رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل الحادي عشر11 بقلم هاجر سلامة

رواية اسيرة كبير الاحفاد الفصل الحادي عشر11 بقلم هاجر سلامة
 

تسللت خيوط الفجر الأولى لتكشف عن أجواء شديدة البرودة داخل جناح همّام ولِيال، حيث قضى كلاهما الليل بطوله في جفاء صامت. 
كان همّام يجلس على مقعده الخشبي في زاوية الغرفة، وعيناه المحمرتان من قلة النوم تحدقان في الفراغ، بينما غلّفت الغيرة الشرسة ملامحه الرجولية القاسية.
 أما لِيال، فكانت ترتدي جلباباً أسود بسيطاً، وتجلس عند النافذة المغلقة، تتأمل حريتها المسلوبة بقهر وعجز حقيقيين لم تنطق بكلمة واحدة ولم تمنحه حتى نظرة عتاب فقد أدركت أن غرام هذا الرجل الصعيدي ما هو إلا حصار محكم يطمس أحلامها ويدفن شهادتها التي حاربت لأجلها سنين طوال في بلاد الغربة.
تحرك همّام ببطء، وارتدى شاله الأبيض الفاخر ووضع سلا....حه الناري في حزام جلبابه، ثم تقدم نحوها ووقف بطوله الفارع ليحجب عنها ضوء النهار الضعيف.
 نظر في عينيها الملونتين المليئتين بالبرود القاتل، وتحدث بنبرة هادئة تحمل في طياتها أمراً حاسماً وعشقاً غامضاً لا يلين:"أنا نازل عاد البندر مع جدي لجل مجلس الصلح الكبير بين عائلات المراكز والحديث مش هينتهي قبل العصر واصل. قعادك في الأوضة دي هنا بأمري والباب هقَفله عليكي بالمفتاح الخارجي لجل ملمحش رجلك خطت برة عتبة الدار واصل المصنع وعلامك والشغل ده تنسيه خالص يا بت صالح، لحد ما عقلك ينشف ويرجع للأصول الصوح وتعرفي إنك حُرمة همّام ولد عامر، ومفيش مخلوق في الدنيا يلمح طولك واصل."
رفعت لِيال رأسها ونظرت في عمق عينيه السوداوين المشتعلتين، وقالت بنبرة جافة وقوية تعكس عنادها الأزلي:"اقفل الباب يا همّام، واقفل النوافذ بالحديد كمان لو رايد إنت مش حابس جسمي وبس، إنت عتحبس غرامك جوة جلبي وعتخليني أكره اليوم اللي شوفتك فيه واصل الشهادة اللي تعبت فيها وسهرت ليلها والوعد اللي وعدته لأمي الله يرحمها إني أكون مهندسة ناجحة، إنت دوسته برجلك لجل غيرتك المريضة وعقدك القديمة. اخرج وعاود للبندر، بس افتكر زين إن السجان مستحيل يطول جلب أسيره واصل!"
صك همّام على أسنانه بقوة، وعروق رقبته برزت من الغيظ وألم الكلمات التي تذبح كبرياءه، لكنه لم ينطق بحرف آخر
استدار بخطوات واسعة ثقيلة، وخرج من الجناح، وقام بغلق الباب الخشبي الثقيل بالمفتاح عدة مرات، ليدوي صوت القفل الحديدي في ردهات القصر كأنه إعلان رسمي عن استمرار حبسها وتجدد معاناتها.

انطلق موكب الحاج عبد الرحيم ومعه عامر وهمّام ورجالهم المسلحون نحو البندر لحسم مجلس الصلح، ليخلو القصر الكبير تماماً من هيبته ورجاله الأشداء، ولا يتبقى فيه سوى الحريم وبعض الحراس الكسالى عند البوابة الخارجية الرئيسية. 

في تلك الأثناء، كانت خيوط المؤامرة الخبيثة التي حاكها العم منصور مع مطاريد الجبل تتحرك بسرعة الأفاعي وسط ظلام الشجر المحيط بالسور الخلفي للقصر.تسلل رجلان مدججان بالسلاح الآلي من وراء الأشجار الكثيفة، ونجحا في تسلق السور الحجري القديم من الناحية الخلفية المؤدية إلى حديقة الحريم، حيث كانت الأجواء ساكنة تماماً.
 تحركا بخطوات خفيفة ومدروسة بناءً على الخريطة التي منحها لهما منصور، ودخلا من الباب الجانبي للمطبخ الذي اعتادت الشغالات تركه مفتوحاً في الصباح الباكر. صعد المطاريد السلالم الخلفية المهجورة المؤدية إلى الطابق الثالث مباشرة، حتى وقفا أمام جناح لِيال المحبوسة.
أخرج أحد الرجال آلة حديدية مدببة، وبمهارة إجرامية فائقة نجح في كسر قفل الباب الخشبي دون إحداث جلبة تذكر. 
دُفع الباب فجأة لتنتفض لِيال من مكانها بذهول ورعب حقيقي وهي ترى رجلين غريبين بملامح وحشية وأثواب رثة يقتحمان خلوتها وسلاحهما موجه نحو صدرها.
 حاولت الصراخ والاستنجاد، لكن أحدهما هجم عليها بسرعة البرق ووضع كفه الغليظة فوق فمها ليكتم أنفاسها، بينما قام الآخر بتقييد يديها خلف ظهرها بحبل متين.
تحدث المطاريد بصوت جهوري واطئ يحمل وعيد الموت:"إخرسي واصل يا بت حسك لو طلع أو سمعنا دبه، هنفرغ السلاح ده في صدرك ونخلص منيكي هنا عمك منصور مستنيكي في المغارة الفوقانية لجل حساب قديم مع جوزك وجدك، ويلاه قدامنا من غير ولا حركة واصل!"
بكت لِيال بحرقة وقهر وهي تشعر بالرعب يسري في أوصالها، وحاولت المقاومة بكل ما أوتيت من قوة وعناد، لكن قواها الجسدية ضعفت أمام بطش الرجلين الأشداء الذين جروها بعنف شديد نحو السلالم الخلفية، وخرجوا بها خلسة وسط ظلام الأشجار، ليختفوا تماماً وسط دروب الجبل الوعرة، تاركين القصر خلفهم يغرق في فضيحة جديدة ستقتلع الأخضر واليابس.

وفي العصر، عاد موكب همّام وجده إلى القصر بعد انتهاء مجلس الصلح بنجاح كبير. كانت هيبة همّام تسبق خطواته، وشعر بشوق غريب وحارق يمزق صدره لرؤية لِيال؛ فرغم عنادها وجفائها، إلا أن وجودها في حياته أصبح بمثابة الأكسجين الذي يتنفسه. 
صعد الدرج نحو الطابق الثالث بسرعة هائلة، لكن خطواته تجمدت فجأة وتوسعت عيناه بصدمة مرعبة عندما رأى باب جناحه مفتوحاً على مصراعيه والقفل الحديدي مكسوراً وملقى على الأرض.
دلف همّام إلى الغرفة كالإعصار المدمر، وفتش في الزوايا وتحت الأسرة وصاح بأعلى صوته كالذئب الجريح:"لِيال!! لِيال!! أنتِ فين واصل؟! ردّي عليا يا بت صالح!!"
لم يجد سوى شالها الأسود ملقى على الأرض، وبجانبه بقايا حبل مقطوع أثبت له أن زوجته وحبيبته قد سُرقت من قلب عرينه.
 تحول وجه همّام إلى سواد قاتم كقطع الليل المظلم، وبرزت عروق جبينه وجسده بأكمله حتى كادت تنفجر، وتملكه جنون جحيمي فقد معه عقله تماماً.
 نزل السلالم بسرعة رهيبة وهو يصرخ في أرجاء القصر كالمجنون، ليجتمع الجد الحاج عبد الرحيم وعامر والحراس برعب حوله.
زعق همّام بصوت هز جدران القصر وأرعب الطيور في السماء:"مراتي اتخطفت من جوة بيتي وقفل داري!! الحرس اللي واجفين برة كيف البهايم يتضربوا بالنا..ر والدم الليلة!! منصور.. ورب العزة مفيش غيره الكلب ابن الكلب اللي عملها لجل يحرق جلبنا ويطول الأرض يمين بعزة الله لو لمس شعرة واحدة منيها، لكون شارب من دمه وهد الجبل كله فوق دماغه ودماغ الخلج اللي معاه واصل!!"
امتدت يد الحاج عبد الرحيم المرتجفة ليمسك بعضد حفيده وقال بصوت حزين وجهوري:"استهدى بالله يا همّام الغضب عيعمي العين، ومنصور اتجنن لجل الميراث والأرض! خد رجالك وسلاحك واطلع على مغارة الجبل اللي خابرينها، ونضف العا...ر ده بيدك واصل، وأنا في ضهرك يا ولد عامر!"
لم ينتظر همّام دقيقة واحدة؛ شحن سلاحه الآلي ووضعه على كتفه، وركب سيارته الدفع الرباعي وانطلق خلفه عشرات السيارات المليئة برجال عائلة عبد الرحيم المسلحين والأشداء، يشقون غبار الصعيد بسرعة جنونية نحو دروب الجبل الوعرة. 
كان قلبه ينزف من الخوف عليها؛ فتلك الفتاة المتمردة التي حبسها الليلة بيده ليدافع عن كبريائه، أصبحت الآن بين أيدي مطاريد لا يرحمون، وأدرك في تلك اللحظات المرعبة أن حياته بأكملها لا تساوي شيئاً إن أصابها مكروه، وأن رحلة الدم والبارود في جوف الجبل قد أعلنت رسمياً عن بداية معركة حياة أو موت لاستعادة عشقه الضائع.


تعليقات



<>