركة، ومختار اضطر يقطع شهر العسل."
تنهدت نوال بضيق، لكنها لم تُرِد أن تُشعر ابنتها بشيء.
ـ ربنا يسهل له يا بنتي... أهم حاجة متزعليش، الأيام لسه قدامكم."
ـ إن شاء الله يا ماما.
أنهت غزل المكالمة وهي تحاول أن تبدو طبيعية، لكن نوال لم يطمئن قلبها.
وضعت الهاتف أمامها، وظلت تحدق فيه لثوانٍ طويلة.كانت تعرف ابنتها جيدًا...غزل لا تشتكي.
حتى لو كان قلبها مكسورًا، ستقول إنها بخير.
تمتمت لنفسها بقلق:
ـ لا... أكيد في حاجة."
تذكرت نظرات ليلى في الحفل، والطريقة التي كانت تراقب بها مختار، ثم تذكرت أيضًا أن غزل لم تذكر أي تفاصيل عن الرحلة، ولم يكن في صوتها الحماس الذي تسمعه من أي عروس جديدة.
نهضت من مكانها بحسم، واتجهت إلى غرفتها وهي تقول:
ـ أنا هروح أشوف بنتي بنفسي."
ثم توقفت فجأة، وقد عقدت حاجبيها وهي تسترجع مشهد الحفل مرة أخرى.
ـ ولازم أتكلم مع مختار.
كانت ترى أن مختار شاب محترم، لكنها شعرت أنه يتعامل مع وجود ليلى باستهانة، وكأن تجاهلها وحده يكفي لإنهاء الأمر.
هزت رأسها بحزم وقالت:
ـ الست دي مش هتسكت... ولو مختار مفوقش لنفسه، وحدد لها حدود من البداية، هتفضل تدخل بينهم لحد ما تخرب بيتهم. وأنا مش هسمح إن بنتي تبدأ جوازها وهي عايشة في دوامة الماضي.
وصلت نوال إلى الفيلا قبل وصولهما بحوالي نصف ساعة. كانت تجلس في غرفة الاستقبال، وعيناها لا تفارقان باب الفيلا، تشعر بقلق لم تستطع تفسيره. منذ أن أغلقت الهاتف مع غزل، وقلبها يخبرها أن ابنتها تخفي شيئًا، وأن ما حدث في رحلة شهر العسل أكبر من مجرد مشكلة طارئة في الشركة.
وبعد دقائق، توقفت سيارة مختار أمام الفيلا.
هبط أولًا من السيارة، ثم اتجه إلى الباب الآخر وفتح لغزل، فأخذت حقيبتها الصغيرة وهي ترسم ابتسامة متعبة ما إن رأت والدتها.
أسرعت نوال تحتضن ابنتها، ثم أمسكت بوجهها بين كفيها تتأمله في صمت.
ـ وحشتيني يا حبيبتي."
ابتسمت غزل وهي تحاول طمأنتها.
ـ وإنتِ أكتر يا ماما."
لم يفت نوال شحوب وجه ابنتها، لكنها لم تعلق. اكتفت بأن ربّتت على كتفها وقالت:
ـ اطلعي غيري هدومك وارتاحي شوية... وأنا هستناكى انا قاعده مع طنط وساره مستنينكم ."
هزت غزل رأسها وصعدت إلى الطابق العلوي، بينما وقف مختار يراقبها حتى اختفت خلف باب غرفتهما.
وما إن تأكدت نوال من ابتعادها، حتى التفتت إلى مختار، وقالت بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
"ممكن أقعد معاك شوية؟"
أدرك مختار من نبرة صوتها أن الحديث لن يكون عابرًا، فأشار إليها بالجلوس.
جلسا متقابلين، وساد بينهما صمت قصير قبل أن تقطعه نوال.
ـ أنا هسألك سؤال واحد... وعايزاك تجاوبني بصراحة."
نظر إليها مختار في هدوء.
ـ اتفضلي."
ثبتت نوال عينيها في عينيه وقالت:
ـ ليلى عايزة إيه منك؟"
تغيرت ملامحه للحظة، لكنه سرعان ما تماسك.
ـ حضرتك تقصدي إيه؟"
قالت بلهجة أكثر صرامة:
ـ متجاوبنيش بسؤال. أنا شفت بعيني نظراتها في الحفلة، وشفت إصرارها إنها تقرب منك، وغزل كلمتني النهارده، وصوتها كان كفاية أعرف إن حاجة حصلت."
تنهد مختار وقال:
ـ صدقيني يا طنط... الموضوع انتهى من زمان."
ابتسمت نوال بسخرية خفيفة.
ـ انتهى عندك يمكن... لكن واضح إنه ما انتهيش عندها."
صمت مختار.
فأكملت وهي تميل بجسدها قليلًا إلى الأمام:
ـ انا مش جاية أحقق معاك، ولا أشكك في أخلاقك. أنا واثقة فيك، وإلا ما كنتش وافقت أجوزك بنتي."
ثم تغيرت نبرة صوتها تمامًا، وأصبحت أكثر حدة.
ـ لكن هقولك حاجة، وأتمنى تسمعها كويس."
توقف مختار عن الكلام، وتركها تكمل.
ـ غزل بنتي عمرها ما حبت قبل كده، ودخلت بيتك وهي شايلة قلبها بين إيديها. لو في يوم رجعتلي مكسورة بسبب إن الماضي رجع يطاردها... أقسم بالله هعتبرك أنت السبب."
عقد مختار حاجبيه، لكنه لم يقاطعها.
وأضافت نوال بثبات:
ـ الست دي مش جاية تسلم عليك، ولا جاية تباركلك. الست دي جاية تهد بيتك، وكل دقيقة هتسيبها تقرب منك هتديها أمل إنها تقدر تدخل بينكم."
قال مختار بجدية:
"أنا مديتهاش أي فرصة."
هزت نوال رأسها نفيًا.
ـ لأ... إديتها."
نظر إليها باستغراب.:
لأنك لحد دلوقتي بترد عليها، وبتسمحلها توقفك وتكلمك. الراجل المتجوز لما الماضي يخبط على بابه، ميفتحلوش علشان يقنعه إنه انتهى... يقفله في وشه من أول مرة."
ساد الصمت بينهما، ثم قالت وهي تنظر إليه نظرة مباشرة:
اسمعني يا مختار... لو ليلى وقفت قدامك، امشي. لو اتصلت بيك، اقفل. لو بعتتلك رسالة، امسحها من غير ما تقراها. متحاولش تثبتلها إنك نسيتها... لأن مجرد وقوفك تسمعها بيديها إحساس إنها لسه ليها مكان."
ثم وقفت من مكانها، وقالت بنبرة حملت تحذيرًا واضحًا:
وأهو بأقولها قدامك... لو حسيت إن بنتي دمعة واحدة نزلت من عينيها بسبب الست دي، مش هسكت. ساعتها مش هبصلك على إنك جوز بنتي... هبصلك على إنك الراجل اللي كسرها."
ظل مختار جالسًا في مكانه، ينظر إلى الأرض في صمت. لم يغضبه حديث نوال، بل شعر بثقل المسؤولية التي وضعتها على كتفيه.
وفي الطابق العلوي، كانت غزل تقف أمام خزانتها تبدل ملابسها، غير مدركة أن والدتها في الأسفل قد أعلنت لتوها بداية معركة لن تسمح لأحد أن تخسر فيها ابنتها.
بعد دقائق، كانت غزل قد بدلت ملابسها وارتدت عباءة منزلية واسعة وحجابًا بسيطًا، ثم نزلت إلى الطابق السفلي بعدما انتهت من ترتيب الغرفة. وما إن دخلت المطبخ حتى وجدته خاليًا.
نظرت حولها باستغراب.
ـ ماما؟"
لم يجبها أحد. ابلغتها حماتها انهم فى المكتب يتحدثون وطلبت منها ان تبلغهم إن الغداء جاهز
اتجهت نحو باب المكتب بخطوات هادئة، وما إن رفعت يدها لتطرق الباب، حتى وصلها صوت والدتها من الداخل، فتوقفت دون قصد.
كان صوت نوال هادئًا، لكنه يحمل حسمًا واضحًا.
ـ أنا وافقت على الجوازة دي علشان كنت شايفة إن بنتي هتبقى في أمان معاك."
انعقد حاجبا غزل.
لم تكن تنوي التنصت، لكنها تجمدت عندما سمعت اسمها.جاءها صوت مختار منخفضًا:
ـ وأنا وعدت حضرتك إنها هتكون في أمان."
تنهدت نوال،
ـ انا قولتلك جوازك من بنتى مقابل انى اسدد الديون واخلى فؤاد يستثمر فى شركتكم ووقتها هترجعوا تانى ... وانت وافقت ... لكن ده مش معناه إنك لما تقف على رجلك تسيب بنتى وتجرحها وقتها يا مختار تبقى بتعادينى انا عرفت إن ليلى راحت وراكوا شهر العسل ومتسالنيش إزاى او من مين
لكن يا مختار يوم ما بنتى تعيش حزينه او تعيسه وقتها انا اللى هقفلك
وقفت غزل مكانها كأن الزمن توقف فجأة.
لم تعد تشعر بقدميها، ولا بالطابق الذي تقف عليه، ولا حتى بالباب الفاصل بينها وبين المكتب.
كانت تسمع صوت والدتها من الداخل، لكن الكلمات لم تعد تصل إلى عقلها كاملة... كانت كل جملة ترتطم بقلبها قبل أذنها.
"...أنا اللي عرضت عليك الجواز من غزل..."
"...فؤاد هيسدد ديونكم..."
"...وهيدخل مستثمر في الشركة..."
أغمضت عينيها بقوة.
شعرت بأنفاسها تتسارع، وكأن الهواء اختفى من حولها.
بدأت تربط الأحداث ببعضها دون وعي...
حديث ليلى وثقتها من حب مختار لها ...هل كانت تعلم ؟؟
واليوم تسمع والدتها بنفسها تؤكد أن عرض الزواج جاء مع إنقاذ الشركة من أزمتها.
رفعت يدها ترتجف، وأسندتها إلى الحائط حتى لا تسقط.
تمتمت بصوت بالكاد خرج من بين شفتيها:
"يعني... كان عندها حق؟"
بدأت الدموع تتجمع في عينيها دون أن تشعر.
تذكرت كل شيء...
تذكرت كيف كان مختار يوم كتب الكتاب شارد الذهن.
وكيف انشغل بالعمل طوال فترة الخطوبة.
وكيف قطع شهر العسل بعد يومين فقط.
وكيف وقف صباح اليوم يتحدث مع ليلى.
كل المواقف التي كانت تجد لها أعذارًا... تجمعت الآن في صورة واحدة.
صورة جعلت قلبها يصدق أسوأ الاحتمالات.
انزلقت دمعة ساخنة فوق خدها.
ثم تبعتها أخرى.
وضعت يدها على فمها تكتم شهقة كادت تفضح وجودها.
كانت تريد أن تفتح الباب...
أن تدخل وتسأل مختار سؤالًا واحدًا.
ـ لما وافقت تتجوزني... كنت شايفني أنا؟ ولا كنت شايف شيكات بابا؟"
لكنها لم تستطع.
كانت تخشى الإجابة أكثر من السؤال نفسه.
تراجعت خطوة إلى الخلف، ثم أخرى.
كل خطوة كانت تشعرها أن الأرض تهرب من تحت قدميها.
وفي داخل المكتب، كان الحوار لا يزال مستمرًا، دون أن يدرك أحد أن غزل تقف في الخارج، وأن عالمها الذي بنته خلال الأيام الماضية بدأ ينهار بصمت.
مسحت دموعها بسرعة بطرف كم عباءتها، وحاولت أن تستعيد هدوءها، لكن عينيها كانتا قد احمرتا بشدة.
همست لنفسها بصوت منكسر:
ـ انا كنت فاكرة إن ربنا عوضني... طلع أنا مجرد حل لمشكلة."
استدارت ببطء، وغادرت الممر بخطوات متثاقلة، بينما كانت دموعها تنساب على خديها في صمت... ليس لأنها سمعت أن والدتها ساعدت مختار، بل لأنها أصبحت تخشى أن تكون هي نفسها... ثمن تلك المساعدة.