رواية باب موارب الفصل الرابع عشر14 بقلم رحيق
مر أسبوع كامل
أسبوع كانت كل يوم فيه بيان تبص للموبايل أكتر من مرة
كل مرة تسمع صوت إشعار قلبها يسبق إيدها
لكن في كل مرة كانت تلاقي الرسالة من حد غيره
في أول يوم قالت يمكن المهمة لسه مخلصتش
وفي التاني قالت أكيد مشغول
وفي التالت بدأت تقنع نفسها إن طبيعة شغله كده
وفي الرابع بطلت تبص للموبايل كل شوية
وفي الخامس بقت ترد على أهلها وهي سرحانة
أما اليوم السابع...
فبقى عندها يقين إنها لو فضلت مستنية أكتر من كده، هتفضل مستنية العمر كله
بصت للشاشة اسم "مصعب" وقفت صباعها فوق زر الاتصال
أخدت نفس عميق وضغطت اتصال
في الناحية التانية
كان مصعب خارج لتوه من اجتماع طويل
المكتب مليان ملفات
والأوراق متكومة قدامه
حط الكوباية الفاضية على المكتب وهو بيفتح اللاب تاني
وفجأة...
رن الموبايل بص للشاشة
"بيان"
وقف ثانيتين
ورد
- السلام عليكم
جاله صوتها هادي
- وعليكم السلام ورحمة الله
عامل إيه
ابتسم ابتسامة بسيطة
- الحمد لله... إنتِ عاملة إيه
سكتت لحظة
ثم قالت
- الحمد لله
ساد بينهم صمت قصير
كسره مصعب وهو بيقول
- معلش الأسبوع اللي فات كان زحمة جدًا
ردت بهدوء
- أنا مكنتش بكلمك عشان أعاتبك
استغرب
- أمال
قالت بنفس الهدوء
- إنت فاكر إني طلبت منك تيجي البيت عشان نتكلم
سكت حاول يفتكر اللي مر خلال الاسبوع اجتماع ، مأمورية ، تقرير ، مكالمة العميد
ثم فجأة
اتسعت عينه افتكر
افتكر إنها قالت إنها محتاجة تتكلم معاها ونسي
نسي تمامًا
غمض عينه للحظة وقال بصوت منخفض
- أنا...
مكملش
لأنه لأول مرة يكتشف إنه نسي حاجة كانت مهمة لحد مستنيه
قال بسرعة
- حقك عليا يا بيان والله نسيت
وصلها الاعتذار
لكن الجملة اللي علقت في قلبها كانت
"والله نسيت" مش لأنه كداب
لكن لأنه قالها بمنتهى الصدق
وده كان أصعب
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت
- ينفع تيجي البيت النهارده بعد المغرب
استغرب
- البيت
- أيوه
بابا هيكون موجود
وفي موضوع لازم نتكلم فيه
عدل قعدته من غير ما يحس
وعرف من نبرتها إن المكالمة دي مختلفة
مفيهاش عتاب عابر
ولا كلام يتأجل
قال بهدوء
- حاضر
هكون عندكم بعد المغرب بإذن الله
ردت بصوت هادئ
- مستنياك
وقف مستني يسمع منها أي كلمة تانية
لكنها كانت أنهت المكالمة
فضل باصص للموبايل ثواني
ثم حطه على المكتب ببطء
ورجع صوت العميد يتردد في دماغه
"لو فضلت كل مرة تقول بعد ما أخلص... هتيجي في يوم تكتشف إن فيه ناس كانت مستنياك وملقتكش"
ولأول مرة
حس إن الجملة دي مبقتش مجرد نصيحة
بدأت تتحول لواقع
بعد أذان المغرب بربع ساعة تقريبًا
وقف مصعب قدام بيت بيان
عدل هدومه، وأخد نفس هادي، قبل ما يضغط على الجرس
بعد لحظات فتح له والد بيان الباب
ابتسم مصعب باحترام وقال :
- السلام عليكم ورحمة الله
رد الرجل بابتسامة هادئة :
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
اتفضل يا ابني
دخل مصعب وسلم عليه، وقعد معاه دقائق يتبادلوا كلامًا عاديًا عن الشغل وأحوال البيت
ثم نادى والدها :
- يا بيان مصعب جه
خرجت بيان بهدوء، سلمت عليه من بعيد، ثم وقفت مكانها
بصلها والدها وقال :
- اقعدوا في البلكونة واتكلموا براحتكم وأنا موجود هنا
هزت رأسها بهدوء، واتجهت للبلكونة، ولحقها مصعب
ساد بينهم صمت لثوانٍ
قطعها مصعب وهو بيقول :
- أنا عارف إني غلطان... وحقك عليا
رفعت عينيها تبصله، وقالت بهدوء :
- عارف غلطك في إيه؟
سكت
قالت :
- غلطك مش إنك اتأخرت
غلطك إنك نسيت
أنا كنت مستنياك أسبوع كامل عارفة أننا طريقة خطوبتنا تقليدية ويمكن معرفناش بعض كويس خلال الفترة دي بس أنا كنت بحاول وانت كل مرة مشغول
هل دا مبرر يعني مشغول محاولتش تفكر خلال الأسبوع دا محتاجه اكلمك في اي
خفض عينيه للأرض
وقال بصوت منخفض :
- معنديش مبرر
هزت رأسها وقالت :
- وأنا مش مستنية مبررات
أنا مستنية أطمن
سكتت لحظة، ثم كملت :
- يا مصعب... إحنا لسه قبل كتب الكتاب
المفروض دي أكتر فترة الواحد يحاول يطمن فيها على قراره
لكن أنا خلال أسبوع كامل حسيت إني مش موجودة أصلًا في حساباتك
رفع رأسه بسرعة وقال :
- لا إنتِ موجودة
ابتسمت ابتسامة حزينة
- لو كنت موجودة فعلًا مكنتش هتنساني
ساد الصمت من جديد
ثم قالت بهدوء :
- أنا مش معترضة على شغلك
ولا عمري هطلب منك تقصر فيه
بس خايفة أتجوز واحد حياته كلها للشغل
كل حاجة عنده تتأجل لحد ما يخلص
وأنا... أبقى واحدة من الحاجات اللي بتتأجل
فضل ساكت
لأن كل كلمة قالتها كانت بتصيب حاجة جواه
كملت وهي بتبص قدامها :
- أنا محتاجة زوج يقربني من ربنا
يحافظ على صلاته في وقتها
يكون حاضر مع أهله
ويعرف يوازن بين شغله وبيته وولاده في المستقبل يقدر
يساعدني أننا نخليهم اولاد صالحين
مش واحد كل ما أحتاجه يقول بعدين
وبعدين دي متجيش أبدًا
رفع عينه ليها، لكنه ملقاش أي رد يقوله
لأول مرة في حياته
كان حاسس إن السكوت أصدق من أي اعتذار
فضل السكوت مسيطر بينهم
كان مصعب كل شوية يفتح بقه عشان يتكلم
لكن يقفله تاني
لأنه لأول مرة يحس إن أي كلمة هيقولها هتبقى مجرد تبرير
ابتسمت بيان ابتسامة صغيرة فيها وجع أكتر من أي دموع
وقالت بهدوء :
أنا كنت مستنية منك تقول حاجة تطمني
تقول إن ده مش هيتكرر
أو حتى تقول إنك هتحاول
لكن سكوتك... جاوبني أكتر من أي كلام
رفع عينه ليها بسرعة وقال :
- بيان
قاطعته بهدوء :
- متقولش حاجة لو سمحت
أنا عارفة إنك إنسان محترم
وعارفة إنك بتحب شغلك وبتخلص فيه
بس واضح إن حياتك دلوقتي مفيهاش مكان لزوجة
وأنا مش عايزة بعد الجواز أبقى بطلب حق من حقوقي
ولا أبقى مستنية الوقت اللي يفضى فيه مصعب
أنا محتاجة راجل يكون موجود
مش كل مرة يقول بعدين
مدت إيدها بهدوء
وخلعت الدبلة من صباعها
بصلها مصعب وكأن الوقت وقف
وحطتها على الترابيزة الصغيرة اللي بينهم
وقالت بصوت ثابت رغم رعشته :
يمكن ربنا كاتب لكل واحد فينا طريق غير التاني
وأنا مش زعلانة منك
ولا شايلة منك حاجة
بس شايفة إننا لو كملنا بالشكل ده... هنظلم بعض
سكتت لحظة
ثم قالت :
ربنا يوفقك ويصلح حالك
ويرزقك الزوجة اللي تستحمل طبيعة حياتك
وقامت بهدوء
وقبل ما تدخل البيت قالت :
السلام عليكم
وقف مكانه
حتى رد السلام خرج منه بصعوبة
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
فضل باصص للدبلة ثواني طويلة
ثم مد إيده أخدها
وقفل عليها كفه
وقام من مكانه
رجع بيته ، دخل من غير ما يحس
سمع والدته بتنادي عليه من المطبخ :
- مصعب... تعالى اتعشى
رد بصوت واطي :
- ماليش نفس يا أمي
دخل أوضته ، وقفل الباب
وقعد على طرف السرير
وفرد كفه ، وبص للدبلة
افتكر كلام بيان
"أنا محتاجة راجل يكون موجود"
وبدأ شريط حياته يعدي قدامه
كام مرة والدته كانت بتستناه عشان يتغدى معاهم وهو يتأخر
كام مرة والده اتصل يطمن عليه وهو قال بعدين
كام مرة أخته يقين طلبت يخرج معاهم واعتذر عشان الشغل
كام مرة أذن الصلاة أذن وهو قال
لما أخلص
افتكر إنه مرات كتير كان بيصلي
لكن بعد خروج الوقت
لأن المهمة كانت أهم
والملف كان مستعجل
والاجتماع مينفعش يتأجل
وساعتها افتكر سؤال واحد بس
" هو أنا فعلا إنسان ناجح زي ما كنت بقنع نفسي ؟"
حط وشه بين كفيه
وهمس لأول مرة باعتراف موجع :
الإجابة لا أنا مقصر ومش ناجح
مقصر مع أهلي
ومقصر مع ديني
ومقصر مع نفسي
وفي اللحظة دي.
صدح أذان العشاء من المسجد القريب
الله أكبر... الله أكبر
رفع رأسه بدأ يتعمق مع الاذان
فضل يسمع الأذان للنهاية
قام فتح
خرج من أوضته
استغربت والدته وهي بتشوفه خارج
- رايح فين يا ابني
ابتسم ابتسامة هادية لأول مرة من أيام
وقال :
- رايح أصلي العشاء في المسجد
بصتله بدهشة
ثم ابتسمت وقالت :
ربنا يثبتك يا حبيبي
هز رأسه
ونزل السلم بهدوء
ولما دخل المسجد
حس إنه داخل مكان كان محتاجه من زمان
مكان يراجع فيه نفسه
قبل ما يراجع أي حد تاني
------------------------------------------------------
عند نسيبة
وصلت نُسيبة البيت بعد يوم طويل في الكلية
فتحت الباب ودخلت وهي بتخلع حذاءها، ثم بصت ناحية الصالة
كان عبدالرحمن قاعد على الكنبة، رأسه بين إيديه، وعلامات الإرهاق باينة على وشه
أول ما شافته ارتاحت
وقالت وهي بتحاول تخفي زعلها بابتسامة خفيفة :
- الحمد لله إنك رجعت
رفع عينه وبصلها، ورد بهدوء :
- الحمد لله
وقفت قدامه وقالت بنبرة فيها عتاب بسيط :
- نسيتني النهارده
سكت لحظة، وكأنه لسه بيفتكر
وبعدين حط إيده على جبينه وقال :
- والله يا نُسيبة... آسف
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت :
- فضلت مستنياك أكتر من ساعة، واتصلت عليك كذا مرة، ولما مردتش اضطريت أرجع لوحدي
اتنهد عبدالرحمن بضيق، وسند ضهره على الكنبة
كان بيحاول يهدى
لكن دماغه لسه واقفة عند اللي حصل في الشغل
لاحظت سكوته، فقالت بهدوء :
- أنا بس زعلت إنك مقلتليش إنك مش هتيجي
فضل ساكت
فافتكرت إنه مش سامعها، وكملت :
- كنت هكلم رفيدة من الأول توصلني بدل ما أفضل واقفة مستنياك
خرج منه النفس تقيل
وقال وهو مغمض عينه :
- يا نُسيبة... معلش
لكنها كملت من غير ما تاخد بالها من حالته :
- أصل أنا أول مرة أرجع لوحدي بالطريقة دي، واتوترت شوية
فتح عينه فجأة، وقال بنبرة عالية خرجت منه قبل ما يفكر :
- يعني أعملك إيه دلوقتي
اتجمدت مكانها
فكمل وهو منفعل :
- اعتذرت وقولتلك آسف
أعمل إيه أكتر من كده
كل شوية نفس الكلام
فيه حاجات بتحصل أكبر من إني أنسى أعدي عليكي
نزلت عينيها للأرض
وقالت بصوت واطي :
- أنا مكنتش...
قاطعها بعصبية :
- لو سمحتي يا نُسيبة... مش ناقص كلام دلوقتي
ساد صمت ثقيل
بصتله ثواني
ثم هزت رأسها بهدوء
وقالت بصوت مكسور :
- حاضر
لفت ومشيت ناحية أوضتها من غير ما تبصله تاني
أول ما اختفت من قدامه
وقع عبدالرحمن بضهره على الكنبة
وغمض عينه بقوة
وحط إيده على وشه اتنهد بضيق مش عارف يعمل اي يدخل يصالح نسيبة ولا يرن على هناد يشوف حل لمشكلة الشغل
قرر يعمل الحل التاني وبعدين يشوف نسيبة اتكلم مع نفسه
- هي أكيد هتتفهم لما احكيلها وتتصالح بسهولة
بعد العشاء، كان البيت هادي بشكل غريب
الأب قاعد قدام التلفزيون بيتابع الأخبار
حذيفة نايم من بدري
أما عبدالرحمن فكان قاعد في أوضته، لسه ضميره بيأنبه على عصبيته الصبح مع نُسيبة، وكل شوية يمسك الموبايل ويقرر يروح يصالحها، ثم يرجع يقول لنفسه "هخلص المشكلة وتكون هديت"
في المطبخ
كانت نُسيبة بتغسل آخر طبق، وأمها واقفة جنبها بتنشف الأطباق
الصمت بينهم كان تقيل
لحد ما الأم قالت من غير ما تبصلها
النهارده اتأخرتي في تحضير الأكل ليه
ردت نُسيبة بهدوء
كنت بذاكر شوية الأول
اتكلمت الأم بنفس البرود
طول عمرك عندك رد
سكتت نُسيبة
خلصت الطبق اللي في إيدها، ولسه هتمشي
لكن صوت أمها وقفها
استني وقفت مكانها لفت تبصلها
قالت الأم وهي بتحط الطبق في الدولاب
هو عبدالرحمن زعقلك الصبح ولا اي صوته كان عالي
هزت نُسيبة رأسها بهدوء
حصل سوء تفاهم وخلاص
ضحكت الأم ضحكة قصيرة وقالت
إيه ، زعلتي
سكتت نُسيبة
فكملت الأم
بصراحة هو بدأ يعرف اللي أنا عرفته من زمان
رفعت نُسيبة عينيها باستغراب
قالت الأم وهي أخيرًا بصتلها :
إنك محتاجة اللي يفضل يراقبك ويفكرك ويشيل عنك
لأنك لو اتسبتي لوحدك هتضيعي ومش هتعرفي تعملي حاجه
ابتسمت نُسيبة ابتسامة باهتة
وقالت بهدوء
ربنا يصلح حالي
لكن الأم مكانتش خلصت
قالت وهي بتتنهد
عارفة أنا ساعات ببص للبنات اللي قدك وأقول الحمد لله إن ربنا مخلاش عندي غيرك
اتجمدت نُسيبة مكانها
ولأول مرة حست إن رجليها مبقتش شايلينها
كملت الأم من غير ما تنتبه لوشها
أصل لو كان عندي بنت تانية بشخصيتك دي كانت هتتعبني أكتر أخواتك الصبيان مش متعبين زيك
أنتِ قلبك طيب
بس الطيبة لو زادت عن حدها تبقى غباء
والضعيف مبيعرفش يعيش في الدنيا
وأنا من زمان عرفت إنك ضعيفة
الكلمة الأخيرة
كانت كأن حد فتح باب قديم جواها
وفجأة...
رجعت الذكرى
كانت عندها عشر سنين
واقفة في المطبخ ماسكة كوب إزاز
إيدها الصغيرة زلت
الكوباية وقعت واتكسرت
جريت أمها عليها
وقبل حتى ما تسألها اتجرحت ولا لأ
شدتها من دراعها بعنف
وقالت بغضب :
- إنتِ ليه كده
هو مفيش حاجة في إيدك بتسلم
فضلت نُسيبة تعيط وهي بتقول
غصب عني يا ماما
لكن أمها وقتها قالت جملة عمرها ما نسيتها
إنتِ هتفضلي طول عمرك ضعيفة
ولا هتعرفي تعملي حاجة صح
ولا هينفع يعتمد عليكي في أي حاجة
ورجعت للحاضر
بنفس الجملة
بنفس الإحساس
كأن السنين كلها متحركتش
حست إن نفسها بقى تقيل
وبدأت تسمع صوت أمها بعيد
كأنها بتتكلم من آخر الدنيا
وفجأة وقعت الصينية اللي كانت على الرخامة
اتكسرت الأطباق على الأرض
لفت الأم بسرعة وقالت بعصبية
شوفتي
أنا لسه بقول إيه
حتى وإنتِ سرحانة لازم تعملي مصيبة
بصت نُسيبة للإزاز المكسور
لكنها مكانتش شايفاه
كانت شايفة نفسها وهي طفلة
بتستخبى في أوضتها
أبوها وأمها بيتخانقوا وبعد كل خناقة امها تطلع زهقها فيها هي وتضربها تعرفها أنهم السبب في أنها مستحملة العيشة دي
يحصل مشكلة مع بنت عمها مرات عمها تقولها ربي بنتك ف تيجي تعاقبها بدون ما تسمع منها تبرير
سدن ودانها
عشان متسمعش كلمة
أنتي مش هتنفعي في حاجه
بدأ نفسها يعلى
وإيديها ترتعش كل مرة كان الضرب هو حل المشكلة عند والدتها كان هدفها تخليها قوية بس خلتها عكس دا
حاولت تتكلم
لكن ولا كلمة خرجت
سندت على الرخامة
ثم نزلت تقعد على الأرض
وضمت رجليها لصدرها
وبدأت تبكي
مش البكا العادي
بكا مكتوم
متقطع
كأنها بتطلع وجع سنين
متقطع كأنها بتطلع وجع سنين
الأم اتضايقت وقالت بانفعال :
- إيه الدلع ده
أنا قلت كلمة بس
في اللحظة دي
دخل الأب على صوت التكسير
وخلفه عبدالرحمن اللي خرج من أوضته أول ما سمع الصوت
أول ما شافها
اتجمد مكانه
كانت نُسيبة قاعدة على الأرض
جسمها كله بيترعش
ونفسها متلخبط
وعينيها مليانة رعب
جري عليها عبدالرحمن بسرعة
ونزل لمستواها
نُسيبة
بصيلي
يا نُسيبة طب طب بالله ما تزعلي حقك عليا أنا اتعصبت عليكي
لكنها مكانتش سامعاه
كانت بتردد بصوت متكسر
أنا آسفة
والله هحاول
والله مش قصدي
أنا مش عايزة أبقى ضعيفة
أنا بحاول
والله بحاول
معلش يا ماما حقك عليا متسبنيش
رفع عبدالرحمن عينه ناحية أمه
ولأول مرة قالت عينه كلام أكتر من لسانه
كان فيها وجع
ولوم
وعدم تصديق
لكن قبل ما ينطق
سمعوا جرس الباب
اتحرك الأب بعشوائية وراح يفتح الباب
مسح عبدالرحمن دموع أخته بسرعة وهو بيضمها لصدره
اتجه الأب ناحية الباب وفتحه
وقف سراج قدامه وقال :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رد الأب تلقائيًا :
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
لكن صوته كان مهزوز
قطب سراج حاجبيه أول ما سمع صوت البكاء اللي خارج من جوه الشقة
وقال بقلق :
- خير يا أخويا... في إيه
بلع الأب ريقه وقال بصعوبة :
- ادخل يا سراج...
دخل سراج بسرعة، وقفل الباب وراه
ومشي كام خطوة لحد ما وصل لباب المطبخ
وهناك...
وقف مكانه
عبدالرحمن كان قاعد على الأرض قدام نُسيبة، بيحاول يهديها
وهي كانت منهارة بصورة عمره ما شافها بيها
ضامة نفسها، وبتبكي بشهقات متلاحقة، وكل ما عبدالرحمن يقرب منها كانت ترجع لورا بخوف من غير ما تحس
اتغيرت ملامح سراج في لحظة
اختفى العم...
وظهر الطبيب النفسي
قرب منهم بهدوء، وبص لعبدالرحمن وقال :
- عبدالرحمن... سيبها دقيقة
رفع عبدالرحمن عينه وقال بعجز :
- يا عمي... مش عارف أهديها
ربت سراج على كتفه وقال بهدوء :
- عارف... سيبها وأنا هتعامل ...
