
رواية جامحه بقلبه الفصل الرابع عشر14 بقلم داليا السيد
غيبوبة
كوب القهوة تجمد بيده.. منذ منحه مسلم إياه وهو يقبض عليه بيداه دون أن ينظر حتى له
كانت نظراته ثابتة على باب العمليات، أربع ساعات مرت منذ دخولها من ذلك الباب ولم تخرج منه حتى الآن ولم يعرف ماذا يدور خلفه
الانتظار شيطان مخيف.. يأكل صاحبه ويحطم أعصاب صاحبه "مدام عنان تحاول الوصول لك"
لم يرفع عيونه عن الباب وهو يجيب "لا أرغب بأحد"
لحظة ثم تحركت عيونه لمسلم "لا أحد مسلم.."
بالطبع كلماته كانت تحمل معاني فهمها مسلم.. معركته مع نارا كانت واضحة ومنحت مسلم نبذة عن مزاج رحيم وبالتالي أي أحد الآن ممن يرفضون مهرة لن يكون وجوده مستحب
انفتح باب العمليات وخرجت ممرضة.. ماسك الوجه يغطي نصف وجهها.. نهض واقفا وتحرك لها ليقف أمامها قاطعها تقدمها "مدام مهرة.. ما أخبارها؟"
الفتاة كانت هادئة ولم تنزع الماسك وهي تنظر له لتجيبه "الجراحة كانت صعبة جدا والأطباء ما زالت معها، ادع لها"
وتحركت مبتعدة وظل عالقا حيث تركته.. الأطباء ما زالت معها.. ألم ينتهي الأمر؟ ألن تخرج له وتصارعه وتطالبه بالتحرر؟
لمسة من يد مسلم جعلته يفزع من داخله وتتحرك عيونه لمسلم الذي قال "مستر رحيم الطريق"
انتبه إلى أنه يسد الطريق فتراجع لمكانه.. تناول القهوة الباردة دفعة واحدة ومرارتها تمنحه عودة للواقع
ليعود الوقت للمرور والصداع ارتفع لرأسه حتى رأى الطبيب أخيرا يخرج بصبحة طبيب آخر فتحرك لهما والقلق بدأ يحوله لأسد جائع سيلتهم أي شيء أمامه
"كيف حالها؟"
تبادل الرجلان النظرات ثم واجه الطبيب المختص نظرات رحيم ليجيبه "الجراحة كانت تسير بشكل جيد حتى.. أصيبت فجأة بنزيف لم نفهم سببه وأخذنا وقت حتى نوقفه قبل أن نستكمل الجراحة"
زاغت نظراته بين نظرات الرجل وقلبه ينقبض بقوة وهو لا يفهم ما وراء الكلمات "وماذا؟ ما النتيجة بعد كل ذلك؟"
تنفس الرجل بهدوء مانحا رحيم دفعة جديدة لغضبه "الجراحة ناجحة وتم إزالة الورم كله لكن.. "
تراجعت الكلمات.. ارتفعت الظنون والشكوك داخله.. هل أصابها شيء غير متوقع.. هل ستموت بعد كل ذلك؟
حاول ألا يقبض على عنق الطبيب ويصرخ بوجهه بل اكتفى بأن جز على أسنانه لحظة قبل أن يسأله "ألا تتحدث دفعة واحدة دكتور"
تلون وجه الرجل ولم يأخذ وقت وهو يجيب "لم نعرف ما الذي سيترتب على النزيف الذي حدث لذا لا يمكننا الجزم بنجاح الجراحة قبل أن تفيق"
انحنى رحيم للأمام.. تجهم وجهه واحمرت عيونه وخرج صوته مخيف "ماذا تعني بذلك؟ ما الذي يمكن أن يصيبها؟ تحدث"
الأخيرة خرجت قوية بشكل جعل الطبيب يتراجع بعيدا عن وجه رحيم الذي منحه وصف لما يعتمر داخله الآن "لا أحد يعرف سيد رحيم.. قد تصيبها غيبوبة.. قصور بالسير أو الحديث.. أعراض كثيرة تتبدل من حالة لأخرى وقد لا يحدث أي شيء من ذلك"
فقد عقله.. ارتفع الجنون مكانه.. يداه قبضت على ملابس الطبيب وجذبه له بقوة هاتفا به بغضب ملأ كل كلمة من كلماته " لو أصابها شيء فالثمن سيكون غالي"
يد الرجل أمسكت يداه.. مسلم أسرع له.. الطبيب الآخر حاول التدخل والصراع اشتد "سيد رحيم أهدأ كلها مجرد تخمينات"
لكنه لم يكن يسمع، فقط شد على ملابس الرجل وعيناه تبخ نيران من الغضب وصوته كان فحيح الافعى "تخمينات!؟ والتخمينات هي ما تحدد مصير زوجتي؟ هل تعي ما تقول؟"
حاول مسلم تخليص الطبيب من رحيم بلا فائدة والطبيب ارتفع صوته "سيد رحيم اتركني من فضلك هذا تصرف.. "
رحيم لم يكن بعقله.. هو نفسه لم يكن موجود معهم.. كان بالداخل معها.. مع امرأة أرادها ولا يمكنه تقبل رحيلها هكذا بسهولة
"أنت لم ترى تصرفات رحيم العزايزي بعد، أنا أكرر كلماتي، لو حدث لها شيء.. فلن أرحم أحد منكم.. الحساب سيكون ثقيل.. ثقيل جدا وعلى الكل"
ونجح مسلم بجذبه بعيدا ونظراته تحرق الرجل الذي التف الموجودين حوله من القلق عليه ومسلم ورجلين من رجال رحيم يأخذانه لخارج المشفى ربما يهدأ
بالخارج السيجارة لم تمنحه أي شيء.. ومن واحدة لأخرى بدأ الغضب ينخفض لدرجة أقل ومسلم واقفا خلفه بخطوة.. يراقبه.. لا يتركه يغفل عن نظراته
كان قلق عليه وكذلك على زوجة رئيسه.. هو يرى مهرة غير ما يراها رحيم.. يرى مهرة الحقيقة ويتمنى لو رحيم يراها مثله
المساء نزل وعتمة الظلام لفته وهو جالسا بمكان قرب الباب الرئيسي خارج المشفى. أحرق من السجائر ما جعل صدره يصرخ حتى..
صوت مسلم اخترق دائرته التي أغلقها على نفسه منذ مشاجرته مع الطبيب.. أفكاره أخذته لكل ما هو سيء "الطبيب سمح بالزيارة.. بالعناية"
لم ينظر له، لم يكمل السيجارة بل دهسها تحت حذائه ونهض متحركا للمشفى ومسلم يتبعه دون تردد
وتحرك داخل الممرات التي لم يعرف كم مرة مشى بها وكم مرة سيمشي بها؟
خطواته ثابتة.. لكن رأسه ممتلئ بضجيج لا ينتهي.. كلمات الطبيب.. صوته.. كلمة نزيف.. لا نعلم.. تخمينات.. كلها تدور بلا توقف حتى..
توقف أمام غرف العناية الزجاجية، بحث عن غرفتها حتى وجدها.. الزجاج العازل يفصل بينه وبين الداخل..
رآها..
جسد ساكن.. أجهزة تحيط بها.. أسلاك أنابيب.. صوت منتظم يخترق السكون
بيب.. بيب.. بيب
شد فكه.. تحركت عضلة بوجهه.. يده ارتفعت.. ثم توقفت قبل أن تلمس مقبض الباب
للحظة.. تردد
هو.. الرجل الذي لم يتراجع يوما.. يقف الآن.. عاجزًا عن التقدم خطوة.. ثم..
دفع الباب.. ودخل.. الهواء بالداخل كان مختلف، بارد.. معقم وخانق. تقدم ببطء، كأن كل خطوة تُثقل عليه أكثر، حتى وقف بجوارها
ورآها..
لم تكن مهرة التي يعرفها؛ الهدوء الذي يغطيها.. لم يكن راحة، كان صمتا مخيفا، كأنها بعيدة، بعيدة جدا عنه
انخفضت عيونه على وجهها المتبقي من الضمادة الملفوفة حول رأسها.. شحوب واضح.. شفاه باهتة.. تعب لم يره فيها من قبل..
رفع يده.. لكنها.. توقفت للحظة بالهواء وكأنه لا يعرف.. هل له الحق؟
وانتصر ما بداخله والذي لا يفهمه.. لمس يدها.. باردة جعلت أنفاسه تتجمد لحظة حتى شدت يده على يدها دون وعي.. "مهرة.. "
خرج الاسم منه.. منخفض.. مبحوح، كأنه لم يصدر منه بتلك الطريقة من قبل
لا رد
فقط صوت الأجهزة فاقترب أكثر.. جلس على المقعد بجوار الفراش.. دون أن يترك يدها ونظراته لم تفارق وجهها
"لم يكن من المفترض أن يحدث كل هذا.. "
همس بالكلمات لنفسه.. أكثر منها ثم.. زفر نفسًا بطيئًا ومرر يده الحرة بشعره يحاول استيعاب ما يحدث
"ظننت أنكِ ستكونين الآن تنظرين لي بنفس قوتك، تجادليني.."
صمت لحظة.. ابتسامة باهتة مرت على شفتيه.. ثم اختفت "وتطلبين الرحيل.. الطلاق"
بلا وعي شد على يدها أكثر وكأن الكلمة تمزقه.. تقطع حتى أنفاسه
نبرته انخفضت أكثر "تقولي إنكِ لستِ بحاجة لي"
انخفض رأسه قليلا.. عيناه لم تبتعد عنها "حسنا.. انهضي وقوليها"
صمت.. ثواني قليلة.. لا شيء
ابتلع ريقه.. أنفاسه بدأت تختنق.. لكنه لم يبتعد "مهرة.. انهضي"
تلك المرة خرجت أقوى.. أمر وليس رجاء.. وكأنها تتجاوب معه لكنها.. لم تتحرك.. لم تفتح عيونها
سكنت ملامحه فجأة.. شيء داخله بدأ يتصدع.. كما لو أوشك على الانهيار من داخله..
رفع يده وبحذر لمس وجنتها.. لمسه حذرة.. خفيفة وكأنها قد تنكسر منه "أنا هنا"
همس بها.. ولأول مرة، لم تكن تهديد، ولا سيطرة.. كانت محاولة طمأنة، لها.. وله وسكت لحظة قبل أن يضيف "لن أتركك"
كلمات بسيطة.. لكنها خرجت ثقيلة، كأنها اعتراف لم يكتمل وظل جالسا، يراقب كل نفس، كل صوت، لا يتحرك ولا أحد قطع خلوته معها
لا يبتعد عنها، كأن ابتعاده قد يسحبها منه، ولأول مرة..
رحيم العزايزي.. لم يكن يخشى خسارة شيء.. بقدر ما خاف.. أن يخسرها هي
فتاة وقفت بجواره لفتت انتباهه.. سقطت نظراته عليها فمدت يدها له بورقة.. نظراته تحولت للورقة والفتاة تقول "كانت على فراش المدام بغرفتها"
ظل جامدا لحظة محاولًا فهم ما تقوله حتى استوعب.. ببطء رفع يده وقبض على الرسالة والفتاة تحررت خارجة
وبارتجافه واضحة بأصابعه فتح الورقة وقرأ الرسالة..
الدموع سكنت قلبه قبل عيونه التي توقف على آخر جملة
"وربما أنا أيضا لم أحبه صح.. "
وكان الرد على كل الشكوك التي زرعتها نارا داخله..
****
انتهى الاجتماع المؤجل منذ.. نسى عدد الأيام.. هو بالأساس لأول مرة يفقد التركيز باجتماع..
عقله شارد مع التي رحلت بغيبوبة ولم تفيق منها منذ اسبوعين والأطباء فشلت بمنحه أي حلول
تراجع بالمقعد والرجال تتحرك من حوله للخارج ونظراته الجانبية تعني أنهم يتفهمون ما يمر به..
أغمض عيونه المتعبة من السهر.. عبث بهما بأصابعه والصداع يعود رغم المسكنات والقهوة "سيد مرسي بالخارج"
لم يفتح عيونه.. بصعوبة مسلم أقنعه أن يترك المشفى ويتابع أعماله المتوقفة ربما يهزم ما يمر به بالمشفى..
"لا أرغب برؤية أحد"
انتهت الكلمات لكن مسلم لا يتوقف "اللقاء مؤجل من الاسبوع الماضي"
ظل صامتا وهلة ثم.. فتحها واعتدل "حسنا"
نهض ولم ينظر لمسلم الذي تأمل ملامح رحيم المجهدة.. شعر ذقنه الذي طال، ظلال تحت عيونه..
هو تقريبا لا ينام سوى ساعات لا تُذكر عندما يذهب لرؤية ابنته التي لا تتوقف عن البكاء وطلب رؤية والدتها
جذب كوب زجاجي وسكب مشروبه وكاد يرفعه لفمه لكن مسلم لمس ذراعه ليوقف يده بالكوب في الهواء "كفى مستر رحيم. أنت تقتل نفسك.. سجائر وقهوة وذلك المشروب بلا طعام.. أو راحة"
لم يواجه مسلم.. أي شيء يمكن أن يوقف عقله عن التفكير بها وبالذنب لأنه من دفعها للجراحة وهي من كانت ترفض والآن..
جذب يده من يد مسلم ودفع الكوب لفمه وتناوله وهو يبتعد ومسلم لا يتركه "مستر رحيم ابنتك بحاجة لك.. حتى مدام مهرة ستكون بحاجة لك عندما تفيق"
قبض على الكوب بقوة "ولكنها قد لا تفيق.. بماذا أجيب أيلا عنها؟"
أغمض عيونها ورؤية ابنته وهي تبكي تؤلمه.. تحرقه من الداخل ولا يعرف كيف يطفئ نيرانه
اقترب مسلم.. يعلم أن كلماته قد لا تؤثر به لكن مكانة رحيم عنده تستحق التجربة "دعها تذهب لرؤيتها"
التفت له.. عيناه تلونت بالسواد، وجهه جامد، رافض وصوته خرج حادا قاسيا، لكن لم يكن موجها لمسلم فقط.. كان يهرب
"ماذا؟ أي جنون هذا؟ هل تريدها أن ترى والدتها بهذا الشكل؟"
اقترب مسلم مرة أخرى منه حتى أصبح بمواجهته ولم يتراجع وقال "أفضل من ألا تراها نهائيا مستر رحيم ووقتها لن تحتاج لقول أي شيء"
ضاقت عيون رحيم، الكلمات كانت تصيبه بمكان لم يكن مستعدا لمواجهته..
أيلا..
صوت بكائها.. سؤالها المتكرر "أين مامي؟"
قبض على الكوب بقوة أكثر.. عروقه برزت وصدره ضاق وشعر بأن ثقل همومه أصبح لا يطاق وسمع نفسه يهمس "هي ما زالت صغيرة.. لن تتحمل وإن تحملت لن تفهم"
مال مسلم تجاهه وانخفض صوته "وإلى متى ستتحمل أنت؟"
سقطت الكلمات، ثقيلة.. مباشرة جعلت عيونه تزوغ على وجه مسلم ولم يرد.. لا يعرف أين الكلمات؟
ابتعد.. حتى توقف... أغمض عيونه وزفر نفسا طويلا.. متعبا ومسلم يضغط "امنحها الفرصة وربما تتبدل بها الأوضاع"
وسقط الصمت..
****
نفس الممرات اللعينة التي أصبح يكرها.. صوت خطواته يصل لأذنه من الهدوء المحيط من حوله.. خطواته لم تكن ثابتة بل مهزوزة
وصوله لباب العناية كان بلا شعور فقد حفظت قدماه الطريق لكن تلك المرة لم يكن وحده.. كان هناك يد صغيرة.. تمسك بيده
أيلا..
كانت تتحرك بجواره.. تحاول مجاراة خطواته الواسعة وهي تنظر حولها بفضول وخوف خفيف.. المكان مختلف.. بارد.. كبير وغريب
"بابي.. مامي هنا؟"
صوتها وصله.. بريء.. طبيعي وكأنه لم يحمل كل هذا الثقل.. توقفت خطواته. نظر للأسفل.. لها
للحظة لم يجد كلمات ليجيب بها ومع ذلك فتح فمه.. ثم أغلقه لحظة حتى عاد وقال بصوت منخفض "نعم.. مامي هنا"
ضغطت على يده بأصابعها الصغيرة وظهرت سعادة على وجهها وهي تهتف بطفولية "حسنا.. هيا لنراها بسرعة"
ابتلع ريقه.. تحرك.. حتى..
رفع وجهه للباب.. نفس الباب لكن تلك المرة لم يكن وحده..
دخل وأيلا تتحرك بجواره لكن تباطأت خطاها.. وكأنها خائفة مما تراه حولها.. الأجهزة، الأصوات، الأسلاك و..
الفراش الذي انتصف الغرفة.. مختلف.. لم يكن كالذي بالبيت..
قبضت على يده مرة أخرى بقوة "بابي، ماذا يحدث هنا؟"
صوتها خرج مهتزًا، الخوف رفرف عليه وهو شعر به فركع أمامها.. عينيه أمام وجهها المرتبك "لا شيء أميرتي، فقط مامي متعبة كما أخبرتك وتلك الأجهزة تساعدها لتشفى وتنهض"
لفت وجهها لجسد مهرة الممدد على الفراش.. الضمادات أزيلت من حول رأسها لكن بالطبع نحف جسدها
سألته مباشرة "لماذا تنام هكذا؟"
انقبض قلبه.. الاسئلة تعجزه ومع ذلك عليه أن يجيب "كي ترتاح حبيبتي"
لحظة مرت ونظراتها ثابتة على الفراش ثم.. هزت رأسها ببطء.. كأنها اقتنعت أو.. حاولت
عادا وتحركا حتى وصلا للفراش.. توقفا
لم يكن الفراش مرتفعا.. كان يمكنها رؤية جسد والدتها الراقد أمامها.. وظلت تنظر لها طويلا.. صامتة وكأن عقلها يحاول أن يربط الصورة
“هذه مامي...؟"
همست.. صوتها كان صغير.. متردد ورحيم لم يرد فورا.. فقط هز رأسه واختار الصمت وما زال يراقب ابنته وقلبه ينبض بقوة..
رفعت يدها الصغيرة.. ثم.. ترددت قليلا قبل أن تكمل طريقها ليد والدتها وبصوت خافت قالت "مامي.. "
لا رد..
ظلت تحدق بوجه والدتها بانتظار الرد ثم رفعت وجهها لرحيم "بابي مامي لا تجيب"
لم يجيب.. لم يجد كلمات
والطفلة عادت لمهرة وتحركت لتقترب من وجهها "مامي.. استيقظي"
بتردد حاولت أن تبتسم.. كما كانت تفعل وهي توقظها بالبيت "مامي أنا هنا"
صمت.. صوت الأجهزة فقط.. بيب.. بيب
اهتزت شفتاها وارتجف جسدها "مامي أنا كنت مطيعة بغيابك.. حتى اسألي بابي"
وانخفض صوتها بضعف "أنا لم أغضبك فهيا استيقظي لنلعب سويا"
ولكن نفس الصمت المشوب بضوضاء تلك الأجهزة المخيفة لطفلة مثلها تفتقد أمها التي لم تعرف سواها "مامي أنا افتقدتك ألم تفتقديني؟"
وسقطت دمعة من عينها.. سريعة.. مرتبكة "بابي أحضر لي لعب كثيرة.. ولكني أريدك أنتِ مامي لتلعبي بها معي"
واختنق صوت الفتاة.. مدت يدها لتمسك يد مهرة بكلتا يداها "مامي استيقظي"
رحيم ظل واقفا خلفها.. ثابتا، لكن أنفاسه لم تكن كذلك.. كل كلمة كانت تضربه بقوة.. بل أقوى من كل ما مر به.. هي تمزق قلبه "مامي أنا سأفعل كل ما ترغبين به.. سأذهب للحضانة كما أردتِ فقط انهضي"
أغمض عينيه لحظة.. فرأى الألم بوجه ابنته ففتح عيونه هاربا لكن لم يستطع..
ارتفعت الصغيرة على أطراف أصابعها ووضعت رأسها على يد والدتها "مامي.. أنا أحبك"
وسقطت دموع الصغيرة في صمت وكأنها تخشى من جلب الضوضاء لوالدتها فتغضب منها أو تقطع راحتها..
وتجمد رحيم بمكانه.. قاوم ذلك الضعف الذي اندفع له.. لقلبه، لعيونه الدامعة.. لصوته الذي اختنق ولم يخرج لمواساة ابنته
حتى..
رمشت عيونه عندما رأى إصبع مهرة.. يتحرك، حركة خفيفة تكاد لا تُرى.. لكنه رآها.. وتجمد
انحنى على ابنته وهمس بجوار أذنها "ناديها مرة أخرى أيلا.. هيا حبيبتي"
رفعت الفتاة وجهها.. تنظر له بلا فهم فهز رأسه مشجعا إياها وقلبه يدق بسرعة وصوت أيلا خرج مهزوزا "مامي أنا هنا.. أنا أيلا"
لحظة وتحرك نفس الإصبع مرة أخرى وهو ينظر له بتركيز غير مصدق "مهرة.."
صوته خرج مختلف.. مرتجف.. لأول مرة "مهرة هل تسمعيني؟"
أيلا ارتدت له وملامحها تدل على عدم الفهم "بابي هل مامي استيقظت؟"
لم يجيبها.. عيناه ارتدت ليد مهرة.. حتى جاءت حركة أخرى.. ضعيفة لكن موجودة.. أحيت الأمل داخله ودفعته لينهض ويضرب جرس الاستدعاء وهو يهتف
"طبيب.. طبيب بسرعة"
ولم ينتظر بل تحرك للخارج والقلب يدق بجنون.. بين الخوف والأمل
وأيلا.. وقفت مكانها.. تنظر لوالدتها بابتسامة مبللة بالدموع همست "ستنهضين لأجلي مامي أليس كذلك؟"
وبلحظة كان الطبيب والتمريض يتزاحمون بالغرفة.. وممرضة تحاول إبعاد أيلا لكنها قبضت على يد أمها "لا سأبقى مع مامي.. اتركيني.. مامي أخبريها أن تتركني"
نظر الطبيب للممرضة محذرا فتراجعت..
رحيم ظل بالخارج.. اقترب من الجدار الزجاجي.. رفع يد عليه.. واقترب بوجهه متابعا حركة الأطباء انتظار استجابة أخرى من مهرة وفحصها لكن..
لا شيء..
أسند رأسه على الزجاج وهمس وكأنها تسمعه "هيا مهرة.. أنتِ قوية ولن تستسلمي.. هيا مهرة ليس لأجلي.. لأجل أيلا"
ولكن..
الطبيب قال "الاستجابة ضعيفة سيد رحيم لكنها بداية لأمل لم نناله منذ رحلت بالغيبوبة"
نعم.. هو أمل لم يناله سوى الآن.. عليه التمسك به
***
دقات الباب لم تجعله يرفع رأسه من على حامل الرسم.. ظل وقت غير قليل يرسم ربما تهدأ نفسه ويعود الأمل..
يومان مرا منذ حركت إصبعها ولم تستجب مرة ثانية رغم تفاؤل الأطباء
لم يسمع الباب وهو يُغلق ولا الخطوات التي تحركت للداخل حيث غرفة الرسم.. ليس مسموح لأحد بالدخول سوى مسلم
"ألا تسأل عن والدتك ولو مرة؟"
لم يفزع ولكنه رفع رأسه.. القلم ينساب على اللوحة والصورة لا تكتمل ولم يرد..
تحركت حتى وقفت بجواره "هل نجحت هي بأن تفرق بيننا؟ تلك المرأة لعنة"
جذب الورقة بهدوء زائف وكورها بين يداه وقذفها على إخوتها ممن تبعثرا على الأرض بجوار سلة القمامة
نهض جاذبا سيجارته لفمه وأشعلها وهو يخرج للمكتب ولم يهتم بالنظر للمرأة التي تبعته والغضب تمكن منها "رحيم، قف وتحدث معي"
وقف بالفعل لكن أمام نافذة مكتبه الكبيرة.. تطل على النيل.. كلف المكتب ثمن باهظ حتى يكون كما أراد والآن لا يرى شيء.. ضباب
مثل الذي يخيم على حياته..
صوتها جاء من قربه "لم تكن قاسيا هكذا من قبل"
لم ينظر لها والدخان يلفه وخرج صوته هادئ عن الطبيعي "لطالما قلتِ عني، ذلك القاسي الذي لا يهتم بأحد سوى نفسه"
ولف وجهه لها والتقى بنظراتها الهادئة وأكمل "فما الجديد الآن ليتبدل رأيك؟"
شحب وجهها، هي تعلم أن ابنها ليس برجل يمكن قيادته، لكنها والدته وعليه الوقوف عندها..
رفعت رأسها.. تواجه نظراته بقوة "ظننتك تغيرت عندما أصبح لك ابنة"
صمت.. دخان تطاير يتحدى الصمت.. نظرات قاتلة قطعها صوته "الآن تعترفين أن لي ابنة!؟"
شحبت.. جف حلقها.. تاهت منها الكلمات.. وزاغت النظرات بعيدا.. لا مواجهة
"أنت.. أنت من يصر.. عليها"
نفخ الدخان مؤكدا على الحاجز الموجود بينهم "ماذا تريدين ماما؟"
نبرته هادئة.. فقط منحها إيحاء ألا رغبة له بالجدال، ولم تهتم وهي تجيب "أنت رحيم، أنا أريدك أنت، راحتك وسعادتك"
نفخ الدخان.. اختفت ملامح وجهه.. ولكنه كان يتمعن بملامحها "أنا بالخامسة والثلاثين ماما"
وارتد لمكتبه لينهي السيجارة وهي تلتفت له "ستظل ابني لنهاية العمر، رحيم ألا يكفي هذا؟ لابد أن تعود لحياتك وعملك"
لم ينظر لها بل ظل ينظر لسطح مكتبه بلا هدف "أنا أفعل ماما، أنا هنا بالمكتب"
ارتدت له.. لمست كتفه فلف وجهه لينظر لها وهي قريبة "ألا تنظر للمرآة حبيبي، أنت تدمر نفسك بلا سبب يستحق.. أخرجها من حياتك فالموت نهايتها فقط.. "
تلونت عيونه بقتامة ضربته من الكلمة واعتدل مما أوقفها عن التكملة وخرج صوته مخيفا رغم هدوئه "مهرة لن تموت ماما، مهرة ستعود، ولا تقلقي.. أعلم كيف أدير حياتي جيدا"
قاومت الغضب والصياح بوجهه فقط قالت بهدوء مصطنع "لا، منذ دخلت هي حياتك ولم تعد تجيد التصرف.. تلك الفتاة لا تليق بنا.. ألم تخبرك ماذا فعلت بي عندما ذهبت لرؤيتها وأنت بالخارج؟ لقد أهانتني وطردتني ورفضت حتى الترحيب بي"
رفع رأسه.. ولمعت عيونه.. وبتلك اللحظة التي تصورها أمه بشكل سيء هي ترقد بالمشفى بلا روح وهو هنا.. يلوم نفسه لأنه ليس معها، وبخلاف كل هذا مهرة نفسها لم تخبره يوما عن تصرفات أمه السيئة معها
الآن زوجته تحتاج له، تنتظره هناك، حيث يرقد جسدها الساكن وهو لن ينتظر أكثر.. هو بالفعل لا يتركها سوى ساعات لا تُعد، ضغط العمل هو ما يُجبره
ظلت عنان بمواجهته.. هي لن تتراجع عما قالت، على خلاف الحقيقة
"هل هذه هي المرأة التي ترغب بأن تكمل حياتك معها؟”
ظل ينظر لها.. صمته سهم ينغرز بالأكاذيب الصادرة منها دون أن يرد
اقتربت منه ورغبتها بإشعال النيران تزداد "رحيم لابد أن تُوقف تلك المهزلة.. خذ الصغيرة واترك تلك المرأة، يمكنني رعايتها والاهتمام بها وأنت تتزوج أفضل منها ألف مرة"
اعتدل مواجها المرأة.. صدمته كلماتها "تعتنين بطفلة صفعتها بأول لقاء لكما؟ تعتنين بابنة مهرة التي ترغبين أن أتركها وهي بين الحياة والموت؟ هل تسمعين نفسك؟"
شحب وجهها، رمشت عيونها، أغلقت فمها على كلمات لا مكان لها وبحثت عن كلمات مناسبة فلم تجد..
تحرك.. اقترب منها حتى وقف أمامها ونظراته غامضة لا تحمل شيء مفهوم.. صوته كان خافت.. مخيف
"ترغبين مني أن أحرم أم من ابنتها، بل وأمنح ابنتي جدة لا ترغب بها، وزوجة أب لا أعلم ماذا ستفعل معها؟"
للحظة ظلا متواجهين ثم..
ابتعدت.. هاربة.. مرتجفة اليدين والشفاه..
تعلم أن ما تقوله لن يكون محل قبول منه ولكن ما يفعله غير مقبول عندها أيضا
ظلت بعيدة والصمت لفهم.. حتى قالت "نارا لن تكون زوجة أب.. ستكون بمثابة الأم"
ردد بصوت خافت ومخيف "نارا؟"
التفتت له.. لمعت عيونها ببريق غريب لم يفهمه "هي ترغب بذلك.. توافق على رعاية الفتاة لو تزوجتها.. هي تحبك رحيم وستفعل المستحيل لأجلك"
صمت.. هدوء مخيف.. نظرات فارغة.. غير مفهومة
اقتربت منه.. ظنت أنه يعيد التفكير.. نارا هي الاختيار الصواب
وقفت مرة أخرى أمامه ورفعت وجهها له وأمل لاح بنظراتها "رحيم، نارا هي المرأة التي تناسبك.. جمال ومال وعائلة.. وتقبل بابنتك وستفعل المستحيل لأجلك وأجل سعادتك"
مال بوجهه عليها وصوته انخفض "ومن أخبرك أن سعادتي معها؟ ألم تسألي نفسك لماذا أوقفت زواجي منها لثلاث سنوات ولم أقبل إلا بعد إلحاح من كلاكم؟"
تجهمت.. فقدت الكلمات
ابتعد..
عاد للسجائر.. أحرق منها ما لا يحصى ولا يعد..
ارتفعت عيونها لظهره وانخفض صوتها "ومهرة هي من ترغب بها؟ امرأة تفتقد لكل شيء"
أجاب.. دون النظر لها "وأنا لست بحاجة لأي شيء سوى حياة هادئة ومستقرة"
ظلت مكانها.. أقدامها ثبتت بالأرض وأنفاسها ثقلت.. لن تعارض أمراض الشيخوخة وحرقة قلبها على ابنها
لكنها تعارض ذلك النسب وصوتها كان يدل على اعتراضها وهي تقول "أنت لا تهتم بي رحيم، لا تفكر بسعادتي"
التفت لها.. لن تساومه الآن على أمومتها فهو لن يفكر وسيتخلى عنها...
ارتفعت يده "ماما لا تفعلي.. بكل مرة تفعلين ذلك وأنتِ تعرفين الرد ونعود لنفس البداية"
رفعت رأسها بغضب حاولت التعامل معه وصوتها كان ثابت ولم يهتز "وأنت لن تختارني بأي يوم؟"
رحل للسجائر وزفر دخانها وهو يقول "ماما أنتِ لستِ محل اختيار، أنتِ واقع، مهما اخترت مهرة فأنتِ ستظلين أمي، لكن لو اخترتك فسأخسر مهرة للأبد"
تجهمت وفقدت الكلمات مرة أخرى حتى استجمعت نفسها وتحركت تجاهه وقالت "من الجيد أنك ستحتفظ بي ولن تضعني بالمؤخرة.. فقط تذكر أني نصحتك بأن سعادتك لن تكون مع تلك النكرة"
وتحركت خارجة وهو رفع يده ومررها على وجنته حيث نما شعر ذقنه بالأيام الماضية وتنفس بقوة وكأنه خارج من سباق طويل أرهقه
***
الليل كان لها.. يظل جالسا على المقعد بجوار الفراش، مسلم أعاد أيلا البيت منذ قليل والآن هو هنا..
أغلق هاتفه ودفع رأسه للخلف.. وأغمض عيونه ربما يغفل..
الليل دائما ما يكون هادئا.. هدوء ثقيل يملأ الغرفة.. فقط شيء واحد يقطعه، صوت الأجهزة
بيب.. بيب.. بيب
أصابعها تحركت.. حركة خفيفة، مرتجفة.. كأنها تقاوم ثقلًا غير مرئي.. تحارب وتجاهد هذا الظلام ليرحل عنها
جفونها ارتجفت، مرة.. ثم مرة أخرى وببطء فتحت عينيها ولكن.. الضوء صدمها فأغمضت عيونها بالحال..
أنفاسها لم تعد منتظمة وهي قاومت مرة أخرى وعادت تفتحهم بحذر.. العالم حولها كان ضبابيًا.. هدوء يخترقه أصوات بعيدة.. جدا.. وغير مفهومة
حركت رأسها قليلا.. لكن.. ألم حاد ضربها.. ليس بصداع كالذي كان..
هل انتهت الجراحة؟
ما زالت على قيد الحياة ولم تمت..
وأول شيء مر على ذهنها.. اسم واحد خرج من بين شفتيها بصوت يكاد لا يُسمع "أيلا"
وانطلق صوت مقعد يتحرك واسمها يعلو بالغرفة "مهرة"
وعرفته.. صوته، قبل أن تراه عرفته
نبض قلبها اختل للحظة.. وصورته تبعت صوت بمخيلتها وكل ما بينهم تسارع بذهنها بنفس اللحظة..
حبها.. فشلهم.. عودته.. شكوكه ونظرات الاتهام بعينيه لها.. فظهر ألم مختلف.. ألم بقلبها
شعرت به بجوارها.. مال رأسها بصعوبة تجاهه.. عيونها رحلت ببطء حتى استقرت عليه ورأته.. واقفًا.. مرهق.. عيونه تلونت بالأحمر
ثوان مرت.. نظراتهم التقت بلا انفصال حتى.. أبعدت عيونها، ليس لأنها لا تريد رؤيته أو وجوده ولكن.. لأنها لو ظلت تنظر له ستنكسر من جديد
وهي لم تعد ترغب بالهزيمة مرة أخرى.. ولا الانكسار
وتجمد مكانه.. رؤية تلك النظرة بعيونها أوجعته.. ضربته بلا رحمة
اقترب أكثر، انحنى.. وترك صوته يخرج ولكنه خرج منخفضا "مهرة هل تسمعيني؟"
نعم تسمعه لكن قلبها الواهن يرفض أن يسمعه لذا لم تجرؤ حتى على النظر له وكل ما نطقت به هو نفس الاسم
الشخص الوحيد الذي يستحق قلبها وروحها بل وكل حياتها بلا لحظة ندم "أيلا"
تلك المرة خرج واضحًا وعميقا.. ومؤلما له
ابتلع ريقه بصعوبة.. صدمه رد فعلها.. ولكن.. ماذا ظن بها بعد كل ما فعله بها؟
"بخير.. أيلا بخير"
سكنت ملامحها قليلًا وهدأت أنفاسها.. كأنها نالت ما كانت تحتاجه.. ثم.. أغمضت عيونها
اقترب.. انحنى.. ناداها مرة أخرى وثالثة ولكنها.. لم تجيب
وصلت الممرضة مسرعة وهي تسمعه يناديها "سيد رحيم هي لن تجيب"
لم يبعد نظراته عنها وهو يقول "كانت تفعل منذ لحظة، كانت تنطق باسم ابنتنا"
وقفت على الجانب الآخر "نعم الطبيب على وصول ولكن من الطبيعي أن تعود للنوم لأن جسدها مرهق وبحاجة للراحة"
لكنه لم يكن يسمع معظم كلماتها.. كان ينظر لمهرة.. هي عادت.. لأول مرة تعود بعد الغياب المميت من تلك الغيبوبة
لكنها..
لم تعد له.. لم تنسى إساءته وربما لن تنسى..
رفع يده ليلمس وجهها.. يلتمس السكينة بقربها لكن.. علقت يده بالهواء وهو يذكر أنها لم تنطق باسمه بل ورفضت مواجهته
أنزل يده وأدرك أنه ما زال يخسرها.. منذ عرفها وهو يخسرها ولم يمد إصبع واحد في سبيله لها
وها هي.. تمنحه نتيجة أفعاله..
وكأنها دون كلمة واحدة.. أعادت رسم حدودها.. دائرة صغيرة..
لا تضم سواها.. وابنتها فقط
ولا مكان له فيها